La Rencontre-اللقاء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد شهيد
    أديب وكاتب
    • 24-01-2015
    • 4295

    #16
    أهلا حاتم،

    قرأت نص ترجمك الجديد و أنا على مائدة الإفطار؛ فكانتا وجبتين صحيتين: واحدة للجسم و الأخرى للدماغ. أحسنت في جعل النص يتمتع بمزيد من الانسيابية تجعلني كقاريء أرغب في متابعة أحداث السرد.

    ملاحظة سريعة:

    "بين الزميلين، يتواجد حاجز يفصل بين المكتبين. آه! ها هي! جالسة خلف مكتبها ، أثاث قديم مستهلك سيّء الترتيب، كان شاهدا على أخبار الأعوان السابقين الذين استعملوه قبلها"

    1. استعمال كلمة "يتواجد" عوض "يوجد" تعد من الأخطاء اللغوية الشائعة بحسب ما بلغنا عن الفصحاء. التواجد أصلها من الوجدان و ليس الوجود. من فضلك، راجع المداخلات في موضوعي هذا:

    http://almolltaqa.com/vb/showthread....E1%DB%E6%ED%C9


    2. بقية الجملة: "هاهي (إشارة إلى ماهو حاضر الآن نصب عين المشاهد/المتلقي). لا حظ النقل مباشرة إلى صيغة الماضي في وصف الأثاث: "كان شاهداً" هنا ستفهم لماذا انصبت ملاحظاتي الأولى على وحدة النص الزمنية. إذن يمكنك الاستغناء عن الماضي الذي أتت به النسخة الفرنسية و استعمال المضارع في الوصف لأنه بكل بساطة يضمن للقاريء أن الموصوف (الأثاث) لايزال على حالته البئيسة (أفضلها على كلمة سيء التي استعملت في الترجمة) كدليل على التقادم.

    أما إذا اختار كاتب النص الفرنسي أن يجعل الحكي هنا في صيغة الماضي - و هو الأرجح عدا في الحوار المباشر الذي احسن في جعله بصيغة المضارع لما لذلك من تقريب الدراما للمتلقي - فسينعكس ذلك على الترجمة العربية لامحالة و كلنا سنستمتع.


    تحياتي

    م.ش.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد شهيد; الساعة 12-03-2019, 16:33.

    تعليق

    • حاتم سعيد
      رئيس ملتقى فرعي
      • 02-10-2013
      • 1180

      #17
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد شهيد مشاهدة المشاركة
      أهلا حاتم،

      قرأت نص ترجمك الجديد و أنا على مائدة الإفطار؛ فكانتا وجبتين صحيتين: واحدة للجسم و الأخرى للدماغ. أحسنت في جعل النص يتمتع بمزيد من الانسيابية تجعلني كقاريء أرغب في متابعة أحداث السرد.

      ملاحظة سريعة:

      "بين الزميلين، يتواجد حاجز يفصل بين المكتبين. آه! ها هي! جالسة خلف مكتبها ، أثاث قديم مستهلك سيّء الترتيب، كان شاهدا على أخبار الأعوان السابقين الذين استعملوه قبلها"

      1. استعمال كلمة "يتواجد" عوض "يوجد" تعد من الأخطاء اللغوية الشائعة بحسب ما بلغنا عن الفصحاء. التواجد أصلها من الوجدان و ليس الوجود. من فضلك، راجع المداخلات في موضوعي هذا:

      http://almolltaqa.com/vb/showthread....E1%DB%E6%ED%C9


      2. بقية الجملة: "هاهي (إشارة إلى ماهو حاضر الآن نصب عين المشاهد/المتلقي. لا حظ النقل مباشرة إلى صيغة الماضي في وصف الأثاث: "كان شاهداً" هنا ستفهم لماذا انصبت ملاحظاتي الأولى على وحدة النص الزمنية. إذن يمكنك الاستغناء عن الماضي الذي أتت به النسخة الفرنسية و استعمال المضارع في الوصف لأنه بكل بساطة يضمن للقاريء أن الموصوف (الأثاث) لايزال على حالته البئيسة (أفضلها على كلمة سيء التي استعملت في الترجمة) كدليل على التقادم.

      أما إذا اختار كاتب النص الفرنسي أن يجعل الحكي هنا في صيغة الماضي - و هو الأرجح عدا في الحوار المباشر الذي احسن في جعله بصيغة المضارع لما لذلك من تقريب الدراما للمتلقي - فسينعكس ذلك على الترجمة العربية لامحالة و كلنا سنستمتع.


      تحياتي

      م.ش.
      بالصحة والشفاء، هنيئا مريئا..
      نصائح ثمينة، سأعمل على تنفيذها، مع الشكر الوافي والامتنان الصافي..تدخلات رشيقة..

      من أقوال الامام علي عليه السلام

      (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
      حملت طيباً)

      محمد نجيب بلحاج حسين
      أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
      نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

      تعليق

      • محمد شهيد
        أديب وكاتب
        • 24-01-2015
        • 4295

        #18
        المشاركة الأصلية بواسطة حاتم سعيد ( أبو هادي) مشاهدة المشاركة
        بالصحة والشفاء، هنيئا مريئا..
        نصائح ثمينة، سأعمل على تنفيذها، مع الشكر الوافي والامتنان الصافي..تدخلات رشيقة..
        الرشاقة في الجسم دليل الرشاقة في العقل. لعلك تتذكر رحلتنا الشيقة مع الساخر (جوفينال) أول من قال باللاتيني: Mens sana in corpore sano

        كن بخير

        م.ش.

