The Pied Piper of Hamelin ترجمة

مقدمتي
لا أعتقد أن أحدا ترجم هذا العمل للعربية قبلي . درست العمل بشكل جيد من خلال عدة مصادر اجنبية
لكنني لم أترجم جميع القصيدة أو في الحقيقة عدة قصائد فأكتفيت بترجمة ما يخص عنوان القصة أعلاه.
القصة ببساطة نوع من القصص الخرافية ( fairy tales ) , وهذا النمط من القصص مألوف في عالمنا العربي أيضا.
وفي العراق وفي مدينتي الموصل كنت اسمع هكذا قصص وروايات وأنا صبي صغير ,ففي أعوام الخمسنيات والستنيات وعلى سبيل المثال:
طالما كانت تحكي لنا جداتنا العجائز هكذا قصص كقصة الجنية والعفريت وعوج أبو عنك ( دبل كاف) والسعلوة ..والخ
بدأ رواة هكذا نمط من القصص يمضحلون بشكل تدريجي اعتبارا من أواخر العقد السبعيني , أو أن تلك القصص لم يعد لها قبول من قبل الأطفال.
أو أن أطفال جيل العقود المتأخرة من القرن الماضي صاروا لا يصدقون تلك القصص الخرافية كما كانت الأجيال السابقة لهم تصدقها وتستمع لها بشغف وتنتظر الجدات ساعات طويلة حتى يحين الليل ولا سيما في ليالي الشتاء كي تروي لهم القصص.
وفي صدق القول رغم أن الخرافة بادية في تلك القصص لكنها لا تخلو من عبر : إما تحذير الأطفال من الغرباء وعدم الخروج إلى مسافات بعيدة خارج القرية إلا بمعية الكبار أو أنها في الجانب الأخر أي القصص لا تخلو من متعة ولا تخلو من عبر أخرى عدا التخويف فقد يكون الأمل في الحظ , الصدق , أو أن القوة والطغيان لا يسودان إلى الأبد , كذلك احترام الأباء ... لا يملكني المجال في جلب نماذج من تلك القصص التي لا تزال ترن في ذاكراتي لعشرات من الأعوام.
لكن بالمقارنة مع هذه القصة ( المنقولة بأقوال شعرية من قبل الشاعر الإنجليزي روبرت براون ) التي أنا بصدد ترجمتها
أجد الدوافع ذاتها والمغازي themes ذاتها : أيضا نستخلص العبرة ( أن الإنسان أي إنسان على وجه الأرض ) يجب أن يفي بوعده ويكون صادقا في كلمته سواء كان مصدقا أم مكذبا بما هو جدير به .وربما هذه الخصلة تؤكد عليها الكتب السماوية فقد وردت في الأنجيل .
وهكذا نرى عندما أهل بلدة هاملن الألمانية خلفوا وعدهم ولم يعطوا عازف المزمار ( The Piper ) حتى لو كان رجل اسطوري لكنه خلصهم من الفئران والجرذان التي كانت تنقل مرض ( الطاعون ) بواسطة مزماره الذي سحر به تلك الجرذان وأخرجها خارج المدينة لتغرق جميعا في البحر , لكنه عاد وانتقم منهم لأنهم لم يؤدوا له نصيبه من المال المتفق عليه فغدر بهم فعمد في المرة الثانية بشعوذته غواية أطفالهم بواسطة مزماره وأخرجهم إلى ذلك التل الذي اسميته في ترجمتي ( تل النكبة )
وهنا لا أدري هل أن الأرض انشقت بهم وأبتعلتهم !!
لكنهم في أية حال لم يعودوا مطلقا.
بعد النكبة حدث الحزن وعم الأرجاء حتى أن ذلك المكان حُرَّم فيه إقامة أي مناسبات ولا يطرقه أحد
القصة نقل حروفها ورموزها الشاعر الإنجليزي ( روبرت براون متعدد المواهب ) بشكل شعري سلس وجميل.
شكرا لصاحب الشرح المفصل أدناه
عازف المزمار من هاملن ( Pied Piper of Hamelin )
هي حكاية من التراث الألماني نالت قسطا وافرا من الشهرة العالمية بعد أن كتب و نظم عنها أدباء و شعراء كبار أمثال جوته و الأخوان غريم و الشاعر روبرت براوننغ . و هي في مجملها لا تختلف كثيرا عن غيرها من الحكايات الشعبية التي تعتمد على السحر و الخوارق للقفز فوق أسوار الممكن و المعقول . و لا أحسب بأن قارئها للمرة الأولى سيرى فيها أكثر من مجرد حكاية خرافية تنطوي على شيء من الموعظة التي تدور حول عاقبة البخل و النكث بالعهود ، بيد أن هذا الانطباع الأولي قد لا يكون صادقا تماما ، فالحكاية بحسب بعض الوثائق التاريخية ليست مجرد خرافة و خيال ، لكنها انعكاس باهت و مشوش لوقائع جرت بالفعل قبل قرون بعيدة ، وقائع تبعثرت و ضاعت مجرياتها و تفاصيلها تحت عجلة الزمن التي لا تتوقف أبدا عن الدوران فلم يتبق منها في النهاية سوى شظايا مبعثرة سأحاول جمعها معا في مشاركة واحدة و الان مع التفاصيل ...
حكاية عازف المزمار
القصة باختصار تتحدث عن مدينة هاملن الألمانية الواقعة على ضفاف نهر فيسر و التي غزتها الجرذان فجأة بأعداد كبيرة حتى ضاق السكان ذرعا بها و أوشكوا بسببها على ترك منازلهم و الهجرة إلى مدن أخرى بعد أن فشلت جميع محاولاتهم في التخلص منها. و في مسعى أخير لإنقاذ المدينة أعلن رئيس بلديتها عن مكافأة قدرها 1000 قطعة ذهبية تقدمها المدينة فورا لكل من يستطيع تخليصها من أسراب الجرذان الغازية . و لم يمض وقت طويل على هذا الإعلان السخي حتى ظهر عازف مزمار غريب يرتدي ملابس المهرجين زعم بأنه قادر على تخليص المدينة من جرذانها بواسطة ألحان مزماره السحري .
سكان هاملن سخروا في بادئ الأمر من إدعاءات الرجل ، لكن سرعان ما عقدت الدهشة ألسنتهم حين شاهدوا الجرذان الكريهة و هي تغادر جحورها بالجملة على وقع الألحان السحرية لتمضي جميعها خلف عازف المزمار الذي قادها نحو ضفة نهر كبير خارج المدينة و جعلها تقفز إلى مياهه لتغرق عن بكرة أبيها .
و بعد قضاءه المبرم على الجرذان عاد عازف المزمار إلى المدينة مطالبا بمكافأته ، لكن سكان هاملن الجاحدين تنكروا لوعودهم السابقة و رفضوا أن يعطوه حتى و لو قطعة ذهبية واحدة ، و ليتهم أكتفوا بذلك ، بل كادوا أن يزجوا به في السجن بتهمة الشعوذة و ممارسة السحر . و إزاء هذا الغدر و الجحود قرر عازف المزمار أن ينتقم منهم شر انتقام، فعاد في صباح اليوم التالي بينما كان جميع الرجال و النساء مجتمعين معا في دور العبادة احتفالا بأحد الأعياد الدينية ، وقف عند بوابة المدينة و بدأ يعزف ألحانه السحرية من جديد ، و هذه المرة كان لتلك الألحان وقعا و أثرا سحريا عجيبا على أطفال هاملن الذين ما أن التقطت آذانهم الصغيرة تلك الموسيقى الشجية حتى تركوا منازلهم و هرولوا نحو عازف المزمار لا يلوون على شيء ، و تماما كما حدث مع الجرذان ، فقد قاد عازف المزمار الأطفال إلى خارج المدينة ، لكنه لم يلقي بهم في النهر بالطبع ، و إنما آخذهم معه إلى داخل جبل كبير يقع عند أطراف مدينة هاملن و اختفى هناك مع الأطفال إلى الأبد . و قد كان ذلك بالتأكيد هو أشد و أقسى عقاب يمكن أن يناله سكان هاملن جراء بخلهم و نكثهم للوعود و العهود . و يقال بأن الأطفال مازالوا يعيشون حتى يومنا هذا داخل الجبل ، يلعبون و يمرحون مع عازف المزمار في مروج و حدائق سحرية تحتوي على كل ما يشتهيه الأطفال و يتوقون أليه .
حقيقة أم خرافة ؟
هناك غموض كبير يلف حكاية عازف المزمار في ظل وجود العديد من المصادر و الشواهد التاريخية التي تزعم بأن القصة واقعية جرت أحداثها بالفعل في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي . و لعل أبرز تلك الشواهد هي الموجودة في هاملن نفسها حيث ينتصب اليوم في وسط المدينة منزل قديم يعود إلى العصور الوسطى يدعوه الناس بمنزل عازف المزمار ( Ratten*fأ¤ngerhaus ) و بخلاف ما يوحي به الاسم فأن عازف المزمار لم يسكن في ذلك المنزل مطلقا ، لكن السبب وراء التسمية يعود في حقيقة الأمر إلى وجود بلاطة سوداء على أحد جوانب المنزل نقشت عليها العبارة التالية :
في 26 يونيو عام 1284 ميلادية .. في يوم عيد القديسين جون و بول .. مائة و ثلاثون طفلا من أطفال هاملن خدعوا و اقتيدوا إلى خارج المدينة على يد عازف مزمار يرتدي ملابس ملونة ، و بعد أن عبروا التلال في كوبنبيرغ اختفوا إلى الأبد ".
