نساء يكتبن
تحضرني باستمرار عبارة جميلة للكاتبة أحلام مستغانمي : " في أعماق كل امرأة بحيرة راكدة"، فأقول إن صفة الصبر فينا ، و صفة الصمت ، و كل الصفات الأخرى المشابهة لهما تجعل المشاعر في دواخلنا و الأفكار و الأحلام و حتى الشكوى تبقى آسنة تتعفن و تتكاثر فيها الطفيليات ، حتى تفقد كل جمالها و حقيقتها و أصالتها تماما مثلما تفقد مياه المستنقعات العذوبة الأصلية للمياه.
ربما لهذا السبب حين تكتب النساء يجعلن من الكتابة لعبة للبوح عبر تحريك تلك البركة الراكدة. فلا يفهم العالم لعبتهن هذه ، و يتم الزج بهن في تصنيف أدبي اسمه: " الأدب النسائي". هل هناك أدب نسائي و آخر رجالي؟ طبعا لا ، و قطعا لا. لأن النص حين يكتب يكون قبل كل شيء قطعة من ذات صاحبه ، سواء كان هذا الأخير رجلا أو امرأة. إذن فالكاتبات المصنفات في تلك الخانة لسن" أديبات نسائيات" ، بقدر ما هن "نساء يكتبن". و من يكتب ينطلق من جرحه الأول ، و من حلمه الأول. إنهن نساء يكتبن انطلاقا من الذات ، خاصة من المناطق المنسية في الذات. أو كما تقول أحلام مستغانمي: " الذات التي تسكن فيها مستنقعات أجيال من النساء المحكومات بالصمت".
مثلا حين تقول الشاعرة إيمان مرسال في إحدى قصائدها : ( اجلس أمام المرآة في تدريب شاق / لإزالة الرائحة التي تركتها شفتان على عنقي) ، إنها قمة الصدق الأنثوي ، و قمة الجرأة في تكسير كليشيهات الأنوثة. لم تعد المرآة هنا فخا تسقط فيه الأنثى لتفتخر بجمالها ، و لكنها صارت أداة للدفاع عن عمق الأنوثة. و لم تعد القبلة على العنق شبكة يصطاد بها الرجل المرأة ، بل صارت فعلا يترك على العنق رائحة تتطلب مشقة لإزالتها ، و إزالة- ربما- الإحساس بالقرف منها. كلنا نحمل بداخلنا امرأتين متصارعتين ، و لكننا لا نجرؤ على إخراجهما لتمارسا صراعهما علانية ، إيمان مرسال جعلتهما – بصدق – تتواجهان في ذلك التدريب الشاق أمام المرآة.
إن الكتابة طموح للرقي بالذات ، و الصعود بها خارج الشروط الاعتيادية للواقع، و الاتجاه بها نحو صدق كامل ، و جمال كامل ، و وعي كامل، و التحول بها من ذات تقليدية إلى ذات أكثر نقاء و أكثر صفاء و أكثر قربا من المعنى الأصيل لكلمة إنسان. و هذا ببساطة ما تقوم به النساء في الكتابة ، يحاولن الخروج من الذات المستكينة و المنكمشة و الخجولة و غير العميقة، نحو ذات أنثوية أكثر فعلا ، و أكثر جرأة. و لكن إعلان الثورة هذا لا يقابل إلا بالتصنيف في الخانات المجهزة سلفا. حين يكتب الرجل تسمى كتابته "أدبا" و حين تكتب المرأة تسمى كتابتها "أدبا نسائيا".
