لست وحدي!!!
تفاجئني الأضواء الخافتة ، الهدوء ، الصمت
سقط نظري للتوِّ لحظة دخولي المنزل على الأريكة التي اعتادت أن تجلس عليها أمي ..
لكنها ليست هناك ، ماذا جرى ؟!
الستارة متهدلة ، تتحرك كلما لفحها الزمهرير الآتي من الخارج، وكأنّها تشكو شيئاً ما غير عادي حدث في هذا البيت الكئيب فيتسلل إلي إحساس بالوحشة ،وأنا أسائل نفسي : ربما قتلها !
أنظر بسرعة إلى أرضية الغرفة فلا أرى أثراً للدم
أو ربما خنقها من غير آثار ،
أصوات توقعاتي تنبح بداخلي ، أصداء صراخي ترتد في حلقي ، وتبدو على وجهي الباهت،
أريد أن أصرخ وفحيح صراخي يذكـّرني :
انتبهي الصراخ ممنوع !!
وما دام الصراخ مختوماً بالشمع الأحمر ومحظوراً وأنا أحتاج إليه ، آه، إنه البكاء، تنتابني حاجة للبكاء
ولأول مرة أجد أنني أستطيع ممارسة شيءٍ من غير اعتراض، ولكنّه محدود بالصمت من غير إزعاج
ألتفت إلى الأريكة فأرى زوجَ أمي يجلس عليها يقلب بين يديه كتاباً ما ولا يبدو عليه أيّ قلق أو ما يشير إلى التوتر بأن شيئاً ما حدث.
تساءلت : هل ساءت حالة أمي ونقلت إلى المستشفى في غيابي ؟! أو قد تكون ماتت؟
لا.. فلم تكن فترة غيابي كافية لهذا، فهذه هي المرة الوحيدة التي أغيب فيها كل هذا الوقت
منذ أن أقعد الشللُ الكليُ أمي في الفراش
ومع ذلك ، شيء ما قد حدث رغم هدوئه، ولكن وهذا لا يعني أنه لم يحدث شيء يقلق
فاللامبالاة أصلاً من طباعه القاتلة
أذكر-قبل أعوام- يوم خرج الطبيب من غرفة أمي يخبره بشللها
وكأنه تلقى نبأ مولدها ، وأتذكر كيف انبعثت من ملامحه فرحة مكتومة حاول إخفاءها
واستطعتُ ببراءتي أن ألمحها في عينيه
فلقد تعودّتُ تقطيبة جبينه فكان من السهل علي رغم صغر سني
أن ألـْحظ أي تغيير على ملامحه مهما كان بسيطاً ،
ومنذ ذلك اليوم ما انفكـّت دموعي تنساب على وجهي ،
فهذا الشبح يزرعني في أرض البؤس ويجني ثمار بؤسي كل لحظة .
لا أحب الحديث إلى هذا الرجل لكنّني مضطرة لسؤاله : أين أمي ؟ أين أمي؟
ويجيبني .. مانعاً إياي دخول الغرفة ريثما يخرج الطبيب، متأهباً للحظة ضعف أرتمي فيها بحضنه
أجهش بالبكاء ليربتَ على ظهري : اطمئني لا تخافي لست وحدك
لكنني لا أمنحه هذه الفرصة ،فكتمت كل مشاعر ألمٍ بداخلي
حتى الأسئلة التي كان علي أن أسألها ، لا أريد أن أحصل على جوابها منه ،
فقلت في نفسي سأنتظر الطبيب، وأسمع منه تفاصيل حالتها.
