" رَاقِمِي الْحَرُوْنُ "
بَدا لِي إِرْهاصُ حِرانِهِ ماثلاً منذ مدة ؛ بيد أَنني واثقٌ كذَّبتُ حَدْسِي ، و ما خلتُه يُمسِك عن رقْمِهِ فلا ينفحُني من حرْثِهِ إلا صِفْراً ، و ما ظننتُه يَغْوِى فيَمُجُّ حانِقاً مِدادَهُ ليُغرِقَ القِرطاس حِبْراً ، و الآن يَجْفُلُ فازَّاً كجَوَادٍ نَافِرٍ ، فأخذتُهُ تارةً باللين و تارةً بالشِّدة ، و احتلتُ عليه ترغيباً و ترهيباً ، فما انصاعَ قِيْدَ شَعْرة .
لا يروقُني أَنْ أُنَحْيَهُ تُرَاثاً هَمَلاً عَطَلاً و هو ما يزالُ مُفعماً بالحياة ، تأْبَى علىَّ نَفْسى أَنْ أُرْدِيَهُ في خِزَانَةِ موْرُوثاتي القديمة وما زالَ شَحِيْذَ السِّنِ ، فَتِيَّ الرُّوح نابضَ المِداد .
أَمَا و إِنَّهُ قَلَمِي ، و إلى العهْدِ اللَّصيقِ كان رفيْقَ دَرْبي ، و مِغْرَفَ فِكْرِى ، و آلةَ رَقْمِي ، فلا شك لدَىَّ أَنَّه يعْمدُ إلى حَرْفِ انْتباهي إلى أَمرٍ يُكِنُّهُ ، و غرضٍ يظنُّهُ ، و سأَعْمَدُ أيضاً إلى تضْييقِ خِناقِي عليه ، و إِبْدَالِ غيرِه بهِ مستعيضاً عنه ، لعلَّه يُذِيعُ ما يُكِنُّ ، و يفضحُ من أمرِهِ ما يَعِنُّ .
نحيْتُهُ جانباً عن وُريْقاتي مُستعيْضاً عنْهُ بِمُسَجِّلَتِي و جعلتُ أَنْطِق كلماتي بإلقاءٍ مُتَمعِنٍ ، و أَدَاءٍ مُتثَاقِلٍ وئِيدٍ كنَصْلٍ ثَلِمٍ يَحُزُّ روحَه حزَّاً ، و هو طَرِيحُ مَكْرِهِ يتململُ غيظاً و مهانةً ، و إِذْ أُغْرِقُ عامداً في نَكْئِهِ تنَاهَى إليَّ أنينُهُ بدايةً ثُمَّ ما لبثَ أَن اسْتحالَ عويْلاً و نحيْباً حتى إذا لم يبْقَ في قوسِ الصبرِ مِنْزَعٌ صاحَ على نغَمَاتِ نشِيْجِهِ المُتوَاصِل :
· ما أَهونَنِي عليك يا صاحبي !
لم أَنْبِسْ ، و إن أخذتْنِي به رأفةٌ لكنَّني كتمْتُها فاسْتَدْرك :
· ما صَحِبَ رُوحَك ، ولا جاسَ في رأْسِك ، و لا نَظَم حرْفَك ، مِثْلِى ، و ها أنتَ ذا تُلقيْني غيرَ مأسوفٍ عليَّ إلى قارعةِ التَّجاهُلِ و بِئْرِ الإِهمالِ ، أَهانَ عليك نزيفُ مِدَادِي ، حرثُ الأيامِ ، و سُهْدُ الليالي ؟
أدْمَتْ فُؤادِي الكلماتُ و أَوجَعتْ رُوحي فبادرتُهُ :
_ لا تُعْمِلْ مِبْضَعَكَ في جُرحي مستدراً وُدَّ الأيامِ الخَوَالِي ، إنَّما عليْكَ التَّبِعةُ ، و مِنكَ الزَّلَّةُ ، أطلقتَ سهمَكَ فارْتدَّ إِلى نَحْرِكَ ، أنتَ مَنْ حَرَنَ و بَكَمَ .
· و ما كانتْ حِيْلَتِي و قد أعيَانِي جذْبَ انتباهِك بعدما أَوْصَدتَ بِوجْهي أبوابَ البثِّ و الشَّكوى.
_ أيُ بثٍ و أيةُ شكْوَى ؟؟
· إنكَ لا تُعِيرُ ذائقتِي اهتماماً ، و لا تأْبَهُ لِرأييِّ فيما تكتبُ ، تَلِجُ حَازماً نَافِذاً إلى ما تهْوَى مِنْ معانٍ و مبانٍ ، دونَ اعتبارٍ لما أقْبلُ و أزْهدُ .
_ بَخٍ بَخٍ يا قَلمِي ! أَوَلَكَ ذائقةٌ و رأىٌ ؟ أتقبلُ و تزهدُ ؟
· لا أَدْرى ما عَنيْتَ بما قُلتَ ؟ آسْتِنْكاراً ؟ أم اسْتِكْثاراً ؟
_ هَبْنِي عَنيْتُهُما معاً فأَرِنِى دَفْعَكَ ؟
· أما استنكارُكَ لِذائِقتِي فلا محلَّ لهُ وقد أكْسَبَتْنِيهَا الدُّرْبَةُ ، و أمّا استِكْثارُكَ لِقَبُولِي و زُهْدِي فقد أَنْمتْهُ و أَرْبَتْهُ الصُّحبةُ .