        تعليق

        • حاتم سعيد
          رئيس ملتقى فرعي
          • 02-10-2013
          • 1180

          #19
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد شهيد مشاهدة المشاركة
          الرشاقة في الجسم دليل الرشاقة في العقل. لعلك تتذكر رحلتنا الشيقة مع الساخر (جوفينال) أول من قال باللاتيني: Mens sana in corpore sano

          كن بخير

          م.ش.
          أسعدك الله أخي العزيز أستاذنا الراقي محمد شهيد، هههههه، طبعا أتذكر الساخر، وأتذكر أكثر، chimère ( Nom ): projet séduisant,mais irréalisable;utopie
          خَيَال: وَهْم , تَصَوُّر , تَخَيُّل...لأنني أجدها في هذا العمل الذي أنجزه.
          بارك الله فيكم أيها الكرام ودمت بخير وصحّة وعافية.

          من أقوال الامام علي عليه السلام

          (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
          حملت طيباً)

          محمد نجيب بلحاج حسين
          أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
          نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

          تعليق

          • حاتم سعيد
            رئيس ملتقى فرعي
            • 02-10-2013
            • 1180

            #20
            جديد: اللقاء

            ساد صمت رهيب. لم تنطق بأيّ حرف. كان متلهّفا ليعرف .. ، فهمس لها بهدوء.
            - مذ رأيتك للوهلة الأولى، هناك شحنة عاطفيّة شدّتني إليك ،ثمّ أصبحت تغذيّ شريانا من الحميميّة نحوك،. أريد أن أقبلك ... بكلّ تأكيد ، لم أكن مخطئًا ، أنت استثنائية.
            - تريد أن تقبّلني!
            - نعم باشتياق.
            - أشكرك ، هذا يسعدني فقد طال عهدي بآخر مرّة سمعت فيها مثل هذه المرادفات والكلمات النّاعمة. الأناس الصّادقون أصبحوا عملة نادرة. في مركز الشرطة مثلا، لا نستمع مطلقا إلى مثل هذه العبارات، تسود الخشونة والألفاظ الفضة ، أما في الشارع فحدّث ولا حرج. ليس لي أصدقاء ، ولهذا أتعايش مع "روتينية" المنزل. آه ، أيها المنزل، إنّه نثريّة أخرى.
            - ما نوع تلك المشاكل في المنزل؟
            - إنها كبيرة! مشاكل ماديّة ضخمة ... حشرت نفسي داخلها ولا أعلم كيف يمكنني الخروج منها. بالمناسبة، هل تعرف أحدا يعمل في بنك الإسكان؟ أريد إعادة جدولة ديني فهم يقتطعون نصف راتبي تقريبا. حسنا ، لنغير الموضوع. سأحاول أن أجد طريقة للتفاهم معهم.
            - حدثيني عن قصّتك منذ البداية ، أنا مصرّ، إنّها تهمّني، هذا سيجعلني أحبّك أكثر.
            - تحبّني أكثر ؟ أصبحت تحبّني ؟

            Elle n’attendait pas de réponse. Ils s’embrassèrent et demeurèrent enlacés, collés l’un à l’autre comme retenus par un magnétisme. Elle se dégagea la première après un moment qu’elle semblait savourer.., et commença son récit...
            «Voilà, mes parents étaient très pauvres, mais mon père subvenait à nos besoins tant bien que mal. J’étais la cadette de ses trois enfants. Il décède alors que je n’avais que trois ans, donc je n’ai pas eu le temps de connaitre et vivre l’amour paternel .

            لم تكن تنتظر إجابة. تعانقا بقوّة وتبادلا القبل، التصقا كأن مغناطيسا يجذب جسديهما. بادرت بالإفلات بعد برهة وقد بدت مستمتعة.. وانطلقت تسرد حكايتها ...
            "حسنا ، كانت عائلتي فقيرة جدا، رغم أنّ والدي لا يدّخر أيّ جهد لتأمين احتياجاتنا. كنت الوسطى بين أطفاله الثلاثة. توفي وقد بلغت من العمر ثلاثة سنوات، وهكذا لم تتح لي الفرصة حتّى أفهم أو أعيش الحبّ الأبوي.

            Avec trois enfants en bas âge et le dénuement total ma mère décide de refaire sa vie avec un autre homme. Par malchance, son deuxième mari n’était guère plus nanti qu’elle, alors dut-elle -
            quitter la maison pour aller travailler et faire la femme de ménage dans les maisons pour nous assurer ainsi au moins la nourriture.

            رغم أطفالها الثلاثة الصغار واحتياجهم الكامل، قرّرت والدتي أن تبدأ حياة جديدة مع رجل آخر، ولكن لسوء الحظ لم يكن من النوع الذي يعتمد عليه، ممّا عجّل بخروجها من المنزل للبحث عن شغل والعمل كمعينة منزليّة في الدور لتؤمن لنا على الأقلّ لقمة العيش.

            De ce ménage naquirent deux autres enfants et la charge devint impossible à supporter d’autant que monsieur ne voulait pas travailler et exigeait qu’elle lui procure de l’argent pour « sa bouteille »
            Le divorce était son unique solution. Mon beau-père garda ses deux enfants et ma mère nous amena vivre dans un autre quartier. C’était l’année où je découvrais l’école. Un monde jusque-là
            inconnu mais que j’ai vite accepté et aimé.

            زاد أفراد الأسرة بولادة طفلان آخران، أصبح الوضع لا يطاق ذلك أنّ السيّد لا يريد أن يعمل بل ويطالب والدتي أن تؤمّن له المال ليشتري "شرابه".
            كان الطلاق هو الحل الوحيد. فاحتفظ زوج والدتي بطفليه وغادرنا مع والدتي المنزل للعيش في حي آخر. في تلك السنة اكتشفت المدرسة. عالم جديد لم أكن أعرفه، ولكنّني سرعانما قبلته وأحببته.