وبدأت أترقّب لحظة خروجه، ومن الشـقّ الذي يفصل الباب عن الجدار أحاول أن أسمع شيئاً، أو أرى شيئاً
ولكنني لا أفلح، فجلست على كرسي بجانب باب الغرفة
أفرك يداً بيد أبدّد بهذا الاحتكاك غيظي وحيرتي
فكم كنت بحاجة أن أقرض الباب بأسناني لأسمع شيئاً ،
انتظرتُ ، ولم يعد بمقدوري الانتظار، ولم يكن بوسعي اقتحام الغرفة ورؤية الإجابات عن أسئلتي بأم عيني ،
كل ذلك لا أستطيعه حسب ادّعاءات ذلك الشيء الذي يجلس أمامي ،
كما كان يأمرني بعدم التدخل بأي أمر بدعوى إنه لا يخصّني ، فعندما كنت أراه يبطش وجه أمي بيده
فأحاول الدفاع عنها وأصرخ في وجهه علّه يرتدّ، كان يسكتني ويقول لي هذا لا يخصك، ويمارس رجولة أنامله على خدّي الصغير
فأرتدُّ للخلف عاجزة عن فعل أي شيء أو حتى عن قول شيء ،
فاستجمعت بعضاً من قوة وقلت في نفسي :
إن كان ضربه لأمي لا يخصني فلا شكّ أنَّ موتها يعنيني، وإن كنت البارحة صغيرة فأنا اليوم كبرتُ
وكبرتُ الجراحات بداخلي ، حتى الخوف ترعرع شبحه بداخلي من نظراته السخيفة
المسلطّة عليّ للالتزام بكل ما يأمرني به .
الآن أشعر بذرات الغضب تجتاح جمجمتي وتخترق أصداغي كرصاصة قاتلة ، ورغم هذا لا أستطيع التفوّهَ بحرف
تجمّلت بالصبر ريثما يخرج الطبيب وأنا أسـلّـي نفسي برفقة أفكاري،وقطرات المطر الجريئة تضرب النوافذ بقسوة فأحسّ بأنها أفضل مني لأنها استطاعت أن تقول شيئاً ، أوعلى الأقل يصدر عنها صوت ،
ربما صوت فرح أو تصفيق ألــم ..
وهذا نحيبي يختلط بأنـّات حبّات المطر،ربما شهقة الموت؟! ولكن أي موت؟!!!!!
لقد رأيتها تموت مرة حزناً على أبي ، ومرة تموت ندماً على ارتباطها بهذا الذئب،
رأيت شهقة الموت تخرج من جوفها في نهاية كل نقاش بينهما يتحول إلى صراع
وآخر مرة شهدت موتها عندما رأتني أبكي ممزّقة الثياب عندما هجم علي يراودني عن نفسي
أي موت؟؟؟
فـللموت أشكال وأحجام وألوان في هذا البيت الكئيب
الآن أسمع شيئاً كالأنين ، مـرّاً غريباً ، لم أعتد على سماعه ، له رائحة كرائحة الحناء ، له صوت أشبه بفحيح الأفاعي ، لم أعدْ أميّز الأصوات
فغمغمات الرعد تـنبعث في كل الأرجاء تدكّ أيّ هدوء يحاول أن يتسلّل إلى المكان
كل الأصوات شبيهة ببعض
طرطقة المطر وصلصلة الرعد وأنفاس الذئب المتصاعدة
وذلك الصفير المتسلل خفية من فتحات النوافذ المتكسّرة
يبعث في عضلاتي جنوناً هستيرياً فأحسّ بيدي تكبر وتكبر..
تستـل سكـّيناً من مكان ما ربما من بين جراحاتي، ربما من عظامي
وتضربه على رأسه ضربة تريحني من سماع أنفاسه ،
لكنه لا يموت حيّ يرزق ، حيّ يقرأ حيّ يـُعذّب ولا يتعذّب حيـّة تسعى.
طال انتظاري والأنين يشتدّ ويتصاعد يصفع النقاش مع ذاتي
فألتفتُ نحو الغرفة .
تأخّر الطبيب !!