و هناك أيضا شارع في المدينة يعرف بأسم ( Bungelosen*strasse ) يقال بأنه كان آخر مكان شوهد فيه الأطفال قبل اختفائهم ، و لهذا السبب يمتنع الأهالي عن عزف الموسيقى داخل هذا الشارع ، و هو تقليد أستمر منذ القرون الوسطى و حتى يومنا هذا ، فجميع الأعراس و الجوقات الموسيقية تتوقف تماما عن العزف و الغناء عند مرورها في هذا الشارع كدلالة احترام لذكرى الأطفال المفقودين .
و من الشواهد الأخرى وجود نافذة زجاجية ملونة داخل كنيسة السوق القديمة ، هذه النافذة صنعت عام 1384 تخليدا لذكرى مرور 100 عام على اختفاء الأطفال ، و هي تصور عازف المزمار بثيابه المبهرجة و خلفه يسير الأطفال مرتدين ملابس النوم البيضاء ، و في الأسفل نقشت الكلمات التالية : " 100 عام مضت على رحيل أطفالنا ".
المخطوطات الألمانية القديمة تطرقت هي الأخرى إلى اختفاء الأطفال . أقدم تلك المخطوطات هي سجلات الكنيسة في هاملن و التي يعود تاريخها إلى عام 1351 ، و تعتبر هذه السجلات في غاية الأهمية لأنها تمثل شهادة حية على حقيقة ما جرى . و هناك أيضا مخطوطة ليونبيرغ التي تعود إلى عام 1370 ميلادية ، و التي يؤكد كاتبها على أن أطفال هاملن خطفوا على يد عازف مزمار يرتدي ملابس ملونة ، و أن الحادثة وقعت بالفعل عام 1284 .
ما الذي حدث فعلا في هاملن؟
رغم وجود العديد من الشواهد و القرائن التاريخية التي تؤكد واقعية الحكاية ، إلا أن التصديق بهذه الواقعية سرعان ما يصطدم بإشكالية الجانب الخرافي لمجرياتها و أحداثها ، و لهذا السبب فقد شهدت العقود القليلة الماضية ظهور العشرات من الكتب و البحوث التي حاولت وضع نظريات و فرضيات مختلفة ترمي إلى فهم و تفسير ما جرى حقا قبل أكثر من سبعة قرون من الزمان داخل مدينة هاملن الألمانية . و أهم هذه النظريات هي ما يلي :
1 - نظرية المجاعة الكبرى ...............
القرن الرابع عشر الميلادي كان من أسوء القرون التي مرت بالقارة الأوربية ، توالت خلاله المصائب و النوائب لتعصف بكيان القارة العجوز و تزلزل أركانها بعد أن نعمت بفترة طويلة نسبيا من الاستقرار و الازدهار . أولى تلك البلايا تجسدت في المجاعة الكبرى ( Great Famine ) التي حلت بأجزاء واسعة من القارة ابتداء من سنة 1315 ، ففي تلك السنة المشئومة لم يأتي الصيف أبدا و استمر المطر بالهطول بكثافة خلال فصلي الربيع و الصيف ، و هي ظاهرة جوية نادرة لا تحدث سوى مرة واحدة كل عدة قرون . و بطبيعة الحال فقد تسببت السماء الملبدة بالغيوم و الإمطار المتواصلة في بقاء درجات الحرارة متدنية فتلفت المحاصيل الزراعية و لم يتمكن الفلاحون من زراعة محاصيل جديدة بسبب رطوبة و برودة الجو ، و أدى ذلك بالتالي إلى انخفاض مخزون الطعام و تفشي القحط و الغلاء إلى درجة راح معها الفقراء يقتاتون على جذور النباتات و الأعشاب البرية . و ليت الأمر توقف عند هذا الحد ، فأكثر الناس تشاءما لم يظنوا بأن المطر سيستمر بالهطول حتى صيف العام التالي ، لكن السماء سرعان ما خيبت ظنونهم ، فالأمطار استمرت في الهطول في ربيع وصيف عام 1316 أيضا ، و بحلول عام 1317 لم يعد الناس يجدون ما يأكلونه بعد أن أكلوا كل شيء خلال السنتين الماضيتين ، و وصل تأثير المجاعة إلى طبقة الأغنياء و النبلاء بعد أن كان مقصورا على المزارعين الفقراء ، حتى أن ملك انجلترا إدوارد الثاني لم يجد رغيف خبز واحد يأكله حين نزل هو و حاشيته ببلدة سانت البانز الانجليزية فبات ليلته تلك جائعا ، و هي مفارقة يندر حدوثها في تاريخ الملكيات الأوربية .
المجاعة الكبرى حصدت أرواح ملايين البشر خلال عامين ، أغلبهم ماتوا جوعا بالطبع ، لكن هناك أيضا نسبة غير قليلة ممن فقدوا حياتهم بسبب تفشي الجريمة و العنف و التي ارتفعت إلى مستويات قياسية خلال تلك الحقبة السوداء ، فالناس ما عادوا يكترثون كثيرا للنواهي الدينية و للقيم الأخلاقية لشدة ما عانوه و كابدوه و هول و فظاعة ما شاهدوه خلال السنين التي جثمت فيها المجاعة على قلوبهم ، و لهذا أصبحت جرائم السلب و النهب و القتل أمورا عادية تحدث في وضح النهار ، و انتشرت قصص كثيرة عن تفشي أكل لحوم البشر ، و أخذ الكثير من الناس ينبذون أطفالهم بعد أن عجزوا عن أطعامهم و ما عادوا يتحملون رؤيتهم و هو يئنون من الجوع ، فكانت الأم تأخذ صغارها إلى السوق و تتركهم هناك لكي يموتوا بعيدا عن ناظريها ، أو يأخذهم الأب إلى الغابة و يطلب منهم الانتظار تحت شجرة ثم يفر منهم و يهجرهم هناك ليموتوا جوعا أو تلتهمهم الدببة و الذئاب . و يرى بعض الباحثين بأن نبذ الأطفال من قبل والديهم الذي تفشى بكثرة أبان المجاعة ، إضافة طبعا إلى الجرائم التي اقترفت بحق الأطفال ، كاختطافهم من اجل قتلهم و أكلهم ، كل هذا يرتبط بصورة وثيقة مع ما جرى لأطفال هاملن ، فألمانيا لم تكن بعيدة عن أهوال المجاعة الكبرى، بل كانت في صميمها ، و ليس من المستبعد أن يكون أطفال هاملن قد جرى اختطافهم من قبل آكلي لحوم البشر ، أو ربما نبذهم أهلهم في الغابات القريبة من المدينة بعد أن عجزوا عن أطعامهم ، و بمرور السنين ضاعت و انطمست ذكرى تلك الأحداث المأساوية و لم يتبق منها في النهاية سوى حكاية خرافية ترويها الجدات لأحفادها في ليالي الشتاء الباردة .
2 - نظرية الطاعون الأسود ..............
لم تكد غمامة المجاعة تنجلي عن سماء أوربا الملبدة بغيوم البؤس و الموت حتى عالجها القدر بمصيبة و فاجعة أكبر . فبعد أن رحل الجوع .. أتى المرض .. و أي مرض ؟! .. انه الطاعون ، ذلك الوباء الفتاك الذي أفترس أرواح ما يربو على نصف سكان القارة العجوز خلال أربعة أعوام فقط .
الطاعون وصل إلى أوربا قادما من الصين بعد سفرة طويلة أستل خلالها ملايين الأرواح في الهند وإيران وتركيا . و قد كانت منطقة شبه جزيرة القرم هي المحطة الأولى للطاعون على التراب الأوربي ، حيث حل ضيفا ثقيلا هناك في عام 1346 ثم ما لبث أن سافر بحرا إلى جنوب ايطاليا وفرنسا واسبانيا و بحلول عام 1350 كان الطاعون قد تفشى في معظم أجزاء القارة الأوربية ، لكن رحلته لم تنتهي هناك ، فقد سافر مجددا بعد أن ارتوى و شبع من الدم الأوربي ، هذه المرة حملته السفن التجارية إلى مصر و شمال إفريقيا والشام والحجاز والعراق .
