رَاقِمِى الحَرُون

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبد الغفار صيام
    مؤدب صبيان
    • 30-11-2010
    • 533

    رَاقِمِى الحَرُون

    " رَاقِمِي الْحَرُوْنُ "


    بَدا لِي إِرْهاصُ حِرانِهِ ماثلاً منذ مدة ؛ بيد أَنني واثقٌ كذَّبتُ حَدْسِي ، و ما خلتُه يُمسِك عن رقْمِهِ فلا ينفحُني من حرْثِهِ إلا صِفْراً ، و ما ظننتُه يَغْوِى فيَمُجُّ حانِقاً مِدادَهُ ليُغرِقَ القِرطاس حِبْراً ، و الآن يَجْفُلُ فازَّاً كجَوَادٍ نَافِرٍ ، فأخذتُهُ تارةً باللين و تارةً بالشِّدة ، و احتلتُ عليه ترغيباً و ترهيباً ، فما انصاعَ قِيْدَ شَعْرة .
    لا يروقُني أَنْ أُنَحْيَهُ تُرَاثاً هَمَلاً عَطَلاً و هو ما يزالُ مُفعماً بالحياة ، تأْبَى علىَّ نَفْسى أَنْ أُرْدِيَهُ في خِزَانَةِ موْرُوثاتي القديمة وما زالَ شَحِيْذَ السِّنِ ، فَتِيَّ الرُّوح نابضَ المِداد .
    أَمَا و إِنَّهُ قَلَمِي ، و إلى العهْدِ اللَّصيقِ كان رفيْقَ دَرْبي ، و مِغْرَفَ فِكْرِى ، و آلةَ رَقْمِي ، فلا شك لدَىَّ أَنَّه يعْمدُ إلى حَرْفِ انْتباهي إلى أَمرٍ يُكِنُّهُ ، و غرضٍ يظنُّهُ ، و سأَعْمَدُ أيضاً إلى تضْييقِ خِناقِي عليه ، و إِبْدَالِ غيرِه بهِ مستعيضاً عنه ، لعلَّه يُذِيعُ ما يُكِنُّ ، و يفضحُ من أمرِهِ ما يَعِنُّ .
    نحيْتُهُ جانباً عن وُريْقاتي مُستعيْضاً عنْهُ بِمُسَجِّلَتِي و جعلتُ أَنْطِق كلماتي بإلقاءٍ مُتَمعِنٍ ، و أَدَاءٍ مُتثَاقِلٍ وئِيدٍ
    كنَصْلٍ ثَلِمٍ يَحُزُّ روحَه حزَّاً ، و هو طَرِيحُ مَكْرِهِ يتململُ غيظاً و مهانةً ، و إِذْ أُغْرِقُ عامداً في نَكْئِهِ تنَاهَى إليَّ أنينُهُ بدايةً ثُمَّ ما لبثَ أَن اسْتحالَ عويْلاً و نحيْباً حتى إذا لم يبْقَ في قوسِ الصبرِ مِنْزَعٌ صاحَ على نغَمَاتِ نشِيْجِهِ المُتوَاصِل :
    · ما أَهونَنِي عليك يا صاحبي !
    لم أَنْبِسْ ، و إن أخذتْنِي به رأفةٌ لكنَّني كتمْتُها فاسْتَدْرك :