الهواء يشهق بلا انقطاع والمطر يزداد شراسة ويزيد إحساسي بالبرد، وأنا اقبع داخل فستان مبلل لم أجدْ وقتاً لاستبداله، والذئب المثقف ما يزال يجلس على الأريكة
وقد أشرف الليل على أن يُحكم قبضته على رقبة النهار ليخنق ما تبقى من ضوء ،
يتقلب في المكان الذي طلبت أمي ذات يوم أن أنقلها إليه لأنها تحس بالرّاحة والصبر على البلاء
وهي تراني أمام عينيها لتكون رقيباً على تصرفات هذا العجوز المتوحش
لم أرغب يوماً بإعلامها بملاحقته لي حتى لا يزداد بؤسها، وحتى لا تزداد آلامها عفونة
لقد عرفتْ ذلك بنفسها ذات يوم وقد رأته يطاردني وأنا أهرب من مكان لآخر، رأته يلهث يتصبب عرقاً ككلب مسعور والبصاق يسيل من فمه، حزناً على فريسته التي ضاعت منه،
وهذا المشهد المروّع كان جرثومة مرضها المزمن، نعم لقد كانت تكره سريرها الذي جمعها ذات يوم به
الأنين يعلو ويهبط يتراقص كمؤشر البوصلة،كل شيء يعلو ويشتد، وهو يزداد هدوءاً يتصفح كتاباً أعرج
أحاول عن بعد أن أتمعّن الصورة التي على الغلاف، لم أرَ شيئاً محدداً، يـبدو وكأنـّه شبح امرأة شبه عارية
أزيح بنظري جانباً ومن خلال تلك الصورة، أستقرئ عنوان الكتاب الذي يقرأ ،فترتسم أمام عيوني حروفاً تـناسب الحالة فأترجم الصورة ، لا أقرأ ولا أعرف حتى أبسط الحروف
لقد كنت أحب المدرسة وأعشق منظر التلميذات وهن يحملن الحقائب ويلبسن الزي المدرسي الموحّد ،
كنت أقف على النافذة صباحاً وأنا أرى الطالبات إما ذاهبات أم غاديات إلى مدارسهن، فأبكي ضعف حالي وقلّة حيلتي، أحبُّ القراءة وتعلّمَ الحروف ... ولكن،،، حيث تبقى كلمة (لكن)
سداً أمام أي عمل جاد، ويبقى هذا الوحش رمزاً لتحطيم أي معنى للطموح
فكم مرة مزق كتاب القراءة الذي كنت أسترق لحظات غيابه
لأتصفـّح صوره، وأحاول مطابقتها على الحروف لعلـّي أتعلم شيئاً منه،
حتى العرائس اللواتي تلعب بهن الصغيرات لم يكن مصيرها سوى الركل والرفس كلما رآني ألهو بها مع أنها من صنع يدي ولم يكلفه ذلك شيئاً، إنه يكره أن يراني أفعل شيئاً يخصّني
فكل ما يحبه من تصرفاتي هو خدمتي المخلصة له ولأصدقائه ، وإفعام معدته بالطعام الذي أعدّه
أصرخ في وجهه : أكرهك ، أكرهك يا قاتل طفولتي يا ... يا ...يا ...
لكنّني لا أستطيع فقد يسمعني ، والكلمات تتأرجح في حلقي وتقف كخنجر مشرشر
إن أخرجته جرحني وان أبقيته آلمني.
يُقلّب صفحة أخرى من كتابه وينهمك في القراءة فأرى عينيه تتسلل من خلال صفحات كتابه
وتتلمس ساقيّ يتأمل وجهي ويبتسم، نظراته الحادّة تثقب فستاني تمزقُه لتصل إلى جسدي
فأجفل، وأتمعـّن الكتاب مرة أخرى لأقرأ شيئاً
نعم أستطيع أن أقرأ – كيف تصطاد النساء-
لا بد أنه يدرّب نفسه كيف يصطاد الفريسة ، ثم يرمي بها في واد الهلاك بداخله بعد أن يمتص دماءها.
يواصل تقليب الصفحات وكأن ما يحدث لأمي لا يعنيه ، والمطر لا يتوقف والطبيب ما زال يفحص أمي
وهو يتقلب على الأريكة ويتحسّسها ويحسب احتمال استيعابها لامرأة أخرى، يوهمها بحبه ثم يتزوجها ثم يقتلها بطريقته الخاصة.
نعم فلقد علمت أمي بعد زواجها بفترة أنه كان قد تزوج قبلها ثلاث مرات.