مما لا شك فيه أن الطاعون الأسود كان من أعظم البلايا التي حلت بالبشرية ، فهذا المرض القاتل حصد خلال سنوات قليلة ما يقارب من ثلثي أرواح سكان جنوب أوربا ، و نصف سكان وسط أوربا ، و ربع سكان انجلترا و ألمانيا ، و 40 بالمائة من سكان مصر و الشام و العراق وشبة الجزيرة العربية واليمن. و قتل بالإجمال ما مجموعه 100 – 200 مليون من تعداد سكان العالم الذي كان يقدر آنذاك بحوالي 450 مليون نسمة . أي أنك لو كنت حيا في ذلك الزمان عزيزي القارئ لكانت نسبة نجاتك من الموت لا تزيد كثيرا عن الخمسين في المائة ، و حتى لو افترضنا جدلا بأنك كنت ستنجو فلا أظنك كنت ستفرح كثيرا لنجاتك لأن كنت ستشاهد الموت و هو يسحق أجساد و يستل أرواح أعز الناس إليك ، كنت سترى أهل بيتك و جيرانك و أبناء مدينتك ممددون في الشوارع جثث هامدة لا يجدون من يدفنهم ، رائحة و عفونة الجثث المنتفخة كانت ستزكم أنفك ، و منظر الموت بأبشع صوره كانت ستلاحقك أينما يممت وجهك، فرعب الطاعون لا يكمن في عدد ضحاياه فقط ، بل في صفته وأ عراضه أيضا .
أول تلك الأعراض كانت تتمثل في ظهور أورام كبيرة بحجم البيضة على الفخذ و تحت الإبط ، لا تكون مؤلمة في البداية ، لكنها سرعان ما تتكاثر و تنتشر في سائر أجساد الجسد ثم تتحول تدريجيا إلى بثور سوداء كريهة و مؤلمة تنزف دماء ، و يكون انتشارها مصحوبا بحمى عالية و آلام شديدة في سائر مفاصل الجسد و قد يتقيأ المريض دماء . و ربما يكون الشيء الوحيد الجيد بشأن الطاعون هو أن عذاب المريض لا يطول كثيرا ، فالموت غالبا ما يدركه بعد يومين إلى سبعة أيام من ظهور الأعراض .
الطاعون الأسود ترك آثارا لا تمحى في الذاكرة الجماعية الأوربية ، و لهذا يحاول بعض الباحثين أن يربطوا بينه و بين ما جرى لأطفال هاملن ، و يرى هؤلاء الباحثين بأن قصة عازف المزمار هي في الحقيقة حكاية الوباء القاتل الذي ضرب المدينة فقتل أغلب سكانها ، فالجرذان في الحكاية ترمز إلى الوسيلة التي أنتقل فيها المرض بين السكان ، في حين يرمز عازف المزمار إلى الموت الداهم الذي يرقص طربا على آهات و عذابات البشر . فمنذ القرن الخامس عشر درج فنانو أوربا على تصوير الموت في هيئة هياكل عظمية ترقص مع الأحياء عند المقابر . و كان الناس من جميع الأعمار و المشارب ، الملك و القس و التاجر و المزارع و المرأة و الطفل الخ .. يظهرون في تلك اللوحات الكئيبة و هم يرقصون يدا بيد مع تلك الهياكل التي ترتدي الثياب الملونة . و كان الرسام يرمي من وراء ذلك إلى إبراز عبثية الحياة الفانية و سخرية الأقدار التي تساوي بين الجميع في حضرة الموت .
3 - نظرية حملة الأطفال الصليبية .............
هذه النظرية تحاول الربط بين الحكاية و بين ما يعرف بحملات الأطفال الصليبية ( Children's Crusade ) ، و هي حملات صليبية سلمية حركتها المشاعر الدينية المتأججة لبسطاء الناس في أوربا القرون الوسطى . و كان وراء هذا الحراك الشعبي أطفال صغار كالصبي الألماني نيكولاس الذي كان في العاشرة من عمره عام 1212 حين زعم بأن السيد المسيح تجلى أمامه بينما كان يرعى أغنامه في البرية و أمره بأن يسير نحو القدس ليسترجعها بسلام و من دون إراقة دماء . و هكذا تحول نيكولاس ، الراعي الفقير إلى قديس و معجزة بنظر الناس ، أعانه على ذلك موهبته الفذة في شحن و تسخير عقول الجماهير عن طريق خطبه الدينية الحماسية التي كان يلقيها بأسلوبه الطفولي البريء و البسيط فتمس شغاف القلوب بسهولة و تستدر الدموع بلا استئذان و تجيش له ما شاء من المريدين والأتباع .
و قد تضاعف تعلق الناس بهذا القديس الصغير بعد الأخبار و الإشاعات الكثيرة التي انتشرت في كل مكان حول معجزاته في شفاء المرضى و كذلك نبوءاته التي زعم نيكولاس خلالها بأن وجه الماء سينفلق عند قديمه ما أن يقف على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، و بأنه و أتباعه سيجتازون البحر مشيا على الأقدام نحو القدس تماما كما حدث مع موسى و بنو إسرائيل حين لاحقهم فرعون و جنده .
طبعا ليس جميع الناس أمنوا بما يقوله نيكولاس ، و لا جميع الكنائس صدقت نبوءاته و مزاعمه ، لكن الغالبية الساذجة من أهل ذلك الزمان صدقوه و أمنوا به ، لا بل و أرسلوا معه فلذات أكبادهم ليرافقوه في رحلته نحو الديار المقدسة حتى جاوز عدد من تبعه السبعة آلاف طفل ، خرج معظمهم للمشاركة في الحملة من دون تهيأ و لا استعداد ، كانت العاطفة البريئة هي زادهم الوحيد ، لم يملكوا غيرها زادا من مال أو طعام ، فراحوا يدقون الأبواب على طول الطريق يتوسلون اللقمة من الكنائس و الأديرة و منازل الناس و ناموا أغلب لياليهم في العراء على جوع و برد ، و قد خسر الكثير منهم حياته خلال رحلة الذهاب الصعبة و الشاقة التي اجتازوا خلالها قمم الألب الشاهقة وصولا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط .
لكن ليس كل ما يطلبه المرء يدركه، فذلك الماراثون الطويل من الكد و الجهد و التضحية أنتهي إلى خيبة أمل كبيرة حين وصل نيكولاس وجيشه الصغير إلى ساحل البحر في جنوه الايطالية . وقفوا هناك و انتظروا لساعات و أيام و أسابيع طويلة بانتظار المعجزة .. لكن شيئا لم يحدث .. لا البحر أنفلق و لا وقع أي أمر خارق للعادة على ذلك الساحل المنحوس . و راح اليأس يتسلل بهدوء إلى القلوب الصغيرة الواجفة ، و بدأ ذلك البنيان الشاهق من الأوهام التي أسس نيكولاس عليها شعبيته الطاغية يتصدع شيئا فشيئا ، فأرتفع الهمس و اللمز على ألسنة أولئك الأتباع المخلصين المنتظرين بصبر على ذلك الساحل المقفر .. "هل كان نيكولاس كاذبا منذ البداية ؟" .. تساءل بعضهم بحزن و راحوا يتهيئون للعودة إلى أوطانهم ، في حين رفض آخرون أي تشكيك بنزاهة نيكولاس ، و في لحظة من الحماسة الغبية صعد هؤلاء إلى ظهر بضعة سفن تجارية قادوها مباشرة صوب القدس ، لكنهم لم يبتعدوا عن الساحل الايطالي كثيرا ، فسرعان ما وقعوا أسرى بيد القراصنة و بيعوا كرقيق في أسواق النخاسة في تونس .
أما نيكولاس نفسه و بقية أتباعه فقد شدوا الرحال عائدين لأوطانهم بعد يأس و طول انتظار . و كم كانت رحلتهم مأساوية و شاقة .. مساكين أولئك الصغار .. أولاد و بنات بعمر و نقاء الورود .. تساقطوا واحد بعد الأخر على طول الطريق بعد أن أنهكهم التعب و أضناهم الجوع . نيكولاس نفسه سقط ميتا مع المتساقطين و لم ينجوا من جيش الأطفال ذاك سوى عدد ضئيل . المصادر التاريخية الأوربية تخبرنا بأن أثنين من كل ثلاثة أطفال رافقوا تلك الحملة لم يعودوا إلى منازلهم أبدا ، ماتوا على الدرب أو بيعوا كرقيق في الشرق . و ما أن وصلت أخبار الكارثة إلى ألمانيا حتى هجم الأهالي المنكوبين بموت أطفالهم على عائلة نيكولاس فسحلوا والده إلى الشوارع ثم شنقوه على شجرة و أحرقوا منزله .