    · ما صَحِبَ رُوحَك ، ولا جاسَ في رأْسِك ، و لا نَظَم حرْفَك ، مِثْلِى ، و ها أنتَ ذا تُلقيْني غيرَ مأسوفٍ عليَّ إلى قارعةِ التَّجاهُلِ و بِئْرِ الإِهمالِ ، أَهانَ عليك نزيفُ مِدَادِي ، حرثُ الأيامِ ، و سُهْدُ الليالي ؟
    أدْمَتْ فُؤادِي الكلماتُ و أَوجَعتْ رُوحي فبادرتُهُ :
    _ لا تُعْمِلْ مِبْضَعَكَ في جُرحي مستدراً وُدَّ الأيامِ الخَوَالِي ، إنَّما عليْكَ التَّبِعةُ ، و مِنكَ الزَّلَّةُ ، أطلقتَ سهمَكَ فارْتدَّ إِلى نَحْرِكَ ، أنتَ مَنْ حَرَنَ و بَكَمَ .
    · و ما كانتْ حِيْلَتِي و قد أعيَانِي جذْبَ انتباهِك بعدما أَوْصَدتَ بِوجْهي أبوابَ البثِّ و الشَّكوى.
    _ أيُ بثٍ و أيةُ شكْوَى ؟؟
    · إنكَ لا تُعِيرُ ذائقتِي اهتماماً ، و لا تأْبَهُ لِرأييِّ فيما تكتبُ ، تَلِجُ حَازماً نَافِذاً إلى ما تهْوَى مِنْ معانٍ و مبانٍ ، دونَ اعتبارٍ لما أقْبلُ و أزْهدُ .
    _ بَخٍ بَخٍ يا قَلمِي ! أَوَلَكَ ذائقةٌ و رأىٌ ؟ أتقبلُ و تزهدُ ؟
    · لا أَدْرى ما عَنيْتَ بما قُلتَ ؟ آسْتِنْكاراً ؟ أم اسْتِكْثاراً ؟
    _ هَبْنِي عَنيْتُهُما معاً فأَرِنِى دَفْعَكَ ؟
    · أما استنكارُكَ لِذائِقتِي فلا محلَّ لهُ وقد أكْسَبَتْنِيهَا الدُّرْبَةُ ، و أمّا استِكْثارُكَ لِقَبُولِي و زُهْدِي فقد أَنْمتْهُ و أَرْبَتْهُ الصُّحبةُ .
    فابتسمتُ مأْخُوذَ الُّلبِ بِفَذاذَةِ مَنْطِقِهِ قائِلاً :
    _ هَا أنْتَ ذَا حُزْتَ فلسفةً و نطقْتَ فصَاحةً ، فَمَا حاجتُك إليَّ إذاً ؟
    · كَحاجَتِكَ إلىَّ ، أحفظُ العهدَ ، و أَرْعَى الوُّدَ ؛ فضْلاً عن نفْعٍ متبادَلٍ ، و هَمٍّ متعادِلٍ .
    _ نفعٍ متبادل ، و همٍّ متعادل ! تُطَاوِلُنِي إذاً رأساً بِرأسٍ ؟ !
    · هَذِه حقيْقةٌ أَرْبأُ بكَ أَنْ تُنْكرَها ، أَوْ تُؤْذِيَكَ فَتَجْحَفَها .
    _ فَلْتحذرْ أيُّها الغِرُّ مِنْ جُرْأَةٍ نَدَّتْ عنكَ ماثِلةٍ ، و ثِقةٍ بَدَتْ فِيكَ قاتِلةً ، فمَا أنتَ إلا قلمٌ لكَ أَضْرابٌ و تنُوبُ عنكَ بدائِلُ ، و لعلَّكَ عايَنْتَ المُسَجِّلةَ !
    فقالَ و الغيْظُ يهْصِرُهُ :
