"من نڨرين إلى لڨرين"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    "من نڨرين إلى لڨرين"

    ( 1)
    نزلتُ ضيفا على أفراد عائلة صديقي الكريمة، حظيتُ خلال الزيّارة بحفاوة كبيرة، وبعد تناولنا لوجبة الغذاء، قام يدعوني إلى نزهة خفيفة. ليس بعيدا عن المنزل، توجد غابة كثيفة تحفّ وادي " ملاّق " الشّهير. لوهلة حسبتني في "الكولورادو" اا. في أسفل الوادي، عند آخر نقطة تراها العين، هناك قنطرة هائلة تعبرها سكّة قطار. بالقرية محطّة هامّة، تربط بين الخطوط الحديديّة، تعتبر محطّة القطار المصدر الوحيد للشغل بالنسبة لسكّان القرية، وبعض من القرى والمداشر المجاورة.
    عبرنا من مكان جفّ فيه الوادي، ونحن في عزّ "أَوَسُّو" موسم الأمطار، ومع ذلك لم تنزل قطرة واحدةفي تلك الأيّام. قال لي صديقي:[تعال أريك جبل"مخيريقة"]؟ا
    لقد سبق وأن سمعتُ بهذا الإسم من خلال مشرّدين امتهنوا سرقة القطارات.
    تسلّلنا عبر المكان، ليس ثمّة فرق بين ما تراه العين، و" أريزونا" التي في الأفلام، أفلام" الكاوبوي "؛ ما أجمله من مكان اا وما أروع الشباب اا وأجمل منهما هذه الصدف، والصداقة العفوية اا
    تراءت لنا قمّة الجبل، جبل"مخيريقة " صخرة شامخة، يتوسّطها ثّقبٌ أو خرق دائريٌّ كحدوة حصان؛ لا يزال بعض من الأهالي هنا يتداولون أسطورة المكان: " ركلها حصان السيد علي- كرّم الله وجهه- في إحدى غزواته"؟ا.
    يخال للمرء أنّه في منطقة " الهقّار" بأقصى الجنوب، يا له من تبايُن مُلهِم اا
    دعوتُ الله من قلبي أن يعيدني إليها مرّة ثانية، ودعوة القلب مقبولة.
    لم يخطر ببالي حينها أن الأقدار كانت قد تكفّلت بأمنيتي.
    كدتُ أنسى جمال تلك الأماكن التي زرتُها، وفي تلك الأيّام كانت الحياة سهلة بسيطة، وكان العالم كله مبتهجا يتغنّى بالفن والجمال.
    التحقتُ بالمعهد خلال أيّام، وكانت بالنسبة لي مرحلة مهمّة في حياتي تغيّرتُ فيها كثيرا، وشيئا فشيئا بدأتُ أتأقلم مع النّظام الجديد؛ نظام صارم يفرض الهيبة والوقار، وكنت قبلها من النوع الذي يرفض الأوامر، بمعنى ثائرا "أُسابق كل الطيور".
    تعرّفتُ بأشخاص كثيرين خلال إقامتي بتلك المدينة الزّاخرة بمناظرها الطبيعية الخلاّبة، وأماكنها السيّاحية الجميلة، وآثارها العريقة الضّاربة في أعماق التّاريخ.
    في نهاية الموسم الّدراسي، تم تزويدنا ببطاقات رغبات العمل، فقمتُ بتدوين اسم البلدية التي زرتُها من قبل، وأحببتُُ رؤيتها وأن أعود إليها من جديد، لأتفسّح قليلا بين تلك الأماكن التي سلبت عقلي، وأعيش تلك اللحظات الجميلة، ويغمرني ذات الشّعور بالسّعادة الذي أحسستُ به ذات يوم وأنا أتجوّل بين الوادي وحوافه المعشوشبة والأشجار التي لا تبعد كثيرا عن الغابة الكثيفة. وفي مطلع الثمانينيات ، قامت الحكومة الجزائرية بإحداث تقسيم إداري جديد، وتم على أثره تسمية ولايات وبلديات جديدة، بغرض تقريب الإدارة من المواطن البسيط فيما يبدو للمواطن، لكن الأهداف كانت سياسيّة شعوبية، لأن هدف الحكومة الأساسي كان حسم الإنتخابات وحصد أكبر عدد ممكن من المقاعد لفائدة الحزب الحاكم، ونزولا عند رغبة بعض الوجوه المعروفة في السّاحة السيّاسيّة والعسكريّة. فكان الإجراء جهويّا بامتياز، وكان التقسيم ارتجاليا بكل المقاييس. وتم ترقية مداشر، بعض منها عبارة عن مزارع قديمة ومهجورة، هجرها الكولون بعد الاستقلال، لا تصلح أن تكون مجرّد فروع إدارية. وتم تدعيم هذه الجماعات المحليّة المستحدثة بالإطارات المتخرّجة من المعاهد الإدارية. كل شيء جرى في ظّروف استعجالية، وبصورة ستثنائيّة.
    وأما البلدية التي اخترتها وتم تعييني فيها ، فكانت في وقت ما، إبّان الأحتلال، معسكر اعتقال، ومنفى لضحايا القرارات التعسّّفية. ولاتزال بعض الآثار من خطي (شال) و(موريس) الشائكين يطوّقانها لحد الآن. ومع ذلك رغبتُ في العمل بهذه النّاحية، وكانت بالنسبة لي أغنى وأغلى مكان في العالم.

