نافذتي والليل
[align=justify]نافذتي والليل وتراتيل أمي، وحكاية لجدتي روتها لنا ألف مرة ونحن صغار نجتمع حول نار المدفأة بليالي الشتاء الباردة، فاغري الأفواه مشدوهين نستمع لقصة الفارس الشجاع الذي عشقته رغما عني، مذ سمعتها تحكي لنا قصته.
وأتخيل نفسي تلك الحبيبة التي يعشقها، وضفائري مازالت جدتي تضفرها بيديها المرتعشتين، وهو يمتطي صهوة جواده الأرقط ، يجوب البراري والوديان سنين طويلة، يبحث عن خاطفي حبيبته، يأخذ بثأرها ويحصد بجرأة وجسارة رؤوسهم بسيفه.
هالني منظر الرؤوس المقطوعة وأنا أتخيلها تتطاير عن أجسادها، تطيرعاليا ثم تتدحرج على الأرض، اعترتني قشعريرة من دماء قانية، تنتفض من أوردتها فوق الرقاب، وأجساد تمشي بلا رؤوس بضع خطوات قبل الرجفة الأخيرة.
تركت الورقة والقلم بغضاضة، وشاغلت نفسي أرقب تراقص نيران شمعتي ترسم على الجدار ظلا مشوها لجسمي، شمعتي التي أوقدتها منذ غياب السلم وآخر وهج تلألأ بغرفتي بعد انقطاع النور، لتغرق المدن بظلام دامس إلا من أضواء شحيحة تجود بها فوانيس شاحبة وشموع تطل بنورها الخجل من بين شرفات ونوافذ المنازل، الغارقة بالعتمة.
لم أدر من أين أتاني الشعور بالأمل يناغيني، بالرغم من الحرب وضراوتها، بأن فارس قصة جدتي سيأتي يوما، يحمل حبه وأشواقه وتوقا لم يفتر، فيطفئ مجيئه صقيع الخوف والظنون التي رافقتني مذ غاب الأمان، يوم دُكت حصون قلعة مدينتي، لتنعق أسراب الغربان بسمائها، وتغفو جدتي ذات يوم شديد الريح غفوتها الطويلة، ولم تستيقظ، تحتضن عيناها وجع غزوة كونية أخرست قلبها، وحصدت من روحها ذاك العنفوان والإباء الذي كانت تحكيه بحماسة لنا، عن الفوارس والشجعان، يغزو وجهها وجع غريب ودمعة مكابرة أبت أن تنزل تحجرت بمقلتيها، حتى واريناها التراب.
الصباح لم يكن يحمل معه سوى روتين اعتدته غير عابئة بأصوات قصف الصواريخ، أستمع بشجن من جاراتي أخبار العائدين من الجحيم الذي تقذفه، شياطين تطير بأجنحة سوداء، يحملون معهم حكايات مهولة تشبه حكايات جدتي الخيالية، و يسردون قصصا مرعبة عن أيام قضوها في العراء، يأكلون من حشاش الأرض، ويختبئون بسذاجة من الشياطين السود، يكومون أجسادهم فوق بعضها بخنادق تشبه القبور، حفروها بأيديهم حين تُفتح بوابات الجحيم عليهم بحاويات تقذف الحمم التي تصهر الأجساد بلهيبها، لتبقى الملابس بلا مرتديها، يسيل بين شقوقها تكتلات اللحم والعظم المنصهرة، ويتسرب عصير الدماغ من الأذنين، سائلا أصفر داكنا، ولزجا!
وشمس آذار الفتية المتشحة بلون الدم عند الغروب، لاح لي من بعيد وأنا أنظر من خلف زجاج نافذة المطبخ رجلٌ بملابس عسكرية يتوكأ على خشبة يتعكز عليها، فكان منظره محزنا والتراب يغطيه وكأنه خرج من قبره لتوه، يجر رجليه جرا ويتمايل جسده كأنه سيغمى عليه.
اقترب أكثر.. بانت ملامحه المفعمة بأسراب الغم والخذلان، ودماء لم تزل ندية تغص فيها ملابسه.
يمعن النظر بين واجهات البيوت بدهشة وذهول، يدير رأسه خلفه كلما أحس بأنه أخطأ الطريق، فيقف هنيهة، يمسح عينيه بيده التي اختلط فيها الدم بالتراب فغدا لونها طينيا محمرا، ويعيد الكرة بتصفح واجهات البيوت وهي تزخر بثقوب شظايا الصواريخ، فسقطت أسوار وفتحت ثغرات كبيرة بعدة بيوتٍ، وهدم ببيتين على ساكنيهما فأصبحا ركاما تظهر بعض آثار قطع أثاث و ملابس من كانوا يسكنوهما.
بدا اليأس عليه وذهول وحشي ، فتهالك يفترش الأرض وأجهش ببكاء مرير ويائس.
