محاولة اغتيال
[align=justify]غادرالمشفى متأخراً ومنهكا، يمسح العرق عن جبينه الأسمر، بعد يوم عصيب من العلميات الجراحية، المعقدة.
مد يده نحو باب سيارته يفتحها
شعر بقشعريرة تعتري بدنه وجسما بارد وصلبا لامس مؤخرة رقبته، وخوف من نوع غريب داهمه.. أمرا يتوقع حدوثه.. لكن
ليس اليوم ولا بهذه اللحظة!
تسمرت يداه وتصلب جسده كقطعة خشب، واتسعت حدقتا عينيه على وسعيهما، تحجرت كل أفكاره وتبلد ذهنه فلم يعد يفكر بشيء،
وكإن الزمن توقف سوى من نبضات قلبه المتلاحقةِ.. وأنفاسهِ التي يعلو ويهبط بها صدره.
أفاق من ذهوله على صوت يصدر من خلف أذنيه، ينطق الكلمات بحقد متعمد.. يحذره:
- قف، لا تتحرك، وإلا أرديتك، حركة واحدة وسأضغط على الزناد.. لأجعل من مخك نثارا .
تجمدت يده فوق أكرة باب السيارة، تسمر مكانه، ويده ما تزال تمسك مفتاح باب السيارة..
تساءل.. بصوت مستسلم لقدره.. غير خانع أو متخاذل:
- نعم لن أفعل ولكن؛ هل بإمكاني سحب يدي من باب السيارة، فقط؟
لكزه صاحب الصوت الأجش بالمسدس، وبتهكم واضح قال:
- هيا افعل لكن دون أن تقوم بحركة أخرى، أنزل يدك لأراها.
سحب يده وأنزلها، وعيناه تحاولان استيعاب ما تريانه، وظل غشاوة رمادية تحيط فيهما.. لأربعة رجال يحيطونه من كل جانب، مدججين بالأسلحة، ملثمين يخفون ملامحهم بأقنعة سود لا تظهر سوى أعينهم المليئة بالحقد والضغينة، وقسوة سمع الكثير عنها من المختطفين الناجين أنفسهم.
رفرف قلبه بين جنبيه بهلعٍ، وهو يتذكر قصص العذاب التي قاساها الناجين بإعجوبة من زنازين الموت وآثار التثقيب بأجسادهم، تشهد على حجم وحشية لا تعرف الرحمة.
تعثر لسانه بالكثير من آيات القرآن وهو يرددها، لفرط توتر أعصابه.
تخدر جسده
كجيوش من النمل تزحف على جسمه تغزوه، فغمره احساس بالغثيان والقهر وبالكاد استطاع أن يقول بصوت حاول جاهدا أن يبدو متماسكا.. وعينيه تتفرسان المكان حوله.. لعله يجد من يعينه أو ينقذه:
- هل بإمكاني أن أعرف ماذا تريدون؟
بصوته الخشن رد قائدهم :
- صهْ، ولا حرْف ولا كلمْه.
ثم ضربه بأخمص المسدس على أم رأسه، فسقط على الأرض بقوةٍ
لم يفقد الوعي، لكن جسده لم يستطع الإتيان بحركة، ولم يستطع حتى التأوه.
تطوع اثنان من الملثمين بسحبه من كلتا يديه، وتوجها بهِ إلى سيارة سوداء مظللة بعد أن عصبوا عينيه برباطٍ أسودٍ.
أحدث حذائه على الإسفلتِ أثر خطوطٍ متعرجة وهما يسحبانه..
وحرقة احتكاك ركبتيه بإسفلت الشارع الخشن، أوجعته لكنه آثر أن يبقى محتملا الألم على أن يبوح
ارتعب قلبه حين اقتربوا من السيارة
وفي لحظات الهول تلك، تذكر والدته وهي تنتظره بذاك الخوف النازف من عينيها ودموعها كلما تأخر في العودة ولو قليلا من شوارع الهلاك، ووحوش تلتهب رغبة للقتل والتعذيب، وسلخ جلود بني البشر بلذة
تذكر زوجته الحبيبة وطفليه وهما يلعبان بشاربيه لعبتهما المفضلة؛ كلما أجلسهما على رجليه، تذكر يدي أبيه وهما تمسكان بكتفه و يحثه أن يبقى شامخا، يرفع اسم وطنه عاليا بعلمه، ويخدم أبناء جلدته دون التفكير بغاية أخرى، تذكر أرواح الناس البسطاء الذين أنقذهم بمبضعه وهو يقوم بواجبه كطبيب جراح، وألسنتهم تلج بالدعاء له، أن يحفظه الله ويبعد عنه كل مكروه، فناجى الله:
- ساعدني إلهي.
