صناديق من الذاكرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    صناديق من الذاكرة

    صناديق من الذاكرة
    .............


    هناك في طرف الطفولة، بنيّة صغيرة اسمها سوسن، كانت في فترة ما من حياتها، لا تمتلك من الرفاهة شيئا ولا يمكنها أن تلامس أناملها الصغيرة دمى المغازات ذات العيون البلورية البراقة والشعر الذهبي المسترسل بدلال...
    هي تملك أكثر من ذلك بعالمها البسيط الجميل المريح :
    دمية من قطعة قماش اختلسته في غفلة ما من صندوق ثياب جدّتها المتوفاة والتي لا يحتاجها أحد من العائلة لكن بتفكيرها الصغير شعرت أنّ لها رغبة عارمة أن تصنع دمية بنفسها تذكرها بجدّتها الوحيدة التي كانت تعطف عليها وتربت على شعرها بحنان وتخبئ لها قطعة الحلوى والسكّر ...
    تشعر حين تذهب إلى بيتها الكبير "الحوش" أنّها في آمان متنقلة من غرفة لأخرى لترسم على خوابي الزيت وقلال السمن والعسل عصافير وحماما وجبالا كثيرة....
    لم تكن سوسن طفلة ساذجة بل كانت عيناها تتقدان ذكاء وحياة .. تخيط بنفسها ثياب دميتها تلك الخشبية بقطع قماش مزركشة تشعر أنها قهرت الفقر ولعنة الاحتياج لأنها بدميتها أصبحت أغنى الناس ، فعلا هي تظن ذلك، "كأنها كل ما تملكه في الحياة".

    تلك الحياة لم تكن ثرية بالنوادي والاختلاط بل كانت جافة كتلك الأرض الوعرة بما تفرضه الأسر الجنوبية من تقاليد وحبس ظلّ إلى الآن يصدر أحكامه الأبديّة لأنّ أهل الجبل يتمسّكون بأهداب التقاليد ويحافظون بطريقة متطرّفة على الشرف والأخلاق لدرجة التضحية بالحرية والهواء...
    لذلك أصبح عالم الذكور وطنا غريبا لا يُسمح بولوجه وكأنه إثم كبير يلوّث تلك البراءة وذلك النقاء فابتعدت عنه مسافات ولم تعد تهتم به لأنّهم صوّروه لها كغول مفترس ذات عيون كبيرة وأصابع تطول عفافها....

    يتبع ...
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2
    -
    -

    تعود كلّ يوم من مدرستها القابعة في أطراف القرية وتتناول لمجتها من زيتون وخبز "الطابونة" وربما "بسيسة"
    أو كأس حليب طازج تحلبه أختها الكبرى من معزاتها "شهبوبة" هي التي أسمتها هكذا وهي "معزاة" تستوعب وتفهم .
    وكثيرا ما كانت سوسن تناديها باسمها فتركض إليها وكأنّها تعانقها وهي تلامس وجهها الصغير...
    الويل لها إن عبّرت عن امتعاضها وكرهها للحليب ، تتعرّض للضرب والعقاب الشديد ، يجبرونها أن تغسل الأواني الكبيرة وأن تذهب إلى "الماجل" القريب من البلدة لترعى معزاتها وجديها الوحيد ...

    كانت تفرح لذلك العقاب لأنه يبعدها عن الأجواء العائليّة ويمكّنها وهي الطفلة التي لم تتجاوز الثامنة، أن تخلو إلى جمال الطبيعة وتتأمّل ببراءة الجبال الشاهقة المحيطة بحقول النخيل والزيتون..هناك فقط تشعر بأنها أكبر من طفولتها وأكبر من تفكير عقول عائلتها، هناك كانت تردد قصائد الشابي وأحمد اللغماني وجعفر ماجد تلك المحفوظات التي تمكّنها من أروع الأعداد في المدرسة .. تلقيها بأعلى صوتها فيعود لها الصدى من السواقي والجبال والتضاريس ... تبتسم ثم تضحك – تضحك كثيرا بأعلى صوتها وتركض طويلا وتمضي بعيدا خلف معزاتها التي تقفز مثل غزال شارد.....

    هناك دائما يد كبيرة تأرجح مفاتيح الحبس وتمنع الألوان والحب لأن الحب في "القبائل ممنوع " والرؤية ضبابية والصمت سيّد الموقف حتى وإن كان حب تلميذ في نفس فصلها هي لا تدرك وقتها ما معنى الحب لكن كانت الصداقت الجميلة تفرض نفسها عليها وتبتسم لزهرة صفراء يسمونها "نوّارة عشيّة" يهديها لها زميلها التلميذ او معلّمها الذي يحبها كثيرا ويفتخر بها كانجب من في القسم....



