الأدب العربي اليهودي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن السليمان
    مستشار أدبي
    • 23-05-2007
    • 5434

    الأدب العربي اليهودي

    [align=justify][align=center]الأدب العربي اليهودي[/align] [align=center](Judaeo-Arabic Literature)[/align]
    تطلق تسمية "الأدب العربي اليهودي" للدلالة على المؤلفات العربية التي كتبها الكتاب اليهود في العصر العباسي عموماً وفي الأندلس خصوصاً في مواضيع تتعلق بالديانة اليهودية وبشريعتها وباللغة العبرية وبآدابها من نثر وشعر وما إليهما.

    عاش اليهود في ظل الحضارة الإسلامية عيشاً كريماً وعرفت جالياتهم في حواضر الدولة الإسلامية بُحبُوحة من العيش ما عرفوها قط في تاريخ شتاتهم بإجماع علمائهم واعترافهم بذلك قبل غيرهم*. أثرت الدراسات اللغوية والدينية، خصوصاً المتعلقة بالقرآن الكريم وبعلومه، التي قام بها العلماء المسلمون، بالمسيحيين واليهود القاطنين في أصقاع الدولة الإسلامية فتأثروا بأعمال العلماء المسلمين وبدؤوا يدرسون لغاتهم وكتبهم المقدسة متبعين في ذلك مناهج العلماء المسلمين، فأخذ السريان الغربيون عن العرب نظام الإعجام والحركات الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي واستعملوه لضبط أصوات السريانية (أما الكلدان فاستعاروا أحرف الأصوات اليونانية وشكلوا بها كتابتهم المعروفة بالإسطرنجيلو). وأخذ أحبار اليهود المعروفون بالمسوريين نظام الإعجام والحركات عن العرب وضبطوا به أيضاً أصوات لغتهم العبرية، مع العلم أنها كانت في ذلك الوقت (القرن الثاني للهجرة) لغة غير محكية.

    وتأثر علماء اليهود بالدراسات اللغوية العربية فطبقوها على العبرية فكانت كتب سعاديا الفيومي وحيوج وابن برون ويهوذا بن قريش ومروان بن جناح القرطبي في اللغة العبرية. ويعتبر "كتاب اللمع" لمروان بن جناح أهم كتاب نحو في العبرية اتبع فيه منهج سيبويه في الكتاب. ووضع ابن جناح أيضا معجماً عبرياً عريباً هو "كتاب الأصول" فسر فيه غريب التوراة بما يقابل ألفاظها من العربية ودافع عن منهجه هذا دفاعاً قوياً ضد علماء التلمود ووصفهم فيه بالجهلاء.

    وتأثر علماؤهم الآخرون بما كتب علماء المسلمون في علم الكلام والفقه والتصوف فأتت كتبهم صدى لكتابات العلماء المسلمين. فكتب سعاديا الفيومي كتابه "كتاب الأمانات والاعتقادات" يرد فيه على فرقة القرائين اليهود التي ظهرت في بغداد، وكتب ابن بقودا كتابه "الهداية إلى فرائض القلوب" تقليدا للإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين"، وأتت كتب ابن عزرا شبيهة برسائل الجاحظ في الأدب، وألف موسى بن ميمون كتبه، خصوصاً كتابه الشهير "دلالة الحائرين"، على غرار كتب الكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم في محاولة التوفيق بين النقل والعقل.

    وفي مجال الأدب اقتبس اليهود من العرب الأنواع الأدبية العربية كلها وقلدوها فأدخل الشاعر العبري دونش بن لبراط (القرن الثالث الهجري) بحور الشعر وعلم العروض كما وضعه الخليل بن أحمد في العبرية وأسس بذلك لشعراء كبار جاؤوا من بعده مثل يهوذا اللاوي وإسماعيل بن النرغيلة وغيرهما. وقد أثار إدخال البحور العربية في الشعر العبري الذي لم يكن يعرف الوزن والقافية حفيظة علماء التلمود الذين اعترضوا دون جدوى على ذلك خصوصاً وأن الشعراء اليهود آنذاك كانوا ينظمون الشعر في الأنواع المعروفة عند العرب من مديح وهجاء وفخر ورثاء وغزل وخمر ومجون وزهد وتصوف في لغة كانت الأشعار البسيطة فيها (كالمزامير وترنيمات الشعراء المعروفين بالبيتانيم) تتلى في الصلوات فقط. وقلد الأديب العبري المعروف بالحريزي (بالزاي) بديع الزمان الهمذاني والحريري في فن المقامات ونسج على منوالهما فوضع مقامات في العبرية تسمى תחכםוני (تَحكِموني أي "مقامات").

    وقد كتب هؤلاء العلماء كل كتبهم باللغة العربية، بعضهم كتبها بالكتابة العربية، وبعضهم بالكتابة العبرية. تسهل هذه الكتب على الطلاب العرب الذين يدرسون العبرية وآدابها كثيراً لأنها مكتوبة بالعربية ولأنها مؤلفة وفقا لمناهج وضعها العرب ولأنها تعتمد منهجاً مقارناً في علم اللغة وأحياناً في علوم الدين.

    بعد انحسار مد الحضارة الأسلامية في الأندلس وغلبة الممالك الإفرنجية على المسلمين فيها هجر اليهود الأندلس فذهب بعضهم إلى المغرب العربي والدولة العثمانية وهاجر بعضهم الآخر إلى فرنسا وغيرها من دول أوربا. حمل اليهود معهم هذا الأدب الأغنى في تاريخهم وترجموه إلى اللغة العبرية لليهود المقيمين في أوربا الغربية غير الملمين بالعربية. وكان المترجمون الذين ترجموا معظم الكتب ينتمون إلى أسرة طيبون وكان لهؤلاء المترجمين أثرٌ كبيرٌ في تكوين اللغة العبرية الحديثة لأن العبرية الكتابية والتلمودية هي لغة بسيطة قليلة المفردات لا تصلح للعلوم أو الآداب لأن مفرداتها لم تكن تتجاوز الـ 10.000 مفردة. فترجموا الأعمال اللغوية والأدبية والعلمية والفلسفية إلى تلك اللغة العبرية البسيطة وكان عليهم وضع مصطلحات لها فطبقوا في ذلك المنهج الاشتقاقي المتبع في العربية خصوصاً وأن العبرية أخت العربية وتتمتع بطائفة لا بأس بها من مزايا العربية في الاشتقاق. وعندما كان منهج الاشتقاق لا يسعفهم في عملهم فإنهم كانوا يستعيرون المصطلح من العربية وهكذا دخلت العبرية آلاف الألفاظ من العربية لا تزال تستعمل حتى اليوم. وقد نهج منهج أسرة طيبون في اشتقاق المصطلحات من العربية اليعزر بن يهوذا الملقب بأبي العبرية الحديثة. وكان ابن يهوذا هذا يرى أن كل جذر موجود في اللغة العربية كان في الماضي موجوداً في العبرية أيضاً. وبما أن كتابَي العهد القديم والمشناة هما الكتابان الوحيدان اللذان حفظهما الزمان في اللغة العبرية القديمة وأن هذين الكتابين لا يحتويان على كل الجذور العبرية التي كانت مستعملة في القديم فإنه لا بد من النظر في العربية، وهي أغنى اللغات السامية على الإطلاق، واستعارة كل الجذور اللغوية الناقصة في العبرية منها، وهذا ما فعله ابن يهوذا بالفعل رغم المعارضة الشديدة التي أبداها المتطرفون القادمون من بولندة وألمانية وغيرهما من دول أوربا الغربية لأنهم كانوا يفضلون الاستعارة من اللغات الأوربية.

    وعودة إلى موضوع الأدب العبري العربي أقدم إليكم نماذج منه، اخترت منها مقاطع تتعلق بالقرابة بين العربية والعبرية والسريانية، وهي اللغات السامية المعروفة آنذاك، مع التنبيه إلى أن طبعات تلك الكتب تحتوي على أخطاء لغوية ومطبعية كثيرة أحياناً أردفها بـ[هكذا] وأحيانا أتركها على حالها. وأشير إلى أن الآراء المتعلقة بالقرابة اللغوية تتضمن تفسيرات وفق الروايات اليهودية، إن عدمت الصحة والدقة فإنها لم تخطئ حقيقة القرابة اللغوية الثابتة.