    · لَنْ أَرُدَّها عليْكَ أَدَباً و فضْلاً ، لكنْ دعْنِي أُذَكِّرُكَ قَدْرِي لعلَّك قَدْ نَسيْتَ و أُنْسِيتَ ، و انْبَرَى يقولُ واثِقاً :
    _ أنا يا صَاحِبِي في المَلأِ الأَعْلَى قَسَمُ اللهِ فِي سُورَةِ القَلَمِ ، و أَوَّلُ خَلْقِهِ ، كاتِبُ المَقَادِيرِ و راصِدُ العمَلِ ، و فِي المَلَأِ الأَرْضِيِّ ، اكْتِشَافُ نَبِيٍّ ، وَ وِعَاءُ حَضَارَةٍ ، و خَازِنُ الإِرْثِ الإِنْسانِيِّ .
    · أُوْمِنُ بِذَا و لا أَجْحَدُهُ ، و أُقِرُّهُ و لا اُنْكِرُهُ ، لكنَّكَ لَسْتَ أَكثرَ مِنْ وَسيْلةٍ صمَّاءَ ، و أَدَاةٍ بَكْمَاءَ ، أمَّا أنَا فَسَيِّدُ أَرْضِ اللهِ المُكَرَّمُ ، ظِلُّهُ و خَلِيْفَتُهُ ، مَلَّكَنِي زِمَامَ أَرْضِهِ لأَقودَ بِعينِ رِعايَتِهِ ، و مَقَاديْرِ أُلُوهِيَّتِهِ ، وَ جَعَلَكَ وَ أَضْرَابَكَ لِي سِخْرِيَّا وَ تَبَعَاً ، و لسْتُ لَكُمْ تَبَعَاً .
    _ التَّابِعُ ظَهِيْرُ مَتْبُوْعِهِ وعِمَادُهُ ، و الوَسِيْلَةُ مَطِيَّةُ الُغَايَةِ و سَبِيْلُهَا.
    · وَ إِنْ يَكُنْ ، فَلَا يَزَالُ التّابِعُ حَشْوَاً لا مَتْنَاً ، و لَا تَزَالُ الغَايَةُ فَرِيْدةً وَحِيْدَةً ، أمّا الوَسِيْلةُ فَيُنَابُ عنْها ، وَ يُسْتَبْدَلُ بِهَا .
    _ زَهِدْتَنِي إِذاً ، و نَحَيْتَنِي عنْكَ دونَما رَجْعةٍ ؟!
    · بل أَكْبَرْتُكَ و ثَمَّنْتُكَ بعدما أَريْتنِي مِنْكَ نَبَاهَةً تَسُرُّ ، و وقفْتُ مِنْكَ على وَفَاءٍ و بِرٍّ ، و هَا أنتَ ذَا أُشْرِبْتَ مِنْ قَرَاحِ ما كتَبْتَ ، و اكتَسَبْتَ مِن الحِكْمَةِ بِقَدْرِ مَا أَكْسَبْتَ.
    هَشَّ القلمُ و بَشَّ و صَاحَ خَاضِعَاً قَانِعَاً :
    _ الأَمْرُ و الرَّأْيُ لَكَ صَاحِبِي ، حَسْبِي مِنْكَ أَنْ أَكُوْنَ مِغْرَافَ عِلْمِكَ ، رَفِيْقَ دَرْبِكَ ، و رَاقِمَ فِكْرِكَ .
    · وَ قَدْ أَوْلَيْتُكَ مَنْزِلَةً تُسَاوِينِي ، و رُتْبَةً تُضَاهِيْنِي ، حتَّى إِذا ذَيَّلْتُ المَرْقُومَ بِوَسْمِي ؛ حُزْتَ فِيْهِ الصَّدْرَ ، و أَمَّا ذَاكَ الْعَجُزُ فَيُرْضِيْنِي .
    _ حَسْبِي شَرَفَاً صَاحبي ، حَسْبِي !

