الماضي والمجهول
الفصل الأول
بداية النهاية أم نهاية البداية
الفصل الأول
بداية النهاية أم نهاية البداية
[align=justify]في الماضي كنت دائماً أفكر في المستقبل لكن كانت كل نتائج جلسات التفكير المتأنية تسفر عن أشباح المستقبل المجهول ، تارة أتخيل مستقبلا مشرقا وحياة سعيدة داخل محيط أسرة مترابطة يغمرها دفء الحب و الأمان ، وتارة أخرى أعيش بخيالي في غمار مستقبل مؤلم أحيا فيه حياة مجردة من كل شئ ؛ حياة وحدة و شقاء وبؤس ، لا توجد فيها أية روابط بين خطوط الماضي و الحاضر ولا حتى أية روابط بيني وبين غيري من البشر....
كثيراً ما كان الماضي التعس يشدني إلى مستقل أكثر منه تعاسه ، عند ضعف الروابط الأسرية، وانعدام الموارد المالية، واضمحلال الصحة، واحتجاب الجمال وراء قناع الحزن و اليأس.
وفي ظل هذا الجو الملبد بالغيوم الذي لم يمد دفء شعاع الشمس إلى قلبي إلا لحظات ولم أشعر بقبس من نورها إلا بضعة أيام معدودة... عندما تقابلنا لأول مرة ...
غالبا ما أكون غارقة في تفكيري لا أجد منفذا إلى العالم الخارجي إلا عندما يرقد جسدي على السرير بعدما ينهك جسدي من التجوال في مواطن الذكريات، ويرهق عقلي من التفكير وأبدأ وقتها اعيش جزء آخر من حياتي "حياة النائم" أي ما بين الموت والحياة.
موتا عندما انفصل عن الواقع واسبح في بحور النوم العميق ساكنة كالجثة الهامدة لا أحس بأي شئ...
وأعيش حياة في نفس الوقت ولكنها حياة بعيدة عن أرض الواقع أعيش لحظات داخل الحلم وأقوم بأدوار لم أعهدها من قبل بل وأطوف العالم أحيانا، وأحيانا أشعر وكأني في غاية السعادة، وأحيانا أشعر وكأني في غاية البؤس فأضطر إلى الهروب من بؤسي فأفيق من نومي لأقاوم أوهامي، وما أن تتفتح عيناي إلا وأشعر وكأني هربت من بؤس الحلم لأضع نفسي في بؤس الواقع، ليتني ما فقتُ من نومني، بؤس الحلم أعاني مرارته لحظات، أما بؤس الواقع فأعاني مرارته جميع اللحظات، أحيانا لا استطع الهروب منه، يلاحقني حتى في نومي....
فمنذ أن تسطع شمس اليوم الجديد اتحرك من فراشى ولا اعلم ماذا يخبئ لي هذا اليوم... ترى هل سيكون يوما سعيدا أم سينحدر بي الحال من سيئ إلى أسوأ...فماذا بعد فقدان الأهل والمال ، نعم أفتقر إلى كل شئ....ألم يزل هناك شئ بعد سيأتي يوما وافتقده.... حياة الأفضل منها الموت....كم أصبو واشتاق إلى رحلة الموت لعلى ألتقي مع من فارقت...أتراك سوف تكون معهم أم مازالت في عالم الأحياء... وإن كنت في عالم الأحياء فأين أنتَ ... ألا زلت تذكر عهدنا يوم كُتب علينا الفراق...ألا زلت لي كما كنت تعدني أم أم....
تركتُ زوجي وصغاري من أجله.... هربتُ من جحيم حياتي الماضية.... ناشدة السعادة الأبدية... متجهه إلى نهر الحب الذي يتدفق.... كم أنا الآن معلقة بين السماء والأرض.... رقصت على السلالم.... تركتُ حياتي البائسة وزوجي البخيل....حتى المنقذ الذي قدم لي طوق النجاة... واتشلني من الفقر والجوع والبؤس... تركني يوم زفافنا لستُ أدري لماذا....أيعقل أن يتركني بعد أن فعلت من أجله كل هذا.... خلعت زوجي... وتنازلت له عن أبنائي إلى الأبد....هربتُ من وجه أخوتي.... بعتُ الدنيا من أجله...
لكن لماذا قدم لي كل هذا إن كان لا يريدني....حب وحنان وعطاء.... فيلا كُنت آراها في الأحلام.... فرح ليس له مثيل ... لكن للأسف تركني في أوج فرحتي.... شمت بي الأعادي... أصبحت وحيدة لم يعد لي أحد.... معلقة بين السماء والأرض....