    يهوذا بن قريش (الرسالة، صفحة 2 و2=مكرر):

    "وإنما كانت العلة في هذا التشابه والسبب في هذا التمازج قرب المجاورة في النسب لأن تارح أبو [هكذا] إبراهيم كان سريانياً ولبان سريانياً. وكان إسماعيل وقدر مستعربين من دور הפלגה من زمان البلبلة في بابل ... وإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام متمسكين [هكذا] بـ לשון קדש [لشون قودش = اللسان المقدس] فتشابهت اللغة من قبل الممازجة كما نشاهد في كل بلد مجاور لبلد مخالف للغته من امتزاج بعض الألفاظ بينهم واستعارة اللسان بعضهم من بعض فهذا سبب ما وجدناه من تشابه العبراني بالعربي غير طبع الحروف التي يفتتح بها في أول الكلام والحروف المستعملة في أواسط الكلام والحروف التي يختم فيها [هكذا] في أوخر الكلام. فإن العبرانية والسريانية والعربية مطبوعة في ذلك على قوالب واحدة. وليس ذلك بموجود في لغة من سائر لغات الأمم سوى لسان العبراني والسرياني والعربي".

    يهوذا اللاوي (كتاب الخزري، 2:68):

    "فإنها [أي العبرانية] اللغة التي أوحي بها إلى آدم وحواء وبها تلافظا ... وقد كان إبراهيم سريانياً في אור קשדים [أور الكلدانيين (والحق هي أور السومريين)] لأن السريانية لغة קשדים [= الكلدان]. وكانت له العبرانية لغة خاصة לשון קדש [لشون قودش = اللسان المقدس] والسريانية לשון חול [لشون حول = لسان حال]. لذلك حملها إسماعيل إلى العرب فصارت هذه الثلاث لغات السريانية والعربية والعبرانية لغات متشابهة في أسمائها وأنحائها وتصاريفها".

    مروان بن جناح (كتاب اللمع، صفحة 7-8):

    "أفلا تراهم [الضمير عائد إلى علماء التلمود] يفسرون كتب الله من اللسان اليوناني والفارسي والعربي والإفريقي وغيره من الألسن؟ فلما رأينا ذلك منهم لم نتحرج [من الاستشهاد] على ما لا شاهد عليه من العبراني بما وجدناه موافقاً ومجانساً له من اللسان العربي إذ هو أكثر اللغات بعد السرياني شبهاً بلساننا. وأما اعتلاله وتصريفه ومجازاته واستعمالاته فهو في جميع ذلك أقرب إلى لساننا من غيره من الألسن، يعلم ذلك من العبرانيين الراسخون في علم لسان العرب، النافذون فيه وما أقلهم"!

    ومن الجدير بالذكر أن كتاب التوراة يحتوي على الكثير من الكلمات المجهولة المعنى تسمى في الدراسات التوراتية بـ hapax legomena (من اليونانية ومعناها "الكلمات التي وردت مرة واحدة في النص" وترادف "الغريب أو النادر" في دراسات العربية). ولا سبيل إلى تفسير تلك الكلمات إلا بمقارنتها بالعربية وأول من اتبع هذا المنهج هو سعاديا الفيومي (القرن الثالث للهجرة) في كتابه "كتاب الثمانين لفظة المفردة" وهو كتاب مطبوع.

    ابن عزرا (كتاب المحاضرة والمذاكرة، صفحة 21 و22):

    "وأما المقاربة التي بين اللغات العبرانية والسريانية والعربية فبسبب تصاقب الديار وتداني الأمصار، حتى أن لا فرق بينها في أكثر أسماء الجواهر إلا بمقدار اليبس والرطوبة، وسببها اختلاف الأهوية والمياه المتقدم ذكرهما. وعلل أبو إبراهيم ابن برون رضي الله عنه هذا التشابه الذي بين هذه الثلاث لغات بغير هذا التعليل، وما أرى ذلك. على أنه ما قصر في أكثر ما أتى به في تأليفه ذاك الملقب بالموازنة من التقارب بين الأنحاء واللغات في الملتين حتى ذكر ألفاظاً قليلة الكم توافقت [العبرية] فيها اللغة اللطينية والبربرية، وهذا أمر إنما وقع في ما أظن بالاتفاق".

    وقد ألف ابن برون كتاباً قيماً اسمه "كتاب الموازنة" بين العربية والعبرية يدل على مدى تطور علم اللغة المقارن في تلك الفترة. وكان يهوذا بن قريش قد سبقه إلى ذلك في "الرسالة" وقد قارن فيها بين العربية والعبرية والسريانية إلا أن ابن برون توسع كثيراً في كتابه الذي أفرده للعربية والعبرية فقط.

    وللاستئناس أذكر رأي ابن حزم الأندلسي في العلاقة بين العربية والسريانية والعبرية، وعندي أن ابن حزم كان عارفاً بتلك اللغات كما يبدو من رسالته "الرد على ابن النرغيلة اليهودي" وكما يستشف من كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل". يقول ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (جزء 1 صفحة 30):

    "إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر لا لغة حمير لغة واحدة تبدلت بتبدل بمساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتهما. ونحن نجد من إذا سمع لغة فحص البلوط، وهي على مسافة ليلة واحدة من قرطبة، كاد أن يقول إنها غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبدلاً لا يخفى على من تأمله.

    ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلاً وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب "العينب" وفي السوط "أسطوط" وفي ثلاثة دنانير "ثلثدا". فإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال "السجرة"! وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول "مهمداً" إذا أراد أن يقول "محمداً". ومثل هذا كثير. فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل".

    ورأي ابن حزم ملفت للنظر، وهو الرأي المعتمد اليوم في الدراسات السامية المعاصرة. وبذلك يكون ابن حزم أول عالم أقر بوجود لغة أصلية تفرعت اللغات السامية عنها، يطلق عليها علماء الساميات اليوم "اللغة السامية الأولى (Proto-Semitic)".


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    *حاشية:

    لكي نعي مدى تأثير الحضارة الإسلامية في اليهود وفي آدابهم وحتى سلوكهم، ونفهم كيف تخلى اليهود في الحواضر الإسلامية عن مصطلحاتهم الدينية العبرية واستبدلوها بمصطلحات إسلامية عربية للدلالة على أمور ديانتهم ـ وهو الأمر الذي لم يفعلوه قط في شتاتهم ـ أورد نصوصاً بمثابة الشهادة لاثنين من علمائهم عن حياتهم في ظل الحضارة الإسلامية، اخترتها لكم من كتابين الأول قديم والآخر حديث.

    1. الفاسي (القرن الثالث الهجري. المصدر: كتاب جامع الألفاظ. مجلدان. نشره س.ل. سكوس في نيويورك بين 1936-1945. المجلد الأول، صفحة 375):

    "فمن وقت قامت دولة إسماعيل [= العرب] وجد إسرائيل [= اليهود] راحة كبيرة بما أكنفوهم واستظلوا بظلهم ثم أصابوا سبيلاً للدخول إلى القدس ليصلوا بهذا الهيكل". ومن المعروف أن البيزنطيين كانوا منعوا اليهود من دخول بيت المقدس.

    2. الفاسي (المصدر نفسه، المجلد الأول، صفحة 11):

    ומאת אלהינו היתה זות כי הטה עלינו חסד לפני מלכות ישמעאל בעת אשר פשטה ידם ולכדו את הארץ הצבי מיד אדום ובאו ירושלים היו עמהם אנשים מבני ישראל הראו להם מקום המקדש וישבו עמהם מאז ועד היום ...

    "ومن فضل الله علينا أن من علينا بنعمة [ألا وهي] قيام ملك إسماعيل [= العرب]؛ فعندما ظهر نجمهم وفتحوا فلسطين وحرروها من الأدوميين [= الروم] ودخلوا بيت المقدس، كان معهم نفر من بني إسرائيل دخلوا معهم وأروهم المكان المقدس [= الصخرة] واستقروا فيها [= القدس] منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا".

    3. المؤرخ اليهودي أبراهام س. هالكين (Abraham S. Halkin, in: L. Frankelstein, The Jews, their History, Culture and Religion. II vols. Philadelphia, 5726/1966. p. 1117 ):

    “Yet, in general, life under Muslim rule was as comfortable as one as the Jews have never had under foreign domination, and the average individual probably found little to complain of on religious ground”.