    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 09-01-2020, 09:07.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    #2
    (2)
    **
    في أول رحلة تقودني إلى القرية التي افتُتنتُ بها ذات يوم وأنا أتقلّب بين أرجائها الغامرة بالمناظر العجيبة والمتباينة، وكأنّني في أطلانتس، وكنت قد قرأت كثيرا عن أسطورة أطلانتس الضّائعة بسحرها وجمالها.
    في مركز بلدتي التي لم تقصّر قط في حبّها ورعايتها لي، ومن مكان مهمّش فيها لا يعتاده المسافرون كثيرا، وقفتُ طويلا حتى كلّت ساقاي، وهممتُ بنفسي أن أعود على قراري من اليأس وطول الأنتظار، ثم فجأة، تراءى لي "هيكل" سيارة تتلكّأ، ثمّ غير بعيد عنّا توقّفت، وكنا نَفرٌ من المتسابقين نلفّها، والمحظوظ هو من سيفوز بالسّباق وينال فيها موطئ قدم له. وبسخرية المتهكّم صاح فينا صاحبها، وهو يمعن النّظر في ملامحي الغريبة: " اركبوها بسلام آمنين مطمئنّين ". كأنّها " سفينة نوح "، وصاحبها الذي يُكنّى بـ"لالانع¨" وهي كلمة مشتقّة من الفرنسية وقد تعني المتفوّه، لأن صاحبنا كان بالفعل يطلقُ "الشرّات" والمعاني، وقد حمّل سيارة (البيجو 404) ما لاتطيقه سيارة أخرى مهما كان نوعها وحجمها، من الرّكّاب الذين فاقوا عدد المقاعد المتوفّرة، وأنواع السّلع والبضائع، وقارورات غاز البوتان التي تم زجّها في الصندوق الخلفي إلى جانب صناديق الخضر وأكياس الخبز وغيرها من المتطلّبات المعيشية الضّرورية لحياة المواطنين في الأماكن المعزولة. سيارة (البيجو 404) العائلية، هي الأكثر استعمالا سيّما في الأماكن القاحلة والبعيدة المعزولة، والأكثر رواجا في شمال أفريقيا، وتعدّ بمثابة غنيمة حرب بالنسبة للمستعمرات القديمة. وفي الأخير، وبعد طول انتظار تحرّكت بنا قافلة العم " لالانع¨ "، وكان قدري أن أجلس في آخر مقعد خلف كل الركّاب. وأمّا الجو فقد كان باردا جدّا، ونحن نتكلّم عن أوّل يناير، موسم الشّتاء و البرودة القارسة، و بلدتي التي اشتهرت كثيرا بالبرودة في فصل الشّتاء، لعلوّها النسبيّ عن مستوى سطح البحر. لم أشعر خلالها بعدد الكيلومترات وهي تمضي، لأن الرّؤية كانت مغيّبة تماما، بفعل الحشد الذي قيّد كل حركاتنا وسكناتنا داخل المركبة، وأنفاسنا المتزايدة، ونحن في طريقنا إلى الجنوب المعروف بمناخه الجاف ونباته الصّحراوي. وفي أوّل فرصة للنّظر عبر الزّجاج المضبّب من كثرة الأنفاس، رحتُ أُشاهد أكوام الحلفاء المتنامية كالفطر في الأبوار المترامية، فبدأتُ أشعر بالدفء ينعش أطرافي المتجمّدة.