بكيت بحرقة لبكائه على رجال وطني الذين أحرقتهم مرة نيران يصبها المحتل عليهم، وأخرى وهم يحترقون لفراق الأهل والأحبة حين أبادتهم أسلحة عمياء، لا تعرف الرحمة.
ابتلعني الغمُ فناديت بجزع أخي جعفر.. أن يُغيث الشاب.
هرع إليه..
أعانه على النهوض لكنه سرعان ما سقط مغشيا عليه حين أيقن إنه لم يخطئ الشارع ، و بيت أهله أحد البيوت التي دكت.
غمرني الزهو وأنا أراقب أخي يحمل الشاب، كأنه يحمل طفلا صغيرا بالرغم من جرحه الكبير الذي أصاب خاصرته بآخر معركة دارت رحاها على الحدود الجنوبية للعاصمة العتيقة ليعود بعدها مخضبا بدمه، مليئا بالأسرار والقهر لأن الوطن لم يصمد طويلا تحت دك القنابل والصواريخ التي انهمرت عليه، وتكنولوجيا الألفية الثالثة تفوقت على شجاعة رجالها الفوارس.
ويخرسني حين أسأله عما حدث:
- صه زبيدة لا تسأليني، قط.
فأصمت حيرى ملتاعة وعيناي تسألأنه:
- أما آن الآوان ان تشي لي بالسر أخي!؟
أسند أخي الشاب على الأريكة وشرعت أمسح بمنشفة مبللة وجهه
أشعل جعفر فتيل فانوس آخر فالليل أضحى حالك الظلمة
وضعه على الطاولة، القريبة .
فشهقت شهقة حاولت أن أخفيها حين أضاء النور وجه الشاب، وبانت ملامحه بسحنته السمراء.
حملقت بوجهه
انتبه الشاب لي، بادلني نظرة متسائلة!!
وعيناه التي غمرهما الحزن تتفرسان وجهي بتعجب!! كأنه يعرفني .
هلت الفرحة تغمر قلبي وأنا أسمعه يجيب أخي بصوت رخيم حين سأله عن اسمه:
- أنا فارس.
تهالكت على المقعد القريب مني
وضعت يدي على صدري، أحمي قلبي لئلا يطفر من بين أضلعي.
همست لجدتي أسرها سري:
- إيه جدتي.. لقد التقيت اليوم بفارس قصتك.[/align]
[align=justify]نافذتي والليل وتراتيل أمي، وحكاية لجدتي روتها لنا ألف مرة ونحن صغار نجتمع حول نار المدفأة بليالي الشتاء الباردة، فاغري الأفواه مشدوهين نستمع لقصة الفارس الشجاع الذي عشقته رغما عني، مذ سمعتها تحكي لنا قصته.
وأتخيل نفسي تلك الحبيبة التي يعشقها، وضفائري مازالت جدتي تضفرها بيديها المرتعشتين، وهو يمتطي صهوة جواده الأرقط ، يجوب البراري والوديان سنين طويلة، يبحث عن خاطفي حبيبته، يأخذ بثأرها ويحصد بجرأة وجسارة رؤوسهم بسيفه.
هالني منظر الرؤوس المقطوعة وأنا أتخيلها تتطاير عن أجسادها، تطيرعاليا ثم تتدحرج على الأرض، اعترتني قشعريرة من دماء قانية، تنتفض من أوردتها فوق الرقاب، وأجساد تمشي بلا رؤوس بضع خطوات قبل الرجفة الأخيرة.
تركت الورقة والقلم بغضاضة، وشاغلت نفسي أرقب تراقص نيران شمعتي ترسم على الجدار ظلا مشوها لجسمي، شمعتي التي أوقدتها منذ غياب السلم وآخر وهج تلألأ بغرفتي بعد انقطاع النور، لتغرق المدن بظلام دامس إلا من أضواء شحيحة تجود بها فوانيس شاحبة وشموع تطل بنورها الخجل من بين شرفات ونوافذ المنازل، الغارقة بالعتمة.
لم أدر من أين أتاني الشعور بالأمل يناغيني، بالرغم من الحرب وضراوتها، بأن فارس قصة جدتي سيأتي يوما، يحمل حبه وأشواقه وتوقا لم يفتر، فيطفئ مجيئه صقيع الخوف والظنون التي رافقتني مذ غاب الأمان، يوم دُكت حصون قلعة مدينتي، لتنعق أسراب الغربان بسمائها، وتغفو جدتي ذات يوم شديد الريح غفوتها الطويلة، ولم تستيقظ، تحتضن عيناها وجع غزوة كونية أخرست قلبها، وحصدت من روحها ذاك العنفوان والإباء الذي كانت تحكيه بحماسة لنا، عن الفوارس والشجعان، يغزو وجهها وجع غريب ودمعة مكابرة أبت أن تنزل تحجرت بمقلتيها، حتى واريناها التراب.