    ويضيف أيضاً (المصدر نفسه، صفحة 1119):

    “Yet, if we exclude modern Hebrew and Yiddish literatures, which have their on causes and explanations, and cannot figure in this generalization, the Arabic period is the only one where this contact [between Arab and Jews/Islam and Judaism] resulted in a lasting and positive contribution to the Jewish cultural heritage, and produced works which have been recognized and revered by Jews of other day’s and other lands”.

    وقائمة شهادات علمائهم طويلة جداً ..[/align]
    عبدالرحمن السليمان
    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    www.atinternational.org
  • عبدالرحمن السليمان
    مستشار أدبي
    • 23-05-2007
    • 5434

    #2
    [align=justify]سأعرف في هذا المنتدى بأهم كتب "الأدب اليهودي العربي" التي حفظت ونشرت. وأبدأ بعرض "كتاب السبعين لفظة المفردة" لسعاديا بن يوسف الفيومي (القرن الثالث للهجرة).

    [align=center]"كتاب السبعين لفظة المفردة"[/align]
    1. مقدمة:

    عندما أدخل أبو الأسود الدؤلي نظامَي الإعجام والإشكال وضبط بذلك رسم المصحف الشريف ونطقه، أسس بذلك لتلك الحركة العلمية الكبيرة التي عرفتها علوم اللغة عموماً والدراسات القرآنية خصوصاً في العقود اللاحقة. وكنت أبنت في أكثر من موضع أن اهتمام المسلمين البالغ بالقرآن الكريم أثار اهتمام السريان واليهود الذين أخذوا نظامَي الإعجام والإشكال عن العرب ليضبطوا بهما كتابتيهم السريانية والعبرية، وكذلك مناهجهم في الدراسات اللغوية ليطبقوها على لغتيهم السريانية والعبرية.

    واجه اليهود صعوبة كبيرة في بداية دراساتهم اللغوية لأن النص العبري للتوراة كان يعاني في تلك الفترة من معضلتين كبيرتين هما: فقدان الإسناد في الرواية، لأن العبرية التوراتية أصبحت لغة ميتة ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد، ولأن النص العبري للتوراة روي منذ ذلك الوقت حتى وقت أبي السود الدؤلي بدون إعجام ولا إشكال، الشيء الذي يعني أن أحداً لا يعرف على وجه الضبط كيف كانت آياته تنطق، من جهة، والإهمال من جهة أخرى، لأن التوراة أصبحت في القرن الثاني الهجري نسياً منسياً لدى جمهور اليهود بسبب طغيان التلمود البابلي عليها. وأدى هذا الوضع إلى نشوء فرقة لدى اليهود أطلق عليها فيما بعد اسم "القرائيين" نسبة إلى كثرة "قراءة المقرأ" أو كتاب العهد القديم. أسسس هذه الفرقة في بغداد عنان بن داود الذي ظهر كزعيم للفرقة أيام أبي حعفر المنصور المتوفي سنة 158 هجرية (775 ميلادية).[1] وتركز نقد عنان لأحبار اليهودية في مسائل كثيرة أهمها على الإطلاق رفضه القاطع لكتاب التلمود (التلمودين البابلي والمقدسي) واعتباره إياه بدعة ابتدعها الحاخامات ونسبوها إلى موسى عليه السلام وهو منها براء حسب تعبيره، ومطالبته بالعودة غير المشروطة إلى كتاب العهد القديم مصدر الديانة اليهودية الوحيد حسب قوله. [2]

    أدت حركة القرائين اليهود التي أسسها عنان[3] هذا إلى الاهتمام بأسفار العهد القديم، فقام المسوريون، وهم من القرائين، بإدخال نظامَي الإعجام والإشكال في عبرية العهد القديم معتمدين في ضبط نطقه على الآرامية اليهودية، وهي الآرامية التي دون كثير من الأدب اليهودي بها، والتي كان اليهود يتكلمون بها قبل استعرابهم بداية العصر العباسي.
    انتشرت الفرقة القرائية انتشاراً واسعاً بين جمهور اليهود وكادت تطغى على التلموديين حتى قام الحاخام المتكلم سعاديا بن يوسف الفيومي وبدأ بمجادلة القرائيين معتمداً في ذلك على مناهجهم العقلية التي أخذوها عن متكلمي المسلمين وخصوصاً المعتزلة. فترجم سعاديا العهد القديم إلى العربية ترجمة فسر فيها التشبيه الوارد في التوراة تفسيراً مجازياً، وعالج تلك المشاكل العويصة في النص التوراتي معالجة عقلانية بعض الشيء، وفسر غريب التوراة من العربية، فكانت دراساته حلاً وسطاً بين جمهور اليهود الذين يثبتون التشبيه بأقذع صوره، والقرائين الذين ينفون التشبيه نفياً مثل نفي المعتزلة ولا فرق. [4]

    2. كتاب السبعين لفظة المفردة:

    "كتاب السبعين لفظة المفردة" لسعاديا بن يوسف الفيومي كتاب لغوي جدلي في آن واحد، لأنه حاول فيه تفسير سبعين لفظة غريبة من التوراة من كتاب "المشناة". و"المشناة" (= المثنى) هي "التوراة الشفهية" التي يقول أحبار اليهود بشأنها إن الله سبحانه وتعالى أوحى بها إلى موسى عليه السلام، لأهم يزعمون أن الله أنزل عليه توارتين: توراة كتابية وثانية شفهية. فدوّن اليهود التوراة الكتابية، وتناقلوا الشفهية تواتراً حتى دونوها في القرن الثاني للميلاد خشية ضياعها. وتشكل "المشناة"، وهي بالعبرية، نواة التلمود. وهي التوراة التي يرفضها القراؤون رفضاً باتاً هي وشروحها (= التلمود)، معتبرين إياها من فبركة الحاخامات. فأراد سعاديا الفيومي، وهو تلمودي، شرح سبعين كلمة من العهد القديم من المشناة للتدليل على أهميتها، مجادلاً بذلك القرائين الذين يرفضونها من أساسها. والمقصود "باللفظة المفردة" الكلمة التي وردت مرة واحدة في نص العهد القديم والذي لا يعرف معناها على وجه الضبط، وتسمى في أدبيات الكتاب المقدس hapax legomenon [5]وفي الأدبيات اليهودية "بالكلمة اليتيمة". [6]

    يبدأ الكتاب بالمقدمة التالية:

    "كتاب السبعين لفظة [المفردة] من مفردات القرآن [7] وشرحه من تخصيص المشناة بدلائلها مما استخرج ذلك מרינו ורבינו سعادياهو جاؤون بن מרי ורבי يوسف:

    قال جامعه بما أن الاستشهاد فيما بين من يدلّ ويستدلّ إنما هو بما ظهر على ما خفي كذلك البرهان أيضاً إنما يكون بينهما مما يقران على ما يختلفان فيه وكما أنه قد يدل المقيس للدليل بخفي على خفي وخفي على خفي [كذا] بعد أن ينتهي آخر قوله إلى ظاهر كذلك يجوز أن يدلّ بما هما مختلفان فيه بعد أن تنتهي الحجة إلى ما هما متفقين [كذا] عليه. وإني رأيت قوماً من العبرانيين [8] يجحدون ما نقل عن الأنبياء من الشرائع التي هي غير مكتوبة[9] وكذلك يجحدون بعضهم [كذا] ما سمعوا من اللغة من كلام الأمة ولم يجدوه في الكتاب ...".

    مثال من كتاب "السبعين لفظة المفردة":

    "وقول حبقوق في ملك [بابل ونظرائه] כי אבן מקיר תזעק וכפיס מעץ יעננה. تفسير וכפיס الآجر كما وجدنا في المشناة حين وصفوا ما يبنيه الشريكان [المشركون؟] מקום שנהגו לבנות גויל גזית כפוסים [أي] آجر. ومعنى ذلك يقول النبي ظن في نفسه أنه يتخلص من عقاب الله ...".

