كان والده قاسيا عليه وعلى بقية إخوانه أثناء تربيتهم، وقام بتخصيص عصا لكلٍّ منهم تتناسب وعمره، بهدف
تهذيبهم حتّى لو كان ما اقترفوه من أخطاء يعدّ ضئيلا في نظر الآخرين، هذه القسوة لم تحدّ من حيويته، ونما
مغامرا مندفعا راغبا بالتحديّ.
عمل يافعا في تصليح السيّارات، وتميّز بقوّة الحجّة والإقناع ممّا مكّنه من اقتناء درّاجة ناريّة دون اعتراض كبير
من والده. في نهاية الأسبوع من إحدى سنوات المراهقة شديدة البرد، ذهب برفقة أصحابه على الدرّاجات إلى
البحر الميّت في الغور الدّافئ. انتقوا شاطئا بعيدا لاحتساء الخمرة سرّا دون عين رقيب. ثمّ مخمورا سابق صديقا
له كلٌّ على درّاجته، فحدث اصطدام مروّع بينهما أدى إلى سقوطه مغشيا عليه، استيقظ من غيبوبته بعد ساعات
طويلة، يده مكسورة والدّماء تغطي وجهه النازف وكامل جسمه.
تهذيبهم حتّى لو كان ما اقترفوه من أخطاء يعدّ ضئيلا في نظر الآخرين، هذه القسوة لم تحدّ من حيويته، ونما
مغامرا مندفعا راغبا بالتحديّ.
عمل يافعا في تصليح السيّارات، وتميّز بقوّة الحجّة والإقناع ممّا مكّنه من اقتناء درّاجة ناريّة دون اعتراض كبير
من والده. في نهاية الأسبوع من إحدى سنوات المراهقة شديدة البرد، ذهب برفقة أصحابه على الدرّاجات إلى
البحر الميّت في الغور الدّافئ. انتقوا شاطئا بعيدا لاحتساء الخمرة سرّا دون عين رقيب. ثمّ مخمورا سابق صديقا
له كلٌّ على درّاجته، فحدث اصطدام مروّع بينهما أدى إلى سقوطه مغشيا عليه، استيقظ من غيبوبته بعد ساعات
طويلة، يده مكسورة والدّماء تغطي وجهه النازف وكامل جسمه.
انتزع هاتفه بصعوبة من جيبه يغالب ألمه، واتّصل بأصدقائه القلقين عليهما، وصلوا بسرعة وجاءت
الاسعاف، حملوه يتابع بغصّة يعتصره الألم نقل صديقه الآخر، الذي كان ممدّدا على اسفلت الشارع
إلى سيّارة أخرى بعد تغطيته كاملا.
بقي ثلاثة أيام في العناية المركّزة وشعر بتحسّن طفيف، خلالها وصل خبر وفاة خاله المقرّب إليه،
استطاع إقناع الممرّض المسؤول السماح له بالذّهاب لحضور الجنازة على أن يعود بعدها لاستكمال
علاجه. رحّب أقاربه به متناسين فقيدهم، وانصبّ الاهتمام عليه بمثابة الميّت العائد يهنّئونه بسلامته.
بعدئذٍ عاد منهكا إلى المشفى وغاب عن الوعي.
استيقظ في ظلام دامس، فكّر: ليس من المعقول أن يكون في جهنّم فأسنانه تصطكّ بردا! وثمّة نور
يتوهّج قليلا ثمّ ينطفئ مصحوبا بصوت تكتكة غريبة. تكيّفت عيناه وألف الظّلام فوجد نفسه ممدّدا
في دُرْجٍ ضيّق، شدّ على جانبيه فانزلق به بسهولة إلى الخارج، صدم لدى اكتشافه أنه موجود
داخل ثلّاجة موتى في المشفى! أمّا النور والصوت فكانا منبعثين من ضوء (نيون) خرب يرمش
في الغرفة السّوداء الخالية إلّا منه.
يتوهّج قليلا ثمّ ينطفئ مصحوبا بصوت تكتكة غريبة. تكيّفت عيناه وألف الظّلام فوجد نفسه ممدّدا
في دُرْجٍ ضيّق، شدّ على جانبيه فانزلق به بسهولة إلى الخارج، صدم لدى اكتشافه أنه موجود
داخل ثلّاجة موتى في المشفى! أمّا النور والصوت فكانا منبعثين من ضوء (نيون) خرب يرمش
في الغرفة السّوداء الخالية إلّا منه.
قفز من الثلّاجة، يحاول الحفاظ على رباطة جأشه وهدوء أعصابه، شعوره بالتجّمّد لم يمنعه من
التّفكير السّليم، خاف إن أشعرهم بأنّه حيّ يرزق، أن يعمدوا إلى التخلّص منه لتغطية خطئهم
المريع.
كان عاريا تماما، نادى أحد الحرّاس القريبين من الغرفة في الخارج، وأخبره أنّه نزل للاستحمام
لكنّه لم يجد ثيابه، وأقنعه بما وهب من ملكة إقناع بأن يحضر له أحد أرواب المرضى.
وجد أهله على باب المشرحة قادمين لاستلام جثمانه، فوجئوا برؤيته حيّا يرزق وأعادوه فرحين
إلى غرفته. هذا أدّى إلى فصل الطبيب الذي وقّع شهادة وفاته فيما بعد.
بعد أن استعاد عافيته غادر إلى منزله، لكن يده المكسورة ما زالت معطّلة. من شدّة الألم تناول
منشارا يريد قطعها، رأته أخته ومنعته قائلة:
- يا غبي وكيف تستطيع أن تطهّر نفسك وتتوضّأ للصّلاة بلا يدك؟!
احتاج زمنا طويلا حتى يستطيع استعمالها. لهذا قرر العمل بالتنجيم وكتابة الحجب للناس،
مستعينا بجارة لهم ماهرة وشخصيّتها قويّة. ازدهر عمله ونجح، فجاء الناس أرتالا يطلبون
العلاج، وصاروا ينادونه بالشّيخ خصوصا بعدما أطال لحيته. الغريب في الأمر أنّ توقّعاته
وتشخيصاته كانت صائبة. حتّى أن إحدى السيّدات أتت إلى البيت جالبة له هديّة، وسألت عنه
باسمه المستعار الّذي يستعمله مع مرضاه، فقام والده بطردها منكرا وجود هذا الشيخ عندهم،
خرج متسلّلا ليستعيد هديّته منها.
ذات ليلة رأى نفسه في المنام، في أعلى سماوات تحمله عمالقة على الأكتاف مع مساعدته،
فجأة أخذ يهوي نحو الكرة الأرضيّة بسرعة فائقة واستيقظ على جسده يرتطم بقوّة فوق
سريره.
حلمه كان واقعيّا لدرجة أخافته، ممّا جعله يحلق لحيته ويعتزل التنجيم تائبا إلى الله، وعاد
لممارسة حياة أقرب إلى الطبيعيّة. ما زال يعشق قصّ سيرته هذه لكلّ من يراه من أصدقائه
القدامى مفتخرا:
أنّه ذاك الرجل الّذي قام من الموت مرّتين!
تعليق