هززت رأسي لأنفض تلك الأفكار الغبية منه وسألت : تباً لي ، بم أفكر ؟! أين أمي ؟
هنا كانت تجلس قبل ساعة، وتباً لك أيها الوغد، لا بد أنك أنت السبب في حالتها التي آلت إليها في غيابي
ليتـني لم أخرج!! يراودني شعور غريب، حقد أسود يزداد سواداً يضاف إلى حقد قديم يتورم فيحمر فيزرق فيسود، كمثل الأورام التي في جسدي من كثرة الضرب
لمن الدور يا ترى ؟ لا بد أنني الضحية القادمة يكون مصيري كمصير السابقات،
رفعت عيني أتأمل قذارته وأعضائي تشكو البرد فيبتسم لي بخبث وكأنه يتابع افكاري... ويلتي !!
هل يسمعني؟؟ يخرج سيجارته ويهم بإشعالها فيأمرني بفنجان من القهوة، طبعاً لا أستطيع الرفض،
ولمَ الرفض؟! راضيت نفسي بالموافقة فقلت لها : سألهيك ريثما يخرج الطبيب
أخلع نفسي عن الكرسي وقد التصقت به ، وأسير إلى المطبخ عبر ممر كئيب حزين معتم كدهاليز السجون
فتمرّ بخاطري ذكرى طازجة حدثت البارحة ، هنا أمسك بيدي وضغط عليها قائلا:
لا تقولي أنت مثل أبي أنا لست أباك، وعيناه جاحظتان تخرج من تجويفهما تقرضني وتعود إلى مكانها،
وأخيرا وصلت المطبخ، وكأنني قطعت رحلة صحراوية شاقةعلى ظهر سلحفاة تـتبختر وكلي يتأرجح والدوار يأخذني، وما تبقى مني يريد أن يهوي ساقطاً،
لم يبق في أحداقي دموع أستعين بها على ضعفي، أذيب بها طبقة من طبقات الألم المتراكم،
أُسرع في استحضار القهوة، خوفاً من أن يخرج الطبيب في غيبتي فتفوتني كلمة عن حالة أمي
أرفع الإبريق عن النار أتمالك نفسي،أخشى السقوط خوفاً من أن يقع مني شيء ينكسر فأعاقب على سقوطه،
حملت القهوة وعدت مسرعة أعبر الممر وصحن القهوة يتراقص بين يدي وكأنه هو الذي يحملني،
وبخطوات متثاقلة سرت نحوه وقدمت القهوة، من غير أن أنظر إليه، وتهالكت على الكرسي انتظر
فالانتظار هو مهمتي هذا اليوم يتخلله ذكريات مسمومة،
في ديسمبر يداهم البردُ كل شيء حتى إحساسي بالحياة ورغبتي في البقاء، فالمح دفتر التقويم المعلق على المقابل يتدلى حزيناً تتمزق صفحاته بسرعة البرق، وإحساسي باقتراب نهايتي مثله تماماً
على كل ورقة تمزق وتُطرح في سلة النفايات كنت أقول معها:أكرهك
على كل ورقة تقذف الى عالم الأموات كانت أمي تقول : طلقني أرجوك
الأنيـن داخل الغرفة يتهادى
أنتظر وأنتظر وأعضائي ينفر منها الدفء ، ومع الانتظار أجدد كراهيتي لبلادته ورجولته المصطنعة
برغم كبر سنه وانحناءة ظهره التي تعلن عن عجزه، فتجاعيده المحفورة حول عينيه تنذر بمستقبل مرعب موحش،
كم أكره المستقبل كما أكره الماضي
وأسأل : ماذا يمكن أن يحصل لو ماتت أمي؟! ربما أكون زوجته أحضّر له الفطور ويناديني
يعوي سعالاً كعادته من كثرة التدخين :
يا غبية أيـن الماء الساخن ؟ فكل شيء مطلوب مني، فالماء الساخن ضروري لغسل وجهه وعينيه
وتطهيرها من نظراته السافلة
ثم أحضّر الطعام ليأكل وأقتات أنا من علقم قسوته ثلاث وجبات يومية
تماماً كما وجبات الطعام في البيوت الخالية من الثقوب، وربما تزداد الوجبات مستقبلاً
وربما يكون لي طفلة ويلاحقها وأصاب بالشلل وأموت.