    فكلمة כפיס (سفر حبقوق، 11:2) وردت مرة واحدة فقط في كتاب العهد القديم، ومعناها مجهول فيه حتى اليوم، ففسرها سعاديا من المشناة حيث تعني فيها "الآجر". وترجمها بالآجر في ترجمته العربية. وترجمت هذه اللفظة المفردة في الترجمة العربية الكاثوليكية بالجائز ...، فترجمت الآية كما يلي: "فالحَجَرُ يَصرخُ من الحائِط والجائِزُ يُجِيبُ من الخَشب". أما في الترجمة العربية البروتستانتية فنقرأ: "لأن الحَجَرَ يَصرخُ من الحائِط فيُجِيبُهُ الجائِزُ من الخَشب". ولا شك في أنه يجوز لنا اعتبار هذه "الجائز" العربية من "الألفاظ المفردة" لأن أحداً من بني يعرب لن يفهم معناها في هذا السياق!

    ــــــــــــــــــــــــ

    المصدر:
    سعاديا بن يوسف الفيومي، كتاب السبعين لفظة المفردة. الكتاب مطبوع باللغة العربية بأحرف عبرية ضمن مجموعة من الكتب التي نشرت في ذكرى رحيل المسشترق اليهودي إسحاق يهودا جولدزيهر، ظهرت بالعنوان التالي: ספר זכרון לכבוד יצחק יהודה גולדציהר. ירושלים תשי”ח.
    ــــــــــــــــــــــــ

    الحواشي

    [1] انظر كتاب الأنوار والمراقب لأبي يعقوب إسحاق القرقساني. المجلد 1، الصفحة 13. نيويورك، 1939. والقرقساني واحد من أهم متكلمي الفرقة القرائية.
    [2] كل المعلومات الواردة في هذا المقال بخصوص القرائين اليهود مأخوذة من الكتابين التاليين: أبو يعقوب إسحاق القرقساني، الأنوار والمراقب. نيويورك، 1939 وإبراهيم بن دواد، ספר הקבלה (سِيفِر ها قَبلاه)، لندن، 1969.
    [3] تآمر اليهود على عنان وشكوه إلى الخليفة الذي أودعه السجن بتهمة الهرطقة. ويقول القرقساني (الأنوار والمراقب، المجلد 1، الصفحة 13) أنه التقى في السجن بالإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، الذي أشار عليه بلقاء الخليفة أبي جعفر المنصور وشرح معتقده له، وهو ما تم بالفعل حسب رواية القرقساني فعفا المنصور عنه وأطلق سراحه. وتعرف فرقته في المصادر الإسلامية باسم "العنانية".
    [4] انظر التعريف بكتاب "بستان العقول" لنتانئيل بن الفيومي على هذا الرابط، وانظر المقدمة وقارنها بكتابات المعتزلة. ونتانئيل الفيومي هذا من فرقة القرائين اليهود.
    [5] من اليونانية ومعناها: "اللفظة الواردة مرة واحدة"، أي "اللفظة المفردة".
    [6] في العبرية: אין לה אב או אם "الكلمة التي ليس لها أب أو أم". انظر كتاب: Leo Prijs, Die Grammatikalische Terminologie des Abraham Ibn Ezra. Basel, 1950. صفحة 24.
    [7] أي كتاب التوراة وكتب العهد القديم. فقد بلغ تأثير الحضارة الإسلامية في اليهود أن استعاروا الألفاظ الإسلامية القحة للدلالة على مسميات بعينها من الشريعة اليهودية كالفقه "للتلمود" والسنة "للمشناة" الخ. ويسمي سعاديا العهد القديم في كتابه هذا بالقرآن وبالكتاب أيضاً. وترجم اليهود فيما بعد اسم "القرآن" إلى العبرية هكذا מקרא "مِقرَأ" وهو اسم الآلة من الفعل /قرأ/ الذي يعني "التلاوة" في العبرية.
    [8] يقصد فرقة القرائيين.
    [9] يقصد كتاب المشناة.
    [/align]
    عبدالرحمن السليمان
    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    www.atinternational.org

    تعليق

    • عبدالرحمن السليمان
      مستشار أدبي
      • 23-05-2007
      • 5434

      #3
      [align=justify][align=center]في كتاب التنقيح لابن جناح القرطبي[/align]
      ذكرت في مداخلة سابقة أن "كتاب التنقيح" لمروان بن جناح القرطبي (القرن الرابع الهجري)، هو أهم كتاب لغوي في اللغة العبرية، وضعه ابن جناح، سيبويه النحاة اليهود، منتهجاً في وضعه منهج الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه وابن جني.

      يتكون كتاب التنقيح لابن جناح من جزئين كبيرين: الجزء الأول: كتاب اللُّمَع وهو كتاب في النحو، والجزء الثاني: كتاب الأصول وهو معجم عبري عربي لمفردات التوراة فقط. وقد سمى ابن جناح كتابه الكبير في النحو على اسم كُتيب مدرسي لابن جني في النحو أيضاً هو "كتاب اللمع"، كان ابن جني وضعه للطلاب.

      من مقدمة كتاب اللُّمَع لمروان بن جناح القرطبي:

      يقول ابن جناح مدافعاً عن اشتغاله بعلم اللغة ضد أصحاب التلمود:

      "ورأيت القوم الذين نحن في ظهرانيهم [= العرب] يجتهدون في البلوغ إلى غاية علم لسانهم على حسب ما ذكرناه مما يوجبه النظر ويقضي به الحق. وأما أهل لساننا في زماننا هذا فقد نبذوا هذا العلم وراء أظهرهم وجعلوا هذا الفن دبر آذانهم واستخفوا به وحسبوه فضلاً لا يُحتاج إليه وشيئاً لا يُعرج عليه فتعروا من محاسنه وتعطلوا من فضائله وخلوا من زينه وحليه حتى جعل كل واحد منهم ينطق كيف يشاء ويتكلم بما أراد لا يتحرجون في ذلك ولا يشاحّون فيه كأنه ليس للغة قانون يُرجع إليه ولا حد يُوقف عنده قد رضوا من اللسان بما يَسُر أمره عندهم وقنعوا منه بما سَهُل مأخذه عليهم وقَرُب التماسه منهم لا يدققون أصله ولا ينقحون فرعه، فلهم في اللغة مناكير يُغرب عنها وأقاويل يُزهد فيها. وأكثر من استخف منهم بهذا العلم وازدرى هذا الفن فمن مال منهم إلى شيء من الفقه [= التلموديون] تيهاً منهم بيسير ما يحسنونه منه وعجباً بنزر ما يفهمونه من ذلك حتى لقد بلغني عن بعض مشاهيرهم أنه يقول عن علم اللغة إنه شيء لا معنى له وإن الاشتغال به غير مجدٍٍٍٍ ولا مفيد وإن صاحبه مُعنّى وطالبه متعب بغير ثمرة ينالها منه. وإنما استسهلوا ذلك لقراءتهم ما يقرؤون من الفقه ملحوناً ودراستهم ما يدرسون منه مُصحّفاً وهم لا يشعرون وذلك لعدمهم الرواية وفقدهم الإسناد. وقد بعث ذلك أكثرهم على الاستخفاف بتقيد القرآن* وتمييز الـ קמץ من الـ פתח والـ מלעל من الـ מלרע. وأما علم التصريف والتكلم فيه فهو مما يتشاءمون به ويكادون يجعلونه من جملة الزندقة"!

      من مقدمة كتاب الأصول لمروان بن جناح القرطبي:

      "الحمد لله ولي كل نعمة، ومؤتي كل رغبة، ومعطي كل طلبة، ومتمم كل مسألة، وسامع كل دعوة، ومبلغ كل منية".

      "قال أبو الوليد مروان بن جناح: قد قدمنا في الجزء الأول من هذا الديوان وهو "كتاب اللُّمَع" من الأبواب العلمية والفنون الجمليّة والأصول القياسية والآراء النحوية ما لا غنى للناظر في علم اللغة عن معرفته والوقوف عليه. ونحن نذكر في هذا الجزء الثاني الذي وسمناه بكتاب الأصول أكثر الأصول الدانية الموجودة في ما بين أيدينا من الـ מקרא [= مِقرَأ = "ما يُقرأ" وهو كتب العهد القديم] ونبين من تصاريفها ونشرح من غرضها ما تدعو الحاجة إلى تبيينه وشرحه لنبلغ في جميعه الغاية التي نقدر عليها بعد أن نتحرى في ذلك غاية التحري ونتحفظ به غاية التحفظ والذي يلزم فعله في تفسير كلام الله عز وجل، وأسأل الله العصمة من الخطأ والتوفيق إلى الصواب بمنّة".