            من أقوال الامام علي عليه السلام

            (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
            حملت طيباً)

            محمد نجيب بلحاج حسين
            أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
            نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

            تعليق

            • حاتم سعيد
              رئيس ملتقى فرعي
              • 02-10-2013
              • 1180

              #21
              جديد: "اللقاء"
              خروجي إلى المدرسة فكّ قيدي من الغرفة الوحيدة الخانقة التي كنا نحيا فيها وتكيّفت سريعا مع الأصدقاء، المعلّمين والمعلّمات، ساحة الرّاحة وخاصّة تعلّم القراءة والأناشيد.
              كنت أذهب كل يوم إلى المدرسة بنفس الحماس، ونفس النّشاط ... علاماتي كانت دوما جيدة.
              في ذلك العمر لم أكن أفهم الكثير، خصوصا اعتناء المعلمات والمعلّمين بي. عنايتهم الفائقة كانت تشجّعني وتجعلني أضاعف المجهود لأكون متفوّقة في الفصل. ذات يوم دعاني المدير إلى مكتبه ، كاد أن يغمى علي من الرّعب. خفت أن يقع فصلي لأنه لم يكن بوسعي الحصول على جميع الكتب و حتّى دفاتري، فهي من النوع الرّخيص ولم تكن كافية طول الوقت.
              عند دخولي المكتب ، وقف المدير وقال لي : "كلّما امتلكنا عزيمة قويّة للدّراسة ، يكون ربّنا الكريم معنا. وكما ترين .. هذه هديّة رائعة لك ، أرسلها الكريم إليك ".

              لم أعرف الشّخص الذي تبرع بكل تلك الكتب والدفاتر وغيرها من اللوازم المدرسية لذلك العام. حاولت أخذ الهديّة بين ذراعي ،لكنني لم أتمكّن من حملها ، كانت ثقيلة جدّا. حاول المدير مساعدتي مقسّما محتوياتها إلى نصفين قائلا: "يمكنك أن تحملي نصفها اليوم ، وغدا تكملين الباقي". قلت:"شكرا سيّدي ، ستحبّ صديقتي وجارتي أن تساعدني في حمل الجزء الباقي ، أريد أن آخذها كلّها اليوم. أتوسّل إليك سيدي ".
              - كما تشائين. هيّا، اذهبي للبحث عن صديقتك.

              من أقوال الامام علي عليه السلام

              (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
              حملت طيباً)

              محمد نجيب بلحاج حسين
              أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
              نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

              تعليق

              • منيره الفهري
                مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                • 21-12-2010
                • 9870

                #22
                شدتني القصة و الترجمة و الحوار الراقي بينك و بين الرائع محمد شهيد...
                تحياتي ابني العزيز الأديب المترجم و المؤرخ التونسي حاتم سعيد ابوهادي

                تعليق

                • حاتم سعيد
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 02-10-2013
                  • 1180

                  #23

                  وهاهو يعود مرة ثالثة إلى مركز الشّرطة للحصول على رخصة صيد .

                  في بهو المركز ، عون الاستقبال يسأله بكل برود عن حاجته.

                  - السّيدة في المكتب المقابل، هل هي موجودة؟

                  - آه ، السّيدة سنية، طبعا، أعتقد أنّها في المكتب، تفضّل.

                  حين طرق الباب مستأذنا. تفاجأ بوجود زميل تبدو عليه صرامة الشرطة المعروفة، رمقه بنظرة باردة، وأشار إليه بالدخول:

                  - ما طلبك سيدي؟

                  - أود أن أقابل السّيدة سنية.

                  يفصل بين مكتب الزميلين حاجز.

                  -آه! ها هي!

                  تجلس خلف مكتب ، أثاثه من الطراز القديم المستهلك لا تبدو عليه علامات الترتيب، خبر أسرار من سبقها من الأعوان .

                  ابتسمت ثم نهضت مسرعة لاستقباله وبريق من اللطف يلمع في عينيها:

                  - مرحبا سيّدي، آسفة، لم تصلني بعد إجابة حول مطلبك. قد نضطر إلى الانتظار فترة أطول.

                  لم تكن الاجابة تهمّه بقدر ما كان يسعى إلى تمعّن وجهها، واكتشاف تعبيرات نضرتها وصوتها، أخذ يحدّق مليّا في شفتيها المطليّتين بخفّة وهي تتحرّك ويصغي إلى نغمها.حدّث نفسه، إنّها بلا شكّ تمثّل استثناء في هذا الوسط الذي لا يعرف الكثير من الترحاب.

                  - حسنا ! جيّد جدّا! سأعود مرّة أخرى، شكرا سيّدتي، إلى اللقاء.

                  عند استدارته، لمح نظرة زميلها، لم يكن مباليا كعادته، همهم له مجاملة قبل الخروج، " إلى اللقاء أيّها السيّد " ثمّ غادر من دون أن يعلم ما إذا كان قد تلقى ردا منه على سلامه.

                  انشغل تفكيره بقيّة اليوم بتلك الشرطة ، حاول أن يفهم سبب ذلك الانشغال ولكنّه لم يفهم في كلّ الأحوال. لازمه التفكير عدّة أيام. أصبحت ذاكرته متوقّفة عند تعبيرات وجهها ذي الخطوط المتناغمة والمرحّبة.

                  طريقة تعاملها معه بدت مختلفة عن السّائد خاصّة في تلك المهنة وذلك المكان، بل كانت في نظره استثناء. لابدّ أن هذا الاختلاف يخفي لغزا ، وذلك اللغز جعله في حيرة بعض الشيء. منطلق القصّة لم يزد عن مجرّد استذكار بسيط لذلك اللقاء القصير بينهما وشعور بالمتعة من طريقة ملاطفتها ، ثم تحوّل الأمر إلى قناعة بأن ما حصل يدلّ على أشياء كثيرة، ما تلك الأشياء"؟ أخذ يتساءل. لم يستطع أن يصل إلى حلّ.

