ما أجمل تلك الصباحات حين كانت تلك الدُرر العاجّية تسقط تباعاً من أفواه طفولتنا ..لتنسج لنا قصصاً مثيرةً ما زلنا نرويها لأطفالنا..كانت تسقط تارة ونحن نلوك تلك القطع الصغيرة التي تسمى اللبان او(العلكة)..أو حين نمضغ طعاماً قاسياً فنحس بها ونحاول إخراجها بمساعدة أمهاتنا..وتارة نجدها بين ثنايا وسائدنا حين نستيقظ..نعدو فرحين حيث جداتنا اللاتي يحتللن مكاناً في الشرفات مع إشراقة كل صباح..يٌعرضن جدائلهن الثلجية اللون لأشعة الشمس لتساعد حرارتها في تسهيل تمشيطها كي لا يزداد عدد الشعيرات في أسنان المشط..
ما يُسعدهن رؤية تلك الدرر في أكف أيدينا الصغيرة..فتهتز أصواتهن مع نغمات ذلك اللحن التراثي الذي يبدأن بترديده عن أسنان الطفولة الجذلى..وكأنهن يناجين مولوداً بداخلها..ومن ثم يقمن بتجهيز طعام خاص من حبوب القمح والسكر..يقدمنه لأفراد العائلة اللذين يدركون أن هناك سناً لبنياً سيودّع وتقام من أجله اللحظات الجميلة.
كانت الجدات يأمرننا بوضعه تحت وسائدنا ليلاً..لنجد بدلاً منه قروشاً حين نفيق صباحاً..وكم سألناهن مراراً عن ذاك الذي يأخذ أسناننا الصغيرة ويضع مكانها قروشاً تسعدنا.. فيقلن أنها هبة من الله ولا يحق لنا السؤال عن رسولها..
لذا كانت السعادة تغمرنا جميعاً حين كانت تسقط لأحدنا سناً.
مرت شهورٌ كثيرة عرفنا بعدها من يقوم بوضع القروش بدلاً من الأسنان اللبنية حين مرّت على وداع جداتنا إلى مثواهن الأخير شهور كثيرة فقدنا فيها الكثير من الدرر العاجية وفقدنا معها عذب النغمات ..ولذة القمح.. وفرحة القرش.
تعليق