الحوار الجادّ .. ضوابط وآداب
نحاول أن نطرح ضمن هذا الموضوع بعض الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند أي نقاش كي يسير ضمن الخط الصحيح والأسلوب الحضاري المتمدن على شكل نقاط:
أولاً: كما في الحديث الشريف (إنما الأعمال بالنيات) لذا ينبغي على من يريد الحوار النظيف أولاً أن تكون نيته نظيفة، طالباً إصابة الحق وطلب ظهوره مهما كان، لا أن تكون نيته إظهار مقدرته وتفوقه وغزارة علمه، فذلك من المراء الذي هو من أكبر القبائح والمسقطات للشخصية عند الله تعالى وعند الناس. فيعود شاكراً للطرف الآخر إن ظهر الحق على يديه لكونه عرّفه خطأه ونبهه على ضالته، ويفرح بذلك دون أن يخجل أو يسود وجهه كمداً.
ثانياً: أن يكون الشخص المناقش صاحب علم عارفاً بضواطه وأسسه ، لا مقلداً يتكلم بأصول موضوعية عنده أخذها دون أن ينقح مطالبها، قابلة للرد دون أن يجد نفسه قادراً على الدفاع عنها بأهلية ومعرفة، مما يدفعه الى التعصب والتشنج دون علم، فذلك من العصبية التي هي من أكبر القبائح والتي تعمي عن الحق وقد ذمها الله تعالى في قرآنه العظيم.
ثالثاً: أن يناقش من هو من أهل العلم لينتفع بعلمه فيما لو كان مما يطلب الحق ، وعليه أن لا ينظر الى مناظره على هذا الأساس نظرة دونية، ويخاطبه بكلمات التحقير والازدراء، فقد أخفى الله تعالى أوليائه بين خلقه، ولعله حقّر ولياً لله تعالى فيستحق بذلك سخطه، كما أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها، وربما استفاد العالم ممن هو أدنى منه، وفي قصة موسى عليه السلام وهو من أنبياء أولي العزم مع العبد الصالح وتواضعه له مما ذكره القرآن الكريم أكبر عبرة في ذلك لمن يعتبر.
رابعاً: أن يكون الموضوع قيد المناقشة موضوعاً مهماً يستحق صرف الجهد والوقت، من قبل الأطراف والمتابعين، كأن يكون في واقعة مهمة، أو في مسألة قريبة من الوقوع، وأن لا يكون مما أكل الدهر عليه وشرب مما طرح الحوار حوله من قبل أطراف هي أصلح للحوار، أو مما نشر عبر الكتب الورقية أو الشبكة العنكبوتية، إلا أن يكون للأطراف نظرة جديدة أو طرح مستحدث أو تقريب أكبر لوجهات النظر، وإلا فإنه يكفي وضع الروابط أو الإشارة الى المصادر دون الدخول في المعمعات الكلامية.
خامساً: أن يكون الحوار معتمداً المصادر الصحيحة، وتستجلب الاقتباسات بكاملها دون تقطيع، وإذا كان أحد المحاورين مجتهداً في أمر ما أن يبين الضوابط والأصول التي اعتمدها في الاستنباط والتي تكون معتمدة وفق ذلك العلم، مما يظهر صحة اجتهاده، وأنه سار وفق ضوابط ذلك العلم.
سادساً: أن يبتعد المناقش عن الأحكام المسبقة من أول الأمر، ويرى في نفسه أنه طالب علم، متجرداً للعلم وحده دون التحجر على آراء لعالم ما، أو مسلك ما، فلكل شخص في هذه الحياة قناعة لم تولد من الفراغ، وكلنا خلق الله تعالى وهو يحب خلقه، ويحب هدايتهم، فلعل الحق عند غيرك، وليس لديك إلا مجموعة تراكمات من الجهل المركب الذي يقطع صاحبه به وهو مجرد سراب.
سابعاً: أن يترك المناقش للطرف الآخر فرصة الإثبات والتحول عبر الأدلة التي يراها أقرب للإثبات حسب تطورات النقاش، أو الخروج من سؤال الى سؤال بحسب ما يستجد، ولا يلزمه بدليل واحد أو وجهة واحدة، فلكل مقام مقال ولكل حادثة حديث. لكن دون الخروج عن الموضوع بل لا بد من الالتزام بحدوده وترك المواضيع الجانبية التي تشتت الموضوع ومحاولة الالتفاف عليه، وترك الخروج عن نقاش الموضوع الى مناقشة شخصية الطرف المقابل والبحث عن عيوبها، فذلك كله من ضعف الحجة والمغلوبية، وأن يترك الأسلوب الخطابي الذي يحرك عواطف القارئ ليسدل الستار على عقله.
ثامناً: لا بأس أن يتراسل الطرفان من أول الأمر عبر الخاص، فإنه أبعد عن ميدان حب الظهور وتصدر الحوار، وأجمع للفكر وأقرب الى طلب الحق ولو ليتفقا مبدأياً على الدخول فيه ومنهجيته، أو أن يتراسلا إن ظنا أن الكلام قاد الى ما هو غير لائق، أو ظن أحدهما بالآخر سوءاً لسوء فهم بما كتب، ليتوضحه منه أو يقوم الآخر بتعديله, وبهذا نبتعد عن قراءة ما في النيات، وعن الجدل الطويل والسباب والشتائم التي تنتهي أحياناً إذا وفق الطرفان الى الاعتذار بسبب سوء الفهم أو عدم البيان.
ومن الله نستمد العون والتوفيق
تعليق