و الجدير بالذكر أن فرنسا شهدت هي الأخرى حملة أطفال شبيهة بتلك التي حدثت في ألمانيا عام 1212 ، فبينما كان نيكولاس يجمع الأتباع و يشحذ الهمم في ألمانيا ، كان هناك فتى آخر في شمال فرنسا يسير على نفس الدرب ، هذا الفتى كان راعيا للأغنام في الثانية عشر من عمره أسمه ستيفان . و تماما مثل نيكولاس ، فأن ستيفان زعم بأن السيد المسيح تجلى له و أمره باستعادة القدس سلميا . و قد حشد ستيفان قرابة الثلاثون ألف شخص لحملته معظمهم من الأطفال . و هذه المرة أيضا تكررت نفس المأساة ، فالحملة الفرنسية انتهت إلى ذات المصير الذي انتهت أليه الحملة الألمانية
و بالعودة إلى حكايتنا ، يرى العديد من الباحثين بأن حكاية عازف المزمار تتحدث في واقع الأمر عن أطفال هاملن الذين رافقوا نيكولاس في حملته الصليبية المأساوية ، و أن شخصية عازف المزمار تشير و ترمز إلى الفتى نيكولاس الذي غرر بالأطفال و أخذهم معه نحو المجهول . لكن إشكالية هذه النظرية تتمثل في التوقيت ، فحملة الأطفال الصليبية حدثت عام 1212 ، في حين أن أحداث حكاية عازف المزمار تعود لسنة 1284 . كما إن العديد من الباحثين يلقون بظلال كثيفة من الشك حول مصداقية المصادر التي تحدثت عن حملة الأطفال الصليبية ، فهم يعتقدون بأن اسم الحملة هو مجرد مصطلح مجازي ، و بأن أكثر من رافقوا تلك الحملة لم يكونوا في الحقيقة أطفالا و إنما رجال و نساء بالغين رافقوا أطفالهم على طول الدرب ، فلا يعقل أن يدع الناس أطفالهم يذهبون بمفردهم في هكذا رحلة خطرة و قاسية من دون دليل و معين .
4 - نظرية الصراع الديني ............
غالبا ما يقرن تاريخ أوربا بالمسيحية التي ضربت أطنابها في أرجاء القارة الأربعة منذ أن أتخذها الإمبراطور قسطنطين الأول دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية في مطلع القرن الرابع الميلادي . لكن أوربا لم تكن دوما مسيحية، و اللافت للنظر هو أن نسبة قليلة من الناس حتى من بين المتعلمين لديهم معلومات عن أوربا ما قبل المسيحية ، أوربا الوثنية المشبعة بالخرافة والسحر و طقوس التضحية البشرية. أوربا البربرية حيث الصراع الدموي على الأرض و النفوذ بين العشرات من القبائل الجرمانية و الاسكندنافية و السلافية و السلتية الخ. و قد أتخذ هذا الصراع منحى جديد ابتداء من القرن الخامس الميلادي بدخول البعد الديني أليه ، حيث دارت رحى العديد من الحروب و المعارك الدينية الدموية ما بين الممالك و القبائل المسيحية و الوثنية ، و استمر هذا الصراع حتى القرن الثاني عشر الميلادي بدخول آخر القبائل الوثنية في شمال أوربا إلى المسيحية .
و لهذا يرى بعض الباحثين بأن حكاية عازف المزمار هي في حقيقة الأمر تتحدث عن بعض صفحات ذلك الصراع الدامي ، و أن ما جرى فعلا في هاملن هو عملية اختطاف جماعية لأطفال المدينة المسيحيين حيث اقتيدوا إلى الغابات المجاورة و تم التضحية بهم للآلهة من قبل الوثنين ، أو تم ألقائهم في نهر فيسر .
أين الحقيقة ؟
برغم جميع النظريات فأن الغموض سيبقى يلف مصير أطفال هاملن و حقيقة ما جرى لهم في تلك الحقبة المظلمة من التاريخ ، و هكذا هو التاريخ .. مليء بالغموض و الألغاز و الأسرار التي قد تطال حتى الأحداث التاريخية التي نحسبها من المسلمات و البديهيات ، و هنا بالضبط تكمن جمالية التاريخ البشري و روعته ، فهو متعدد الجوانب يدفعك دوما للتفكير و التساؤل و البحث ، كالمتاهة التي فيها ألف باب ، كلما فتحت بابا وجدت خلفه ألف باب أخرى . و نحن في هذه المقالة لم نكن ننوي سوى طرق باب واحد، فإذا بذلك الباب يقودنا إلى أبواب أخرى .

مقدمتي
لا أعتقد أن أحدا ترجم هذا العمل للعربية قبلي . درست العمل بشكل جيد من خلال عدة مصادر اجنبية
لكنني لم أترجم جميع القصيدة أو في الحقيقة عدة قصائد فأكتفيت بترجمة ما يخص عنوان القصة أعلاه.
القصة ببساطة نوع من القصص الخرافية ( fairy tales ) , وهذا النمط من القصص مألوف في عالمنا العربي أيضا.
وفي العراق وفي مدينتي الموصل كنت اسمع هكذا قصص وروايات وأنا صبي صغير ,ففي أعوام الخمسنيات والستنيات وعلى سبيل المثال:
طالما كانت تحكي لنا جداتنا العجائز هكذا قصص كقصة الجنية والعفريت وعوج أبو عنك ( دبل كاف) والسعلوة ..والخ
بدأ رواة هكذا نمط من القصص يمضحلون بشكل تدريجي اعتبارا من أواخر العقد السبعيني , أو أن تلك القصص لم يعد لها قبول من قبل الأطفال.
أو أن أطفال جيل العقود المتأخرة من القرن الماضي صاروا لا يصدقون تلك القصص الخرافية كما كانت الأجيال السابقة لهم تصدقها وتستمع لها بشغف وتنتظر الجدات ساعات طويلة حتى يحين الليل ولا سيما في ليالي الشتاء كي تروي لهم القصص.
وفي صدق القول رغم أن الخرافة بادية في تلك القصص لكنها لا تخلو من عبر : إما تحذير الأطفال من الغرباء وعدم الخروج إلى مسافات بعيدة خارج القرية إلا بمعية الكبار أو أنها في الجانب الأخر أي القصص لا تخلو من متعة ولا تخلو من عبر أخرى عدا التخويف فقد يكون الأمل في الحظ , الصدق , أو أن القوة والطغيان لا يسودان إلى الأبد , كذلك احترام الأباء ... لا يملكني المجال في جلب نماذج من تلك القصص التي لا تزال ترن في ذاكراتي لعشرات من الأعوام.
لكن بالمقارنة مع هذه القصة ( المنقولة بأقوال شعرية من قبل الشاعر الإنجليزي روبرت براون ) التي أنا بصدد ترجمتها
أجد الدوافع ذاتها والمغازي themes ذاتها : أيضا نستخلص العبرة ( أن الإنسان أي إنسان على وجه الأرض ) يجب أن يفي بوعده ويكون صادقا في كلمته سواء كان مصدقا أم مكذبا بما هو جدير به .وربما هذه الخصلة تؤكد عليها الكتب السماوية فقد وردت في الأنجيل .
وهكذا نرى عندما أهل بلدة هاملن الألمانية خلفوا وعدهم ولم يعطوا عازف المزمار ( The Piper ) حتى لو كان رجل اسطوري لكنه خلصهم من الفئران والجرذان التي كانت تنقل مرض ( الطاعون ) بواسطة مزماره الذي سحر به تلك الجرذان وأخرجها خارج المدينة لتغرق جميعا في البحر , لكنه عاد وانتقم منهم لأنهم لم يؤدوا له نصيبه من المال المتفق عليه فغدر بهم فعمد في المرة الثانية بشعوذته غواية أطفالهم بواسطة مزماره وأخرجهم إلى ذلك التل الذي اسميته في ترجمتي ( تل النكبة )
وهنا لا أدري هل أن الأرض انشقت بهم وأبتعلتهم !!
لكنهم في أية حال لم يعودوا مطلقا.
بعد النكبة حدث الحزن وعم الأرجاء حتى أن ذلك المكان حُرَّم فيه إقامة أي مناسبات ولا يطرقه أحد
القصة نقل حروفها ورموزها الشاعر الإنجليزي ( روبرت براون متعدد المواهب ) بشكل شعري سلس وجميل.
شكرا لصاحب الشرح المفصل أدناه
عازف المزمار من هاملن ( Pied Piper of Hamelin )
هي حكاية من التراث الألماني نالت قسطا وافرا من الشهرة العالمية بعد أن كتب و نظم عنها أدباء و شعراء كبار أمثال جوته و الأخوان غريم و الشاعر روبرت براوننغ . و هي في مجملها لا تختلف كثيرا عن غيرها من الحكايات الشعبية التي تعتمد على السحر و الخوارق للقفز فوق أسوار الممكن و المعقول . و لا أحسب بأن قارئها للمرة الأولى سيرى فيها أكثر من مجرد حكاية خرافية تنطوي على شيء من الموعظة التي تدور حول عاقبة البخل و النكث بالعهود ، بيد أن هذا الانطباع الأولي قد لا يكون صادقا تماما ، فالحكاية بحسب بعض الوثائق التاريخية ليست مجرد خرافة و خيال ، لكنها انعكاس باهت و مشوش لوقائع جرت بالفعل قبل قرون بعيدة ، وقائع تبعثرت و ضاعت مجرياتها و تفاصيلها تحت عجلة الزمن التي لا تتوقف أبدا عن الدوران فلم يتبق منها في النهاية سوى شظايا مبعثرة سأحاول جمعها معا في مشاركة واحدة و الان مع التفاصيل ...