    بقلمي / محمد عبد الغفار صيام .
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الغفار صيام; الساعة 12-05-2018, 18:23.
    "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    الله، ثم الله، ثم الله !
    ما هذا يا أخي الحبيب؟ ألجاحظ بعث من جديد أم تراه قلم ابن العميد؟
    قصتك هذه رائعة بل هي الروعة ماثلة لولا بعض الهفوات اللغوية والإملائية والنحوية التي تسربت إلى النص فشوهت وجهه البهي ولوثت لسانه النقي.
    ذكرَتني قصتك الماتعة بقصتي المتواضعة "
    القلم المعاند" غير أن لغتك هنا أمتن من لغتي هناك، فلك الشكر على ما رقمت ولك الشكر على ما أبدعت، وأشك أن تجد قارئا يعجب بقصتك مثلي ويبدو أننا جنس من الكتاب في طريق الانقراض .
    تحياتي إليك ومحبتي لك.

    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • محمد عبد الغفار صيام
      مؤدب صبيان
      • 30-11-2010
      • 533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة حسين ليشوري مشاهدة المشاركة
      الله، ثم الله، ثم الله !
      ما هذا يا أخي الحبيب؟ ألجاحظ بعث من جديد أم تراه قلم ابن العميد؟
      قصتك هذه رائعة بل هي الروعة ماثلة لولا بعض الهفوات اللغوية والإملائية والنحوية التي تسربت إلى النص فشوهت وجهه البهي ولوثت لسانه النقي.
      ذكرَتني قصتك الماتعة بقصتي المتواضعة "
      القلم المعاند" غير أن لغتك هنا أمتن من لغتي هناك، فلك الشكر على ما رقمت ولك الشكر على ما أبدعت، وأشك أن تجد قارئا يعجب بقصتك مثلي ويبدو أننا جنس من الكتاب في طريق الانقراض .
      تحياتي إليك ومحبتي لك.

      أستاذنا و معلمنا / حسين ليشورى
      كلما أعدت النظر للفحص ، صكنى موضع نقص !
      أدركنا بالتصحيح ، و جد علينا بالتنقيح ، يا ذا العقل الرجيح ، و اللسان الفصيح ؛ حتى يستر النص عورته ، و يُقيل من عثرته .
      فقد كلت منا العيون ، و تلببتنا الظنون ، نبحث عن عثرة بادية ، أو زلة عادية ، و إخالنى ماض إلى داهية ..هههه .
      سدد عنا و قارب ، دمت لنا معلما ، و للعربية فارساً و حارساً .
      "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد عبد الغفار صيام مشاهدة المشاركة
        أستاذنا و معلمنا / حسين ليشورى
        كلما أعدت النظر للفحص، صكنى موضع نقص !
        أدركنا بالتصحيح، و جد علينا بالتنقيح، يا ذا العقل الرجيح، و اللسان الفصيح ؛ حتى يستر النص عورته، و يُقيل من عثرته.
        فقد كلت منا العيون، و تلببتنا الظنون، نبحث عن عثرة بادية، أو زلة عادية، و إخالنى ماضيا إلى داهية ..هههه .
        سدد عنا و قارب، دمت لنا معلما، و للعربية فارساً و حارساً.
        وقاك الله من الدواهي وأبعد عنك شر السواهي؛
        الخطأ في الرقن وارد والكاتب عن الشكل شارد مادام بالمضمون مهتما وبفكرته ملما.
        سأعيد النظر، إن شاء الله، في قصتك الجميلة شكرا على نيتك النبيلة،
        وذلك حسب الجهد والله من وراء القصد،
        حتى تنجلي كالجوهرة المكنونة وتبدو كالخريدة المخزونة.
        أشكر لك أخي الفاضل ظنك الجميل بي تكرما منك
        وما إخالني أخيب رجاءك شكرا على جميل أدبك.
        ودمت على نقاء اللغة حريصا وفي توظيفها صحيحة صريحا.
        ولك مني ألف تحية والله يمن علي بالبقية.

        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • محمد عبد الغفار صيام
          مؤدب صبيان
          • 30-11-2010
          • 533

          #5
          جزاك الله خيرا سيدنا ، و قد أعدت النظر فى نصي ، على قدر ما أسعفني حدسي و حسي ـــ خجلا أن أقول علمى ــ ، لكن الذبالة الواهية لا تغنى عن الشمس الزاهية .
          "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

          تعليق

          • حسين ليشوري
            طويلب علم، مستشار أدبي.
            • 06-12-2008
            • 8016

