المــــــــــــــــــــــــــرآة
أبي شخص مغرم باقتناء الأثاث المستعمل و التحف القديمة و النادرة إلى حد الهوس . وهذا ما يعرضه لسخرية أمي ، بل و لامتعاضها وهي ترى أكداسا من الأشياء التي لا تصلح – حسب رأيها – لشيء . و إذا كان المثل يقول "ابن البط عوام" ، فإني وجدت نفسي مولعا بهذه الأشياء وتنظيفها من الغبار ، ثم اللعب ببعضها كما يحلو لي ، إلى أن ينبهني أبي لكيفية استعمالها ، فأنبهر لذكائه وأزداد تقديرا له . لكني لم أكن أدري أن ولعي بما يقتنيه كاد يتسبب في إصابتي بمس من الجنون ، حسب قول أمي .
في الأسبوع الماضي ، و بينما كنا – أنا وأبي – نفرز الأشياء المتراكمة ، وقع نظري على مرآة صدئة . لكن الرؤيا إليها كانت واضحة.. أخذتها دون مبالاة أقلبها بين يدي متسائلا ماذا عساي أفعل لإزالة الصدأ الذي علق بإطارها النحاسي . وكدت أضعها جانبا لولا أن استرعى انتباهي شيء غريب . فإضافة إلى تموج صورتي ، انبعث منها شعاع خفيف ، متعدد الألوان . استغربت لذلك ، لكني عزوت الأمر إلى انعكاس نور المصباح عليها . و لكي لا يتسخ بلاط البيت بغبار الصدأ ،أخذت المرآة إلى الحمام وفي يدي قطعة حلفاء خشنة .
استرقت النظر إلى وجهي بالمرآة و أنا منهمك في الحك ، أتأمل وسامتي التي ما فتئت أمي تنوه بها – مع ذكر الصلاة على النبي – خشية أن تصيبني عين ، فخيل إلي أن شفتي تبتسمان . هل سهوت مع إعجابي بوسامتي و ابتسمت دون أن أدري؟
انتهيت من عملي ، و نفخت في المرآة ، فظهر إطارها النحاسي براقا.." لله ذرك يا أبي !.. من كان يظن أن لهذه المرآة قيمة وجمالا بمثل هذا الجمال ؟".. تأملت نقش الإطار ثم علقت المرآة فوق الحوض الرخامي و أخذت دلوا صغيرا و ملأته بالماء ، ثم صببته عليها . فما راعني سوى اختفاء صورتي وحلول دخان أسود كثيف محلها .. جحظت عيناي ، وفغر فاي دهشة سرعان ما انقلبت رعبا . فغادرت الحمام لا ألوي على شيء وأنا أترنح من هول ما رأيت . ولم أتوقف إلا وأنا على قارعة الطريق ..." ما هذا الدخان ؟ و ما سر هذه المرآة العجيبة ؟.. أأنا في حلم ؟.. هل أخبر أبي ؟ .. قد يهزأ بي ويعيرني بجبني ، وقد يشك في قواي العقلية .. ها هي أمي تناديني .. لعلها رأت ما رأيت .
قفلت راجعا وأنا أضرب أخماسا في أسداس ، ففوجئت بأمي تقبل مبتسمة وهي تطري علي و تنوه بعملي :
- مرحى .. حكيم .. لأول مرة تصنعان – أنت وأبوك - شيئا مفيدا من هذه القمامة .. يا لها من مرآة !
- هل نظرت إليها ؟
- نعم .. صفاؤها لا نظير له .
لا شك أني توهمت شيئا كاد يعرضني للسخرية . لكن هذا الاستنتاج لم يقنعني .
- هيا يا حكيم .. آن وقت النوم .
- سأذهب لأنظف أسناني .
- حسنا .
سرت نحو الحمام بخطى مترددة . وكدت مرارا أدور على عقبي ، لكن لهفتي لمعرفة ما قد يحدث كانت عظيمة .. نفسي تحدثني بأمر جلل سيقع .. أشعلت النور ونظرت إلى المرآة . لقد أصابت أمي . إني أرى بوضوح حتى لون عيني .. إذن ما الذي حدث منذ لحظات ؟.. خجلت من موقفي السابق ثم انهمكت في تنظيف أسناني . أخذت طستا أتمضمض منه ، ولم أكن أمسك به جيدا ، فانزلق من يدي و تناثر منه الماء حتى وصل رذاذه إلى المرآة . وهنا وقف شعر رأسي . لا .. أنا لا أحلم و لا أتوهم . هاهو الدخان الكثيف ينبعث من المرآة فتصير داكنة . و تمتد يدي في حركة لا شعورية إلى مقبض الباب فلا ينفتح . حركته بعنف فكاد ينكسر .