غير أن هناك كاتبات استطعن بجدارة أن يراوغن هذه التصنيفات و يحيرنها و يشعرنها بالارتباك. مثل هدى بركات في "حجر الضحك" أو في "أهل الهوى" أو في "حارث المياه" . خاصة في "حجر الضحك" حين كتبت – و هي امرأة- عن "خليل" الرجل ذو الميولات الجنسية المثلية ، و استطاعت - بإتقان و احترافية المبدع الأصيل- أن تأخذنا إلى دواخل هذا الشخص ، و جعلتنا نحس باختلاجاته ، و اضطراباته، و مشاعره حين يحب رجالا من نفس جنسه . و نقلت إلينا ألمه و هو عاجز عن الاندماج و الانسجام في مجتمع قاس ، ليس فقط بحربه و لاإنسانيته و جرمه ، و لكنه قاس أيضا لأنه يصنف "خليل" في خانة الشذوذ ، فيبقى عاجزا عن البوح بحبه لكل أولئك الذين خفق قلبه بحبهم ، و جافاه النوم لأجلهم ، و مزقه الحزن حين أخذتهم منه الحرب. أليست قمة الإبداع أن تكتب المرأة عن دواخل الرجل ، و ليس أي رجل ، و لكنه رجل مثلي الجنس. نفس الشيء تفعله هدى بركات في" حارث المياه" حين تصف بدقة كيف تتحرك الرغبة الجنسية داخل الرجل ، و كيف تستيقظ قنوات الاشتهاء ، و كيف يصل إلى ذروة اللذة، و ذلك في صفحات عديدة من الرواية حين تتحدث عن علاقة بطل الرواية بالخادمة "شمسة".
إن المرأة حين تكتب تستطيع أحيانا أن تنتصر ليس فقط لذاتها أو لجنسها ، و لكن أن تنتصر للإنسان.و هذا ما تفعله هدى بركات ، و كاتبات عربيات أخريات. لذلك يجب الخروج من التصنيفات الثنائية و المصطلحات التي تعزل النساء في جهة و الرجال في الجهة المقابلة ، و تعتبر أن هناك أدبا ذا خصوصية أنثوية أو نسوية. قد يكون ما تكتبه النساء يحمل خصوصية ما ، غير أن ذلك يرجع بالدرجة الأولى لخصوصية تجارب المرأة و خبراتها في الحياة التي تختلف في أوجه كثيرة عن تجارب الرجل و خبراته، ، فالتكوين الاجتماعي للمرأة هو الذي يؤثر على خصوصية تجاربها وليست الكتابة هي التي تفرض عليها ذلك، و على العموم تبقى المعايير التي نحكم بها على أي نص أدبي هي معايير الجودة ، فالأدب إما أن يكون أدبا حقيقيا يملك كل مقومات الإبداع و أدوات الجمال اللغوي ، أو لا يكون أدبا .
تحضرني باستمرار عبارة جميلة للكاتبة أحلام مستغانمي : " في أعماق كل امرأة بحيرة راكدة"، فأقول إن صفة الصبر فينا ، و صفة الصمت ، و كل الصفات الأخرى المشابهة لهما تجعل المشاعر في دواخلنا و الأفكار و الأحلام و حتى الشكوى تبقى آسنة تتعفن و تتكاثر فيها الطفيليات ، حتى تفقد كل جمالها و حقيقتها و أصالتها تماما مثلما تفقد مياه المستنقعات العذوبة الأصلية للمياه.
ربما لهذا السبب حين تكتب النساء يجعلن من الكتابة لعبة للبوح عبر تحريك تلك البركة الراكدة. فلا يفهم العالم لعبتهن هذه ، و يتم الزج بهن في تصنيف أدبي اسمه: " الأدب النسائي". هل هناك أدب نسائي و آخر رجالي؟ طبعا لا ، و قطعا لا. لأن النص حين يكتب يكون قبل كل شيء قطعة من ذات صاحبه ، سواء كان هذا الأخير رجلا أو امرأة. إذن فالكاتبات المصنفات في تلك الخانة لسن" أديبات نسائيات" ، بقدر ما هن "نساء يكتبن". و من يكتب ينطلق من جرحه الأول ، و من حلمه الأول. إنهن نساء يكتبن انطلاقا من الذات ، خاصة من المناطق المنسية في الذات. أو كما تقول أحلام مستغانمي: " الذات التي تسكن فيها مستنقعات أجيال من النساء المحكومات بالصمت".
مثلا حين تقول الشاعرة إيمان مرسال في إحدى قصائدها : ( اجلس أمام المرآة في تدريب شاق / لإزالة الرائحة التي تركتها شفتان على عنقي) ، إنها قمة الصدق الأنثوي ، و قمة الجرأة في تكسير كليشيهات الأنوثة. لم تعد المرآة هنا فخا تسقط فيه الأنثى لتفتخر بجمالها ، و لكنها صارت أداة للدفاع عن عمق الأنوثة. و لم تعد القبلة على العنق شبكة يصطاد بها الرجل المرأة ، بل صارت فعلا يترك على العنق رائحة تتطلب مشقة لإزالتها ، و إزالة- ربما- الإحساس بالقرف منها. كلنا نحمل بداخلنا امرأتين متصارعتين ، و لكننا لا نجرؤ على إخراجهما لتمارسا صراعهما علانية ، إيمان مرسال جعلتهما – بصدق – تتواجهان في ذلك التدريب الشاق أمام المرآة.