            #6
            " رَاقِمِي الْحَرُوْنُ


            بَدا لِي إِرْهاصُ حِرانِهِ ماثلاً منذ مدة [أو "أرهصت حرانَه منذ مدة"]؛ بيد أَنني واثقاً [واثقٌ] كذَّبتُ حَدْثِي [حدسي]، و ما خلتُه يُمسِك عن رقْمِهِ فلا ينفحُني من حرْثِهِ إلا صِفْراً، و ما ظننتُه يَغْوِى فيَمُجُّ حانِقاً مِدادَهُ ليُغرِقَ القِرطاس حِبْراً، و الآن يَجْفُلُ فازَّاً كجَوَادٍ نَافِرٍ، فأخذتُهُ تارةً باللين و تارةً بالشِّدة، و احتلتُ عليه ترغيباً و ترهيباً، فما انصاعَ قِيْدَ شَعْرة .
            لا يروقُني أَنْ أُنَحْيَهُ!!! أنحِيَّه] تُرَاثاً هَمَلاً عَطَلاً و هو ما يزالُ مُفعماً بالحياة، تأْبَى علىَّ نَفْسى أَنْ أُرْدِيَهُ في خِزَانَةِ موْرُوثاتي القديمة وما زالَ شَحِيْذَ السِّنِ، فَتِيَّ الرُّوح نابضَ المِداد .
            أَمَا و إِنَّهُ قَلَمِي، و إلى العهْدِ اللَّصيقِ كان رفيْقَ دَرْبي، و مِغْرَفَ فِكْرِى، و آلةَ رَقْنِي [رقمي]، فلا شك لدَىَّ أَنَّه يعْمدُ إلى حَرْفِ [لفت] انْتباهي إلى أَمرٍ يُكِنُّهُ، و غرضٍ يظنُّهُ، و سأَعْمَدُ أيضاً إلى تضْييقِ خِناقِي عليه، و إِبْدَالِ غيرِه بهِ مستعيضاً عنه، لعلَّه يُذِيعُ ما يُكِنّ، و يفضحُ من أمرِهِ ما يَعِنُّ .
            نحيْتُهُ جانباً عن وُريْقاتي مُستعيْضاً عنْهُ بِمُسَجِّلَتِي و جعلتُ أَنْطِق كلماتي بإلقاءٍ مُتَمعِنٍ، و أَدَاءٍ مُتثَاقِلٍ وئِيدٍ كنَصْلٍ ثَلِمٍ يَحُزُّ روحَه حزَّاً، و هو طَرِيحُ مَكْرِهِ يتململُ غيظاً و مهانةً، و إِذْ أُغْرِقُ عامداً في نَكْئِهِ تنَاهَى إليَّ أنينُهُ بدايةً ثُمَّ ما لبثَ أَن اسْتحالَ عويْلاً و نحيْباً حتى إذا لم يبْقَ في قوسِ الصبرِ مِنْزَعٌ صاحَ على نغَمَاتِ نشِيْجِهِ المُتوَاصِل:
            - ما أَهونِي [أهونني] عليك يا صاحبي !
            لم أَنْبِسْ، و إن أخذتْنِي به رأفةٌ لكنَّني كتمْتُها فاسْتَدْرك :
            -
            ما صَحِبَ رُوحَك، ولا جاسَ في رأْسِك، و لا نَظَم حرْفَك مِثْلِى، و ها أنتَ ذا تُلقيْني غيرَ مأسوفٍ عليَّ إلى قارعةِ التَّجاهُلِ و بِئْرِ الإِهمالِ، أَهانَ عليك نزيفُ مِدَادِي، حرثُ الأيامِ، و سُهْدُ الليالي؟
            أدْمَتْ فُؤادِى الكلماتُ و أَوجَعتْ رُوحي فبادرتُهُ :
            -
            لا تُعْمِلْ مِبْضَعَكَ في جُرحي مستدراً وُدَّ الأيامِ الخَوَالِي، إنَّما عليْكَ التَّبِعةُ، و مِنكَ الزَّلَّةُ، أطلقتَ سهمَكَ فارْتدَّ إِلى نَحْرِكَ، أنتَ مَنْ حَرَنَ و بَكَمَ .
            -
            و ما كانتْ حِيْلَتِي و قد أعيَانِي جذْبُ انتباهِك بعدما أَوْصَدتَّ بِوجْهي أبوابَ البثِّ و الشَّكوى .
            _
            أيُ بثٍ و أيةُ شكْوَى؟؟
            ·
            إنكَ لا تُعِيرُ ذائقتِي اهتماماً، و لا تأْبَهُ لِرأييِّ فيما تكتبُ، تَلِجُ حَازماً نَافِذاً إلى ما تهْوَى مِنْ معانٍ و مبانٍ، دونَ اعتبارٍ لما أقْبلُ و أزْهدُ [أردُّ] .
            _
            بَخٍ بَخٍ يا قَلمِي!أَوَلَكَ ذائقةٌ و رأىٌ؟ أتقبلُ و تزهدُ [تردُّ]؟
            ·
            لا أَدْرى ما عَنيْتَ بما قُلتَ؟ آسْتِنْكاراً؟ أم اسْتِكْثاراً؟
            _
            هَبْنِي عَنيْتُهُما [معا] فأَرِنِى دَفْعَكَ؟
            ·