    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 18-01-2020, 13:10.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #3
      (3)
      انعطفت السيارة، وتمايح الرّكاب، فأدركت أننا انفصلنا عن الطريق الرّئيسي، الوطني رقم ( 16)وسلكنا منحدرا معبّدا يعود إلى عهد الاستعمار، لكنه مازال يقاوم رغم كل السّنين، ملتويّا كالثّعبان من كثرة المنعرجات. على يساري بعض ما تبقّى من شجيرات مثمرة تعود إلى عهد التعاونيات الاشتراكية ، وعلى مسافة أمتار من الجهة المقابلة، توجد جبّّانة صغيرة مسيّجة، وفي الأخير تخلّصنا من بقية المنعرجات، إيذانا بالولوج إلى القرية الصّغيرة. وبدأت تتراءى لنا الأرصفة والطّرقات وبعض البنايات الأرضية المصفوفة، لينتهي المشهد بصومعة مسجد صغير محاط بأكواخ. ثم فجأة في الطّريق، خرجت أصوات من عادم السيارة المكسور، يطلق الدّخان والنّيران، والغازات تلفّنا ومن خلفنا، تحلّق في الأجواء. ثمّ في مفترق الطّريق، توقّفت بنا سيارة العم (لالانع¨)إيذانا بالوصول؛ آخ كم كان ركوبها سهلا، ولكن التّصديق بقدراتها العجيبة على حمل كل هذه الأشياء والأعباء صعبٌٌ جدًّا؟ا ومن لم يجرّب مثلي لن يعرف الحقيقة أبدا. والآن أنا في مفترق الطرق، والمكان شبه خالٍ، إلاّ من كلب نائم بعين واحدة وأما الأخرى فمفتوحة تُراقب، أو شيخٍ عجوزٍ هناك يتجوّل بإبريق الشّاي. رحتُ أُهرول إليه لعلّه يرشدني، وسألته عن مقر البلدية، فأمسك بيدي وقبل أن يطلقها، سكب لي قليلا مما في الإبريق، وناولني كأسا من الشّاي، سخون ومنعنع، عبيق الرّائحة الزّكيّة ينعش الرّوح ويزيل الهمّ والتّعب. سألني عن اسمي ومن أين جئتُ، وإلى أين وجهتي بالضّبط. فأخبرته بكل شيء. للحظة ظلّ ممسكا بي، تعرّفنا خلالها ببعضنا البعض، وتبيّن لي من خلال كلامه المشوّق إنه يعرف أبي وأعمامي وكل العائلة، وأنّه يُكنّى بـ(لاندوشين)، نسبة إلى حرب الهند الصّينية، والتي شارك فيها في زمن الاحتلال. تركته مسرعا في سباق مع الزّمن، وقد ضيّعت نصفه في الطّريق، وفي طريقي إلى البلدية، قابلني علم الجزائر يرفرف فوق لوحة مرئيّة كُتب عليها [المجلس الشعبي البلدي].
      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 25-01-2020, 10:37.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      • عمار عموري
        أديب ومترجم
        • 17-05-2017
        • 1300

