من مذكرات وزير
منيرة الفهري
منيرة الفهري
نظر إلى أمّه مستطلعا..ترى هل استطاعت أن تستعير ثمن الرحلة من خالتي مريم؟..ما كان يريد أن يثقل على أمّه..و لكنه يعشق الرحلات و في قلبه الصغير تعطش لمعرفة كل شيء...لاكتشاف العالم إن لزم الأمر..
بالأمس كانت معلمته تحثه على أن يجلب النقود ثمن تذكرة الرحلة..أومأ برأسه أنْ نعم..و لكنه لم يشأ أن يقول لها إنه أصغر إخوته السبعة الذين مازالوا يدرسون و يثقلون كاهل والديه...و إنهم يمرون بظروف مادية صعبة...كان كبرياؤه يمنعه..
رجا أمّه _ملجأه الوحيد_ أن تفعل شيئا و أن توفّر له ثمن التذكرة فقط ..و سيجلب معه خبزا و جبنا و ماء و هذا يكفيه...
ارتسمت على وجه الأم علامات الحيرة و الحزن في آن واحد...لكنها وعدته بتلبية طلبه..كيف لا و هو ابنها الأصغر الذي كانت تفخر بتفوقه دائما و تطير فرحا خاصة عندما تعترضها معلمتاه مدام مولدية و مدام رفيعة و هما تمجدانه و تقصّان عليها طرائف تفوقه على زملائه في القسم...
حتما ستتدبر الأمر و سيذهب نَعمان للرحلة يوم الأحد القادم ان شاء الله. تذكرت جارتها مريم التي لا ترد طلبها أبدا فخرجت لتسألها حاجتها.......
أعاد الطفل النظر إلى أمه و حدق في يديها الفارغتين و فهم....لم تستطع أمه أن تتدبر له ثمن الرحلة.....
لم يقل شيئا و لكنه حمل محفظته و اتجه نحو المدرسة...كانت عيناه تذرفان الدمع مدرارا...
و مرت السنين و كبر الطفل ...لكن ذاكرته أبت أن تنسى هذا اليوم....
و اليوم ...و اليوم و بعد مرور أكثر من أربعين عاما هاهو يذهب في رحلة مع مدرسته ..كان سعيدا .. و كأن هاتفا بداخله يقول: لا تحزني يا أمّي ها أنا حققت أمنيتي و خرجت في رحلة مع مدرستي...لكن بعد اربعين عاما..رحمك الله يا أمي..أحبّك ...
أحبّكِ مدرستي..أحبّكَ وطني
(من مذكرات وزير )
يتبع
تعليق