    يتبع ...
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • سليمى السرايري
      مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
      • 08-01-2010
      • 13572

      #3
      -


      إنّها الأولى في الرسم في الإنشاء في الحساب في الإيقاظ العلمي والأولى في الهندام واللطافة لذلك كان معلّمون الفصول الأخرى يأتون خصيصا إلى معلّمها ويطلبون منه أن يستلفونها قليلا....
      انتهت كل تلك الذكريات التي مازالت تتّخذ مساحات كبيرة في روحها وانتقلت من الريف إلى العاصمة ...
      كانت تظنّ أن كلّ شيء سيتغيّر غير انها أدركت أنهم غيّروا فقط المكان أمّا الطباع نفسها ،هناك دائما مراهقة مقتولة مسطّرة لخطواتها وتحرّكاتها ومشاعرها، لا يهمهم إن كانت تلك المراهقة تبكي ولا يهمهم إن كانت صامتة لكن يهمهم جدا لو تمرّدت قليلا وعبّرت عن رأيها بحريّة فهنا تقوم القائمة...
      سوسن اليوم أصبحت فتاة شابة جميلة لكن في عينيها حزن وفي صمتها شيء ضائع..... لا تعرف إن كان ذلك الأفق الممتدّ فوق قمم الجبال أم تلك المساحات الشاسعة والغابات المترامية خلف الهضاب والتضاريس...

      منذ مغادرتها قريتها وفصول المدرسة وصديقها التلميذ النجيب وحب المعلّمين لها، أصبح صوتها تسكنه نبرة حزن كبرت معها وأصبحت جزء منها ربما اكسبتها بصمة خاصة في حياتها وميّزتها عن الذين يأخذون الحياة بسطحيّة...


      هاهي تغمض عينيها فجأة لتلمح الشمس تلوّح لها خلف الجبال والرواسي
      جبال بعيدة جدا وصورة طفلة تركض سعيدة بين يديها كراس المحفوظات...


      انتهت.
      لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

      تعليق

      • رياض القيسي
        محظور
        • 03-05-2020
        • 1472

        #4
        أ. سليمى..
        اعجبني كثيراهذا السرد
        الجميل.
        بقلم فنانة مبدعة متميزة
        افكار وكلمات في قصتك.
        بمنتهى الروعة.
        وأختيارك شيق وواضح فيه
        الحس الفني الرائع..
        تقديري وتحياتي

        تعليق

        • السعيد ابراهيم الفقي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 24-03-2012
          • 8288

          #5
          هاهي تغمض عينيها فجأة لتلمح الشمس تلوّح لها خلف الجبال والرواسي
          جبال بعيدة جدا وصورة طفلة تركض سعيدة بين يديها كراس المحفوظات...

          ====
          قرأت هذه الفقرات من القصة بسرعة ..... وسأعود .. مرة أخرى
          سأتابع،
          وتحياتي،
          لك،
          ولبطلة القصة ..

          تعليق

          • سليمى السرايري
            مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
            • 08-01-2010
            • 13572

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة رياض القيسي مشاهدة المشاركة
            أ. سليمى..
            اعجبني كثيراهذا السرد
            الجميل.
            بقلم فنانة مبدعة متميزة
            افكار وكلمات في قصتك.
            بمنتهى الروعة.
            وأختيارك شيق وواضح فيه
            الحس الفني الرائع..
            تقديري وتحياتي
            شكرا جزيلا لك أستاذ رياض القيسي على لطف حضورك وتعليقك
            أرجو أن الاحداث الريفية اعجبتك

            تقبّل فائق التحية والتقدير
            لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

            تعليق

            • سليمى السرايري
              مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
              • 08-01-2010
              • 13572

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة السعيد ابراهيم الفقي مشاهدة المشاركة
              هاهي تغمض عينيها فجأة لتلمح الشمس تلوّح لها خلف الجبال والرواسي
              جبال بعيدة جدا وصورة طفلة تركض سعيدة بين يديها كراس المحفوظات...

              ====
              قرأت هذه الفقرات من القصة بسرعة ..... وسأعود .. مرة أخرى
              سأتابع،
              وتحياتي،
              لك،
              ولبطلة القصة ..
              امتناني لمروركم اللطيف أستاذنا الفاضل السعيد ابراهيم الفقي
              انتظر مروركم من جديد إن شاء الله من هذه الأقصوصة الواقعية.

              مع فائق التحيات الجميلة لكم.
              لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

              تعليق

              • رياض القيسي
                محظور
                • 03-05-2020
                • 1472

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة سليمى السرايري مشاهدة المشاركة
                شكرا جزيلا لك أستاذ رياض القيسي على لطف حضورك وتعليقك
                أرجو أن الاحداث الريفية اعجبتك

                تقبّل فائق التحية والتقدير
                نعم اعجبني كثيرا
                في الريف سر عجيب.. الحياة
                الجميلة
                هل تعلمين.. من ريفنا وبلدتي
                خرج منها الرؤساء والوزراء
                والحكماء وحملة الشهادات
                العليا من كل الاختصاصات
                وكان لهم دور كبير في قيادة
                العراق عقود طويلة..
                كان والدي رحمه الله مزارعا.. يملك
                ارضا شاسعة.. وفيها حقول للابقار
                والاغنام والداوجن والطيور وما زالت
                لدينا في قرى المنطقة الشمالية الغربية
                في العراق.. كنت حينها ما زلت صبيا
                لكني ومع نهاية الدوام المدرسي. فاتناول
                وجبة الغداء.. احمل كتبي واذهب الى
                المزرعة. كنت اشاهده كيف يهتم بالاشجار
                المتنوعه من الفاكهة والحمضيات والنخيل
                وغيرها..ارفق صورة من مزرعتيIMG_20210714_154900_827.jpg

                تحياتي
                IMG_20210714_154836_578.jpg
                التعديل الأخير تم بواسطة رياض القيسي; الساعة 16-01-2022, 19:27.