                  ضحك قليلا عندما خامرته فكرة "هل هو الحب من النظرة الأولى"؟

                  -لا ما هذه المزحة! في هذا العمر! يهتمّ بامرأة أخرى غير زوجته، هذا يبدو مستحيلا.

                  إذا لماذا هذا الإصرار؟ لماذا لا تكاد تغادر صورتها عقله، لماذا كلّما يتذكر ذلك اللقاء القصير وتلك الكلمات القليلة المتبادلة يشعر بسعادة حقيقيّة.

                  لا « أخذ يقول، عيناها كانت تحكي قصصا كثيرة، نظرتها كانت ممتلئة... بماذا يا ترى؟ توقّف، قال في نفسه، هل تكون ذكريات طفوليّة، في مثل سنّك؟ ماذا تعلم عنها، وعن وضعها ، وماذا يمكنك أن تنتظر منها؟ ماهي توقعاتك لما قد يحصل؟...

                  مرّ أسبوعان، لم يستطع فيهما أن يمنع تفكيره من الانشغال بها ولا القضاء على شغفه بتجديد رؤيتها.

                  وهكذا، قرّر أن يعاود لقاءها، بذريعة السؤال عن تطورات ملفّه.

                  -صباح الخير سيّدتي، آسف على الازعاج، أردت فقط أن أسأل إذا وردت إجابة تخصّ مطلبي.

                  - "أوه ! كم أنا سعيدة بلقائك من جديد".

                  صوتها كان أكثر وضوحا، وعيناها أشدّ لمعانا. أمّا تسريحة شعرها فقد زادتها نعومة وجمالا، وفرضت كل الاعجاب والاحترام.

                  -متأسفة، كذلك اليوم "لم يصلنا ردّ "، ولكن أجدني ممتنة بلقائك والتعبير عن "تقديري" لحضرتك.

                  - صحيح!

                  -أجل، أرجوك، هلا تفضلت بالجلوس .

                  لم يكن ينتظر رجاء ليجلس على ذلك الكرسي الوحيد المتواجد أمام مكتبها.

                  -هل تعلم، عندما راجعت ملفك ، أدركت أنك شخصية ... أعتذر عن الاستقبال في المرات السابقة! تناقشت أيضا مع زميلي بشأنك. هل تريد أن أقدمكم إلى السيّد المفوض؟

                  -لا ، لماذا الازعاج ، واضح أنكِم جميعا مستغرقون في العمل ...

                  -هذا هو خبزنا اليومي. هل تريد قهوة؟

                  في الحقيقة لا وجود لمقهى في هكذا إدارات، أمّا إذا اقتضى الأمر، يطلب الأعوان من صالون الشاي المجاور إعداد القهوة وجلبها.

                  أجاب بكل لطف: "شكرا سيدتي. أنا لا أشرب القهوة ، في الواقع، لي قصة معها."

                  -هكذا إذا! هل تقصّها لي .

                  - في بيتنا ، لم يكن والداي يشربانها ، وبالتالي لم يكن يوجد أي نوع من القهوة في المنزل. من عادتنا أن نقدّم إلى كلّ الزوار-مهما كانوا- وفي أي وقت من اليوم ما يأكلونه ولا شيء آخر. في بلدتنا أيضا، وخلال تلك الفترة، وحدها المقاهي تعدّ الشاي والقهوة وتقدم المشروبات ، وهذه الأماكن العامة يرتادها الرّجال فقط .

                  ذات مرّة، أراد والدي أن يقوم بزيارة ابن عمه المريض –في الحقيقة كان يحتضر- قدّم لي براد القهوة وبعض المال، وطلب مني ملأه من المقهى المقابل لمكتب العدل خاصته. انطلقت مسرعا إلى عمّ خميّس القهواجي الذي قام بخدمتي على الفور، وهو يمدحني كما هي عادته مع الأطفال: "تفضل أيها الشاب ، وقل لوالدك نيابة عني صباح الخير. "

                  اصطحبني والدي إلى منزل قريبنا الذي كان يعيش أيامه الأخيرة وقدمنا له تلك القهوة. هذه القصّة جعلتني أحتفظ بمعنى عبثيّ "نحن لا نقدم القهوة إلاّ إلى المرضى ، عند سكرات الموت" ومنذ تلك اللحظة ، لم يعد ذلك الشراب يستهويني.

                  اللقاء-عمل محمد بشير قلوز-ترجمة حاتم سعيد


                  من أقوال الامام علي عليه السلام

                  (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                  حملت طيباً)

                  محمد نجيب بلحاج حسين
                  أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                  نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                  تعليق

                  • منيره الفهري
                    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                    • 21-12-2010
                    • 9870

                    #24
                    نحن لا نقدم القهوة إلاّ إلى المرضى ، "في لحظاتهم الأخيرة...
                    كلمات تختزل الكثييييير الكثير..
                    شكراااا يا حاتم ابني و استاذي العزيز، لجهودك المبذولة في الترجمة و شكرا للكاتب الكبير صاحب النص الأصلي

                    تعليق

                    • محمد شهيد
                      أديب وكاتب
                      • 24-01-2015
                      • 4295

                      #25
                      نرحب بالجديد، صديقي حاتم.
                      ننتظرك.

                      تحياتي

                      م.ش.