تسارعت دقات قلبي حتى خلته سيتوقف عن النبض و أخفيت عيني بيدي وأنا أتوقع شيئا فظيعا . ثم نظرت بين أصابعي ، فرأيت – و يا للعجب! – الدخان ينقشع عن طريق طويل ، زاهي الألوان محفوفا بالعشب الأخضر والأشجار اليانعة . . فلقيت نفسي أنطلق و أعدو ، بينما إحساسي بالهلع يتلاشى .. وقد شمل نفسي حبور مفاجئ . تساءلت " أيكون كل هذا حلما ؟ "..و لم أتوقف إلا عند ضفة نهر يتلألأ ماؤه صفاء . جلست مشمرا عن ساقي ثم وضعت رجلي في الماء .. كان السكون يطبق على المكان إلا من خرير الماء و زقزقة العصافير و- أحيانا- حفيف الشجر .
لا أدري كم مر من الوقت و أنا على هذه الحال حين تناهى إلى سمعي لحن شجي . التفتت إلى مصدر الصوت.. ولم يطل بي الأمر، فما لبثت أن بصرت بصبية تنبعث من بين الأعشاب السامقة ، وهي تمسك بقصبة . تقدمت إلى النهر، وحين مرت بجانبي ألقت التحية دون أن تلتفت إلي . رددت التحية باقتضاب ثم انتظرت هنيهة . لكنها وقفت تنظر إلى النهر بإمعان ، و طال بها الأمر كذلك ، فلم أجد بدا من التقدم نحوها وقلت :
- عفوا.. هل يمكنك أن تخبريني أين نحن ؟
- و ماذا يهمك من ذلك ؟.. ألست مرتاحا ؟
- بلى.. ولكني لم أر هذا المكان من قبل .. هل هي جزيرة ؟
- ألم تستكشف المكان بعد ؟.. خلتك محبا للاستطلاع والمعرفة !
أحسست بالدم يصعد إلى وجهي فيحتقن ، لكنها أردفت :
- حسبك أن تعرف أن من حل بهذا المكان ، سهل عليه كل شيء .. ونال كل ما يريد .
- حقا ؟ - قلتها والأحلام تداعب رأسي .
- حقا.. لكن بشروط .. وقد لا تستطيع تحملها ..
شملني إحساس بخيبة الأمل ، و لاحظت هي ذلك فقالت مبتسمة:
- وأولها عدم اليأس .
- حسنا .. سنرى من بعد .. أنا الآن جائع .. هل لديك ما يؤكل ؟
- الكل هنا يعتمد على نفسه .. ألا تراني أمسك بقصبة ؟ .. هيا افعل مثلي !
و حين لاحظت حيرتي تقدمت نحو النهر ، وفي حركة أقرب من لمح البصر ، رأيتها تغرز القصبة في قاع النهر ثم تجذبها . فإذا بسمكة تنتفض بطرفها .
- أرأيت ؟.. لقد ضمنت غذائي .. ماذا عساك تفعل الآن ؟
(يتبع)
أبي شخص مغرم باقتناء الأثاث المستعمل و التحف القديمة و النادرة إلى حد الهوس . وهذا ما يعرضه لسخرية أمي ، بل و لامتعاضها وهي ترى أكداسا من الأشياء التي لا تصلح – حسب رأيها – لشيء . و إذا كان المثل يقول "ابن البط عوام" ، فإني وجدت نفسي مولعا بهذه الأشياء وتنظيفها من الغبار ، ثم اللعب ببعضها كما يحلو لي ، إلى أن ينبهني أبي لكيفية استعمالها ، فأنبهر لذكائه وأزداد تقديرا له . لكني لم أكن أدري أن ولعي بما يقتنيه كاد يتسبب في إصابتي بمس من الجنون ، حسب قول أمي .
في الأسبوع الماضي ، و بينما كنا – أنا وأبي – نفرز الأشياء المتراكمة ، وقع نظري على مرآة صدئة . لكن الرؤيا إليها كانت واضحة.. أخذتها دون مبالاة أقلبها بين يدي متسائلا ماذا عساي أفعل لإزالة الصدأ الذي علق بإطارها النحاسي . وكدت أضعها جانبا لولا أن استرعى انتباهي شيء غريب . فإضافة إلى تموج صورتي ، انبعث منها شعاع خفيف ، متعدد الألوان . استغربت لذلك ، لكني عزوت الأمر إلى انعكاس نور المصباح عليها . و لكي لا يتسخ بلاط البيت بغبار الصدأ ،أخذت المرآة إلى الحمام وفي يدي قطعة حلفاء خشنة .
استرقت النظر إلى وجهي بالمرآة و أنا منهمك في الحك ، أتأمل وسامتي التي ما فتئت أمي تنوه بها – مع ذكر الصلاة على النبي – خشية أن تصيبني عين ، فخيل إلي أن شفتي تبتسمان . هل سهوت مع إعجابي بوسامتي و ابتسمت دون أن أدري؟
انتهيت من عملي ، و نفخت في المرآة ، فظهر إطارها النحاسي براقا.." لله ذرك يا أبي !.. من كان يظن أن لهذه المرآة قيمة وجمالا بمثل هذا الجمال ؟".. تأملت نقش الإطار ثم علقت المرآة فوق الحوض الرخامي و أخذت دلوا صغيرا و ملأته بالماء ، ثم صببته عليها . فما راعني سوى اختفاء صورتي وحلول دخان أسود كثيف محلها .. جحظت عيناي ، وفغر فاي دهشة سرعان ما انقلبت رعبا . فغادرت الحمام لا ألوي على شيء وأنا أترنح من هول ما رأيت . ولم أتوقف إلا وأنا على قارعة الطريق ..." ما هذا الدخان ؟ و ما سر هذه المرآة العجيبة ؟.. أأنا في حلم ؟.. هل أخبر أبي ؟ .. قد يهزأ بي ويعيرني بجبني ، وقد يشك في قواي العقلية .. ها هي أمي تناديني .. لعلها رأت ما رأيت .