        #4
        قصة جميلة بأسلوبها السهل وسردها الممتع وبإطارها الذي جاء في شكل انطباعات استمدها الكاتب من معاصرته لفترة محددة ومعايشتة لأشخاص معينين وفي أمكنة ومواقع جغرافية مميزة.
        يبدو أن للقصة بقية، بالنظر إلى مدلول العنوان ذي الكلمتين المتجانستين قليلا من حيث اللغة، والمتباعدتين كثيرا من ناحية الجغرافيا.
        في الانتظار إذن، أسجل محبتي الكبيرة وتحيتي الجميلة، لأخي الحبيب جدا مصباح فوزي رشيد.
        مع الاعتذار عن تأخري في قراءة هذا النص لعدم انتباهي له.
        التعديل الأخير تم بواسطة عمار عموري; الساعة 24-01-2020, 18:12.

        تعليق

        • مصباح فوزي رشيد
          يكتب
          • 08-06-2015
          • 1272

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
          قصة جميلة بأسلوبها السهل وسردها الممتع وبإطارها الذي جاء في شكل انطباعات استمدها الكاتب من معاصرته لفترة محددة ومعايشتة لأشخاص معينين وفي أمكنة ومواقع جغرافية مميزة.
          يبدو أن للقصة بقية، بالنظر إلى مدلول العنوان ذي الكلمتين المتجانستين قليلا من حيث اللغة، والمتباعدتين كثيرا من ناحية الجغرافيا.
          في الانتظار إذن، أسجل محبتي الكبيرة وتحيتي الجميلة، لأخي الحبيب جدا مصباح فوزي رشيد.
          مع الاعتذار عن تأخري في قراءة هذا النص لعدم انتباهي له.
          أنا الأولى بتقديم الاعتذار على هذا الارتجال الذي ميّز أسلوبي المتواضع في سرد بعض من المعاناة والمشاكل التي اعترضت سبيلي حين كنت شابا وتنقصني الخبرة والتجربة. ولكنك بتواضعك المعهود تحفّزنا دائما على المواظبة والعمل الدّؤوب، وهذه ميزة النّقاد الكبار.
          أشكر لك أهتمامك وهذه الرغبة في تقديم النصائح، وعلى العبارات الجميلة الطيّبة، ودمت لنا ناصحا أستاذنا الأريب[عمار عموري].
          التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 24-01-2020, 19:04.
          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