لستُ أدري أين ذهب...كان معي يوم زفافنا... وجاء المأذون... صعد لكي يُحضر هويته... لكنه لم يأت بعد... تأخر... تأخر...بحثت عنه لكن لا وجود له بالمنزل...انصرف المأذون...انصرف المدعوين... انقلب فرحي لمأتم....
كتمتُ حصرتي في قلبي... صعدت إلى سُلم الطابق الأعلى وأنا أجر أزيال ثوب الهزيمة... ثوب الزفاف...الذي أشتراه لي من باريس...
عندما صعدتُ إلى الغرفة وجدتُ الدبلة ملقاة على السجادة... وتذاكر الطيران ممزقة ومتناثرة على الأرض ... حاولت أن أتمالك أعصابي... وتوكأت على الحائط حتى وصلت إلى النافذة....لم أجد لسيارتنا البيضاء المزينة بالزهور أي أثر... وكأنها لم تكن...
أه...أه من لعنات القدر...
لم يعد لي أحد ... لم يعد لي مكان... جلستُ حتى الفجر أنتظر... على أمل أن يأتي.... حاولت الاتصال به لكن دون جدوى ....
وفي الصباح اتصلتُ به في مكتبه... لكن دون جدوى... اتصلت بكل أصدقائه ليساعدوني في البحث عنه... لكن كل المحاولات أصابها الفشل...
توجهتُ إلى قسم الشرطة.... وأبلغتهم باختفائه...[/align]
الفصل الثاني
رحلة عذاب جديدة
رحلة عذاب جديدة
[align=justify]لم أفقد الأمل... أخرج كل يوم للبحث عنه...تتورم قدماي بلا جدوى... بعد شهر نفذ المال الذي معي... قلتُ لا بأس... ابيع مجوهراتي....
في هذا اليوم كُنت متعبة جدا... قررتُ أن استريح قليلا... دق جرس الباب... فتحت الشغالة... يا للمفاجأة....حُكم بالطرد من البيت... قد أشترها شخصا منه قبل اختفائه بيوم... لم يكن أمامي إلا نظرة الوداع الأخيرة لمنزلي...وخرجت لا أعلم إلى أين أتجه....لم يعد لي أحد....
متخبطة متحيرة من موقفه....المهم أن أجده لكن كيف لأدري....
تورمت قدماي من المشي بلا هدف... ذراعي يؤلمني من الحقيبة... الحقبية التي بها آخر أشياء أمتلكها... إلى أين أذهب وليس لي أحد في القاهرة... لن أستطع العودة إلى طليقي في الإسكندرية....ولا أخوتي في قنا...آه...آه...
أشعر بصداع وإرهاق وجوع، لم أأكل أي شئ اليوم... الشمس تودع الأفق... يجب أن أُفكر في مكان أبيت به...ليس معي نقود...ها هو محل جوهرجي ... لأدخل وأبيع هذا الخاتم ...
سيدي أرغب في بيع هذا الخاتم... ينظر إلىّ مستغربا من هيئتي ووجهي المبلل بالعرق... وعيناي التي أحرقتها الدموع ... وأحمرت من لفحة الشمس...يدي ترتعش من الجوع والألم....لم أعد أستطع الوقوف.... قدمي تورمت... ضاق الحذاء... لم أعد استطع الوقوف... كعب الحذاء قسم ظهري نصفين.... هندامي أصبح مهرولا...متسخا...بعد نظرات رمقتني... قال تفضلي بالجلوس.... تحرك نحو الباب قائلا...معذرة معي تليفون مهم.... غاب نحو عشر دقائق... في الحقيقة لم يقلقني غيابه... كُنت أُريح جسدي من طول التجوال....فجأة دخل وورائه شخص كنت أظنه ضابط شرطه...
طلب مني أن أتفضل معه بهدوء....جرت بنا السيارة مسرعة....لم أشعر إلا بضوء النهار المسلط على عيناي ... نظرتُ حولي لم أجد سوى رمال المقطم الصفراء.... وأنا ملقاه على الأرض.... صرخت صرخات وصرخات...الصوت يدوي ولا أحد يُجيب... اتجهتُ يمينا ويسارا .... أين حقيبتي...اتجهت نحو الأسفلت متجردة حتى من حذائي...عندما وطئت قدمي على الأسفلت الساخن احترقت ... وها هي سيارة قادمة....لألوح لها بيدي... لا جدوى...