      [.......].

      "اعلم فتح الله عليك كل مشكل ويسر لك كل مقفل أنه كثيراً ما تسمعني أقول فاء الفعل وعين الفعل ولام الفعل؛ فاعلم أن مذهبي في ذلك أني أقتطع لجميع الأفعال الماضية، خفيفها و ثقيلها وجميع ما تصرف منها من فعل مستقبل واسم وغير ذلك مثلاً من "الفعل" أعني من لغة פעל".

      [.......].

      طريقته في معجمه الملقب بكتاب الأصول:

      مثال:

      الألف واللام المضاعف:
      רפאי אליל כלכם. וקםם ואליל. فسر به المحال وبه سميت الأوثان تهجيناً لها كقوله: אל תפנו אל האלילים المحالات. وجائز عندي، بل هو الأحسن، أن يكون هذا اللفظ مجانساً للفظ العرب فإنهم يقولون للأنين والتوجع "أليل". ويقولون لما يجده الانسان من ألم الحمى ونحوها "أليلة". والدليل على صحة هذا التأويل قوله: אללי לי أي الأوجاع والأوصاب والأحزان حظي وقسمي.

      يلاحظ أن אליל من الغريب والنادر في التوراة وأن ابن جناح يرفض التفسير المتفق عليه (المحال) ويفسرها من العربية (بأليل). على هذا المنهج سار أصحاب المعاجم العبرية حتى اليوم.
      ــــــــــــــ

      * حاشية:
      اي كتاب التوراة وكتب العهد القديم. فقد بلغ تأثير الحضارة الإسلامية في اليهود أن استعاروا الألفاظ الإسلامية القحة للدلالة على مسميات بعينها من الشريعة اليهودية كالفقه "للتلمود" والسنة "للمشناة" الخ. ومن الجدير بالذكر أن اليهود في شتاتهم كانوا يتجنبون تجنبا واضحا استعمال أية مفردات دينية من ديانات أخرى، فكانوا حريصين على استعمال الألفاظ العبرية، إلا في ظل الحضارة الإسلامية وهذا عائد إلى التسامح الديني في الدولة الإسلامية الذي جعلهم يزدهرون وتزدهر علومهم.

      ـــــــــــــــــــــــــــــــ

      المصدر:
      1. كتاب اللمع لابن جناح، صفحة 2-3. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي:
      Le Livre des Parterres Fleuris d’Aboul’l-Walid Merwan Ibn Djanah de Cordoue. Publiée par: Joseph Derenbourg. Paris, 1886.

      2. كتاب الأصول لا بن جناح، صفحة 3-5 و46. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي:
      The Book of Hebrew Roots by Abu’L-Walid Marwan Ibn Janah, Called Rabbi Jonah. Published by Adolf Neubauer. Oxford, 1875. Amsterdam, 1968.
      [/align]
      عبدالرحمن السليمان
      الجمعية الدولية لمترجمي العربية
      www.atinternational.org

      تعليق

      • عبدالرحمن السليمان
        مستشار أدبي
        • 23-05-2007
        • 5434

        #4
        [align=center]"كتاب الموازنة بين اللغة العبرانية واللغة العربية"
        لأبي إبراهيم إسحاق بن برون (القرن الثاني عشر)[/align]

        [align=justify]ذكرت في المداخلة الأولى أن اليهود المستعربين في العراق والشام ومصر والمغرب والأندلس استعاروا مناهج المسلمين في دراساتهم العلمية المختلفة، ومنها علوم اللغة، وطبقوها على الدراسات اليهودية عموماً، وعلى دراسة اللغة العبرية خصوصاً، وهي الدراسات التي دونوها باللغة العربية. وتعتبر كتب حيوج وابن جناح وابن عزرا وغيرهم أول دراسة علمية للغة العبرية مبنية على مناهج العرب العلمية في دراسة العربية. والأمر ذاته ينطبق على الدراسات الكلامية والفلسفية والفقهية المخصوصة بالديانة اليهودية، وسأتطرق إليها لاحقاً إن شاء الله.

        تطور علم اللغة العبرية بعد ابن جناح كثيراً وظهر علم اللغة المقارن الذي اقتضى ظهوره عاملان اثنان. العامل الأول هو استعراب اليهود في الحواضر الإسلامية واكتشافهم القرابة اللغوية بين العبرية من جهة، والعربية ـ التي أصبحت لسانهم ـ والآرامية التلودية ـ التي هي لغة "الترجوم" ولغة شروح تلمودهم ـ من جهة أخرى. والعامل الثاني هو ضرورة شرح غريب التوراة والنادر فيها. ويقصد بغريب التوراة، المعروف في الدراسات التواراتية بـ hapax legomena، تلك الألفاظ التي ترد في التوراة في موضع واحد فقط أو أكثر، والتي لا يُعرف معناها على وجه التحديد. فقام علماؤهم الذين أوتوا نصيباً كبيراً من الثقافتين العربية واليهودية، مثل سعاديا الفيومي ومروان بن جناح والفاسي صاحب كتاب "جامع الألفاظ"، وهو معجم عبري عربي كبير، وغيرهم، بالإشارة إلى هذه القرابة اللغوية، واستغلالها لشرح ما غمض معناه من التوراة. لكن إشاراتهم على كثرتها وأهميتها اللغوية بقيت تدور حول شرح غريب التوراة من العربية كما فعل سعاديا الفيومي في "كتاب السبعين (أو الثمانين) لفظة المفردة" الذي أفرده لهذا الموضوع، وهي المفردات النادرة في التوراة والتي شرحها سعاديا من عبرية المشناة ـ نكاية بأتباع فرقة القرائين اليهود الذين لا يعترفون بالمشناة وهي سنة اليهود التي جمُعت في القرن الأول للميلاد ـ ومن العربية، وكما فعل ابن جناح الذي اتبع ذلك منهجاً له في معجمه "كتاب الأصول" كما سبق وبينت ذلك في مداخلة سابقة.

        وكان يهودا بن قريش (القرن العاشر) أول من أفرد رسالة خاصة من حوالي مائة ورقة يقارن فيها بين اللغة العبرية والآرامية والعربية، إلا أنه كان شديد الإيجاز في عرضه المادة وشرحها، فكان لا يشرح إلا النادر والغريب من الألفاظ فقط. ونسج يهودا بن بَلعَم (القرن الحادي عشر) على منواله ووضع ثلاث رسائل في علم اللغة المقارن أتت أجود من رسالة بن قريش إلا أنها مختصرة في العرض والتقديم أيضاً. فكان كتاب الموازنة لإسحاق بن برون أول كتاب شامل لم تقتصر الموازنة فيه على المفردات فحسب، بل اتسعت لتشمل نحو اللغتين العربية والعبرية وبناء أسمائهما وتصريف أفعالهما من كل وجوهها.

        يتكون كتاب الموازنة من قسمين اثنين الأول في النحو والصرف والآخر معجم. يقارن القسم الأول من الكتاب الأسماء العربية والعبرية ببعضها ويسرد تصاريفها وحالات إعرابها، ثم يقارن الأفعال العبرية والعربية ببعضها أيضاً ويذكر تصريفها ويتطرق إلى أهم ما يعتورها في اللغتين من لزوم وتعدٍ وإعلال وما إلى ذلك. أما القسم الثاني، وهو معجم مقارن، فيحتوي على كل الأصول العبرية التي لها ما يجانسها اشتقاقياً من العربية، ويذكرها كلها ويشرح الغريب والنادر منها مستشهداً على معانيها من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر الجاهلي. ويستدل من كتابه أنه كان عالماً كبيراً في اللغتين واثقاً من علمه، فهو النحوي العبري الوحيد من العصور الوسطى الذي تعرض لمروان بن جناح ـ سيبويه النحاة اليهود ـ بالنقد. والكتاب مهم جداً وهو أول كتاب شامل في تاريخ علم اللغة المقارن مبني على أصول المقارنة العلمية التي يثبتها علم اللغة الحديث وهي علم الأصوات وعلم الصرف وعلم النحو وعلم المفردات، وذلك في زمن كان الأوربيون يعتقدون فيه أن كل لغات الأرض مشتقة من العبرية وأن اللغات القريبة منها (مثل العربية والآرامية) هي لغات حافظت على قرابتها من الأم، وأن اللغات البعيدة منها (مثل اليونانية واللاتينية والصينية مثلاً)، هي لغات لم تحافظ على قرابتها من الأم!!! وقد أشار هؤلاء العلماء، وسبقهم إلى ذلك ابن حزم الأندلسي، إلى أن هذه اللغات (العربية والعبرية والآرامية) مشتقة من لغة واحدة يسميها علم اللغة الحديث "باللغة السامية الأولى" أو The Proto-Semitic Language.