            أما استنكارُكَ لِذائِقتِي فلا محلَّ لهُ وقد أكْسَبَتْنِيهَا الدُّرْبَةُ، و أمّا استِكْثارُكَ لِقَبُولِي و زُهْدِي [ردي] فقد أَنْمتْهُ و أَرْبَتْهُ الصُّحبةُ .
            فابتسمتُ مأْخُوذَ الُّلبِ بِفَذاذَةِ مَنْطِقِهِ قائِلاً:
            _
            هَا أنْتَ ذَا حُزْتَ فلسفةً و نطقْتَ فصَاحةً، فَمَا حاجتُك إليَّ إذاً؟
            ·
            كَحاجَتِكَ إلىَّ، أحفظُ العهدَ، و أَرْعَى الوُّدَ؛ فضْلاً عن نفْعٍ متبادَلٍ، و هَمٍّ متعادِلٍ .
            _
            نفعٍ متبادل، و همٍّ متعادل! تُطَاوِلُنِي إذاً رأساً بِرأسٍ؟ !
            ·
            هَذِه حقيْقةٌ أَرْبأُ بكَ أَنْ تُنْكرَها، أَوْ تُؤْذِيَكَ فَتَجْحَفَها .
            _
            فَلْتحذرْ أيُّها الغِرُّ مِنْ جُرْأَةٍ نَدَّتْ عنكَ ماثِلةٍ، و ثِقةٍ بَدَتْ فِيكَ قاتِلةً، فمَا أنتَ إلا قلمٌ لكَ أَضْرابٌ و تنُوبُ عنكَ بدائِلُ، و لعلَّكَ عايَنْتَ المُسَجِّلةَ !
            فقالَ و الغيْظُ يهْصِرُهُ :
            ·
            لَنْ أَرُدَّها عليْكَ أَدَباً و فضْلاً، لكنْ دعْنِي أُذَكِّرُكَ قَدْرِي لعلَّك قَدْ نَسيْتَ و أُنْسِيتَ، و انْبَرَى يقولُ واثِقاً :
            _
            أنا يا صَاحِبِي في المَلأِ الأَعْلَى قَسَمُ اللهِ فِي سُورَةِ القَلَمِ، و أَوَّلُ خَلْقِهِ، كاتِبُ المَقَادِيرِ و راصِدُ العمَلِ، و فِي المَلَأِ الأَرْضِيِّ، اكْتِشَافُ نَبِيٍّ، وَ وِعَاءُ حَضَارَةٍ، و خَازِنُ الإِرْثِ الإِنْسانِيّ.
            ·
            أُوْمِنُ بِذَا و لا أَجْحَدُهُ، و أُقِرُّهُ و لا اُنْكِرُهُ، لكنَّكَ لَسْتَ أَكثرَ مِنْ وَسيْلةٍ صمَّاءَ، و أَدَاةٍ بَكْمَاءَ، أمَّا أنَا فَسَيِّدُ أَرْضِ اللهِ المُكَرَّمُ، ظِلُّهُ و خَلِيْفَتُهُ، مَلَّكَنِي زِمَامَ أَرْضِهِ لأَقودَ بِعينِ رِعايَتِهِ، و مَقَاديْرِ أُلُوهِيَّتِهِ، وَ جَعَلَكَ وَ أَضْرَابَكَ لِي سِخْرِيَّا وَ تَبَعَاً، و لسْتُ لَكُمْ تَبَعَاً .
            _
            التَّابِعُ ظَهِيْرُ مَتْبُوْعِهِ وعِمَادُهُ، و الوَسِيْلَةُ مَطِيَّةُ الُغَايَةِ و سَبِيْلُهَا.
            ·
            وَ إِنْ يَكُنْ، فَلَا يَزَالُ التّابِعُ حَشْوَاً لا مَتْنَاً، و لَا تَزَالُ الغَايَةُ فَرِيْدةً وَحِيْدَةً، أمّا الوَسِيْلةُ فَيُنَابُ عنْها، وَ يُسْتَبْدَلُ بِهَا .
            _
            زَهِدْتَنِي إِذاً، و نَحَيْتَنِي عنْكَ دونَما رَجْعةٍ؟!
            ·
            بل أَكْبَرْتُكَ و ثَمَّنْتُكَ بعدما أَريْتنِي مِنْكَ نَبَاهَةً تَسُرُّ، و وقفْتُ مِنْكَ على وَفَاءٍ و بِرٍّ، و هَا أنتَ ذَا أُشْرِبْتَ مِنْ قَرَاحِ ما كتَبْتَ، و اكتَسَبْتَ مِن الحِكْمَةِ بِقَدْرِ مَا أَكْسَبْتَ.
            هَشَّ القلمُ و بَشَّ و صَاحَ خَاضِعَاً قَانِعَاً :
            _
            الأَمْرُ و الرَّأْيُ لَكَ صَاحِبِي، حَسْبِي مِنْكَ أَنْ أَكُوْنَ مِغْرَافَ عِلْمِكَ، رَفِيْقَ دَرْبِكَ، و رَاقِمَ فِكْرِكَ.
            ·
            وَ قَدْ أَوْلَيْتُكَ مَنْزِلَةً تُسَاوِينِي، و رُتْبَةً تُضَاهِيْنِي، حتَّى إِذا ذَيَّلْتُ المَرْقُومَ بِوَسْمِي؛ حُزْتَ فِيْهِ الصَّدْرَ، و أَمَّا ذَاكَ الْعَجُزُ فَيُرْضِيْنِى .
            _
            حَسْبِي شَرَفَاً صَاحبي، حَسْبِي !