                      تعليق

                      • حاتم سعيد
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 02-10-2013
                        • 1180

                        #26
                        مقتطف من كتاب" اللقاء" للكاتب محمّد بشير قلوز-ترجمة حاتم سعيد

                        عند دخولي المكتب ، وقف المدير وقال لي : "كلّما امتلكنا إرادة قويّة للتعلّم، ربّنا الكريم يساعدنا. وكما ترين .. ، هذه هديّة رائعة لك ، أرسلها الله الودود إليك. "

                        لم أعرف الشّخص الذي تبرّع لي بكل تلك الكتب والدفاتر وغيرها من اللوازم المدرسية لتلك السنة.

                        حاولت أن أحمل الهديّة بين ذراعي ولكنّني فشلت، كانت ثقيلة جدّا. أراد المدير أن يساعدني فقسّم محتوياتها إلى نصفين قائلا. "اليوم تأخذين قسطا، وغدا تحملين الباقي"

                        "أشكرك سيّدي ، ستحبّ صديقتي الجارة أن تساعدني في حمل الجزء الباقي ، أريد أن آخذها كلّها اليوم. أتوسّل إليك سيدي."

                        - كما تشائين. هيّا، ابحثي عن صديقتك.



                        شكرت المدير وأنا سعيدة جدا ، دون أن أطلب منه اسم صاحب الهديّة. ألم أكن أستحقها وقد كنت دائما الأولى في صفّي. ولكنني ذات يوم بكيت كثيرا. شعرت بالأذى ، من أن تصبح كرامتي مصادرة. تهيّأ لي أنّ معلّمتي التي أحبها كثيرا قامت تعمّدت الإساءة لي. حين جعلت منّي نموذجا أمام زملائي الذين هم أفضل حالا مني رغم أنّهم لا يجتهدون كثيرا في الدروس ، اعتقدت أن مديحها ينال من كرامتي. كانت تقول لهم أن البؤس والعوز والمعاناة ليست السّبب وراء عزيمتي في النجاح. لمّا أشارت بإصبعها نحوي، شعرت بالاحتقار ، أنّني بلا قيمة ، كما لو كنت أسرق مكان شخص آخر. أنا ، الفتاة الفقيرة الأقل من لا شيء ... فتركت القسم وأنا أصرخ آسفة، واتجهت مباشرة نحو باب المدرسة.

                        لمّا رآني المدير على تلك الحال أوقفني بصوته الآمر الذي لا يردّ ،: "إلى أين تذهبين هكذا؟ عودي إلى هنا ... " كان الباب مغلقا ، فلم يعد لدي خيار غير أن أعود أدراجي.

                        - ما بك ؟ ثم أضاف ، وهل تبكين أيضا؟ ماهو السّبب؟ هل أطردتك المعلّمة خارج القسم؟

                        انتحبت ، مطأطئة الرّأس ، لم أجب على أيّ سؤال. أخذ بيدي وتوجّهنا نحو القسم.

                        معلّمتي كانت قد غادرت أيضا لتلحقني. ولمّا رأتني عائدة مع المدير، زال اضطرابها.

                        - ماذا جرى ؟ سأل بنبرة غاضبة.

                        - كنت أجاملها وأقارن بينها وبين التّلاميذ الآخرين الذين لا يعتنون بدراستهم ، رغم أنّهم من عائلات أكثر ثراء ، ويمكنها أن توفّر لهم كل شيء للتعلّم بسهولة. لكنها فهمت الأمر على نحو خاطئ وأخذت في البكاء ...

                        حدّق بي المدير وقد أصابه نوع من الاستغراب ...

                        - سيّدي المدير ، كانت تقول لهم أنّني فقيرة ، أقلّ من لا شيء و ...

                        - حسنا - حسنا. فهمت ، أجاب المدير وهو يعيدني إلى مقعدي . لمّا جلست ، تحدّث إلى جميع من في القسم:

                        "إذا كان لدي تقدير خاص ، فهو لزميلتكم. لأنّها استثنائية وتستحقّ كل التّشجيع. وإذا كانت المعلّمة قد قدّمتها لكم كمثال. فذلك أنّها تريدكم كلّكم أن تكونوا مجتهدين مثلها. في هذه المدرسة لا يوجد إلاّ التلاميذ وواجبنا هو أن نعلّمكم القراءة والكتابة ، ولكن أيضًا نحن هنا، لتثقيفكم وتوجيهكم نحو المعاني النبيلة والسلوك الحسن وكل القيم والمبادئ التي تجعل منكم رجال ونساء المستقبل. هيّا عودوا إلى درسكم ، وسوف يكون تقييمنا في نهاية العام ".

                        --------------حاتم سعيد--

                        من أقوال الامام علي عليه السلام

                        (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                        حملت طيباً)

                        محمد نجيب بلحاج حسين
                        أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                        نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                        تعليق

                        • حاتم سعيد
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 02-10-2013
                          • 1180

                          #27
                          حين رافقت المعلمة المدير إلى الباب، سمعته يقول لها:"يجب الانتباه، من كل ما يمكن أن يكون له علاقة بفقرها ويتمها لأنه يؤثر عليها بشكل كبير. أشرت بإصبعك إلى مواضيع شديدة الحساسيّة لديها، فهي الآن تفهم كلّ شيء. أفهم أنك ما أردت إلاّ الثناء على جدّها واجتهادها ومقارنته بمجهود بقيّة التلاميذ ولكن عليك أن تقومي بذلك بشكل مختلف. حاولي مواساتها وتشجيعها وتجنّب ما يشعرها بالنقص والحرج. "
                          وغادر المدير من دون أن يضيف أي عتاب ..