إن الكتابة طموح للرقي بالذات ، و الصعود بها خارج الشروط الاعتيادية للواقع، و الاتجاه بها نحو صدق كامل ، و جمال كامل ، و وعي كامل، و التحول بها من ذات تقليدية إلى ذات أكثر نقاء و أكثر صفاء و أكثر قربا من المعنى الأصيل لكلمة إنسان. و هذا ببساطة ما تقوم به النساء في الكتابة ، يحاولن الخروج من الذات المستكينة و المنكمشة و الخجولة و غير العميقة، نحو ذات أنثوية أكثر فعلا ، و أكثر جرأة. و لكن إعلان الثورة هذا لا يقابل إلا بالتصنيف في الخانات المجهزة سلفا. حين يكتب الرجل تسمى كتابته "أدبا" و حين تكتب المرأة تسمى كتابتها "أدبا نسائيا".
غير أن هناك كاتبات استطعن بجدارة أن يراوغن هذه التصنيفات و يحيرنها و يشعرنها بالارتباك. مثل هدى بركات في "حجر الضحك" أو في "أهل الهوى" أو في "حارث المياه" . خاصة في "حجر الضحك" حين كتبت – و هي امرأة- عن "خليل" الرجل ذو الميولات الجنسية المثلية ، و استطاعت - بإتقان و احترافية المبدع الأصيل- أن تأخذنا إلى دواخل هذا الشخص ، و جعلتنا نحس باختلاجاته ، و اضطراباته، و مشاعره حين يحب رجالا من نفس جنسه . و نقلت إلينا ألمه و هو عاجز عن الاندماج و الانسجام في مجتمع قاس ، ليس فقط بحربه و لاإنسانيته و جرمه ، و لكنه قاس أيضا لأنه يصنف "خليل" في خانة الشذوذ ، فيبقى عاجزا عن البوح بحبه لكل أولئك الذين خفق قلبه بحبهم ، و جافاه النوم لأجلهم ، و مزقه الحزن حين أخذتهم منه الحرب. أليست قمة الإبداع أن تكتب المرأة عن دواخل الرجل ، و ليس أي رجل ، و لكنه رجل مثلي الجنس. نفس الشيء تفعله هدى بركات في" حارث المياه" حين تصف بدقة كيف تتحرك الرغبة الجنسية داخل الرجل ، و كيف تستيقظ قنوات الاشتهاء ، و كيف يصل إلى ذروة اللذة، و ذلك في صفحات عديدة من الرواية حين تتحدث عن علاقة بطل الرواية بالخادمة "شمسة".
إن المرأة حين تكتب تستطيع أحيانا أن تنتصر ليس فقط لذاتها أو لجنسها ، و لكن أن تنتصر للإنسان.و هذا ما تفعله هدى بركات ، و كاتبات عربيات أخريات. لذلك يجب الخروج من التصنيفات الثنائية و المصطلحات التي تعزل النساء في جهة و الرجال في الجهة المقابلة ، و تعتبر أن هناك أدبا ذا خصوصية أنثوية أو نسوية. قد يكون ما تكتبه النساء يحمل خصوصية ما ، غير أن ذلك يرجع بالدرجة الأولى لخصوصية تجارب المرأة و خبراتها في الحياة التي تختلف في أوجه كثيرة عن تجارب الرجل و خبراته، ، فالتكوين الاجتماعي للمرأة هو الذي يؤثر على خصوصية تجاربها وليست الكتابة هي التي تفرض عليها ذلك، و على العموم تبقى المعايير التي نحكم بها على أي نص أدبي هي معايير الجودة ، فالأدب إما أن يكون أدبا حقيقيا يملك كل مقومات الإبداع و أدوات الجمال اللغوي ، أو لا يكون أدبا .
تعليق