أحس بأن حواسه عادت إليه، وإن شيئا ما يدفعه النهوض، فنهض واقفا على قدميه.. ومشى..
فتح أحدهم باب السيارة وحاول آخر دفعه إليها،
بهذي اللحظة
دوت اطلاقات نارية كثيفة حوله، جعلته يخفض رأسه بحركة عفوية لا إراديه دون أن يعرف من أطلق النار على من، أو لماذا !؟
صار الصخب شديدا وعمت الشارع الفوضى، والصرخات تملأ المكان رعبا..
انبطح على الأرض دون أن يعارضه أحد.. وأزيز الرصاصات تحيطه، تدوي برأسه وتصم أذنيه..
سقط جسد أحدهم فوقه.. فأحس بالهلع لكنه لم يبد حراكا
غطت الدماء رأسه، وثقل الجسد الجاثم على ظهره.. أثقل عليه أنفاسه.. فلم يعد يطيق صبرا.. فانتفض.
دفع الجثة بكل ما أوتي من قوة، ونهض
توقف إطلاق النار لحظتها
وتناهى لسمعه، اقتراب أقدام منه
كر عليه الخوف مجددا..
انتزع العصابة من عينيه بسرعة.. ليجد نفسه أمام رجل يحمل غدارة سوداء.. وثلاثة آخرين مدججين بالسلاح يحيطونه.
صعق، غمره الشعور بالغبن، والغضب اكتسح كيانه.. والحنق الشديد ملأ صدره..
مزق قميصه المغطى بالدم؛ يعرض صدره أمام الرجال يتحداهم.. وزمجر بصوت هادرٍ يعلن العصيان:
- هيا.. اقتلوني.. ماذا تنتظرون ؟ لقد سئمت هذه اللعبة القذرة.
نظر أحد الرجال إليه.. وظل ابتسامة تعلو محياه.. وهو يقول:
- المعذرة دكتور، جئتك ورفاقي منقذين، لسنا قتلة أو مجرمين.. حمدا لله على سلامتك.
[/align]28/10/2008
[align=justify]غادرالمشفى متأخراً ومنهكا، يمسح العرق عن جبينه الأسمر، بعد يوم عصيب من العلميات الجراحية، المعقدة.
مد يده نحو باب سيارته يفتحها
شعر بقشعريرة تعتري بدنه وجسما بارد وصلبا لامس مؤخرة رقبته، وخوف من نوع غريب داهمه.. أمرا يتوقع حدوثه.. لكن
ليس اليوم ولا بهذه اللحظة!
تسمرت يداه وتصلب جسده كقطعة خشب، واتسعت حدقتا عينيه على وسعيهما، تحجرت كل أفكاره وتبلد ذهنه فلم يعد يفكر بشيء،
وكإن الزمن توقف سوى من نبضات قلبه المتلاحقةِ.. وأنفاسهِ التي يعلو ويهبط بها صدره.
أفاق من ذهوله على صوت يصدر من خلف أذنيه، ينطق الكلمات بحقد متعمد.. يحذره:
- قف، لا تتحرك، وإلا أرديتك، حركة واحدة وسأضغط على الزناد.. لأجعل من مخك نثارا .
تجمدت يده فوق أكرة باب السيارة، تسمر مكانه، ويده ما تزال تمسك مفتاح باب السيارة..
تساءل.. بصوت مستسلم لقدره.. غير خانع أو متخاذل:
- نعم لن أفعل ولكن؛ هل بإمكاني سحب يدي من باب السيارة، فقط؟
لكزه صاحب الصوت الأجش بالمسدس، وبتهكم واضح قال:
- هيا افعل لكن دون أن تقوم بحركة أخرى، أنزل يدك لأراها.
سحب يده وأنزلها، وعيناه تحاولان استيعاب ما تريانه، وظل غشاوة رمادية تحيط فيهما.. لأربعة رجال يحيطونه من كل جانب، مدججين بالأسلحة، ملثمين يخفون ملامحهم بأقنعة سود لا تظهر سوى أعينهم المليئة بالحقد والضغينة، وقسوة سمع الكثير عنها من المختطفين الناجين أنفسهم.
رفرف قلبه بين جنبيه بهلعٍ، وهو يتذكر قصص العذاب التي قاساها الناجين بإعجوبة من زنازين الموت وآثار التثقيب بأجسادهم، تشهد على حجم وحشية لا تعرف الرحمة.