                          في المنزل، لم أخبر أحدا بما وقع، ولكن بقي الجرح لمدّة طويلة يرافق احترامي لذاتي . تمنيت منذ تلك الحادثة أن أغيّر وضعي حينما أكبر، وأن لا أترك شيئا للصدفة. كانت مجرّد أمنية بينما الأيّام تعدّ لي مواقف أكثر سوءًا.
                          أمّي المطلّقة، ربطت علاقة مع رجل آخر وتركت أطفالها يواجهون مصيرهم . ورغم أن شقيقيّ يكبرانني إلاّ أنني كنت أشعر أنني المسؤولة عنهما، وفي يوم من الأيام، جاءت تبحث عنّي في منزل عمّي.
                          قالت: "هل تعلمين أن العائلة التي أعمل عندها، طلبت مني أن أبيت الليل عندها؟ ذلك الزوج الهرم يأمل أن أكون معه في الليل لأن السيّد عاجز ويحتاج إلى من يقدّم له الدواء عند منتصف الليل ومساعدته في الصباح. والسيدة أيضا متعبة، تتناول المهدئات والحبوب المنومة، فلا تستطيع العناية به .
                          بالنسبة لي ، لا يمكنني أن أكون معهما في الليل. لذلك اقترحت أن تتولي القيام بهذه الخدمة الليلية ، وهو ما سيسمح لك بمراجعة دروسك وانجاز واجباتك.
                          سترين، لن تكون المهمّة شاقة. عليك فقط، إعطاء السيد دواءه مرتين في الليل ومساعدته على الوضوء في الساعة الخامسة صباحا ليؤدّي فريضة الصبح.
                          وقبل خروجك إلى المدرسة ، ستقدّمين له فطور الصباح.
                          عندما أصل، سأتولى مسح الطاولة. سترين ، سيكون السيّد لطيفا جدا معك. حتّى أنّه سيكون سعيداً بمساعدتك على عمل واجباتك المدرسيّة، لكن لا يجب أن تتعبيه . فهو ينام في وقت مبكر. ستبقين قريبة من سريره ، لأنك لن تعرفي أبدا متى قد يحتاجك.
                          - في الحقيقة ، أرغب في العيش معهما، والتخفيف من العبء الذي يتحمّله عمي ، لكنك أخبرتني ذات مرة أن الزوجة كثيرة ....
                          - كثيرة ماذا؟
                          - المطالب!
                          - لا، معك سيكون الأمر مغايرا لأنك ستعفيها من عمل روتيني لم تعد قادرة على تحمّله. إنها بدورها مسنّة ومريضة.
                          - متى يجب أن أبدأ؟ وأخواي من سيهتم بهما؟
                          - إنهم أولاد كبار. لا تقلقي بشأنهم. سأحضر مساء بعد المدرسة لمرافقتك.

                          اللقاء-عمل محمد بشير قلوز-ترجمة حاتم سعيد

                          من أقوال الامام علي عليه السلام

                          (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                          حملت طيباً)

                          محمد نجيب بلحاج حسين
                          أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                          نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                          تعليق

                          • حاتم سعيد
                            رئيس ملتقى فرعي
                            • 02-10-2013
                            • 1180

                            #28
                            جديد العمل المترجم "لقاء" للكاتب محمد بشير قلوز.
                            لم تنتظر أمي لأخبرها موافقتي. أدارت ظهرها وتركتني أناقش العرض مع نفسي. "هل ألقت بي في وضعية لا يمكنني تحمّلها ؟ هل حكمت علي أن أمضي بقيّة حياتي "معينة منزلية مثلها"؟
                            تصوّرت أنّ مشاريعي الدراسية ، طموحاتي ، أحلامي ... أصبحت كلّها من الأوهام ... وأنّ كلّ شيء سقط في الماء. ما الذي يمكنني فعله، وكل العوامل المحيطة تشتدّ قسوة؟ لا أمل في المستقبل.
                            لا رابط بين أفراد العائلة، لا لُحمة، لا دفء، كلّنا بائسون في هذا البيت شبه المفتت ، بلا روح.
                            هل إذا ذهبت ، ستتاح لي فرصة العيش بشكل أفضل ولو قليلا ، هل إذا جعت سأجد المأكل...هل سأحصل على ملابس لأرتديها، هل سيكون لي سرير ، هل سأستمرّ بالذهاب إلى المدرسة. هل يمكنني أن أكون ...؟ ربما ما سأكون هو ما جعلني أقبل اقتراح والدتي .
                            طيلة اليوم ، لم أكف عن تكرار هذين الفعلين: أتحمّل و أكون ، دون أن أدرك شموليّة معانيهما ولكنني وجدت أنّهما يلخّصان حالتي وما يدور في ذهني:
                            • الاستمرار في تحمّل شقيقي ، وخاصّة ذلك العاق الميئوس منه الذي ألحق العار بجميع الحيّ .
                            • تحمّل المكر المعلن والخافي من الذين يعترضونني ، وأولهم زملائي في القسم.
                            • تحمّل نتائج الفقر والخصاصة.
                            • تحمّل كل ما المعاناة التي يمكن أن تخفيها الحياة.
                            حدّثت نفسي، أنا في كل الأحوال لا أحب هذا الفعل الذي لا يحمل أي صفة أو اسم...
                            خلافا لما يقدّمه الفعل "أكون".
                            • أن أكون إنسانة ، ولو بأدنى حدود الكرامة ، أن أصبح فتاة لها قيمة، وشخصيّة لها شأن في الحياة، والعمل ، والتفكير ، والمشاركة ، إلخ.
                            هذا هو الفعل الذي يمكننا أن نصرّفه في كل الأوقات والذي يمكن أن يجعلنا نفتخر. وقد يصبح هو نفسه صفة واسم. أن أكون.
                            ولكن!
                            كيف، وبأيّة وسيلة، وماهو الطريق، وفي أي اتجاه، ومع من. وأنا وحيدة في هذا الاختيار الذي تحف به المخاطر ولا أستطيع أن أفكر به بهدوء وطمأنينة. الأفق من حولي محدود وهذا ما يزيد من قلقي.
                            لذلك!
                            يمكن أن يمثّل عرض والدتي بداية، لأكتشف طريقا وأفتح ممرّا وأنال فرصة . وقبل كل ذلك، سيسمح لي بمعرفة طريقة عيش الآخرين من الأثرياء، سيمحني أملا، لا، بل رجاء أن يبعد عني الحزن.
                            عادت أمي في وقت متأخر من بعد الظهر لمرافقتي إلى منزل أرباب عملي الجدد ، وتقدّمني إليهم وتريني كيف أتصرّف مع هؤلاء الناس وخاصة السيد بن عبد الله الذي سأناديه منذ هذا اليوم بابا مجيد .
                            استقبلتني ربة البيت ببرود وهي تنظر إلى وجهي كما لو كنت دابة معروضة للبيع، بدت قاسية وحتى متسلّطة ، ثم خاطبت أمي قائلة:
                            - هل شرحت لها أنها هنا للعمل وتنفيذ الأوامر، وأنه لا مكان للوقاحة هنا. ستأخذينها فورا إلى الحمام ، وتغسلينها وتعتنين بها بنفسك. سأعطيها هذه المناشف النظيفة.
                            أما السيّد ، فقد كان يجلس على كرسيه المتحرك مبتسماً ومرحباً. أخذ يناديني: "تعالي يا ابنتي ، أخبريني في أي قسم تدرسين؟ تقول أمك أنك تلميذة مجتهدة ونتائجك باهرة. عليك أن تستمري. وسنساعدك على ذلك. والآن افعلي كما قالت لك السيدة سمية. "