        وللتعريف بهذا الكتاب المهم والمفيد جداً لدارسي العبرية من العرب، أورد لكم مقطعين منه الأول من قسم المقارنة اللغوية والثاني من قسم المعجم المقارن.

        المقطع الأول:

        "القول على الخواص التي تلحق الاسم:

        الخواص التي تلحق الاسم في اللغتين هي النعت والبدل والإضافة والنداء والاستثناء ودخول علامة التعريف وحروف الخفض. ويلحقه عند العرب زيادة على ما ذكرته الخفض والتنوين والتصغير، وليس عندنا شيء من ذلك. وأنا مبينٌ هذه الخواص أولاً فأولاً.

        النعت عند العرب تابع للمنعوت في حال إعرابه وفي معناه. أما عندنا فلا إعراب لنا والنعت تابع لمنعوته في معناه أعني أن يُنعت المفرد بالمفرد والجمع بالجمع والمؤنث بالمؤنث والنكرة بالنكرة والمعرفة بالمعرفة. هذا هو القياس في اللغتين إلا أنه قد خولف عندنا فتنعت المعرفة بالنكرة والنكرة بالمعرفة في قولهم הכבש אחד، הדוד אחד، הרים הגבהים، وهو خارج عن القياس ولا يستعمل مثله ...".

        المقطع الثاني [وما بين قوسين إضافة من عندي للتوضيح]:

        "אבח [= أ ب ح = الجذر: ب و ح ].

        אבחת חרב (سفر حزقيال، 21:20). هذه اللفظة لا نظير لها في النص [= التوراة، أي نادرة]، وترجمها الحكيم أبو الوليد [مروان بن جناح] رحمه الله "بلمعان السيف وبريقه" بحسب المعنى، وأشار يهودا بن بلعم إلى أن معناها "خوف السيف" دون دليل. وهي عندي مجانسة للعربي وترجمتها "استباحة السيف"، والاستباحة الانتهاب والاستئصال، قال عنترة:

        [align=center]حتى استباحوا آل عوف عنوة ***** بالمشرفي والوشيج الذبل.[/align]
        فجعل [كتاب التوراة] الاستباحة بالسيف والرمح وجاز أن ينسب الفعل نفسه إلى السيف فيقال "استباحه السيف" كما يقال "ضربه السيف وطعنه". وقد جاء عندنا مثل ذلك ואכלה חרב ושבעה (سفر إرميا، 10:46) فنسب الفعلين إلى السيف. ومما يؤيد هذه الترجمة ويعضدها قوله על כל שעריהם נתתי אבחת חרב (سفر حزقيال، 21:20) أي "جعلت على أبوابهم سيفاً يستبيحهم ويستأصلهم"، وأنه ذكر البريق بلفظة ברק التي حقيقته [كذا]، ثم ذكر في آخر الآية لفظة טבח الذي هو الفعل المختص بالسيف ويؤدي إلى الاستباحة والاستئصال اللذين إياهما يريد [كتاب التوراة]، ولا معنى لظهور لمعان السيف على أبوابهم [كما قال ابن جناح] فيمكن أن [يكون] ذلك لهم وعليهم، والنص لا يقتضي إلا أحد القسمين [= الوجهين]. فإذا لم نجد لهذه اللفظة اشتقاقا [في العبرية] وألفينا لها هذه المجانسة [في العربية] وهي لائقة بالمعنى وسائغة فيه، فأخلق بحمل الترجمة عليها ونسب اللفظ إليها. وقد نحا هذا المنحى وإن لم يكن إياه المترجم [في "الترجوم"] في قوله [بالآرامية] קטולי חרבא. وأما רבנו האיי فجعله مثل אבעת بإبدال العين".
        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        المصدر: أبو إبراهيم إسحاق بن برون، "كتاب الموازنة بين اللغة العبرانية واللغة العربية". نشره المستشرق الروسي كوكوفتسوف في بطرسبرغ سنة 1890. وقد ترجم كتاب ابن برون إلى الإنكليزية وصدر بالعنوان التالي:
        Ibn Barun’s Arabic Works on Hebrew Grammar and Lexicography. By Pinchas Wechter. Philadelphia, 1964.
        [/align]
        عبدالرحمن السليمان
        الجمعية الدولية لمترجمي العربية
        www.atinternational.org

        تعليق

        • ريمه الخاني
          مستشار أدبي
          • 16-05-2007
          • 4807

          #5
          مقال قيم استاذنا
          واتمنى ارشادنا للمراجع الكترونيا لانها لم تعد متوفرة عندنا ابداوخاصة للاستاذ رحمه الله
          ربحي كمال
          تحية وتقدير

          تعليق

          • عبدالرحمن السليمان
            مستشار أدبي
            • 23-05-2007
            • 5434

            #6
            [align=justify]شكرا لك يا أستاذة ريمة.

            المراجع، للأسف، نادرة الوجود. ولا يوجد حسب علمي نسخ إلكترونية من هذه الأعمال. أما كتاب المرحوم ربحي كمال فمطبوع ومنتشر وأنا اقتنيت نسخة منه في مكتبة عربية في بروكسل.

            ونصف مراجع الأدب العربي اليهودي التي لدي منسوخة ضوئيا، نسختها من مكتبات بروكسيل وأمستردام ولايدن وبرلين ورومة ومدريد .. وبعضها أعيد طبعه، ويمكن طلبه من الناشر (عبر مكتبة بريل في لايدن).

            وأما المؤسسات الثقافية العربية، فلولا الخشية على الصالحين فيها لدعوت عليهم بالجرب الجماعي!

            حياك الله.[/align]
            عبدالرحمن السليمان
            الجمعية الدولية لمترجمي العربية
            www.atinternational.org

            تعليق

            • ريمه الخاني
              مستشار أدبي
              • 16-05-2007
              • 4807

              #7
              ايه كتب علينا الحرمان من كنز كبير
              لنا الله ياعرب
              شكرا استاذي

              تعليق

              • عبدالرحمن السليمان
                مستشار أدبي
                • 23-05-2007
                • 5434

                #8
                في الترجمة السبعينية (Septuaginta)

                إن الترجمة السبعينية لكتب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية وثيقة تاريخية مهمة ليست كغيرها من ترجمات العهد القديم لأنها بمثابة "الأصل" لكل النسخ المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية، أكبر كنائس الديانية المسيحية، بل هي الأصل المباشر للترجمة اللاتينية اللاحقة المعروفة باسم Vulgata والتي منها ترجمت أسفار العهد القديم إلى لغات الأمم التي تدين بالكاثوليكية.

                وأُبسِّط في تقديم المادة إفادةً للإخوان غير المتخصصين:

                أولاً: كانت العبرية التوراتية مستعملة حتى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد. بادت العبرية التوراتية كلغة محكية، وأصبحت لغة دينية فقط لا يفهمها إلا الأحبار، وحلّت الآرامية محلها بالتدريج، وبقي الحال هكذا حتى قام الإسكندر المقدوني باحتلال المشرق وبناء الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد. سكن الاسكندرية، فيمن سكنها، طائفة من اليهود الذين أصبحوا يتحدثون باليونانية. استعجم كتاب العهد القديم على هذه الطائفة اليهودية الساكنة في الإسكندرية لأن أفرادها صاروا يتحدثون اليونانية في وقت أصبحت العبرية فيه لغة دينية فقط لا يفهمها إلا الأحبار. قام هؤلاء الأحبار بترجمة أسفار العهد القديم إلى اليونانية. تسمى هذه الترجمة بالترجمة السبعينية (Septuaginta)، وهي أقدم ترجمة لكتاب العهد القديم إلى لغة أخرى.