            -=-=-=-=-=-=-=-=-
            هذا ما ظهري من أمثلة للهفوات وقد يكون فاتني أخريات.
            أقترح:
            1- حذف البياض بين آخر الكلمة وعلامة الترقيم حتى لا تأتي العلامة منفردة في أول السطر ومكانها آخره؛
            2- توحيد علامات الحوار بجعل المطة المتوسطة هكذا "-" (رقم ستة في المرقم) في أوله مع فراغ بينها وأول الكلمة؛
            3- اختيار نمط "Simplified Arabic" للكتابة فهو أوضح الأنماط.
            مع شكري واعتذاري إن أنا تجرأت على التصحيح أو قصرت فيه.
            تحياتي.

            sigpic
            (رسم نور الدين محساس)
            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

            "القلم المعاند"
            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

            تعليق

            • محمد عبد الغفار صيام
              مؤدب صبيان
              • 30-11-2010
              • 533

              #7
              جزاك الله خيراً استاذنا / حسين ليشورى
              تم تعديل ما استحق تعديلاً فى ضوء تصحيحكم اللغوى و النحوى...لا حرمنا يقظتكم و علمكم ، بارك الله فى عمرك و متعك بالصحة و العافية .
              "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

              تعليق

              • حسين ليشوري
                طويلب علم، مستشار أدبي.
                • 06-12-2008
                • 8016

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد عبد الغفار صيام مشاهدة المشاركة
                جزاك الله خيراً استاذنا / حسين ليشورى
                تم تعديل ما استحق تعديلاً فى ضوء تصحيحكم اللغوى و النحوى...لا حرمنا يقظتكم و علمكم، بارك الله فى عمرك و متعك بالصحة و العافية.
                وبارك الله فيك أخي الفاضل وشكرا على الثقة، ولك مثل ما دعوت لي به وأكثر.
                بالتوفيق إن شاء الله.
                تحياتي.

                sigpic
                (رسم نور الدين محساس)
                (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                "القلم المعاند"
                (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                تعليق

                • محمد عبد الغفار صيام
                  مؤدب صبيان
                  • 30-11-2010
                  • 533

                  #9
                  بارك الله فى عمركم ، و بلغنا الله و إياكم رمضان .
                  "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

                  تعليق

                  يعمل...
                  X