على هامش موضوع "هذا مذهبي في التعلم"، قرأتُ بالأمس تعليقاً جميلاً من الفنانة سليمى، هذا مقطع منه:
"أذكر أن شاعرا كان في حالة يأسٍ واحباط فقرّر أن يجعل حدّا لحياته، نهض باكرا واتّجه إلى محطة القطار
وفي طريقه لمح زهرة صغيرة نابتة من شقوق الجدار، يانعة ترفرف تنشد الحياة وهي مزهوّة بلونها وساقها اليانعة
فتعجّب من ضعفه ويأسه وقال في نفسه: كيف لي أن أصير على هذا النحو الكبير من اليأس وأنا طويل القامة عريض الجسم مثقّف الفكر و و و.... بينما هذه الزهرة الصغيرة تنشد الحياة من شقوق جدار؟؟
وهكذا عاد عن الجريمة التي كان ينوي أن يرتكبها في حقّ نفسه لا يرضى بها الله ولا العباد.
وقد دوّن هذا الكاتب حكايته في احدى كُتبه
.
أحببتُ أن أقول : أنّنا نعلم من الطبيعة كذلك..." انتهى
استلهمت من القصة جوهرها المتمثل في تأثر الإنسان بكل ما يحيط به في الطبيعة من كائنات، سواء قل شأنها أو علا قدرها. إلا أن درجة تأثرنا بالبيئة الخارجية رهينة بعوامل ذاتية صرفة تساعد (أو تعرقل) تفاعلنا مع العناصر المكونة لها: علو الهمة، دقة الملاحظة، استنباط العبر، قابلية التغيير وغيرها. فكما أن على قدر أهل العزم تأتي العزائم، كذلك على قدر تفاعلنا و تواصلنا مع العناصر المحيطة بنا تأتي النتيجة (سلباً إن كان التفاعل سلبياً، إيجاباً إن كان التواصل إيجابياً).
أحبذ التنقل داخل المدينة عبر الميترو لأنه ورشة مفتوحة على مدار السنة أطبق فيها عملياً ما أتعلمه نظرياً في المدرجات و على الأوراق من وسائل لفك رموز العلاقات الاجتماعية بكل تعقيداتها و في أدق جزئياتها.
قياساً على مثال الزهرة التي كانت سببا في إنقاذ الشاعر من الهلاك - مجازا - يحضرني أنني قرأت ذات يوم على إحدى شاشات ميترو الأنفاق حكمة من حكم Dalai Lama المرشد الروحي للبوذية يقول فيها: إذا كنتَ تعتقد على أنك حقير الشأن لا يمكنك أن تغير العالم الذي تعيش فيه، فتذكر البعوضة - ذاك الكائن الحقير - و هي في فراشك لتعلم أيكما سيؤثر على الآخر تلك الليلة. فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها تمسك بها (و المؤمن القوي خير من الضعيف). فقوة الشخصية و علو الهمة مع عدم تحقير أي مخلوق يجعل الإنسان منا يستنبط العبر و يحرك ما بداخله فيغير حياته - و حياة غيره - إلى الأفضل. و ما خلق الإنسان ضعيفا إلا ليتقوى من بعد ضعف؛ و لو لم يكن السلوك قابلا للتطور (كما قال حجة الأسلام، أبو حامد الغزالي) لما نزل وحي و لما بُعث رسول.
وفي الأخير، تذكر أن قابيل و هو في عز ارتكابه لكبيرة القتل، لم تمنعه بشاعة الموقف من أن يتعظ بالغراب (على صغر قدره مقارنة مع قدر ابن آدم عليه السلام، الذي سجدت له الملائكة) حين أراه الله عز وجل مدى حاجة البشر إلى أحقر مخلوق لأخذ العبر و تعلم الفائدة. فلنلتفت جميعا إلى الحكمة التي من أجلها بعث الله الغراب (و الزهرة و البعوضة و غيرها من المخلوقات الضعيفة حجما، العظيمة قدرا) : "فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (الآية 31 من سورة المائدة)"
فاختر لنفسك اي قدر تريد لهمتك: أهي أقل قدرا (وقدرة) من الغراب أم هي أعظم قدراً!