                            من أقوال الامام علي عليه السلام

                            (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                            حملت طيباً)

                            محمد نجيب بلحاج حسين
                            أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                            نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                            تعليق

                            • حاتم سعيد
                              رئيس ملتقى فرعي
                              • 02-10-2013
                              • 1180

                              #29
                              لم أدخل في حياتي حمّاما بمثل هذا التجهيز والتنظيم وبمثل هذه المفروشات الرائعة، صابون متعدد الألوان ورف مليء بجميع أنواع الشامبو وجال الاستحمام وغيره من موادّ الرائحة والنظافة. كانت بحقّ هديّة رائعة، فهي الحمّام الأول الذي عرفت فيه معنى النظافة والراحة.
                              عندما خرجت ، لفتني السّيدة سميّة في مناشف نظيفة وسلمتني "بيجاما" مستعملة لكنها مغسولة ومكويّة.وقد زادت دهشتي عند تقديمها لي زجاجة عطر ومزيلا للعرق.
                              - حسنًا ، هذا من أجلك ، أريدك أن تكوني دائمًا نظيفة وأن تشعري بالراحة ، إنها رائحة خفيفة للآنسات الشابات. منذ يوم الغد، وبعد عودتك من المدرسة ستبدئين العمل. تتناولين العشاء قبلنا ثمّ تهتمين بنا ،بعد ذلك، تغسلين الأطباق وترتبينها ، لكن الأهمّ من كلّ ذلك، أن تعتني بالسيّد.
                              ستقدّمين له دواء منتصف الليل ، عند الساعة الثالثة وعلى الساعة السادسة صباحًا. سيساعدك هذا المنبه المبرمج في تذكر أوقات الجرعات، أمّا في الصباح فستتناولين الفطور وعند وصول والدتك تغادرين إلى المدرسة. لن أكرر ما قلته مرتين.
                              - لقد فهمت كل شيء ، سيدتي ، هذا لطف منك.



                              اللقاء-عمل محمد بشير قلوز-ترجمة حاتم سعيد

                              من أقوال الامام علي عليه السلام

                              (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                              حملت طيباً)

                              محمد نجيب بلحاج حسين
                              أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                              نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                              تعليق

                              • حاتم سعيد
                                رئيس ملتقى فرعي
                                • 02-10-2013
                                • 1180

                                #30
                                اقتباس عن قصّة الكاتب محمّد بشير قلوز "اللقاء"
                                حاتم بن الهادي سعيد

                                هي المرّة الثّالثة التي يعود فيها إلى مركز الشّرطة للحصول على رخصة صيد.
                                في بهو المركز.. عون الاستقبال يسأله عن حاجته بكل برود.
                                ***
                                - هل السّيدة في المكتب المقابل موجودة؟
                                - آه ، السّيدة سنية، أعتقد أنّها هناك، تفضّل.

                                حين طرق الباب مستأذنا. تفاجأ بوجود زميل تبدو عليه صرامة الشّرطة المعروفة، يرمقه بنظرة باردة، يشير إليه بالدّخول:

                                - ماهي حاجتك أيّها السّيد؟
                                - أريد مقابلة السّيدة سنية.

                                لم يكن يفصل بين مكتب الزّميلين إلاّ جدار قصير.

                                -آه! ها هي!

                                كانت تجلس خلف مكتب عتيق، ينقصه التّرتيب، ورثته عن زملائها السّابقين .
                                حين رأته، نهضت مسرعة من مجلسها لاستقباله بابتسامة، كانت عيناها تشعّان ببريق ساحر، وقالت بكلّ لطف
                                :

                                - مرحبا سيّدي، أنا متأسّفة جدّا، لم يصلني أيّ ردّ حول طلبك. ربّما ستمتدّ فترة انتظارنا إلى زمن أطول.