الصباح لم يكن يحمل معه سوى روتين اعتدته غير عابئة بأصوات قصف الصواريخ، أستمع بشجن من جاراتي أخبار العائدين من الجحيم الذي تقذفه، شياطين تطير بأجنحة سوداء، يحملون معهم حكايات مهولة تشبه حكايات جدتي الخيالية، و يسردون قصصا مرعبة عن أيام قضوها في العراء، يأكلون من حشاش الأرض، ويختبئون بسذاجة من الشياطين السود، يكومون أجسادهم فوق بعضها بخنادق تشبه القبور، حفروها بأيديهم حين تُفتح بوابات الجحيم عليهم بحاويات تقذف الحمم التي تصهر الأجساد بلهيبها، لتبقى الملابس بلا مرتديها، يسيل بين شقوقها تكتلات اللحم والعظم المنصهرة، ويتسرب عصير الدماغ من الأذنين، سائلا أصفر داكنا، ولزجا!
وشمس آذار الفتية المتشحة بلون الدم عند الغروب، لاح لي من بعيد وأنا أنظر من خلف زجاج نافذة المطبخ رجلٌ بملابس عسكرية يتوكأ على خشبة يتعكز عليها، فكان منظره محزنا والتراب يغطيه وكأنه خرج من قبره لتوه، يجر رجليه جرا ويتمايل جسده كأنه سيغمى عليه.
اقترب أكثر.. بانت ملامحه المفعمة بأسراب الغم والخذلان، ودماء لم تزل ندية تغص فيها ملابسه.
يمعن النظر بين واجهات البيوت بدهشة وذهول، يدير رأسه خلفه كلما أحس بأنه أخطأ الطريق، فيقف هنيهة، يمسح عينيه بيده التي اختلط فيها الدم بالتراب فغدا لونها طينيا محمرا، ويعيد الكرة بتصفح واجهات البيوت وهي تزخر بثقوب شظايا الصواريخ، فسقطت أسوار وفتحت ثغرات كبيرة بعدة بيوتٍ، وهدم ببيتين على ساكنيهما فأصبحا ركاما تظهر بعض آثار قطع أثاث و ملابس من كانوا يسكنوهما.
بدا اليأس عليه وذهول وحشي ، فتهالك يفترش الأرض وأجهش ببكاء مرير ويائس.
بكيت بحرقة لبكائه على رجال وطني الذين أحرقتهم مرة نيران يصبها المحتل عليهم، وأخرى وهم يحترقون لفراق الأهل والأحبة حين أبادتهم أسلحة عمياء، لا تعرف الرحمة.
ابتلعني الغمُ فناديت بجزع أخي جعفر.. أن يُغيث الشاب.
هرع إليه..
أعانه على النهوض لكنه سرعان ما سقط مغشيا عليه حين أيقن إنه لم يخطئ الشارع ، و بيت أهله أحد البيوت التي دكت.
غمرني الزهو وأنا أراقب أخي يحمل الشاب، كأنه يحمل طفلا صغيرا بالرغم من جرحه الكبير الذي أصاب خاصرته بآخر معركة دارت رحاها على الحدود الجنوبية للعاصمة العتيقة ليعود بعدها مخضبا بدمه، مليئا بالأسرار والقهر لأن الوطن لم يصمد طويلا تحت دك القنابل والصواريخ التي انهمرت عليه، وتكنولوجيا الألفية الثالثة تفوقت على شجاعة رجالها الفوارس.
ويخرسني حين أسأله عما حدث:
- صه زبيدة لا تسأليني، قط.
فأصمت حيرى ملتاعة وعيناي تسألأنه:
- أما آن الآوان ان تشي لي بالسر أخي!؟
أسند أخي الشاب على الأريكة وشرعت أمسح بمنشفة مبللة وجهه
أشعل جعفر فتيل فانوس آخر فالليل أضحى حالك الظلمة
وضعه على الطاولة، القريبة .
فشهقت شهقة حاولت أن أخفيها حين أضاء النور وجه الشاب، وبانت ملامحه بسحنته السمراء.
حملقت بوجهه
انتبه الشاب لي، بادلني نظرة متسائلة!!
وعيناه التي غمرهما الحزن تتفرسان وجهي بتعجب!! كأنه يعرفني .
هلت الفرحة تغمر قلبي وأنا أسمعه يجيب أخي بصوت رخيم حين سأله عن اسمه:
- أنا فارس.
تهالكت على المقعد القريب مني
وضعت يدي على صدري، أحمي قلبي لئلا يطفر من بين أضلعي.
همست لجدتي أسرها سري:
- إيه جدتي.. لقد التقيت اليوم بفارس قصتك.[/align]
تعليق