م.ش.
"أذكر أن شاعرا كان في حالة يأسٍ واحباط فقرّر أن يجعل حدّا لحياته، نهض باكرا واتّجه إلى محطة القطار
وفي طريقه لمح زهرة صغيرة نابتة من شقوق الجدار، يانعة ترفرف تنشد الحياة وهي مزهوّة بلونها وساقها اليانعة
فتعجّب من ضعفه ويأسه وقال في نفسه: كيف لي أن أصير على هذا النحو الكبير من اليأس وأنا طويل القامة عريض الجسم مثقّف الفكر و و و.... بينما هذه الزهرة الصغيرة تنشد الحياة من شقوق جدار؟؟
وهكذا عاد عن الجريمة التي كان ينوي أن يرتكبها في حقّ نفسه لا يرضى بها الله ولا العباد.
وقد دوّن هذا الكاتب حكايته في احدى كُتبه
.
أحببتُ أن أقول : أنّنا نعلم من الطبيعة كذلك..." انتهى
استلهمت من القصة جوهرها المتمثل في تأثر الإنسان بكل ما يحيط به في الطبيعة من كائنات، سواء قل شأنها أو علا قدرها. إلا أن درجة تأثرنا بالبيئة الخارجية رهينة بعوامل ذاتية صرفة تساعد (أو تعرقل) تفاعلنا مع العناصر المكونة لها: علو الهمة، دقة الملاحظة، استنباط العبر، قابلية التغيير وغيرها. فكما أن على قدر أهل العزم تأتي العزائم، كذلك على قدر تفاعلنا و تواصلنا مع العناصر المحيطة بنا تأتي النتيجة (سلباً إن كان التفاعل سلبياً، إيجاباً إن كان التواصل إيجابياً).
أحبذ التنقل داخل المدينة عبر الميترو لأنه ورشة مفتوحة على مدار السنة أطبق فيها عملياً ما أتعلمه نظرياً في المدرجات و على الأوراق من وسائل لفك رموز العلاقات الاجتماعية بكل تعقيداتها و في أدق جزئياتها.
قياساً على مثال الزهرة التي كانت سببا في إنقاذ الشاعر من الهلاك - مجازا - يحضرني أنني قرأت ذات يوم على إحدى شاشات ميترو الأنفاق حكمة من حكم Dalai Lama المرشد الروحي للبوذية يقول فيها: إذا كنتَ تعتقد على أنك حقير الشأن لا يمكنك أن تغير العالم الذي تعيش فيه، فتذكر البعوضة - ذاك الكائن الحقير - و هي في فراشك لتعلم أيكما سيؤثر على الآخر تلك الليلة. فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها تمسك بها (و المؤمن القوي خير من الضعيف). فقوة الشخصية و علو الهمة مع عدم تحقير أي مخلوق يجعل الإنسان منا يستنبط العبر و يحرك ما بداخله فيغير حياته - و حياة غيره - إلى الأفضل. و ما خلق الإنسان ضعيفا إلا ليتقوى من بعد ضعف؛ و لو لم يكن السلوك قابلا للتطور (كما قال حجة الأسلام، أبو حامد الغزالي) لما نزل وحي و لما بُعث رسول.
وفي الأخير، تذكر أن قابيل و هو في عز ارتكابه لكبيرة القتل، لم تمنعه بشاعة الموقف من أن يتعظ بالغراب (على صغر قدره مقارنة مع قدر ابن آدم عليه السلام، الذي سجدت له الملائكة) حين أراه الله عز وجل مدى حاجة البشر إلى أحقر مخلوق لأخذ العبر و تعلم الفائدة. فلنلتفت جميعا إلى الحكمة التي من أجلها بعث الله الغراب (و الزهرة و البعوضة و غيرها من المخلوقات الضعيفة حجما، العظيمة قدرا) : "فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (الآية 31 من سورة المائدة)"
فاختر لنفسك اي قدر تريد لهمتك: أهي أقل قدرا (وقدرة) من الغراب أم هي أعظم قدراً!
م.ش.
تعليق