فابتسمتُ مأْخُوذَ الُّلبِ بِفَذاذَةِ مَنْطِقِهِ قائِلاً :
_ هَا أنْتَ ذَا حُزْتَ فلسفةً و نطقْتَ فصَاحةً ، فَمَا حاجتُك إليَّ إذاً ؟
· كَحاجَتِكَ إلىَّ ، أحفظُ العهدَ ، و أَرْعَى الوُّدَ ؛ فضْلاً عن نفْعٍ متبادَلٍ ، و هَمٍّ متعادِلٍ .
_ نفعٍ متبادل ، و همٍّ متعادل ! تُطَاوِلُنِي إذاً رأساً بِرأسٍ ؟ !
· هَذِه حقيْقةٌ أَرْبأُ بكَ أَنْ تُنْكرَها ، أَوْ تُؤْذِيَكَ فَتَجْحَفَها .
_ فَلْتحذرْ أيُّها الغِرُّ مِنْ جُرْأَةٍ نَدَّتْ عنكَ ماثِلةٍ ، و ثِقةٍ بَدَتْ فِيكَ قاتِلةً ، فمَا أنتَ إلا قلمٌ لكَ أَضْرابٌ و تنُوبُ عنكَ بدائِلُ ، و لعلَّكَ عايَنْتَ المُسَجِّلةَ !
فقالَ و الغيْظُ يهْصِرُهُ :
· لَنْ أَرُدَّها عليْكَ أَدَباً و فضْلاً ، لكنْ دعْنِي أُذَكِّرُكَ قَدْرِي لعلَّك قَدْ نَسيْتَ و أُنْسِيتَ ، و انْبَرَى يقولُ واثِقاً :
_ أنا يا صَاحِبِي في المَلأِ الأَعْلَى قَسَمُ اللهِ فِي سُورَةِ القَلَمِ ، و أَوَّلُ خَلْقِهِ ، كاتِبُ المَقَادِيرِ و راصِدُ العمَلِ ، و فِي المَلَأِ الأَرْضِيِّ ، اكْتِشَافُ نَبِيٍّ ، وَ وِعَاءُ حَضَارَةٍ ، و خَازِنُ الإِرْثِ الإِنْسانِيِّ .
· أُوْمِنُ بِذَا و لا أَجْحَدُهُ ، و أُقِرُّهُ و لا اُنْكِرُهُ ، لكنَّكَ لَسْتَ أَكثرَ مِنْ وَسيْلةٍ صمَّاءَ ، و أَدَاةٍ بَكْمَاءَ ، أمَّا أنَا فَسَيِّدُ أَرْضِ اللهِ المُكَرَّمُ ، ظِلُّهُ و خَلِيْفَتُهُ ، مَلَّكَنِي زِمَامَ أَرْضِهِ لأَقودَ بِعينِ رِعايَتِهِ ، و مَقَاديْرِ أُلُوهِيَّتِهِ ، وَ جَعَلَكَ وَ أَضْرَابَكَ لِي سِخْرِيَّا وَ تَبَعَاً ، و لسْتُ لَكُمْ تَبَعَاً .
_ التَّابِعُ ظَهِيْرُ مَتْبُوْعِهِ وعِمَادُهُ ، و الوَسِيْلَةُ مَطِيَّةُ الُغَايَةِ و سَبِيْلُهَا.
· وَ إِنْ يَكُنْ ، فَلَا يَزَالُ التّابِعُ حَشْوَاً لا مَتْنَاً ، و لَا تَزَالُ الغَايَةُ فَرِيْدةً وَحِيْدَةً ، أمّا الوَسِيْلةُ فَيُنَابُ عنْها ، وَ يُسْتَبْدَلُ بِهَا .
_ زَهِدْتَنِي إِذاً ، و نَحَيْتَنِي عنْكَ دونَما رَجْعةٍ ؟!
· بل أَكْبَرْتُكَ و ثَمَّنْتُكَ بعدما أَريْتنِي مِنْكَ نَبَاهَةً تَسُرُّ ، و وقفْتُ مِنْكَ على وَفَاءٍ و بِرٍّ ، و هَا أنتَ ذَا أُشْرِبْتَ مِنْ قَرَاحِ ما كتَبْتَ ، و اكتَسَبْتَ مِن الحِكْمَةِ بِقَدْرِ مَا أَكْسَبْتَ.
هَشَّ القلمُ و بَشَّ و صَاحَ خَاضِعَاً قَانِعَاً :
_ الأَمْرُ و الرَّأْيُ لَكَ صَاحِبِي ، حَسْبِي مِنْكَ أَنْ أَكُوْنَ مِغْرَافَ عِلْمِكَ ، رَفِيْقَ دَرْبِكَ ، و رَاقِمَ فِكْرِكَ .
· وَ قَدْ أَوْلَيْتُكَ مَنْزِلَةً تُسَاوِينِي ، و رُتْبَةً تُضَاهِيْنِي ، حتَّى إِذا ذَيَّلْتُ المَرْقُومَ بِوَسْمِي ؛ حُزْتَ فِيْهِ الصَّدْرَ ، و أَمَّا ذَاكَ الْعَجُزُ فَيُرْضِيْنِي .
_ حَسْبِي شَرَفَاً صَاحبي ، حَسْبِي !
بقلمي / محمد عبد الغفار صيام .
تعليق