هنا زمجرت بزعقة خرجت مني رغماً عني
وكأني أشهد الموت حقاً
فصحوتُ من غفلتي على توقف المطر
توقف المطر وتهالك الزمهرير وكلّ الأنين بداخل الغرفة المغلقة
وتحوّل فجأة إلى زفرة واحدة لا أكثر
أسرعتُ اندفع نحو الباب والطبيب يخرج وقد ترك الباب مفتوحاً، لم أسأل
توجهتُ نحو السرير لأرى أمي جسداً مسجى مغطى بلا أنين.
أدركتُ أن أمي قد انتهت انتهت !!
فأبـكي .. وأبـكي إذ لا وقت للبكاء، أمي ماتت وعليّ أن أفكر، تقيدني فكرة الهروب قبل أن ينقض علي ويفـترسني ولكن ، كيف سأغادر؟؟ وإلى أيـن؟ والعالمُ كلُه رجل .
يا الهي !!أكاد أفقد النطق ، ماذا أفعل ؟؟
لقد ماتت أمي لأتعذب ، وأبقى هنا وحدي وحدي!
لا لست وحدي
( بقلمي )
...إلى هنا
تفاجئني الأضواء الخافتة ، الهدوء ، الصمت
سقط نظري للتوِّ لحظة دخولي المنزل على الأريكة التي اعتادت أن تجلس عليها أمي ..
لكنها ليست هناك ، ماذا جرى ؟!
الستارة متهدلة ، تتحرك كلما لفحها الزمهرير الآتي من الخارج، وكأنّها تشكو شيئاً ما غير عادي حدث في هذا البيت الكئيب فيتسلل إلي إحساس بالوحشة ،وأنا أسائل نفسي : ربما قتلها !
أنظر بسرعة إلى أرضية الغرفة فلا أرى أثراً للدم
أو ربما خنقها من غير آثار ،
أصوات توقعاتي تنبح بداخلي ، أصداء صراخي ترتد في حلقي ، وتبدو على وجهي الباهت،
أريد أن أصرخ وفحيح صراخي يذكـّرني :
انتبهي الصراخ ممنوع !!
وما دام الصراخ مختوماً بالشمع الأحمر ومحظوراً وأنا أحتاج إليه ، آه، إنه البكاء، تنتابني حاجة للبكاء
ولأول مرة أجد أنني أستطيع ممارسة شيءٍ من غير اعتراض، ولكنّه محدود بالصمت من غير إزعاج
ألتفت إلى الأريكة فأرى زوجَ أمي يجلس عليها يقلب بين يديه كتاباً ما ولا يبدو عليه أيّ قلق أو ما يشير إلى التوتر بأن شيئاً ما حدث.
تساءلت : هل ساءت حالة أمي ونقلت إلى المستشفى في غيابي ؟! أو قد تكون ماتت؟
لا.. فلم تكن فترة غيابي كافية لهذا، فهذه هي المرة الوحيدة التي أغيب فيها كل هذا الوقت
منذ أن أقعد الشللُ الكليُ أمي في الفراش
ومع ذلك ، شيء ما قد حدث رغم هدوئه، ولكن وهذا لا يعني أنه لم يحدث شيء يقلق
فاللامبالاة أصلاً من طباعه القاتلة
أذكر-قبل أعوام- يوم خرج الطبيب من غرفة أمي يخبره بشللها
وكأنه تلقى نبأ مولدها ، وأتذكر كيف انبعثت من ملامحه فرحة مكتومة حاول إخفاءها
واستطعتُ ببراءتي أن ألمحها في عينيه
فلقد تعودّتُ تقطيبة جبينه فكان من السهل علي رغم صغر سني
أن ألـْحظ أي تغيير على ملامحه مهما كان بسيطاً ،
ومنذ ذلك اليوم ما انفكـّت دموعي تنساب على وجهي ،
فهذا الشبح يزرعني في أرض البؤس ويجني ثمار بؤسي كل لحظة .