                إذاً ترجم اليهود كتاب العهد القديم إلى اليونانية لاستعمالهم الديني المخصوص بهم وذلك قبل ظهور الديانة المسيحية. فالترجمة إذاً حرفية وشملت كل الكتب التي كان كتاب العهد القديم يحتوي عليها آنذاك. وعليه فإن الترجمة السبعينية هي ترجمة يونانية للنص العبري للعهد القديم كما كان اليهود قنَّنوه واعتمدوه في القرن الثالث قبل الميلاد. ويحتوي هذا النص المعتمد لديهم على 47 سفراً.

                ثانياً: نشأت الديانة المسيحية التي ترى في كتاب العهد القديم البعد التاريخي واللاهوتي لها، وأدّى هذا المعتقد إلى تشويش الأمر الديني لدى اليهود، لأن الديانة المسيحية تقسم التاريخ البشري إلى عهدين كبيرين: العهد القديم وهو عند المسيحيين العهد الذي اصطفى الله فيه آل إسرائيل والذي كان بمثابة التمهيد لمجيء المسيح عليه السلام، الذي افتتح بمجيئه عهداً جديداً للبشرية أنهى العهد العهد القديم وألغى اصطفاء الله آل إسرائيل ... وأضافت العقيدة المسيحية المتعلقة بالخطيئة الأزلية بعداً دينياً عميقاً لهذا الفصل ين العهدين. وغني عن التعريف أن اليهود لا يسمون كتب العهد القديم بالعهد القديم لأنهم لا يؤمنون بالتصنيف المسيحي لديانتهم أو كتبهم ولا يؤمنون بمبدأ النسخ على الإطلاق، بل يسمونه بأسماء كثيرة أشهرها "تاناخ" (كلمة مكونة من أحرف أجزاء العهد القديم الثلاثة: التوراة، الأنبياء، الكتب) أو "مِقرأ" (اسم الآلة من "قرأ"). وقد مر معنا في مداخلة سابقة أن اليهود المستعربين كانوا يسمون كتاب العهد القديم "بالقرآن". ومن الجدير بالذكر أن الديانة المسيحية ركّزت على تلك الأسفار من العهد القديم التي ارتأت فيها تبشيراً بمجيء المسيح عليه السلام، مثل كتاب "نبوءة عيسى بن سيراخ" وغيره مما اصطلح فيما بعد على تسميته أو تسمية بعضه بالأبوكريفا أي "الأسفار الزائفة".

                ثالثاً: سبب نشوء ديانة جديدة هي المسيحية واعتبارها أسفار اليهود المقدسة عهداً قديماً يمهد لعهد قديم ورطة كبيرة لليهود جعلتهم يراجعون أنفسهم. وأدت هذه المراجعة للذات التي أتت نتيجة للتطورات الدينية والسياسية الحاصلة آنذاك إلى إعادة تقنين كتب العهد القديم. أدت هذه العملية التي تمت في القرن الثاني للميلاد في اجتماع مشهور لأحبار اليهودية في مدينة يامنة في آسية الصغرى إلى إسقاط مجموعة من أسفار العهد القديم بحيث أصبح عدد أسفاره 36 سفراً بدلاً من 47 سفراً.

                إذاً صار عندنا من الآن فصاعداً نصان للعهد القديم: واحد باليونانية، هو الترجمة السبعينية، مكون من 47 سفراً، وواحد بالعبرية، قُنِّنَ في القرن الثاني للميلاد، مكون من 36 سفراً.

                رابعاً: اتخذ البروتستانت النص العبري للعهد القديم المكون من 36 سفراً نصاً معتمداً لهم، بينما اتخذ الكاثوليك النص اليوناني للعهد القديم المكون من 47 سفراً نصاً معتمداً لهم.

                النتيجة المنطقية لحالة لاهوتية كهذه هي اتهام المسيحيين (ماعدا البروتستانت الذين أتوا متأخرين) لليهود بإسقاط الأسفار التي تنبأت بظهور المسيح عليه السلام من نصهم المعتمد من جهة، وتبرؤ اليهود التام من تلك الأسفار ورد الاتهام على المسيحين واتهام المسيحين بنحل تلك الأسفار وفبركتها ونسبتها إلى اليهود من جهة أخرى! وأتحفظ في هذا المجال على نسبة تلك الأسفار الزائدة أو المحذوفة بالأبوكريفا لأن الأبوكريفا مصطلح ديني أُدخِل في الاستعمال بعد ظهور المسيحية ولا ينطبق بحال على أسفار الترجمة السبعينية لأنها تمت قبل ظهور المسيحية بثلاثة قرون ولأن الأسباب العقائدية التي تدعو لاستعمال هذا المصطلح وتبرره كانت غير موجودة آنذاك!

                أخيراً: عُثر بين مخطوطات البحر الميت على أصول عبرية لبعض الكتب الواردة في الترجمة السبعينية والمحذوفة من النص العبري المعتمد في القرن الثاني للميلاد، فصحت الفرضية الأولى وهي قيام الأحبار اليهود بإعادة تقنين نصهم المعتمد لديهم (ولدى البروتستانت وشهود يهوه) اليوم وذلكم في القرن الثاني للميلاد أي بعد ظهور المسيحية.

                وبراءة اليهود من الكتب المحذوفة والموسومة بالأبوكريفا لا تبرئهم من التهمة التي أثبتت صحتها مكتشفات البحر الميت.

                أما بخصوص ما يذكر في اختلاف الترجمات وخصوصاً العربية منها، فلي عودة إلى هذا الموضوع إن شاء الله، خصوصاً وإني أملك ترجمة عربية نادرة جداً لأسفار العهد القديم قام بها الجاؤون سعاديا بن يوسف الفيومي في القرن العاشر الميلادي، طبعها بالحروف العبرانية ديرينبورغ في باريس بين 1893 و1899، صدرت بعنوان "تفسير التوراة بالعربية"، وهي أجود من غيرها من الترجمات العربية!

                وللفائدة أذكر أن هذه الترجمة هي الترجمة التي استعملها الحافظ ابن حزم الأندلسي في معرض نقده لأسفار التوراة في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" كما ثبتب لي قطعاً من خلال مقارنة الآيات التوراتية الواردة فيه ـ والمختلفة نسبياً عن الآيات الواردة في الترجمات العربية الحديثة ـ بالآيات الواردة في ترجمة الفيومي! ولو اطلع محققا كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (وهما الدكتور محمد إبراهيم نصر والدكتور عبدالرحمن عميرة) على ترجمة الفيومي لكفا نفسيهما عناء تصويب الآيات التوراتية التي ذكرها ابن حزم في كتابه على أساس الترجمات الحديثة. وفي ذلك خلطٌ وأي خلط!
                عبدالرحمن السليمان
                الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                www.atinternational.org

                تعليق

                • عبدالرحمن السليمان
                  مستشار أدبي
                  • 23-05-2007
                  • 5434

                  #9
                  تعقيب على المداخلة الأخيرة

                  بالنسبة إلى المراجع التي اعتمد عليها ابن حزم في نقده للتوراة والأناجيل، فلا أعتقد أنه اعتمد على غير الترجمة العربية للتوراة والأناجيل، لسبب بسيط هو أنه لم يتطرق في نقده لغير كتب اليهود والأناجيل. فلو كان اطلع على التلمود ـ وهذا محال لأنه ليس مترجما إلى العربية ولأن ابن حزم لم يكن يعرف الأرامية أو عبرية المشناة فيما يعتقد ـ لكان توسع في نقده للديانة اليهودة ليشمل الكتاب الذي لا يقل أهمية عن كتاب التوراة، أقصد التلمود، علما أن عناصر النقد والطعن في التلمود أكثر بمئات بل بآلاف المرات منها في التوراة لكبر حجم التلمود من جهة ولانعدام ضابط الوحي فيه من جهة أخرى. ولو كان ابن حزم يستعمل مخبرا يهوديا ـ كما زعم بعض المستشرقين ـ أطلعه على تلك التناقضات في التوراة ـ وهو رأي باطل بطلانا ـ لكان أطلعه على بعض الشطحات الرهيبة في التلمود مثل قوله أي التلمود إن عيسى بن مريم ابن زنا وإن أمه عاهر كانت تضاجع عسكر الرومان ـ حاشا له ولأمه من ذلك. ثم إن النصوص التوراتية التي أوردها ابن حزم دقيقة وكاملة وهذا يكون بالاعتماد على نص بين يديه كان ينقل منه ويقتبس، لا على مخبر كان يلخص له الكلام تلخيصا. وعوائد الأحوال تشهد بذلك.