الحمد لله ... سيارة شرطة تقترب.... ذهبتُ إلى قسم الشرطة أدليتُ بأقوالي...لم يصدقني أحد...لأني من كثرة تعبي أمس لم استطع تحديد محل المجوهرات ولا اسمه... قال لي الضابط إما أن تعطيني هويتك...أو تتصلي بشخص يضمنك... فقدت هويتي... وليس لي أحد في القاهرة...فكرت مليا ثم طلبت منه الاتصال بقسم شرطة المهندسين بالضابط كريم البيومي الذي قدمت عنده بلاغ اختفاء زوجي... على الفور جاء وأنقذني... خرجتُ ولا أعلم إلى أين أذهب...
هاهو كورنيش النيل أمامي.... سأعبرالطريق لاستريح قليلا ثم أواصل السير....كم أشعر بالجوع والعطش...كم أنا في حاجة لفنجان قهوة....
يا إلهي ماذا أفعل...
لماذا ينظر إلى هذا الشخص هكذا...أنه يقترب ... يقترب... ماذا تُريد...ابتعد... ابتعد... يا لك من شخص وقح سخيف...
يا إلهي !!! توقف عقلي عن التفكير.... لم أعد استطع التماسك... دموعي تنهمر... الجميع عيونهم متجهه نحوى...
لأُغمض عيناي...لا أرغب أن أرى أحدا... يجب أن اتوارى عن الناس....
فجأءة وقفت سيارة...أمامي... نزل منها شاب صغير غير متزن...اقترب مني ...طلب مني أن يصطحبني إلى منزلة...لم أُفكر صفعته على وجهه...احتشد الناس... تركته لهم...هرولت مسرعة... لم أعد أمتلك شئ لكني لن أبيع جسدي... لن أبيع جسدي...
مرات أخرى لن استطع احتجاز الدموع.... لابد أن اتماسك...فعندما تضعف المرأة تصبح فريسه سهلة للذئاب....
امرأة ترتدي نقاب تقترب... تجلس بجواري... تعرض علىّ المساعدة... بدون حذر أو حتى تفكير في العواقب ذهبتُ معها... وضعتُ يدي في يدها... توكأتُ عليها...عبرنا الطريق... مشينا ومشينا كثيرا ... فقدتُ الشعور بالزمان والمكان... كدتُ اسقط على الأرض من الهبوط، لمس جسدي الأرض، قام رجلا كان جالسا في المقهى... وفي يده كرسي أجلسني على الكرسي... وخرج رجلا آخر من المقهى وفي يده كوب عصير... شربته ...ارتويت، شعرت بتحسن ...واصلت السير معها... انتبهت قليلا للطريق...لا أعلم كيف وصلنا إلى القطار... انتظرنا حتى مضى القطار...عبرنا شريط السكة الحديدية... مشينا في مكان أشبه بالخرابة...هياكل سيارات محطمة أكلها الصدأ... تلال قمامة تنبعث منها روائح كريهة...كلاب تنبح... وقطط تعوي... فأر فر من بين قدماي، القطة تلاحقه... ربما يكون مصيري مثله...
فجأة توقفت أمام بيت قديم متهالك... فتحت حقيبتها...أخرجت المفتاح... فتحت الباب... دفعتني بيدها إلى الداخل... ثم أغلقت الباب بالمفتاح... عندما دخلنا لم استطع أن أري أي شئ من ظلمة المكان.... نزلنا حوالي ثلاث درجات سُلم... طرقت على الباب ثلاث طرقات ... فتح لها صبي صغير... ودخلنا... تركتني واقفة... ومشت خطوات...ذهبت نحو رجل... لم استطع رؤية ملامحه من دخان النرجيلة...ثم تقدمت نحوي... وأخذتني نحو سُلم داخل البيت...أمام السُلم حجرة بابها مفتوحا...مدت يدها نحو مفتاح الكهرباء... أنارت المصباح... نظرت إلى الحجرة ذات الأثاث المتهالك... والفرش المتسخ...والطلاء المتقشر... وفجأة أتت صبية صغيرة معها طبق ورغيف خبز وزجاجةماء....
وتركوني...وأغلقوا الباب بالمفتاح... بالرغم من شدة الجوع لم استطع أن ألمس الطعام ... فالطبق قذر للغاية... اتجهت نحو الشباك وفتحت زجاجة الماء وغسلتُ وجهي وشربت قطرات... بالرغم من تعبي لم اتمكن من النوم... فالحجرة تعج بجيوش من الحشرات... بالصراصيرو الناموس...