                تعليق

                • م.سليمان
                  مستشار في الترجمة
                  • 18-12-2010
                  • 2080

                  #9
                  أعجبني كثيرا البناء النفسي الجيد لشخصية القصة "سوسن" الطفلة أولا، في تلك القرية الجبلية التي ما زالت تحرس عاداتها وتقاليدها المحافظة روح الأجداد، أين بدأت تتكون انطباعاتها الأولية عن سكان القرية ومشاعرها وأحاسيسها وأهمها الحرية والحب. وسوسن االمراهقة ثانيا، التي أسعفها الحظ عندما وجدت تباشير حلمها الكبير تلوح في سماء مدينة العاصمة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن العادات والتقاليد الأسرية السابقة ما زالت تلاحقها وتتعقبها في الخارج...وتلازمها وتضيق عليها داخل البيت.

                  قصة تستحق القراءة والنقد.

                  تقبلي تحيتي الجميلة، أ. سليمى السرايري
                  مع كامل الاحترام والتقدير.
                  sigpic

                  تعليق

                  • سليمى السرايري
                    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
                    • 08-01-2010
                    • 13572

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة م.سليمان مشاهدة المشاركة
                    أعجبني كثيرا البناء النفسي الجيد لشخصية القصة "سوسن" الطفلة أولا، في تلك القرية الجبلية التي ما زالت تحرس عاداتها وتقاليدها المحافظة روح الأجداد، أين بدأت تتكون انطباعاتها الأولية عن سكان القرية ومشاعرها وأحاسيسها وأهمها الحرية والحب. وسوسن االمراهقة ثانيا، التي أسعفها الحظ عندما وجدت تباشير حلمها الكبير تلوح في سماء مدينة العاصمة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن العادات والتقاليد الأسرية السابقة ما زالت تلاحقها وتتعقبها في الخارج...وتلازمها وتضيق عليها داخل البيت.

                    قصة تستحق القراءة والنقد.

                    تقبلي تحيتي الجميلة، أ. سليمى السرايري
                    مع كامل الاحترام والتقدير.
                    الأديب والإنسان الراقي م.سليمان

                    أسعدتني متابعتك هذه القصة الحقيقية من ريف قريتنا بالجنوب
                    ممتنّة جدّا لتشجيعك لكلّ ما انشرح حرفا وفنّا..
                    تقبّل فائق التقدير واجمل التحايا.
                    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

                    تعليق

                    • ناريمان الشريف
                      مشرف قسم أدب الفنون
                      • 11-12-2008
                      • 3454

                      #11
                      لم تكن سوسن طفلة ساذجة بل كانت عيناها تتقدان ذكاء وحياة .. تخيط بنفسها ثياب دميتها تلك الخشبية بقطع قماش مزركشة تشعر أنها قهرت الفقر ولعنة الاحتياج لأنها بدميتها أصبحت أغنى الناس ، فعلا هي تظن ذلك، "كأنها كل ما تملكه في الحياة".

                      ذكرتني هذه السطور بروايتي ( لست وحدي )
                      أشفقت على سوسن الصغيرة ... التي كانت تصنع دميتها بنفسها ومع ذلك كانت لا تنجو من الركل والرفس التي كان يرفسها زوج أمها

                      سرد جميل
                      قرأت الجزء الأول وسأعود لاستكمالها
                      لك تحيتي ومحبتي ... ناريمان

                      sigpic

                      الشـــهد في عنــب الخليــــل


                      الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                      تعليق

                      • سليمى السرايري
                        مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
                        • 08-01-2010
                        • 13572

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ناريمان الشريف مشاهدة المشاركة
                        لم تكن سوسن طفلة ساذجة بل كانت عيناها تتقدان ذكاء وحياة .. تخيط بنفسها ثياب دميتها تلك الخشبية بقطع قماش مزركشة تشعر أنها قهرت الفقر ولعنة الاحتياج لأنها بدميتها أصبحت أغنى الناس ، فعلا هي تظن ذلك، "كأنها كل ما تملكه في الحياة".

                        ذكرتني هذه السطور بروايتي ( لست وحدي )
                        أشفقت على سوسن الصغيرة ... التي كانت تصنع دميتها بنفسها ومع ذلك كانت لا تنجو من الركل والرفس التي كان يرفسها زوج أمها

                        سرد جميل
                        قرأت الجزء الأول وسأعود لاستكمالها
                        لك تحيتي ومحبتي ... ناريمان


                        سعدتُ جدا بقراءتك الجزء الاول من قصة حقيقية في ريف قريتنا الجبلية بالجنوب التونسي
                        شكرا الغالية ناريمان الشريف

                        شرّفني حضورك عزيزتي
                        لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

                        تعليق

                        يعمل...
                        X