لا أحب الحديث إلى هذا الرجل لكنّني مضطرة لسؤاله : أين أمي ؟ أين أمي؟
ويجيبني .. مانعاً إياي دخول الغرفة ريثما يخرج الطبيب، متأهباً للحظة ضعف أرتمي فيها بحضنه
أجهش بالبكاء ليربتَ على ظهري : اطمئني لا تخافي لست وحدك
لكنني لا أمنحه هذه الفرصة ،فكتمت كل مشاعر ألمٍ بداخلي
حتى الأسئلة التي كان علي أن أسألها ، لا أريد أن أحصل على جوابها منه ،
فقلت في نفسي سأنتظر الطبيب، وأسمع منه تفاصيل حالتها.
وبدأت أترقّب لحظة خروجه، ومن الشـقّ الذي يفصل الباب عن الجدار أحاول أن أسمع شيئاً، أو أرى شيئاً
ولكنني لا أفلح، فجلست على كرسي بجانب باب الغرفة
أفرك يداً بيد أبدّد بهذا الاحتكاك غيظي وحيرتي
فكم كنت بحاجة أن أقرض الباب بأسناني لأسمع شيئاً ،
انتظرتُ ، ولم يعد بمقدوري الانتظار، ولم يكن بوسعي اقتحام الغرفة ورؤية الإجابات عن أسئلتي بأم عيني ،
كل ذلك لا أستطيعه حسب ادّعاءات ذلك الشيء الذي يجلس أمامي ،
كما كان يأمرني بعدم التدخل بأي أمر بدعوى إنه لا يخصّني ، فعندما كنت أراه يبطش وجه أمي بيده
فأحاول الدفاع عنها وأصرخ في وجهه علّه يرتدّ، كان يسكتني ويقول لي هذا لا يخصك، ويمارس رجولة أنامله على خدّي الصغير
فأرتدُّ للخلف عاجزة عن فعل أي شيء أو حتى عن قول شيء ،
فاستجمعت بعضاً من قوة وقلت في نفسي :
إن كان ضربه لأمي لا يخصني فلا شكّ أنَّ موتها يعنيني، وإن كنت البارحة صغيرة فأنا اليوم كبرتُ
وكبرتُ الجراحات بداخلي ، حتى الخوف ترعرع شبحه بداخلي من نظراته السخيفة
المسلطّة عليّ للالتزام بكل ما يأمرني به .
الآن أشعر بذرات الغضب تجتاح جمجمتي وتخترق أصداغي كرصاصة قاتلة ، ورغم هذا لا أستطيع التفوّهَ بحرف
تجمّلت بالصبر ريثما يخرج الطبيب وأنا أسـلّـي نفسي برفقة أفكاري،وقطرات المطر الجريئة تضرب النوافذ بقسوة فأحسّ بأنها أفضل مني لأنها استطاعت أن تقول شيئاً ، أوعلى الأقل يصدر عنها صوت ،
ربما صوت فرح أو تصفيق ألــم ..
وهذا نحيبي يختلط بأنـّات حبّات المطر،ربما شهقة الموت؟! ولكن أي موت؟!!!!!
لقد رأيتها تموت مرة حزناً على أبي ، ومرة تموت ندماً على ارتباطها بهذا الذئب،
رأيت شهقة الموت تخرج من جوفها في نهاية كل نقاش بينهما يتحول إلى صراع
وآخر مرة شهدت موتها عندما رأتني أبكي ممزّقة الثياب عندما هجم علي يراودني عن نفسي
أي موت؟؟؟
فـللموت أشكال وأحجام وألوان في هذا البيت الكئيب
الآن أسمع شيئاً كالأنين ، مـرّاً غريباً ، لم أعتد على سماعه ، له رائحة كرائحة الحناء ، له صوت أشبه بفحيح الأفاعي ، لم أعدْ أميّز الأصوات
فغمغمات الرعد تـنبعث في كل الأرجاء تدكّ أيّ هدوء يحاول أن يتسلّل إلى المكان
كل الأصوات شبيهة ببعض
طرطقة المطر وصلصلة الرعد وأنفاس الذئب المتصاعدة
وذلك الصفير المتسلل خفية من فتحات النوافذ المتكسّرة
يبعث في عضلاتي جنوناً هستيرياً فأحسّ بيدي تكبر وتكبر..