أطفأت المصباح...أوحيت إليهم إنني نائمة... كل برهة اسمع طرق على بوابة المنزل... طرق الباب الخارجي أكثر من عشرين مرة... في كل مرة كنت اقترب من النافذة وانظر من وراء الستارة... دخل المنزل أُناس من كل لون... انتظرت حتى الفجر لكن لم يخرج أحد... اقتربتُ من باب الحجرة ، لكني لم استطع أن أسمع أي شئ... فالحجرة بعيدة... غلبني النعاس ...
لم أشعر إلا في الصباح عندما أيقظتني....طلبت مني أن أنزل معها إلى الطابق الأسفل... عندما نزلت معها لم استطع السير من كثرة النائمين على الأرض كالجثث... انفاسهم سحبت الأوكسجين من المكان روائح كريهة تنبعث...ربما من أرجلهم... أخذتني إلى حجرة مليئة بكل ما يخطر على البال... بها الرجل الذي رأيته أمس ...بدون مقدمات... مد إلىّ يده واعطاني عباءة سوداء ونقاب... وقال لي انزلي معها... حتى تتعلمين الشغل... من منظره المرعب وصوته الخشن احتبس كلامي ....
ظللت أُفكر حتى خرجنا من البيت ووعبرنا الخرابة وشريط السكة الحديدية... وسرنا حتى وقفت أمام مسجد... خلعت حذائها... وأنا مثلها... ودخلنا المسجد... لازال هناك وقت على صلاة الظهر... المسجد ملئ بالناس، يبدو أن به قبر لأحد أولياء الله الصالحين يتباركون به... اختلطت أفكاري ببعض... فجأة نظرتُ حولي لم أجدها... جلستُ في ركن على الأرض... فجأة وجدتها ترفع وجهها من السجود.... جلست.... ورفعت يديها وبدأت تدعو بصوت مرتفع يارب اشفي ابني...يارب اشفي ابني...
استحضرت البكاء...جذبت أنظار الناس.... ثم سلمت وقبل أن تقوم من صلاتها ... تجمهر الناس حولها قائلين: وحدي الله يا أخت... احكي لنا يمكن نساعدك...، قالت ودموعها تملاء حجرها: ابني يا ناس... ابني يامسلمين عنده فشل كلوي... حالته متأخرة...المتبرع طالب عشرين ألف جنيه...فجأة...أخذت سيدة منديلا وفتحته على الأرض وطلبت من الموجودات التبرع امتلاء المنديل وضعته في حقيبتها... سألت عن مكان الحمام...أخذتني وهربت بسرعة... سرنا قليلا... ثم دخلنا مسجد آخر ...أوهمت الناس أنها تصلي... انتهت من الصلاة... اجهشت بالبكاء قائلة: يارب أرجع لي زوجي طالت غيبته... تركني منذ شهرين...لم أعلم أين هو.... يا رب ليس لي حيلة أرزقني برزق أبنائي الخمسة... تجمعت نحوها السيدات كل واحدة تضع في حجرها مبلغا من المال....استغربت بشدة... في المرة الأولى صدقت حكاية ابنها....
لكن هذه المرة تذكرت اختفاء "أدهم"... ومرت أمامي حياتي كلها... مثل شريط السينما....وبعدها خرجنا من المسجد...
سرنا لبضع خطوات وجدنا مخبزا...أعطتني جنيها وأوقفتني في الطابور...الطابور كان هائلا...تسحبت بين الناس ونفذت بجسدها الدقيق بينهم...وأخذت تنسج حكايات من خيالها المريض... وعينيها تراقب الناس... فجأة افتعلت خلاف... ارتفعت الأصوات.... اختارت الفريسة... سطت عليها...سرقت حقيبتها.... حقيبة فاخرة...بها محمول غالي...ومبلغ كبير... خرجت من الطابور في هدوء دون أن يشعر بفعلتها الدنيئة أحد... جرتني من الطابور... رفضت أن أمشي معها...
لم أشعر إلا وأنا في الوكر.... انهال الرجل البشع علىّ بالسياط...
أوحيت لهم أنني مستسلمة لأوامرهم... حتى يأمنوا لي فأهرب.... قضيت يومين كاملين في الوكر تعلمت شتى فنون الاحتيال والإجرام....
صعدت إلى الغرفة...جلستُ على السرير اتخيل الغد مجهول الهوية الذي ينتظرني...
إلى اللقاء مع الفصل الثالث والرابع....[/align]
تعليق