حكاية عازف المزمار
القصة باختصار تتحدث عن مدينة هاملن الألمانية الواقعة على ضفاف نهر فيسر و التي غزتها الجرذان فجأة بأعداد كبيرة حتى ضاق السكان ذرعا بها و أوشكوا بسببها على ترك منازلهم و الهجرة إلى مدن أخرى بعد أن فشلت جميع محاولاتهم في التخلص منها. و في مسعى أخير لإنقاذ المدينة أعلن رئيس بلديتها عن مكافأة قدرها 1000 قطعة ذهبية تقدمها المدينة فورا لكل من يستطيع تخليصها من أسراب الجرذان الغازية . و لم يمض وقت طويل على هذا الإعلان السخي حتى ظهر عازف مزمار غريب يرتدي ملابس المهرجين زعم بأنه قادر على تخليص المدينة من جرذانها بواسطة ألحان مزماره السحري .
سكان هاملن سخروا في بادئ الأمر من إدعاءات الرجل ، لكن سرعان ما عقدت الدهشة ألسنتهم حين شاهدوا الجرذان الكريهة و هي تغادر جحورها بالجملة على وقع الألحان السحرية لتمضي جميعها خلف عازف المزمار الذي قادها نحو ضفة نهر كبير خارج المدينة و جعلها تقفز إلى مياهه لتغرق عن بكرة أبيها .
و بعد قضاءه المبرم على الجرذان عاد عازف المزمار إلى المدينة مطالبا بمكافأته ، لكن سكان هاملن الجاحدين تنكروا لوعودهم السابقة و رفضوا أن يعطوه حتى و لو قطعة ذهبية واحدة ، و ليتهم أكتفوا بذلك ، بل كادوا أن يزجوا به في السجن بتهمة الشعوذة و ممارسة السحر . و إزاء هذا الغدر و الجحود قرر عازف المزمار أن ينتقم منهم شر انتقام، فعاد في صباح اليوم التالي بينما كان جميع الرجال و النساء مجتمعين معا في دور العبادة احتفالا بأحد الأعياد الدينية ، وقف عند بوابة المدينة و بدأ يعزف ألحانه السحرية من جديد ، و هذه المرة كان لتلك الألحان وقعا و أثرا سحريا عجيبا على أطفال هاملن الذين ما أن التقطت آذانهم الصغيرة تلك الموسيقى الشجية حتى تركوا منازلهم و هرولوا نحو عازف المزمار لا يلوون على شيء ، و تماما كما حدث مع الجرذان ، فقد قاد عازف المزمار الأطفال إلى خارج المدينة ، لكنه لم يلقي بهم في النهر بالطبع ، و إنما آخذهم معه إلى داخل جبل كبير يقع عند أطراف مدينة هاملن و اختفى هناك مع الأطفال إلى الأبد . و قد كان ذلك بالتأكيد هو أشد و أقسى عقاب يمكن أن يناله سكان هاملن جراء بخلهم و نكثهم للوعود و العهود . و يقال بأن الأطفال مازالوا يعيشون حتى يومنا هذا داخل الجبل ، يلعبون و يمرحون مع عازف المزمار في مروج و حدائق سحرية تحتوي على كل ما يشتهيه الأطفال و يتوقون أليه .
حقيقة أم خرافة ؟
هناك غموض كبير يلف حكاية عازف المزمار في ظل وجود العديد من المصادر و الشواهد التاريخية التي تزعم بأن القصة واقعية جرت أحداثها بالفعل في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي . و لعل أبرز تلك الشواهد هي الموجودة في هاملن نفسها حيث ينتصب اليوم في وسط المدينة منزل قديم يعود إلى العصور الوسطى يدعوه الناس بمنزل عازف المزمار ( Ratten*fأ¤ngerhaus ) و بخلاف ما يوحي به الاسم فأن عازف المزمار لم يسكن في ذلك المنزل مطلقا ، لكن السبب وراء التسمية يعود في حقيقة الأمر إلى وجود بلاطة سوداء على أحد جوانب المنزل نقشت عليها العبارة التالية :
في 26 يونيو عام 1284 ميلادية .. في يوم عيد القديسين جون و بول .. مائة و ثلاثون طفلا من أطفال هاملن خدعوا و اقتيدوا إلى خارج المدينة على يد عازف مزمار يرتدي ملابس ملونة ، و بعد أن عبروا التلال في كوبنبيرغ اختفوا إلى الأبد ".
و هناك أيضا شارع في المدينة يعرف بأسم ( Bungelosen*strasse ) يقال بأنه كان آخر مكان شوهد فيه الأطفال قبل اختفائهم ، و لهذا السبب يمتنع الأهالي عن عزف الموسيقى داخل هذا الشارع ، و هو تقليد أستمر منذ القرون الوسطى و حتى يومنا هذا ، فجميع الأعراس و الجوقات الموسيقية تتوقف تماما عن العزف و الغناء عند مرورها في هذا الشارع كدلالة احترام لذكرى الأطفال المفقودين .
و من الشواهد الأخرى وجود نافذة زجاجية ملونة داخل كنيسة السوق القديمة ، هذه النافذة صنعت عام 1384 تخليدا لذكرى مرور 100 عام على اختفاء الأطفال ، و هي تصور عازف المزمار بثيابه المبهرجة و خلفه يسير الأطفال مرتدين ملابس النوم البيضاء ، و في الأسفل نقشت الكلمات التالية : " 100 عام مضت على رحيل أطفالنا ".
المخطوطات الألمانية القديمة تطرقت هي الأخرى إلى اختفاء الأطفال . أقدم تلك المخطوطات هي سجلات الكنيسة في هاملن و التي يعود تاريخها إلى عام 1351 ، و تعتبر هذه السجلات في غاية الأهمية لأنها تمثل شهادة حية على حقيقة ما جرى . و هناك أيضا مخطوطة ليونبيرغ التي تعود إلى عام 1370 ميلادية ، و التي يؤكد كاتبها على أن أطفال هاملن خطفوا على يد عازف مزمار يرتدي ملابس ملونة ، و أن الحادثة وقعت بالفعل عام 1284 .
ما الذي حدث فعلا في هاملن؟
رغم وجود العديد من الشواهد و القرائن التاريخية التي تؤكد واقعية الحكاية ، إلا أن التصديق بهذه الواقعية سرعان ما يصطدم بإشكالية الجانب الخرافي لمجرياتها و أحداثها ، و لهذا السبب فقد شهدت العقود القليلة الماضية ظهور العشرات من الكتب و البحوث التي حاولت وضع نظريات و فرضيات مختلفة ترمي إلى فهم و تفسير ما جرى حقا قبل أكثر من سبعة قرون من الزمان داخل مدينة هاملن الألمانية . و أهم هذه النظريات هي ما يلي :
1 - نظرية المجاعة الكبرى ...............
القرن الرابع عشر الميلادي كان من أسوء القرون التي مرت بالقارة الأوربية ، توالت خلاله المصائب و النوائب لتعصف بكيان القارة العجوز و تزلزل أركانها بعد أن نعمت بفترة طويلة نسبيا من الاستقرار و الازدهار . أولى تلك البلايا تجسدت في المجاعة الكبرى ( Great Famine ) التي حلت بأجزاء واسعة من القارة ابتداء من سنة 1315 ، ففي تلك السنة المشئومة لم يأتي الصيف أبدا و استمر المطر بالهطول بكثافة خلال فصلي الربيع و الصيف ، و هي ظاهرة جوية نادرة لا تحدث سوى مرة واحدة كل عدة قرون . و بطبيعة الحال فقد تسببت السماء الملبدة بالغيوم و الإمطار المتواصلة في بقاء درجات الحرارة متدنية فتلفت المحاصيل الزراعية و لم يتمكن الفلاحون من زراعة محاصيل جديدة بسبب رطوبة و برودة الجو ، و أدى ذلك بالتالي إلى انخفاض مخزون الطعام و تفشي القحط و الغلاء إلى درجة راح معها الفقراء يقتاتون على جذور النباتات و الأعشاب البرية . و ليت الأمر توقف عند هذا الحد ، فأكثر الناس تشاءما لم يظنوا بأن المطر سيستمر بالهطول حتى صيف العام التالي ، لكن السماء سرعان ما خيبت ظنونهم ، فالأمطار استمرت في الهطول في ربيع وصيف عام 1316 أيضا ، و بحلول عام 1317 لم يعد الناس يجدون ما يأكلونه بعد أن أكلوا كل شيء خلال السنتين الماضيتين ، و وصل تأثير المجاعة إلى طبقة الأغنياء و النبلاء بعد أن كان مقصورا على المزارعين الفقراء ، حتى أن ملك انجلترا إدوارد الثاني لم يجد رغيف خبز واحد يأكله حين نزل هو و حاشيته ببلدة سانت البانز الانجليزية فبات ليلته تلك جائعا ، و هي مفارقة يندر حدوثها في تاريخ الملكيات الأوربية .