تستـل سكـّيناً من مكان ما ربما من بين جراحاتي، ربما من عظامي
وتضربه على رأسه ضربة تريحني من سماع أنفاسه ،
لكنه لا يموت حيّ يرزق ، حيّ يقرأ حيّ يـُعذّب ولا يتعذّب حيـّة تسعى.
طال انتظاري والأنين يشتدّ ويتصاعد يصفع النقاش مع ذاتي
فألتفتُ نحو الغرفة .
تأخّر الطبيب !!
الهواء يشهق بلا انقطاع والمطر يزداد شراسة ويزيد إحساسي بالبرد، وأنا اقبع داخل فستان مبلل لم أجدْ وقتاً لاستبداله، والذئب المثقف ما يزال يجلس على الأريكة
وقد أشرف الليل على أن يُحكم قبضته على رقبة النهار ليخنق ما تبقى من ضوء ،
يتقلب في المكان الذي طلبت أمي ذات يوم أن أنقلها إليه لأنها تحس بالرّاحة والصبر على البلاء
وهي تراني أمام عينيها لتكون رقيباً على تصرفات هذا العجوز المتوحش
لم أرغب يوماً بإعلامها بملاحقته لي حتى لا يزداد بؤسها، وحتى لا تزداد آلامها عفونة
لقد عرفتْ ذلك بنفسها ذات يوم وقد رأته يطاردني وأنا أهرب من مكان لآخر، رأته يلهث يتصبب عرقاً ككلب مسعور والبصاق يسيل من فمه، حزناً على فريسته التي ضاعت منه،
وهذا المشهد المروّع كان جرثومة مرضها المزمن، نعم لقد كانت تكره سريرها الذي جمعها ذات يوم به
الأنين يعلو ويهبط يتراقص كمؤشر البوصلة،كل شيء يعلو ويشتد، وهو يزداد هدوءاً يتصفح كتاباً أعرج
أحاول عن بعد أن أتمعّن الصورة التي على الغلاف، لم أرَ شيئاً محدداً، يـبدو وكأنـّه شبح امرأة شبه عارية
أزيح بنظري جانباً ومن خلال تلك الصورة، أستقرئ عنوان الكتاب الذي يقرأ ،فترتسم أمام عيوني حروفاً تـناسب الحالة فأترجم الصورة ، لا أقرأ ولا أعرف حتى أبسط الحروف
لقد كنت أحب المدرسة وأعشق منظر التلميذات وهن يحملن الحقائب ويلبسن الزي المدرسي الموحّد ،
كنت أقف على النافذة صباحاً وأنا أرى الطالبات إما ذاهبات أم غاديات إلى مدارسهن، فأبكي ضعف حالي وقلّة حيلتي، أحبُّ القراءة وتعلّمَ الحروف ... ولكن،،، حيث تبقى كلمة (لكن)
سداً أمام أي عمل جاد، ويبقى هذا الوحش رمزاً لتحطيم أي معنى للطموح
فكم مرة مزق كتاب القراءة الذي كنت أسترق لحظات غيابه
لأتصفـّح صوره، وأحاول مطابقتها على الحروف لعلـّي أتعلم شيئاً منه،
حتى العرائس اللواتي تلعب بهن الصغيرات لم يكن مصيرها سوى الركل والرفس كلما رآني ألهو بها مع أنها من صنع يدي ولم يكلفه ذلك شيئاً، إنه يكره أن يراني أفعل شيئاً يخصّني
فكل ما يحبه من تصرفاتي هو خدمتي المخلصة له ولأصدقائه ، وإفعام معدته بالطعام الذي أعدّه
أصرخ في وجهه : أكرهك ، أكرهك يا قاتل طفولتي يا ... يا ...يا ...