          تعليق

          • مصباح فوزي رشيد
            يكتب
            • 08-06-2015
            • 1272

            #6
            (4)
            ******
            شعور غريب ينتابني: "كيف سيكون حالي مع هؤلاء في هذه البلدية النّائيّة ؟ا". كل ما لديّ من معلومات عنها، أنّها كانت إحدى الفروع الإدارية التّابعة للبلدية الأم -كما تسمّى-، قبل أن تستفيد من القانون الجديد. كل شيء تمّ في ظروف صعبة ووقت ضيّق، وفي سريّة تامّة. لكن الشّارع لايزال يغلي في القرية النّموذجية المجاورة. الخبر نزل كالصّاعقة على سكان القرية الفلاحية الاشتراكية، أين كثر الحديث عن التفرقة و التهميش، والبطالة المتفشيّة بصورة رهيبة، وزاد على كل ذلك التقسيم الإداري المجحف: "بأيّ حق يتم اختيار قرية معزولة؟ا" بكل المقاييس معزولة، معزولة عن الطريق وعن الناس والعالم كله. هكذا يقول عنها أبناء القرية الفلاحية الاشتراكية المتاخمة لحدود البلدية الأم، والتي صارت تتبع جارتها "المعزولة" بحجّة "الأمر الواقع" و"قوة القانون". صاروا يتوجّّسون، ويترقّبون، ويتبادلون كل الأخبار… كل شيء هناك أمسى تحت المجهر؛ تحرّك الأشخاص والمنتخبين، أخطاء التسيير لا تغتفر، والعلاقات المشبوهة... ستشكّل مادة دسمة للانتقادات والتقارير، وكذلك الرسائل المجهولة التي سيتم رفعها إلى الجهات الرّسميّة. تذمّر كبير وسط الأهالي سكّان القرية الفلاحية في الشّمال، بسبب تقسيم جائر - كما يرونه - أثّر كثيرا على العلاقة بينهم وبين الجنوب ، "حرب الشّمال والجنوب" كما في الأفلام. ورغم ذلك فالعرش الكبير هو الذي فاز بالانتخابات، وحقّق الأهم، و" الفارس من ركب اليوم " - كما يقول المثل -. وأما هؤلاء " الغوغائيين " حسب رأ ي المنتخبين هنا في مقر هذه البلدية، فهم: " يجيدون النّفخ في الرّماد " و: " مجرّد نعيق يصدر من بعض المشرّدين الذين جمعتهم الظّروف، وجاؤوا من مكان بعيد". لا يعيرونهم أيّ اهتمام، ولا يلتفتون هنا إلى التحديّات التي رفعها سكان القرية الاشتراكية هناك، والذين خسروا الانتخابات و الرهان معا. و: "عقارب الزّمن لا تعود إلى الوراء "، حسب رأي هؤلاء المنتخبين الذين سيطروا على أغلب المقاعد. كل مايهمّني هو كيفية استقبالي من طرف هؤلاء المسؤولين، لستُ معنيّا بهاته الحرب ، و " لا يجب أن أنتمي إلى جهة معيّنة "، هذا ما علّمونا أيّاه ووصّونا به. حملتني الأقدار و" المكتوب " أوصلني إلى هذه الدشرة النّائيّة. وعلاقتي الحميميّة هي من دفعت بي إلى أن أختار العمل بهذا المكان المعزول. بخطوات مدروسة قمت باقتحام البوّابة الأمامية؛ في اليمين توجد حديقة صغيرة يقوم عليها عون بلدي يحمل مرشّه بيد، ومزلاجه باليد الأخرى. بعينين " واشيتين " يترصّد كل حركة تصدر؛ كانت لدي فكرة مسبّقة عن هؤلاء "الغلابة"، من الذين يضعون بيضهم كلّه في سلّة واحدة، ويراهنون على شخص بمفرده. وحين تتغيّر الأوضاع، أويتبدّل الأشخاص، يجدون أنفسهم خارج اللّعبة. القيتُ عليه التحيّة، وفهمتُ من خلال ابتسامته الصّفراء، أنهم كانوا على علم بقدومي. عبثا حاولت دغدغة مشاعره بكلام جميل، لعلّي أحصل منه على خبر مفيد، أو اكتشف شيئا ما وراء الابتسامة الشّحيحة. قرأتُ في عينيه الحذر؛ هكذا هو الحال دائما بالنسبة للأعوان في هذه البلديات النّائية. النّاس هنا يعانون من الفقر والتهميش، وكل شيء ضدّهم، وأنا أعذرهم على هذا الاحتراز وهذا التحفّظ. الحديقة الصغيرة المسيّجة تحيط بالمدخل الرّئيسي، وأيضا هي حرمة لسكن وظيفي يوجد داخلها؛ الشيء الإيجابي الوحيد ربما في قضية هذا التقسيم المرتجل، هو هذه المرافق التي تم بناؤها في وقت قياسي، من مقرّات رسميّة، وسكنات وظيفية... لكنها لا تستجيب لمقاييس البناء والعمران. بل إن بعضها تعرّض للسّقوط، بسبب الغش في مواد البناء، وغياب الرّقابة المفروضة والمتابعة الميدانية. وقد سبق لهذا السكن الوظيفي أن تعرّض سقفه الخرساني للإنهيار. سألتُ صاحبي عن رئيس البلدية هل هو موجود؟ فأجابني بالنّفي قبل حتّى أن أنهي كلامي. لكنّني رحتُ أُصرّ على رؤيته.
            التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 31-01-2020, 17:51.
            لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

            تعليق

            • مصباح فوزي رشيد
              يكتب
              • 08-06-2015
              • 1272