                                لم تعد تلك الإجابة تهمّه فقد اعتاد سماعها، استغرق في تأمّل وجهها لاكتشاف أسرار نضرتها وطريقة حديثها، أخذ يحدّق مليّا في شفتيها المطليّتين بأحمر الشفاه وهما تتحرّكان بخفّة، يتابع نيرتها الهادئة، محدّثا نفسه:" إنّها سّيدة مختلفة، لا شكّ عندي أنّها تمثّل استثناءًا بين موظّفي هذه المهنة لأنّهم عادة لا يتكلّمون بمثل هذه الطّريقة.

                                - حسنا ! شكرا جزيلا سيّدتي! سأعود إذا، في مرّة أخرى، إلى اللقاء.

                                عندما همّ بالخروج ، التفت إلى زميلها، كان مستغرقا في عمله كالمعتاد. حيّاه مجاملة:"وداعا أيّها السيّد "، ثمّ غادر وهو لا يعلم إن كان قد تلقّى ردّا على تحيّته.
                                شغلت تلك الشّرطيّة تفكيره بقيّة اليوم، حاول أن يفهم السّبب ولكنّ محاولاته باءت بالفشل. لم تغب صورتها عن عقله عدّة ليال. توقّف خياله عند وجهها المرحّب وخطوطه المتناغمة.
                                طريقة استقبالها وإجاباتها تختلف عن كلّ ما تعوّده من أعوان تلك المهنة عند أدائهم لعملهم، هذا الاختلاف يخفي لغزا ويجعله في حيرة.
                                بدأت القصّة مع أوّل لقاء قصير بينهما، دهش حينها بحسن استقبالها ولطفها، تحوّل ذلك الانطباع إلى قناعة بأن تصرّفها يحمل سرّا، "ما ذلك السرّ؟"، تساءل كثيرا. لكنّ كل الإجابات التي توصّل إليها لم تكن مقنعة. ضحك قليلا لمّا خطرت له فكرة وجدها سخيفة. ثمّ أخذ يحاور عقله الباطن كالمجنون.

                                -هل يكون حبّا من أوّل نظرة؟
                                -
                                لا! ما هذه الدّعابة! في مثل هذا العمر! أهتمّ بامرأة أخرى غير زوجتي، لا هذا مستحيل.
                                -إذا! ما سبب هذا التّعلّق؟ لماذا لا تفارق صورتها عقله؟ ما هذا الشيء الذي يجعله يشعر بسعادة لا توصف كلّما يتذكّر لقاءهما القصير والكلمات القليلة المتبادلة بينهما.
                                -"لا" ولكن رأيت في عينيها قصصا من ألف ليلة وليلة، تلك النظرات نطقت بأكثر من تلك الكلمات... ماذا كانت تقول؟"
                                توقّف، حدّث عقله الباطن من جديد.
                                - هل تكون ذكريات من زمن الطفولة؟
                                -في مثل ذلك السنّ؟ ماذا تعلم عنها وعن وضعها، بل ماذا تريد منها؟ ماذا تتوقع أن تكون ؟

                                مرّ أسبوعان، لم يستطع خلالهما أن يمنع تفكيره بتلك السيّدة ولا القضاء على شغفه بلقائها مجدّدا.
                                وهكذا، قرّر أن يقابلها مرّة أخرى بذريعة السّؤال عن الجديد في ملفّه.

                                -صباح الخير سيّدتي، آسف على الإزعاج، أردت فقط أن أسأل عن مطلبي، هل وصلكم أيّ ردّ حوله؟
                                - ياه ! كم أنا سعيدة برؤيتك من جديد.

                                كان صوتها أكثر وضوحا وعيناها أشدّ لمعانا، أمّا تسريحة شعرها فقد زادتها بهاء وجمالا. موظفة تفرض كل الاعجاب والاحترام.

                                -حقّا؟
                                -يؤسفني اعلامك أننا زلنا في مرحلة انتظار الرّدّ، ولكنّني حقّا، سعيدة بلقائك لأنّني أودّ أن أعبّر عن فائق تقديري لحضرتك.
                                - هل أنت جادّة!
                                -بالتأكيد، من فظلك، هل تتكرّم بالجلوس.
                                لم يكن ينتظر رجاء ليجلس على الكرسي الوحيد الموجود أمام مكتبها.
                                -بينما كنت أراجع ملفّك ، أدركت أنّك شخص محترم ... وإننّي أعتذر عن طريقة استقبالك في المرات السابقة! تناقشت أيضا مع زميلي بشأنك. هل تريد أن أقدّمك إلى السّيّد رئيس المركز؟
                                -أوه كلاّ ، لا أحبّ الازعاج ، من الواضح أنّكم جميعا مستغرقون في أعمالكم ...
                                -ذلك خبزنا اليومي. هل تشرب قهوة؟

                                في الحقيقة لا يوجد في مثل هذه الأماكن أي نوع من المقاهى، أمّا إذا اقتضى الحال فيطلبون من صالون الشاي المجاور إعداد القهوة وجلبها.

                                -أشكرك سيّدتي. أجاب بكل لطف: أنا لا أشرب القهوة، بكل صدق لديّ قصّة معها."
                                -هكذا إذا! هل يمكنني معرفتها ؟
                                - لم يكن أهلي يشربون القهوة، حتّى ضيوفنا اعتدنا أن نقدّم لهم فقط ما يأكلونه ولا شيء آخر وبالتالي لا يوجد أي نوع منها في المنزل. في تلك الفترة أيضا، كانت مقاهي بلدتنا هي الوحيدة التي تقوم بإعداد الشّاي والقهوة وتقدم المشروبات، وهذه الأماكن العامّة لا يرتادها إلاّ الرّجال.

                                من أقوال الامام علي عليه السلام

                                (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                                حملت طيباً)

                                محمد نجيب بلحاج حسين
                                أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                                نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X