                  والذي أوحى بالقول إن ابن حزم كان يستخدم مخبراً يهودياً هو إشارة ابن حزم في كتاب الفصل في معرض حديثه عن قول إبراهيم عليه السلام لفرعون إن سارة أخته وإن بعض اليهود قال له إن الأخت تعني في العبرية الزوجة أيضاً في محاولة يائسة للتخريج. ويقصد ابن حزم ببعض اليهود صموئيل بن النغريلة التي استوزره حبوس أحد ملوك الطوائف. ولا أدري الساعة أي مستشرق قال إن ابن حزم كان يستعلم عن التوارة من ابن النغريلة الذي ينسب إليه نقد للقرآن الكريم رد عليه ابن حزم رداً قاسياً في رسالته: الرد على ابن النغريلة اليهودي. ولو كان ابن حزم يستعلم عن التوراة من ابن النغريله لما كان علم بشأنها شيئاً يذكر! والدقة في النقد في كتاب الفصل تدل قطعاً على أن ترجمة عربية للتوراة كانت بين يدي ابن حزم أثناء وضعه كتاب الفصل، هي ترجمة سعاديا الفيومي كما ثبت لي قطعا من مقارنة النصوص التوراتية التي أوردها ابن حزم بترجمة الفيومي.
                  عبدالرحمن السليمان
                  الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                  www.atinternational.org

                  تعليق

                  • غازية منصور الغجري
                    عضو الملتقى
                    • 21-06-2008
                    • 371

                    #10
                    الدكتور عبدالرحمن السليمان

                    اذا أردت أن تتقي شر عدوك تعلم لغتهم وها أنت تزيدنا علماَ بأدبهم
                    بين الفكر والأدب ثمة حلقة مفقودة ،معاً سنبحث عنها ::emot0:
                    [URL]http://www.crhat.com/vb/index.php[/URL]

                    وتذكروا أن هدفنا دائما أن نلتقي لنرتقي
                    [URL]http://all2chat.com/login.php?room=5635[/URL]

                    تعليق

                    • عبدالرحمن السليمان
                      مستشار أدبي
                      • 23-05-2007
                      • 5434

                      #11
                      [align=justify]أهلا وسهلا بمرورك العطر أستاذتي الكريمة غازية منصور الغجري.

                      ويسعدني أن تضيف هذه المشاركات شيئا ذا قيمة إلى حضرتك وسائر القراء.

                      وفي الحقيقة درست العبرية وكل اللغات السامية وغيرها تلبية لفضول علمي جارف وليس من أجل اتقاء شر أحد! وها أنذا أدرس التركي الآن وما عندي مشكلة مع الأتراك!

                      وهلا وغلا.[/align]
                      عبدالرحمن السليمان
                      الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                      www.atinternational.org

                      تعليق

                      • د. وسام البكري
                        أديب وكاتب
                        • 21-03-2008
                        • 2866

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن السليمان مشاهدة المشاركة
                        [align=justify][hide]
                        أهلا وسهلا بمرورك العطر أستاذتي الكريمة غازية منصور الغجري.
                        [/hide]

                        ويسعدني أن تضيف هذه المشاركات شيئا ذا قيمة إلى حضرتك وسائر القراء.

                        [align=justify]وفي الحقيقة درست العبرية وكل اللغات السامية وغيرها تلبية لفضول علمي جارف وليس من أجل اتقاء شر أحد! وها أنذا أدرس التركي الآن وما عندي مشكلة مع الأتراك![/align]

                        وهلا وغلا.[/align]
                        [align=justify]الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الرحمن السليمان
                        السلام عليكم

                        موضوع رائع حقاً يعرّفنا على جوانب من الأدب العربي اليهودي، ويبدو من المادة أن الموضوع يخص الأدب العربي اليهودي التراثي فقط وليس المعاصر، وقد قلبتُ العنوان بأن يكون مثلاً (الأدب اليهودي العربي)، فهل سيكون الفرق كالفرق بين التراث والمعاصرة ؟ أو بين الخاص والعام ؟
                        مهما يكن ! فالموضوع قابل للاتساع والتواصل .... ونأمل ذلك.

                        وفي سياق ردكم الكريم في المقتبس في أعلاه أقول ما لم تصدّقه أبداً، حينما كنت طالباً في الجامعة في مرحلة البكالوريوس في الثمانينات .. زارنا في القاعة الدراسية [كبير التعليم في الجامعات] آنذاك، ولا أريد ذِكر الصفة، وكانت المحاضرة في فقه اللغة، وبالضبط تصنيف اللغات السامية وغير السامية، وإذا به يفزّ نافراً في وجه أستاذنا القدير بأنّ ما يتحدث به خطأ تاريخي كبير ... واستغربنا حينئذ لثقتنا بأستاذنا الجليل، ليس لأنه أستاذنا، بل لأن ذاك الزائر (مسؤول التعليم في الجامعات) لا يحمل شهادة ابتدائية !! وقال: لغة مَن لنا معهم حرب هي التي لها صلة باللغة العبرية، وأن اللغة العبرية ليست من اللغات السامية، وهؤلاء الذين نحاربهم هم أبناء عمومة مع اليهود و و و و ............
                        بعد يومين فقط .... أعلن ..... إلغاء دراسة لغة مَن نحاربهم لأنها لغة الأعداء !!!!.
                        وإلى الآن لا نعرف لغة [أعدائنا] لا في الشرق ولا في الغرب.

                        واليوم ... بِتُّ أخشى من يأتي مَن يُحرّم علينا تعلّم اللغات لأنها لغة الـ .....
                        ثم يستغفر الله مصطافاً بأريحية بالغة في مصايفهم البهيجة للنفس والشهوة !!!!!.

                        ولله في خلقه شؤون !


                        وشكراً لكم.
                        [/align]
                        د. وسام البكري

                        تعليق

                        • د. وسام البكري
                          أديب وكاتب
                          • 21-03-2008
                          • 2866

                          #13
                          [align=center]الأستاذ الدكتور عبد الرحمن السليمان
                          الموضوع جدير بالتثبيت.
                          وإن شاء الله نجد إضافاتكم الكريمة إليه، ليُغني القرّاء والباحثين.

                          ودمتم بخير
                          [/align]
                          د. وسام البكري

                          تعليق

                          • عبدالرحمن السليمان
                            مستشار أدبي
                            • 23-05-2007
                            • 5434

                            #14
                            [align=justify]أخي الحبيب الدكتور وسام سلمه الله،

                            ثبّتك الله على الصراط.

                            وشكرا جزيلا على إضافتك القيمة، وسأعود إليها فيما بعد إن شاء الله لأني الآن أحزم الأمتعة للسفر بعد سويعات قليلة فنسألك الدعاء.

                            آنسك الله.[/align]
                            عبدالرحمن السليمان
                            الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                            www.atinternational.org

                            تعليق

                            • د. وسام البكري
                              أديب وكاتب
                              • 21-03-2008
                              • 2866

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن السليمان مشاهدة المشاركة
                              [align=justify]أخي الحبيب الدكتور وسام سلمه الله،

                              ثبّتك الله على الصراط.

                              وشكرا جزيلا على إضافتك القيمة، وسأعود إليها فيما بعد إن شاء الله لأني الآن أحزم الأمتعة للسفر بعد سويعات قليلة فنسألك الدعاء.

                              آنسك الله.[/align]
                              [align=center]الحبيب الغالي الأستاذ الدكتور عبد الرحمن السليمان

                              سفرة سعيدة ... تُحقّق فيها غايتك برعاية الله وفضله.

                              ... وعودة ميمونة .. سالماً غانماً .. إن شاء الله.
                              [/align]
                              د. وسام البكري

                              تعليق

                              يعمل...
                              X