              #7
              (5)
              ****
              داخل مقر المجلس الشعبي البلدي، والذي يتوسّط مركز البريد والمواصلات على اليسار ومن النّاحية المقابلة . وهناك على بعد أمتار، توجد قاعة علاج. جُدران المبنى، والذي لا يختلف كثيرا عن غيره من المباني الأخرى والسّكنات العادية، تُردّد صدى خطواتي المتناهية، من كثرة الصّمت والفراغ. في اليمين عونان يتهامسان من وراء شبّاك مكتب صغير، كُتب على بابه [ الحالة المدنية ]. وفي الجهة الأخرى باب [ قاعة الجلسات ] مغلوق. قمتُ بإلقاء التحيّة علي الإثنين، ردّها عليّ أحدهما بوجه مشوّش، وأما الآخر فتظاهر بعدم الاكتراث. سألتُ الذي اكترث لشأني: " هل من مسؤول هنا ؟ "، فكان ردّه الآخر بالنّفي اا؟. احترتُ في أمري، وتعجّبتُ، وقلتُ في نفسي: " لم آتِ لأدعُوَ أبرارًا "، قالها المسيح عيسى بن مريم من قبلُ -عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة وأزكى السّلام -.
              رفعتُ برأسي، وجلتُ بنظري في الأرجاء الضيّقة؛ كل الأبواب موصدة في " شبه " المقر؛ من المفروض أن هناك تقاربا أو تشابها يجمع بين كل المقرّات الرّسمية بهذه البلديات المستحدثة، ولو أن الأمر فيه نظر واختلاف، بالرّجوع إلى المقاييس التي يتمّ من خلالها رصد المبالغ و الاعتمادات وفق شروط معيّنة لها علاقة بالجانب التقني-المالي والإداري، وبغض النّظر عن بعض الممارسات والأساليب المشبوهة التي تشوّه أو تشوب عملية البناء. وما شأني بذلك، وأنا شابٌّ صغير يجهل أكثر ممّا يعرف، في بداية مشواره مع دهاليز الإدارة الغامضة. لم تكن لي يوما تجربة، ولم أحظ بفرصة أطّلع فيها على بواطن الأمور. وحين كنتُ متربّصا بالبلدية الأم، أذكر أنّني بعد فترة التربّص عدتُ إلى المعهد بشبه مذكّرة أو أطروحة، كانت عبارة عن تجربة قمتُ فيها بجرد بعض من الوثائق والمطبوعات التي وجدتُها أمامي، أو تكرّم بها عليّ الزّملاء.
              المهمّ بالنسبة لأولئك السيّاسيين أو الذين يصدرون الأوامر من فوق، أن مهمّتهم قد أُنجزت، ووعودهم التي خطّطوا لها بسبق الإصرار والترصّد، بإنشائهم مئات البلديات في أقصى البلاد وأدنى الأرض ومعها آلاف المناصب من العدم، قد تحقّقت. لقد "ضربوا عصفورين بحجرة واحدة ". ثمّ إنّهم عرفوا كيف يتخلّصون منّا، بجردهم أيّانا، وتأهيلهم وترويضهم لنا، كالدّوجن والخرفان.

              التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 06-02-2020, 14:50.
              لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

              تعليق

              • مصباح فوزي رشيد
                يكتب
                • 08-06-2015
                • 1272