المجاعة الكبرى حصدت أرواح ملايين البشر خلال عامين ، أغلبهم ماتوا جوعا بالطبع ، لكن هناك أيضا نسبة غير قليلة ممن فقدوا حياتهم بسبب تفشي الجريمة و العنف و التي ارتفعت إلى مستويات قياسية خلال تلك الحقبة السوداء ، فالناس ما عادوا يكترثون كثيرا للنواهي الدينية و للقيم الأخلاقية لشدة ما عانوه و كابدوه و هول و فظاعة ما شاهدوه خلال السنين التي جثمت فيها المجاعة على قلوبهم ، و لهذا أصبحت جرائم السلب و النهب و القتل أمورا عادية تحدث في وضح النهار ، و انتشرت قصص كثيرة عن تفشي أكل لحوم البشر ، و أخذ الكثير من الناس ينبذون أطفالهم بعد أن عجزوا عن أطعامهم و ما عادوا يتحملون رؤيتهم و هو يئنون من الجوع ، فكانت الأم تأخذ صغارها إلى السوق و تتركهم هناك لكي يموتوا بعيدا عن ناظريها ، أو يأخذهم الأب إلى الغابة و يطلب منهم الانتظار تحت شجرة ثم يفر منهم و يهجرهم هناك ليموتوا جوعا أو تلتهمهم الدببة و الذئاب . و يرى بعض الباحثين بأن نبذ الأطفال من قبل والديهم الذي تفشى بكثرة أبان المجاعة ، إضافة طبعا إلى الجرائم التي اقترفت بحق الأطفال ، كاختطافهم من اجل قتلهم و أكلهم ، كل هذا يرتبط بصورة وثيقة مع ما جرى لأطفال هاملن ، فألمانيا لم تكن بعيدة عن أهوال المجاعة الكبرى، بل كانت في صميمها ، و ليس من المستبعد أن يكون أطفال هاملن قد جرى اختطافهم من قبل آكلي لحوم البشر ، أو ربما نبذهم أهلهم في الغابات القريبة من المدينة بعد أن عجزوا عن أطعامهم ، و بمرور السنين ضاعت و انطمست ذكرى تلك الأحداث المأساوية و لم يتبق منها في النهاية سوى حكاية خرافية ترويها الجدات لأحفادها في ليالي الشتاء الباردة .
2 - نظرية الطاعون الأسود ..............
لم تكد غمامة المجاعة تنجلي عن سماء أوربا الملبدة بغيوم البؤس و الموت حتى عالجها القدر بمصيبة و فاجعة أكبر . فبعد أن رحل الجوع .. أتى المرض .. و أي مرض ؟! .. انه الطاعون ، ذلك الوباء الفتاك الذي أفترس أرواح ما يربو على نصف سكان القارة العجوز خلال أربعة أعوام فقط .
الطاعون وصل إلى أوربا قادما من الصين بعد سفرة طويلة أستل خلالها ملايين الأرواح في الهند وإيران وتركيا . و قد كانت منطقة شبه جزيرة القرم هي المحطة الأولى للطاعون على التراب الأوربي ، حيث حل ضيفا ثقيلا هناك في عام 1346 ثم ما لبث أن سافر بحرا إلى جنوب ايطاليا وفرنسا واسبانيا و بحلول عام 1350 كان الطاعون قد تفشى في معظم أجزاء القارة الأوربية ، لكن رحلته لم تنتهي هناك ، فقد سافر مجددا بعد أن ارتوى و شبع من الدم الأوربي ، هذه المرة حملته السفن التجارية إلى مصر و شمال إفريقيا والشام والحجاز والعراق .
مما لا شك فيه أن الطاعون الأسود كان من أعظم البلايا التي حلت بالبشرية ، فهذا المرض القاتل حصد خلال سنوات قليلة ما يقارب من ثلثي أرواح سكان جنوب أوربا ، و نصف سكان وسط أوربا ، و ربع سكان انجلترا و ألمانيا ، و 40 بالمائة من سكان مصر و الشام و العراق وشبة الجزيرة العربية واليمن. و قتل بالإجمال ما مجموعه 100 – 200 مليون من تعداد سكان العالم الذي كان يقدر آنذاك بحوالي 450 مليون نسمة . أي أنك لو كنت حيا في ذلك الزمان عزيزي القارئ لكانت نسبة نجاتك من الموت لا تزيد كثيرا عن الخمسين في المائة ، و حتى لو افترضنا جدلا بأنك كنت ستنجو فلا أظنك كنت ستفرح كثيرا لنجاتك لأن كنت ستشاهد الموت و هو يسحق أجساد و يستل أرواح أعز الناس إليك ، كنت سترى أهل بيتك و جيرانك و أبناء مدينتك ممددون في الشوارع جثث هامدة لا يجدون من يدفنهم ، رائحة و عفونة الجثث المنتفخة كانت ستزكم أنفك ، و منظر الموت بأبشع صوره كانت ستلاحقك أينما يممت وجهك، فرعب الطاعون لا يكمن في عدد ضحاياه فقط ، بل في صفته وأ عراضه أيضا .
أول تلك الأعراض كانت تتمثل في ظهور أورام كبيرة بحجم البيضة على الفخذ و تحت الإبط ، لا تكون مؤلمة في البداية ، لكنها سرعان ما تتكاثر و تنتشر في سائر أجساد الجسد ثم تتحول تدريجيا إلى بثور سوداء كريهة و مؤلمة تنزف دماء ، و يكون انتشارها مصحوبا بحمى عالية و آلام شديدة في سائر مفاصل الجسد و قد يتقيأ المريض دماء . و ربما يكون الشيء الوحيد الجيد بشأن الطاعون هو أن عذاب المريض لا يطول كثيرا ، فالموت غالبا ما يدركه بعد يومين إلى سبعة أيام من ظهور الأعراض .
الطاعون الأسود ترك آثارا لا تمحى في الذاكرة الجماعية الأوربية ، و لهذا يحاول بعض الباحثين أن يربطوا بينه و بين ما جرى لأطفال هاملن ، و يرى هؤلاء الباحثين بأن قصة عازف المزمار هي في الحقيقة حكاية الوباء القاتل الذي ضرب المدينة فقتل أغلب سكانها ، فالجرذان في الحكاية ترمز إلى الوسيلة التي أنتقل فيها المرض بين السكان ، في حين يرمز عازف المزمار إلى الموت الداهم الذي يرقص طربا على آهات و عذابات البشر . فمنذ القرن الخامس عشر درج فنانو أوربا على تصوير الموت في هيئة هياكل عظمية ترقص مع الأحياء عند المقابر . و كان الناس من جميع الأعمار و المشارب ، الملك و القس و التاجر و المزارع و المرأة و الطفل الخ .. يظهرون في تلك اللوحات الكئيبة و هم يرقصون يدا بيد مع تلك الهياكل التي ترتدي الثياب الملونة . و كان الرسام يرمي من وراء ذلك إلى إبراز عبثية الحياة الفانية و سخرية الأقدار التي تساوي بين الجميع في حضرة الموت .
3 - نظرية حملة الأطفال الصليبية .............
هذه النظرية تحاول الربط بين الحكاية و بين ما يعرف بحملات الأطفال الصليبية ( Children's Crusade ) ، و هي حملات صليبية سلمية حركتها المشاعر الدينية المتأججة لبسطاء الناس في أوربا القرون الوسطى . و كان وراء هذا الحراك الشعبي أطفال صغار كالصبي الألماني نيكولاس الذي كان في العاشرة من عمره عام 1212 حين زعم بأن السيد المسيح تجلى أمامه بينما كان يرعى أغنامه في البرية و أمره بأن يسير نحو القدس ليسترجعها بسلام و من دون إراقة دماء . و هكذا تحول نيكولاس ، الراعي الفقير إلى قديس و معجزة بنظر الناس ، أعانه على ذلك موهبته الفذة في شحن و تسخير عقول الجماهير عن طريق خطبه الدينية الحماسية التي كان يلقيها بأسلوبه الطفولي البريء و البسيط فتمس شغاف القلوب بسهولة و تستدر الدموع بلا استئذان و تجيش له ما شاء من المريدين والأتباع .
و قد تضاعف تعلق الناس بهذا القديس الصغير بعد الأخبار و الإشاعات الكثيرة التي انتشرت في كل مكان حول معجزاته في شفاء المرضى و كذلك نبوءاته التي زعم نيكولاس خلالها بأن وجه الماء سينفلق عند قديمه ما أن يقف على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، و بأنه و أتباعه سيجتازون البحر مشيا على الأقدام نحو القدس تماما كما حدث مع موسى و بنو إسرائيل حين لاحقهم فرعون و جنده .
طبعا ليس جميع الناس أمنوا بما يقوله نيكولاس ، و لا جميع الكنائس صدقت نبوءاته و مزاعمه ، لكن الغالبية الساذجة من أهل ذلك الزمان صدقوه و أمنوا به ، لا بل و أرسلوا معه فلذات أكبادهم ليرافقوه في رحلته نحو الديار المقدسة حتى جاوز عدد من تبعه السبعة آلاف طفل ، خرج معظمهم للمشاركة في الحملة من دون تهيأ و لا استعداد ، كانت العاطفة البريئة هي زادهم الوحيد ، لم يملكوا غيرها زادا من مال أو طعام ، فراحوا يدقون الأبواب على طول الطريق يتوسلون اللقمة من الكنائس و الأديرة و منازل الناس و ناموا أغلب لياليهم في العراء على جوع و برد ، و قد خسر الكثير منهم حياته خلال رحلة الذهاب الصعبة و الشاقة التي اجتازوا خلالها قمم الألب الشاهقة وصولا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط .
لكن ليس كل ما يطلبه المرء يدركه، فذلك الماراثون الطويل من الكد و الجهد و التضحية أنتهي إلى خيبة أمل كبيرة حين وصل نيكولاس وجيشه الصغير إلى ساحل البحر في جنوه الايطالية . وقفوا هناك و انتظروا لساعات و أيام و أسابيع طويلة بانتظار المعجزة .. لكن شيئا لم يحدث .. لا البحر أنفلق و لا وقع أي أمر خارق للعادة على ذلك الساحل المنحوس . و راح اليأس يتسلل بهدوء إلى القلوب الصغيرة الواجفة ، و بدأ ذلك البنيان الشاهق من الأوهام التي أسس نيكولاس عليها شعبيته الطاغية يتصدع شيئا فشيئا ، فأرتفع الهمس و اللمز على ألسنة أولئك الأتباع المخلصين المنتظرين بصبر على ذلك الساحل المقفر .. "هل كان نيكولاس كاذبا منذ البداية ؟" .. تساءل بعضهم بحزن و راحوا يتهيئون للعودة إلى أوطانهم ، في حين رفض آخرون أي تشكيك بنزاهة نيكولاس ، و في لحظة من الحماسة الغبية صعد هؤلاء إلى ظهر بضعة سفن تجارية قادوها مباشرة صوب القدس ، لكنهم لم يبتعدوا عن الساحل الايطالي كثيرا ، فسرعان ما وقعوا أسرى بيد القراصنة و بيعوا كرقيق في أسواق النخاسة في تونس .
أما نيكولاس نفسه و بقية أتباعه فقد شدوا الرحال عائدين لأوطانهم بعد يأس و طول انتظار . و كم كانت رحلتهم مأساوية و شاقة .. مساكين أولئك الصغار .. أولاد و بنات بعمر و نقاء الورود .. تساقطوا واحد بعد الأخر على طول الطريق بعد أن أنهكهم التعب و أضناهم الجوع . نيكولاس نفسه سقط ميتا مع المتساقطين و لم ينجوا من جيش الأطفال ذاك سوى عدد ضئيل . المصادر التاريخية الأوربية تخبرنا بأن أثنين من كل ثلاثة أطفال رافقوا تلك الحملة لم يعودوا إلى منازلهم أبدا ، ماتوا على الدرب أو بيعوا كرقيق في الشرق . و ما أن وصلت أخبار الكارثة إلى ألمانيا حتى هجم الأهالي المنكوبين بموت أطفالهم على عائلة نيكولاس فسحلوا والده إلى الشوارع ثم شنقوه على شجرة و أحرقوا منزله .
و الجدير بالذكر أن فرنسا شهدت هي الأخرى حملة أطفال شبيهة بتلك التي حدثت في ألمانيا عام 1212 ، فبينما كان نيكولاس يجمع الأتباع و يشحذ الهمم في ألمانيا ، كان هناك فتى آخر في شمال فرنسا يسير على نفس الدرب ، هذا الفتى كان راعيا للأغنام في الثانية عشر من عمره أسمه ستيفان . و تماما مثل نيكولاس ، فأن ستيفان زعم بأن السيد المسيح تجلى له و أمره باستعادة القدس سلميا . و قد حشد ستيفان قرابة الثلاثون ألف شخص لحملته معظمهم من الأطفال . و هذه المرة أيضا تكررت نفس المأساة ، فالحملة الفرنسية انتهت إلى ذات المصير الذي انتهت أليه الحملة الألمانية
و بالعودة إلى حكايتنا ، يرى العديد من الباحثين بأن حكاية عازف المزمار تتحدث في واقع الأمر عن أطفال هاملن الذين رافقوا نيكولاس في حملته الصليبية المأساوية ، و أن شخصية عازف المزمار تشير و ترمز إلى الفتى نيكولاس الذي غرر بالأطفال و أخذهم معه نحو المجهول . لكن إشكالية هذه النظرية تتمثل في التوقيت ، فحملة الأطفال الصليبية حدثت عام 1212 ، في حين أن أحداث حكاية عازف المزمار تعود لسنة 1284 . كما إن العديد من الباحثين يلقون بظلال كثيفة من الشك حول مصداقية المصادر التي تحدثت عن حملة الأطفال الصليبية ، فهم يعتقدون بأن اسم الحملة هو مجرد مصطلح مجازي ، و بأن أكثر من رافقوا تلك الحملة لم يكونوا في الحقيقة أطفالا و إنما رجال و نساء بالغين رافقوا أطفالهم على طول الدرب ، فلا يعقل أن يدع الناس أطفالهم يذهبون بمفردهم في هكذا رحلة خطرة و قاسية من دون دليل و معين .
4 - نظرية الصراع الديني ............
غالبا ما يقرن تاريخ أوربا بالمسيحية التي ضربت أطنابها في أرجاء القارة الأربعة منذ أن أتخذها الإمبراطور قسطنطين الأول دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية في مطلع القرن الرابع الميلادي . لكن أوربا لم تكن دوما مسيحية، و اللافت للنظر هو أن نسبة قليلة من الناس حتى من بين المتعلمين لديهم معلومات عن أوربا ما قبل المسيحية ، أوربا الوثنية المشبعة بالخرافة والسحر و طقوس التضحية البشرية. أوربا البربرية حيث الصراع الدموي على الأرض و النفوذ بين العشرات من القبائل الجرمانية و الاسكندنافية و السلافية و السلتية الخ. و قد أتخذ هذا الصراع منحى جديد ابتداء من القرن الخامس الميلادي بدخول البعد الديني أليه ، حيث دارت رحى العديد من الحروب و المعارك الدينية الدموية ما بين الممالك و القبائل المسيحية و الوثنية ، و استمر هذا الصراع حتى القرن الثاني عشر الميلادي بدخول آخر القبائل الوثنية في شمال أوربا إلى المسيحية .
و لهذا يرى بعض الباحثين بأن حكاية عازف المزمار هي في حقيقة الأمر تتحدث عن بعض صفحات ذلك الصراع الدامي ، و أن ما جرى فعلا في هاملن هو عملية اختطاف جماعية لأطفال المدينة المسيحيين حيث اقتيدوا إلى الغابات المجاورة و تم التضحية بهم للآلهة من قبل الوثنين ، أو تم ألقائهم في نهر فيسر .
أين الحقيقة ؟
برغم جميع النظريات فأن الغموض سيبقى يلف مصير أطفال هاملن و حقيقة ما جرى لهم في تلك الحقبة المظلمة من التاريخ ، و هكذا هو التاريخ .. مليء بالغموض و الألغاز و الأسرار التي قد تطال حتى الأحداث التاريخية التي نحسبها من المسلمات و البديهيات ، و هنا بالضبط تكمن جمالية التاريخ البشري و روعته ، فهو متعدد الجوانب يدفعك دوما للتفكير و التساؤل و البحث ، كالمتاهة التي فيها ألف باب ، كلما فتحت بابا وجدت خلفه ألف باب أخرى . و نحن في هذه المقالة لم نكن ننوي سوى طرق باب واحد، فإذا بذلك الباب يقودنا إلى أبواب أخرى .
The Pied Piper of Hamelin
And honey-bees had lost their stings,
And horses were born with eagles' wings:
And just as I became assured
My lame foot would be speedily cured,
The music stopped and I stood still,
And found myself outside the Hill,
Left alone against my will,
To go now limping as before,
And never hear of that country more!
Alas, alas for Hamelin!
There came into many a burgher's pate
A text which says, that Heaven's Gate
Opes to the Rich at as easy a rate
As the needle's eye takes a camel in!
The Mayor sent East, West, North, and South,
To offer the Piper, by word of mouth,
Wherever it was men's lot to find him,
Silver and gold to his heart's content,
If he'd only return the way he went,
And bring the children behind him.
But when they saw 'twas a lost endeavour,
And Piper and dancers were gone for ever,
They made a decree that lawyers never
Should think their records dated duly
If, after the day of the month and year,
These words did not as well appear,
"And so long after what happened here
"On the Twenty-second of July,
"Thirteen hundred and Seventy-six:"
And the better in memory to fix
The place of the Children's last retreat,
They called it, The Pied Piper's Street —
Where any one playing on pipe or tabor
Was sure for the future to lose his labour.
Nor suffered they Hostelry or Tavern
To shock with mirth a street so solemn;
But opposite the place of the cavern
They wrote the story on a column,
And on the Great Church Window painted
The same, to make the world acquainted
How their children were stolen away;
And there it stands to this very day.
And I must not omit to say
That in Transylvania there's a tribe
Of alien people who ascribe
The outlandish ways and dress
On which their neighbours lay such stress
To their fathers and mothers having risen
Out of some subterraneous prison
Into which they were trepanned
Long time ago in a mighty band
Out of Hamelin town in Brunswick land,
But how or why, they don't understand.
So, Willy, let you and me be wipers
Of scores out with all men — especially pipers:
And, whether they pipe us from rats or from mice,
If we've promised them aught, let us keep our promise.