تعثر لسانه بالكثير من آيات القرآن وهو يرددها، لفرط توتر أعصابه.
تخدر جسده
كجيوش من النمل تزحف على جسمه تغزوه، فغمره احساس بالغثيان والقهر وبالكاد استطاع أن يقول بصوت حاول جاهدا أن يبدو متماسكا.. وعينيه تتفرسان المكان حوله.. لعله يجد من يعينه أو ينقذه:
- هل بإمكاني أن أعرف ماذا تريدون؟
بصوته الخشن رد قائدهم :
- صهْ، ولا حرْف ولا كلمْه.
ثم ضربه بأخمص المسدس على أم رأسه، فسقط على الأرض بقوةٍ
لم يفقد الوعي، لكن جسده لم يستطع الإتيان بحركة، ولم يستطع حتى التأوه.
تطوع اثنان من الملثمين بسحبه من كلتا يديه، وتوجها بهِ إلى سيارة سوداء مظللة بعد أن عصبوا عينيه برباطٍ أسودٍ.
أحدث حذائه على الإسفلتِ أثر خطوطٍ متعرجة وهما يسحبانه..
وحرقة احتكاك ركبتيه بإسفلت الشارع الخشن، أوجعته لكنه آثر أن يبقى محتملا الألم على أن يبوح
ارتعب قلبه حين اقتربوا من السيارة
وفي لحظات الهول تلك، تذكر والدته وهي تنتظره بذاك الخوف النازف من عينيها ودموعها كلما تأخر في العودة ولو قليلا من شوارع الهلاك، ووحوش تلتهب رغبة للقتل والتعذيب، وسلخ جلود بني البشر بلذة
تذكر زوجته الحبيبة وطفليه وهما يلعبان بشاربيه لعبتهما المفضلة؛ كلما أجلسهما على رجليه، تذكر يدي أبيه وهما تمسكان بكتفه و يحثه أن يبقى شامخا، يرفع اسم وطنه عاليا بعلمه، ويخدم أبناء جلدته دون التفكير بغاية أخرى، تذكر أرواح الناس البسطاء الذين أنقذهم بمبضعه وهو يقوم بواجبه كطبيب جراح، وألسنتهم تلج بالدعاء له، أن يحفظه الله ويبعد عنه كل مكروه، فناجى الله:
- ساعدني إلهي.
أحس بأن حواسه عادت إليه، وإن شيئا ما يدفعه النهوض، فنهض واقفا على قدميه.. ومشى..
فتح أحدهم باب السيارة وحاول آخر دفعه إليها،
بهذي اللحظة
دوت اطلاقات نارية كثيفة حوله، جعلته يخفض رأسه بحركة عفوية لا إراديه دون أن يعرف من أطلق النار على من، أو لماذا !؟
صار الصخب شديدا وعمت الشارع الفوضى، والصرخات تملأ المكان رعبا..
انبطح على الأرض دون أن يعارضه أحد.. وأزيز الرصاصات تحيطه، تدوي برأسه وتصم أذنيه..
سقط جسد أحدهم فوقه.. فأحس بالهلع لكنه لم يبد حراكا
غطت الدماء رأسه، وثقل الجسد الجاثم على ظهره.. أثقل عليه أنفاسه.. فلم يعد يطيق صبرا.. فانتفض.
دفع الجثة بكل ما أوتي من قوة، ونهض
توقف إطلاق النار لحظتها
وتناهى لسمعه، اقتراب أقدام منه
كر عليه الخوف مجددا..
انتزع العصابة من عينيه بسرعة.. ليجد نفسه أمام رجل يحمل غدارة سوداء.. وثلاثة آخرين مدججين بالسلاح يحيطونه.
صعق، غمره الشعور بالغبن، والغضب اكتسح كيانه.. والحنق الشديد ملأ صدره..
مزق قميصه المغطى بالدم؛ يعرض صدره أمام الرجال يتحداهم.. وزمجر بصوت هادرٍ يعلن العصيان:
- هيا.. اقتلوني.. ماذا تنتظرون ؟ لقد سئمت هذه اللعبة القذرة.
نظر أحد الرجال إليه.. وظل ابتسامة تعلو محياه.. وهو يقول:
- المعذرة دكتور، جئتك ورفاقي منقذين، لسنا قتلة أو مجرمين.. حمدا لله على سلامتك.
[/align]28/10/2008
تعليق