                #8
                لعنوان القصّة علاقة بشخصيّة الرّاحل ( محمّد آيت سي )؛ واحد من الشّخصيّات المعروفة بـ تفانيها وحبّها للجزائر، حيث التحق (سي محمّد) بصفوف جيش التحرير الوطني في ريعان شبابه، وتعرّض لإصابة نُقل على إثرها إلى إحدى البلدان الأوروبية، و التي كانت تقدّم الدّعم للثوّار أين تلقّى العلاج في إحدى مستشفياتها. حسب رواية أحد زملائه من الثوّار المعروفين في تلك البلدية كان قد وجّه اللّوم لي وعاتبني على عدم دعوته لرؤية الرّجل بعدما غادر البلدية، وعبثا حاولتُ التحجّج له بعدم معرفة إن كانت ثمّة علاقة تربط بينهما، لكنّه في المقابل طلب منّي إخطاره عند مجيئه في المرّة القادمة. لا أعرف ( سي محمّد ) لأنّني لم أره من قبل ولم التقِ به أبدا، لكنّني سمعتُ عنه الكثير؛ كأحد المقرّبين من الرّئيس الرّاحل ( هواري بومدين ). وفي اليوم الذي زارنا فيه، كان ذلك بغرض تكوين ملف شخصيّ، وحين رآه عون الاستقبال بتلك الملامح والهيبة، وقور ضخم البنية، انخلع قلبه، فأتى مهرولا ليخطرني بوجود شخص غريب ينتظر في الخارج. خرجتُ من ورائه بدواعي الفضول و لأتكّد من ادّعائه؛ أمثال هؤلاء الأعوان المساكين، وخاصة في المناطق النّائية، كثيرا ما يندهشون لمجرّد رؤية أشخاص غرباء بهئية محترمة أمامهم. حين وقع بصري تأكّدت من أن الشّخص هو ذاته الذي سمعتُ عنه الكثير، لملامحه القريبة جدّا من صورة أخوته، وكلّهم من أبناء البلدة. دعوتُه إلى مكتبي الذي لا يبعد كثيرا عن المكان المُخصّص لاستقبال الجمهور، والمكتب في الحقيقة عبارة عن صالة كبيرة قمتُ بتجهيزها لأنّها وحدها قادرة على استيعاب الكم الهائل من الملفّات المتراكمة، والتي كانت تعكس حينها الفوضى السياسيّة التي عاشتها البلاد خلال مرحلة التسعينيّات. بكل تواضع شكرني على حفاوة الاستقبال ودخل مباشرة في صلب الموضوع، فقاطعتّه: ” يالها من فرصة سعيدة ” واستطردتُ: ” سمعنا أنّه تمّت دعوتك من طرف (بلعيد عبد السلام) -وكان رئيس الحكومة آنذاك- لتقلّد منصب وزير المالية. فهل هذا صحيح؟” بابتسامة تعبّر عن مدى علوّ همّة الثّائر ردّ يقول: ” بل تمّت دعوتي من طرف الرئيس (الشاذلي بن جديد) نفسه، لكنّني رفضتُُ. ” وأضاف: ” عمّك (محمّد) يحب يمشي من نڨرين إلى لڨرين والراس مرفوع “. و( لڨرين ) منطقة توجد في الشّمال الشرقي للبلدية، شهدت إسقاط طائرة فرنسية من طرف أحد الثوّار، بينما ( نڨرين) فتقع في أقصى الجنوب وتبعد عن مدينة (تبسّة) بحوالي (150) مائة وخمسين كلم، وكلاهما يقع على خط (موريس) الشّهير. ومثل هذا الكلامٌ البليغ ينمّ عن قوّة الارتباط بالماضي و الوفاء للثّورة المجيدة.
                التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 01-05-2020, 01:13.
                لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                تعليق

                • عمار عموري
                  أديب ومترجم
                  • 17-05-2017
                  • 1300

