صناديق من الذاكرة
.............
.............
هناك في طرف الطفولة، بنيّة صغيرة اسمها سوسن، كانت في فترة ما من حياتها، لا تمتلك من الرفاهة شيئا ولا يمكنها أن تلامس أناملها الصغيرة دمى المغازات ذات العيون البلورية البراقة والشعر الذهبي المسترسل بدلال...
هي تملك أكثر من ذلك بعالمها البسيط الجميل المريح :
دمية من قطعة قماش اختلسته في غفلة ما من صندوق ثياب جدّتها المتوفاة والتي لا يحتاجها أحد من العائلة لكن بتفكيرها الصغير شعرت أنّ لها رغبة عارمة أن تصنع دمية بنفسها تذكرها بجدّتها الوحيدة التي كانت تعطف عليها وتربت على شعرها بحنان وتخبئ لها قطعة الحلوى والسكّر ...
تشعر حين تذهب إلى بيتها الكبير "الحوش" أنّها في آمان متنقلة من غرفة لأخرى لترسم على خوابي الزيت وقلال السمن والعسل عصافير وحماما وجبالا كثيرة....
لم تكن سوسن طفلة ساذجة بل كانت عيناها تتقدان ذكاء وحياة .. تخيط بنفسها ثياب دميتها تلك الخشبية بقطع قماش مزركشة تشعر أنها قهرت الفقر ولعنة الاحتياج لأنها بدميتها أصبحت أغنى الناس ، فعلا هي تظن ذلك، "كأنها كل ما تملكه في الحياة".
تلك الحياة لم تكن ثرية بالنوادي والاختلاط بل كانت جافة كتلك الأرض الوعرة بما تفرضه الأسر الجنوبية من تقاليد وحبس ظلّ إلى الآن يصدر أحكامه الأبديّة لأنّ أهل الجبل يتمسّكون بأهداب التقاليد ويحافظون بطريقة متطرّفة على الشرف والأخلاق لدرجة التضحية بالحرية والهواء...
لذلك أصبح عالم الذكور وطنا غريبا لا يُسمح بولوجه وكأنه إثم كبير يلوّث تلك البراءة وذلك النقاء فابتعدت عنه مسافات ولم تعد تهتم به لأنّهم صوّروه لها كغول مفترس ذات عيون كبيرة وأصابع تطول عفافها....
يتبع ...
تعليق