ذباب النحل لم يعد يلسع كسابق الأوان
والخيل قد ولدت وعليها أجنحة النسور
وما أن شعرت بالطمأنينة حينذاك
بدأت قدمي العرجاء الشفاء على عجل
توقفت أنغام الموسيقى ووقفت متسمر القدمين
ووجدت نفسي بعيدا عن رابية (النكبة)
( هو جبل أو تل في مدينة هاملن الألمانية )
ابتعدت وحيدا حيث شاءت الأقدار
لأواصل طريقي بذات القدم العرجاء
حيث لا اسمع بذاك البلد على الإطلاق
( أي أن صاحب المزمار هو الأخر مات أو رحل دون عودة )
وا أسفاه على ( هاملن )
مواطنون قدموا من شتى الوجوه
نص مقدس يقول أن للجنة أبواب
تفتح للأغنياء دون منة بلا أثمان
ومع أن ذلك مستحيل لكن لهم تباح !
( هنا كناية عمن يبخسون الناس اشيائهم ويقصد الأغنياء بالذات )
أرسل العمدة شرقا وغربا وإلى كل الجهات
يطلب عازف المزمار بشكل شفوي
ليعود به الرجال أي منهم على إنفراد
من ثم يمنحه العمدة الذهب والفضة حتى يرضيه
عله يعود مرة أخرى ولا يقطع بهم الرجاء
ويعود بالأطفال الذين أودعهم للضياع
لكنهم عندما شعروا أن مسعاهم بلا آمال
وأن صاحب المزمار والراقصون ذهبوا دون إياب
على عجل أصدروا مرسوما لا يدققه المحامون
وليس لهم علم هل السجلات مؤرخة بموجب القانون!
وفي الثاني والعشرين من شهر تموز
من عام ألف وثلاثمائة وستة وسبعون
هيئوا أفضل ما لديهم من مال كي يدفعوه
لكن مكان الأطفال أصبح في خبر كان
فأطلقوا على المكان شارع الغواية المشئوم
وكل من يعزف مزمارا أو ينقر الطبول
لن يجد من يستأجره مستقبلا بكل تأكيد
ويحظرون على أنفسهم دار ضيافة أو حانة خمر
ويبقى ذلك الشارع مهابا لا جزل ولا طرب فيه
بل العكس سيكون كهفا معتما وحزين
كتبوا القصة ونظموها في صف طويل
ونقشوها على جدار الكنسية الكبرى ذات الشبابيك
كي يشيع ذكرها وتبقى خالدة مدى الزمان
كيف أن أطفالهم اختلسوا على يد صاحب المزمار
كي تبقى شاهدا حيا يسطر تلك النكبة البغضاء
ومن طرفي لا أكتم الكلام
كان في ترانسيلفانيا رهط من الناس
غرباء لا ينتسبون إلى البلاد
لباسهم غريب وطراز حياتهم غير مألوف
وهكذا جيرانهم في تلك الغلظة على حد سواء
نشئوا بين أبائهم متلقين حضن الرعاية
خارج معتقلات وسراديب تحت الأرض
من هناك حيث ثقبوا لهم منفذا للخروج
اجتمعوا منذ زمن طويل كما لو عصابة
خارج مدينة ( هيلمن) في مقاطعة برونزويك الألمانية
ولكن كيف يفهمون أو لماذا لا يفهمون !
كما (( ويلي )) لمن كتبت له القصيدة
دعنا أنا وأنت نُمحى من الوجود
جميع الرجال محوا ومن ضمنهم الزمارون
سواء من ينفخون المزمار للجرذان أو الفئران
حتى لو أننا تعهدنا لهم بشيء زهيد
دعنا لا نحنث الوعد
And honey-bees had lost their stings,
And horses were born with eagles' wings:
And just as I became assured
My lame foot would be speedily cured,
The music stopped and I stood still,
And found myself outside the Hill,
Left alone against my will,
To go now limping as before,
And never hear of that country more!
Alas, alas for Hamelin!
There came into many a burgher's pate
A text which says, that Heaven's Gate
Opes to the Rich at as easy a rate
As the needle's eye takes a camel in!
The Mayor sent East, West, North, and South,
To offer the Piper, by word of mouth,
Wherever it was men's lot to find him,
Silver and gold to his heart's content,
If he'd only return the way he went,
And bring the children behind him.
But when they saw 'twas a lost endeavour,
And Piper and dancers were gone for ever,
They made a decree that lawyers never
Should think their records dated duly
If, after the day of the month and year,
These words did not as well appear,
"And so long after what happened here
"On the Twenty-second of July,
"Thirteen hundred and Seventy-six:"
And the better in memory to fix
The place of the Children's last retreat,
They called it, The Pied Piper's Street —
Where any one playing on pipe or tabor
Was sure for the future to lose his labour.
Nor suffered they Hostelry or Tavern
To shock with mirth a street so solemn;
But opposite the place of the cavern
They wrote the story on a column,
And on the Great Church Window painted
The same, to make the world acquainted
How their children were stolen away;
And there it stands to this very day.
And I must not omit to say
That in Transylvania there's a tribe
Of alien people who ascribe
The outlandish ways and dress
On which their neighbours lay such stress
To their fathers and mothers having risen
Out of some subterraneous prison
Into which they were trepanned
Long time ago in a mighty band
Out of Hamelin town in Brunswick land,
But how or why, they don't understand.
So, Willy, let you and me be wipers
Of scores out with all men — especially pipers:
And, whether they pipe us from rats or from mice,
If we've promised them aught, let us keep our promise.
ذباب النحل لم يعد يلسع كسابق الأوان
والخيل قد ولدت وعليها أجنحة النسور
وما أن شعرت بالطمأنينة حينذاك
بدأت قدمي العرجاء الشفاء على عجل
توقفت أنغام الموسيقى ووقفت متسمر القدمين
ووجدت نفسي بعيدا عن رابية (النكبة)
( هو جبل أو تل في مدينة هاملن الألمانية )
ابتعدت وحيدا حيث شاءت الأقدار
لأواصل طريقي بذات القدم العرجاء
حيث لا اسمع بذاك البلد على الإطلاق
( أي أن صاحب المزمار هو الأخر مات أو رحل دون عودة )
وا أسفاه على ( هاملن )
مواطنون قدموا من شتى الوجوه
نص مقدس يقول أن للجنة أبواب
تفتح للأغنياء دون منة بلا أثمان
ومع أن ذلك مستحيل لكن لهم تباح !
( هنا كناية عمن يبخسون الناس اشيائهم ويقصد الأغنياء بالذات )
أرسل العمدة شرقا وغربا وإلى كل الجهات
يطلب عازف المزمار بشكل شفوي
ليعود به الرجال أي منهم على إنفراد
من ثم يمنحه العمدة الذهب والفضة حتى يرضيه
عله يعود مرة أخرى ولا يقطع بهم الرجاء
ويعود بالأطفال الذين أودعهم للضياع
لكنهم عندما شعروا أن مسعاهم بلا آمال
وأن صاحب المزمار والراقصون ذهبوا دون إياب
على عجل أصدروا مرسوما لا يدققه المحامون
وليس لهم علم هل السجلات مؤرخة بموجب القانون!
وفي الثاني والعشرين من شهر تموز
من عام ألف وثلاثمائة وستة وسبعون
هيئوا أفضل ما لديهم من مال كي يدفعوه
لكن مكان الأطفال أصبح في خبر كان
فأطلقوا على المكان شارع الغواية المشئوم
وكل من يعزف مزمارا أو ينقر الطبول
لن يجد من يستأجره مستقبلا بكل تأكيد
ويحظرون على أنفسهم دار ضيافة أو حانة خمر
ويبقى ذلك الشارع مهابا لا جزل ولا طرب فيه
بل العكس سيكون كهفا معتما وحزين
كتبوا القصة ونظموها في صف طويل
ونقشوها على جدار الكنسية الكبرى ذات الشبابيك
كي يشيع ذكرها وتبقى خالدة مدى الزمان
كيف أن أطفالهم اختلسوا على يد صاحب المزمار
كي تبقى شاهدا حيا يسطر تلك النكبة البغضاء
ومن طرفي لا أكتم الكلام
كان في ترانسيلفانيا رهط من الناس
غرباء لا ينتسبون إلى البلاد
لباسهم غريب وطراز حياتهم غير مألوف
وهكذا جيرانهم في تلك الغلظة على حد سواء
نشئوا بين أبائهم متلقين حضن الرعاية
خارج معتقلات وسراديب تحت الأرض
من هناك حيث ثقبوا لهم منفذا للخروج
اجتمعوا منذ زمن طويل كما لو عصابة
خارج مدينة ( هيلمن) في مقاطعة برونزويك الألمانية
ولكن كيف يفهمون أو لماذا لا يفهمون !
كما (( ويلي )) لمن كتبت له القصيدة
دعنا أنا وأنت نُمحى من الوجود
جميع الرجال محوا ومن ضمنهم الزمارون
سواء من ينفخون المزمار للجرذان أو الفئران
حتى لو أننا تعهدنا لهم بشيء زهيد
دعنا لا نحنث الوعد
تعليق