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مصباح فوزي رشيد مشاهدة المشاركة
                  لعنوان القصّة علاقة بشخصيّة الرّاحل ( محمّد آيت سي )؛ واحد من الشّخصيّات المعروفة بـ تفانيها وحبّها للجزائر، حيث التحق (سي محمّد) بصفوف جيش التحرير الوطني في ريعان شبابه، وتعرّض لإصابة نُقل على إثرها إلى إحدى البلدان الأوروبية، و التي كانت تقدّم الدّعم للثوّار أين تلقّى العلاج في إحدى مستشفياتها. حسب رواية أحد زملائه من الثوّار المعروفين في تلك البلدية كان قد وجّه اللّوم لي وعاتبني على عدم دعوته لرؤية الرّجل بعدما غادر البلدية، وعبثا حاولتُ التحجّج له بعدم معرفة إن كانت ثمّة علاقة تربط بينهما، لكنّه في المقابل طلب منّي إخطاره عند مجيئه في المرّة القادمة. لا أعرف ( سي محمّد ) لأنّني لم أره من قبل ولم التقِ به أبدا، لكنّني سمعتُ عنه الكثير؛ كأحد المقرّبين من الرّئيس الرّاحل ( هواري بومدين ). وفي اليوم الذي زارنا فيه، كان ذلك بغرض تكوين ملف شخصيّ، وحين رآه عون الاستقبال بتلك الملامح والهيبة، وقور ضخم البنية، انخلع قلبه، فأتى مهرولا ليخطرني بوجود شخص غريب ينتظر في الخارج. خرجتُ من ورائه بدواعي الفضول و لأتكّد من ادّعائه؛ أمثال هؤلاء الأعوان المساكين، وخاصة في المناطق النّائية، كثيرا ما يندهشون لمجرّد رؤية أشخاص غرباء بهئية محترمة أمامهم. حين وقع بصري تأكّدت من أن الشّخص هو ذاته الذي سمعتُ عنه الكثير، لملامحه القريبة جدّا من صورة أخوته، وكلّهم من أبناء البلدة. دعوتُه إلى مكتبي الذي لا يبعد كثيرا عن المكان المُخصّص لاستقبال الجمهور، والمكتب في الحقيقة عبارة عن صالة كبيرة قمتُ بتجهيزها لأنّها وحدها قادرة على استيعاب الكم الهائل من الملفّات المتراكمة، والتي كانت تعكس حينها الفوضى السياسيّة التي عاشتها البلاد خلال مرحلة التسعينيّات. بكل تواضع شكرني على حفاوة الاستقبال ودخل مباشرة في صلب الموضوع، فقاطعتّه: ” يالها من فرصة سعيدة ” واستطردتُ: ” سمعنا أنّه تمّت دعوتك من طرف (بلعيد عبد السلام) -وكان رئيس الحكومة آنذاك- لتقلّد منصب وزير المالية. فهل هذا صحيح؟” بابتسامة تعبّر عن مدى علوّ همّة الثّائر ردّ يقول: ” بل تمّت دعوتي من طرف الرئيس (الشاذلي بن جديد) نفسه، لكنّني رفضتُُ. ” وأضاف: ” عمّك (محمّد) يحب يمشي من نع¨رين إلى لع¨رين والراس مرفوع “. و( لع¨رين ) منطقة توجد في الشّمال الشرقي للبلدية، شهدت إسقاط طائرة فرنسية من طرف أحد الثوّار، بينما ( نع¨رين) فتقع في أقصى الجنوب وتبعد عن مدينة (تبسّة) بحوالي (150) مائة وخمسين كلم، وكلاهما يقع على خط (موريس) الشّهير. ومثل هذا الكلامٌ البليغ ينمّ عن قوّة الارتباط بالماضي و الوفاء للثّورة المجيدة.
                  استدراك كان لا بد منه لتوضيح هذا الجناس الطريف الحاصل في العنوان بين الاسمين المتفقين في عدد الحروف والمختلفين في نوع الحروف. واستطراد أيضا لإدخال شخصية جديدة في السرد، وهي شخصية المجاهد سي محمد آيت...؟

                  مع تحيتي لك، الحبيب مصباح فوزي رشيد.
                  التعديل الأخير تم بواسطة عمار عموري; الساعة 03-05-2020, 12:19.

                  تعليق

                  • مصباح فوزي رشيد
                    يكتب
                    • 08-06-2015
                    • 1272

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
                    استدراك كان لا بد منه لتوضيح هذا الجناس الطريف الحاصل في العنوان بين الاسمين المتفقين في عدد الحروف والمختلفين في نوع الحروف. واستطراد أيضا لإدخال شخصية جديدة في السرد، وهي شخصية المجاهد سي محمد آيت...؟

                    مع تحيتي لك، الحبيب مصباح فوزي رشيد.
                    جزيل الشكر والامتنان أستاذنا الكبير والنّاقد الأريب [عمار عموري]على هذا التوضيح .
                    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 04-05-2020, 14:40.
                    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                    تعليق

                    يعمل...
                    X