قفلت راجعا وأنا أضرب أخماسا في أسداس ، ففوجئت بأمي تقبل مبتسمة وهي تطري علي و تنوه بعملي :
- مرحى .. حكيم .. لأول مرة تصنعان – أنت وأبوك - شيئا مفيدا من هذه القمامة .. يا لها من مرآة !
- هل نظرت إليها ؟
- نعم .. صفاؤها لا نظير له .
لا شك أني توهمت شيئا كاد يعرضني للسخرية . لكن هذا الاستنتاج لم يقنعني .
- هيا يا حكيم .. آن وقت النوم .
- سأذهب لأنظف أسناني .
- حسنا .
سرت نحو الحمام بخطى مترددة . وكدت مرارا أدور على عقبي ، لكن لهفتي لمعرفة ما قد يحدث كانت عظيمة .. نفسي تحدثني بأمر جلل سيقع .. أشعلت النور ونظرت إلى المرآة . لقد أصابت أمي . إني أرى بوضوح حتى لون عيني .. إذن ما الذي حدث منذ لحظات ؟.. خجلت من موقفي السابق ثم انهمكت في تنظيف أسناني . أخذت طستا أتمضمض منه ، ولم أكن أمسك به جيدا ، فانزلق من يدي و تناثر منه الماء حتى وصل رذاذه إلى المرآة . وهنا وقف شعر رأسي . لا .. أنا لا أحلم و لا أتوهم . هاهو الدخان الكثيف ينبعث من المرآة فتصير داكنة . و تمتد يدي في حركة لا شعورية إلى مقبض الباب فلا ينفتح . حركته بعنف فكاد ينكسر .
تسارعت دقات قلبي حتى خلته سيتوقف عن النبض و أخفيت عيني بيدي وأنا أتوقع شيئا فظيعا . ثم نظرت بين أصابعي ، فرأيت – و يا للعجب! – الدخان ينقشع عن طريق طويل ، زاهي الألوان محفوفا بالعشب الأخضر والأشجار اليانعة . . فلقيت نفسي أنطلق و أعدو ، بينما إحساسي بالهلع يتلاشى .. وقد شمل نفسي حبور مفاجئ . تساءلت " أيكون كل هذا حلما ؟ "..و لم أتوقف إلا عند ضفة نهر يتلألأ ماؤه صفاء . جلست مشمرا عن ساقي ثم وضعت رجلي في الماء .. كان السكون يطبق على المكان إلا من خرير الماء و زقزقة العصافير و- أحيانا- حفيف الشجر .
لا أدري كم مر من الوقت و أنا على هذه الحال حين تناهى إلى سمعي لحن شجي . التفتت إلى مصدر الصوت.. ولم يطل بي الأمر، فما لبثت أن بصرت بصبية تنبعث من بين الأعشاب السامقة ، وهي تمسك بقصبة . تقدمت إلى النهر، وحين مرت بجانبي ألقت التحية دون أن تلتفت إلي . رددت التحية باقتضاب ثم انتظرت هنيهة . لكنها وقفت تنظر إلى النهر بإمعان ، و طال بها الأمر كذلك ، فلم أجد بدا من التقدم نحوها وقلت :
- عفوا.. هل يمكنك أن تخبريني أين نحن ؟
- و ماذا يهمك من ذلك ؟.. ألست مرتاحا ؟
- بلى.. ولكني لم أر هذا المكان من قبل .. هل هي جزيرة ؟
- ألم تستكشف المكان بعد ؟.. خلتك محبا للاستطلاع والمعرفة !
أحسست بالدم يصعد إلى وجهي فيحتقن ، لكنها أردفت :
- حسبك أن تعرف أن من حل بهذا المكان ، سهل عليه كل شيء .. ونال كل ما يريد .
- حقا ؟ - قلتها والأحلام تداعب رأسي .
- حقا.. لكن بشروط .. وقد لا تستطيع تحملها ..
شملني إحساس بخيبة الأمل ، و لاحظت هي ذلك فقالت مبتسمة:
- وأولها عدم اليأس .
- حسنا .. سنرى من بعد .. أنا الآن جائع .. هل لديك ما يؤكل ؟
- الكل هنا يعتمد على نفسه .. ألا تراني أمسك بقصبة ؟ .. هيا افعل مثلي !
و حين لاحظت حيرتي تقدمت نحو النهر ، وفي حركة أقرب من لمح البصر ، رأيتها تغرز القصبة في قاع النهر ثم تجذبها . فإذا بسمكة تنتفض بطرفها .
- أرأيت ؟.. لقد ضمنت غذائي .. ماذا عساك تفعل الآن ؟
(يتبع)
تعليق