السِّي الحُسين
يحكى، والعهدة على الراوي الذي قص عليَّ القصة، أن رجلا بخيلا إلى حد المرض، كان يؤجل، من بخله، الذّهابَ إلى الحمّام، [المرحاض حاشاكم]، خشية الجوع فيضطر إلى الأكل مجددا، وكان يقتر على زوجته في المصروف إلى حد الجفاف، أو الجفاء، ويحاسبها في كل مرة حسابا عسيرا إن هي أطلقت يدها في الإنفاق إن وجدت ما تنفقه أصلا، ومرة قال لزوجه:
- حضِّري لي حقيبة الحمام، [كان ينوي، على مضض، الذهاب إلى الحمام الشعبي العام كما هي عادة العرب قبل معرفة الحمام المنزلي الخاص].
وفي المساء دخل الحمَّام العمومي ودخل البيت "السخون" [وبه سمي الحمّام حمّاما لأنه من الحميم وهو الحرارة] فجاءه أحد العاملين الريس أو المُكيّس [نسميه "الموتشو" ولعلها كلمة إسبانية تعني "الصبي" أو "الغلام" أما المكيس فهو عندنا "الكيَّاس"] وبدأ بالاعتناء به: التدليك والتلييف والتغسيل إلى آخر... مما يقوم به هو، أو تابعه (البلَّان).
وهما على تلك الحال من الاستحمام والتحميم وإذا برجل تظهر عليه سيماء البذخ كأنه أمير يدخل فنهض إليه العاملون كلُّهم أجمعون حتى ذاك الذي كان مشتغلا على صاحبنا البخيل.
أتم العاملون تغسيل الرجل المحظوظ والاعتناءَ به ثم عادوا كلٌّ إلى صاحبه الذي كان معه، وعاد "موتشو" صاحبنا المدهوش من تصرف العمال كيف تركوا من كانوا معهم من الزبائن واهتموا بالوافد حتى أَنْهَوْا شغلهم معه؟ سأل الرجل المذهولُ العاملَ:
- من هذا الذي دخل فهرعتم إليه جميعا وتركتني أنتظر؟
- ألا تعرفه؟ هو السي الحسين الثري والذي لا يعرف أحد ما لَه من مالِه.
- من السي الحسين هذا؟ لم أسمع به من قبل ولم أره هنا؟
- هو رجل غَنِيٌّ جدا وزبون وَفيٌّ يأتينا كل أسبوع ويعطينا كذا وكذا من الدراهم بسخاء نادر لم نعهده في رجل قبله، والعجيب أنه بطّال لم يشتغل أبدا.
أحس بخيلنا بوخزة في قلبه وسأل مرة أخرى:
- عجيب، ومن أين له هذه الثروة الكبيرة إذن وهو لم يشتغل أبدا وليس من أسرة غنية؟
- الأمر بسيط جدا: كان السي الحسين بطالا فقيرا جدا لا يملك قوت يومه لكنه رجل محظوظ فعلا فكلما سمع بأرملة ثرية تزوجها فتكتب له ثروتها أو تموت قريبا فاغتنى سريعا وهو، كما قلت لك، يعطينا بسخاء كبير ولذا كلما جاءنا نهضنا إليه نعتني به كما رأيت.
أتم الرجل البخيل حمامه وخرج يستريح محموما مغموما مهموما ثم خرج إلى السوق فاشترى عِدْلا [قفة كبيرة] وملأه بالمقتنيات من مختلف الأصناف مما لذَّ وطاب وغلا ثمنه وبكميات لا عهد له بها من قبل وعاد إلى البيت ونادى امرأته:
- يا فلانة، تعالي واصنعي لنا عَشاء كما ينبغي ولا تقتري علينا فالدنيا موت موت.
أقبلت المرأة مسرعة فشُدِهَت المسكينة مما رأت من المُونَة، [أو الميرة]، ومن سُكُون زوجها البخيل، وبعد موجة الذهول التي غشيتها سألته باستغراب لم تضن فيه بانفعال:
- ماذا حدث يا رجل؟ هذه أول مرة منذ عرفتك تبذر هكذا؟ ما الأمر؟
فأجابها بهدوء تام كأنه يقتر بمشاعره:
- حتى لا يرث مالي السي الحسين.
الْبُليْدَة، في 12 رمضان 1440 الموافق 17 من مايو/أيار2019.
تعليق