لكنّني لا أستطيع فقد يسمعني ، والكلمات تتأرجح في حلقي وتقف كخنجر مشرشر
إن أخرجته جرحني وان أبقيته آلمني.
يُقلّب صفحة أخرى من كتابه وينهمك في القراءة فأرى عينيه تتسلل من خلال صفحات كتابه
وتتلمس ساقيّ يتأمل وجهي ويبتسم، نظراته الحادّة تثقب فستاني تمزقُه لتصل إلى جسدي
فأجفل، وأتمعـّن الكتاب مرة أخرى لأقرأ شيئاً
نعم أستطيع أن أقرأ – كيف تصطاد النساء-
لا بد أنه يدرّب نفسه كيف يصطاد الفريسة ، ثم يرمي بها في واد الهلاك بداخله بعد أن يمتص دماءها.
يواصل تقليب الصفحات وكأن ما يحدث لأمي لا يعنيه ، والمطر لا يتوقف والطبيب ما زال يفحص أمي
وهو يتقلب على الأريكة ويتحسّسها ويحسب احتمال استيعابها لامرأة أخرى، يوهمها بحبه ثم يتزوجها ثم يقتلها بطريقته الخاصة.
نعم فلقد علمت أمي بعد زواجها بفترة أنه كان قد تزوج قبلها ثلاث مرات.
هززت رأسي لأنفض تلك الأفكار الغبية منه وسألت : تباً لي ، بم أفكر ؟! أين أمي ؟
هنا كانت تجلس قبل ساعة، وتباً لك أيها الوغد، لا بد أنك أنت السبب في حالتها التي آلت إليها في غيابي
ليتـني لم أخرج!! يراودني شعور غريب، حقد أسود يزداد سواداً يضاف إلى حقد قديم يتورم فيحمر فيزرق فيسود، كمثل الأورام التي في جسدي من كثرة الضرب
لمن الدور يا ترى ؟ لا بد أنني الضحية القادمة يكون مصيري كمصير السابقات،
رفعت عيني أتأمل قذارته وأعضائي تشكو البرد فيبتسم لي بخبث وكأنه يتابع افكاري... ويلتي !!
هل يسمعني؟؟ يخرج سيجارته ويهم بإشعالها فيأمرني بفنجان من القهوة، طبعاً لا أستطيع الرفض،
ولمَ الرفض؟! راضيت نفسي بالموافقة فقلت لها : سألهيك ريثما يخرج الطبيب
أخلع نفسي عن الكرسي وقد التصقت به ، وأسير إلى المطبخ عبر ممر كئيب حزين معتم كدهاليز السجون
فتمرّ بخاطري ذكرى طازجة حدثت البارحة ، هنا أمسك بيدي وضغط عليها قائلا:
لا تقولي أنت مثل أبي أنا لست أباك، وعيناه جاحظتان تخرج من تجويفهما تقرضني وتعود إلى مكانها،
وأخيرا وصلت المطبخ، وكأنني قطعت رحلة صحراوية شاقةعلى ظهر سلحفاة تـتبختر وكلي يتأرجح والدوار يأخذني، وما تبقى مني يريد أن يهوي ساقطاً،
لم يبق في أحداقي دموع أستعين بها على ضعفي، أذيب بها طبقة من طبقات الألم المتراكم،
أُسرع في استحضار القهوة، خوفاً من أن يخرج الطبيب في غيبتي فتفوتني كلمة عن حالة أمي
أرفع الإبريق عن النار أتمالك نفسي،أخشى السقوط خوفاً من أن يقع مني شيء ينكسر فأعاقب على سقوطه،
حملت القهوة وعدت مسرعة أعبر الممر وصحن القهوة يتراقص بين يدي وكأنه هو الذي يحملني،
وبخطوات متثاقلة سرت نحوه وقدمت القهوة، من غير أن أنظر إليه، وتهالكت على الكرسي انتظر
فالانتظار هو مهمتي هذا اليوم يتخلله ذكريات مسمومة،
في ديسمبر يداهم البردُ كل شيء حتى إحساسي بالحياة ورغبتي في البقاء، فالمح دفتر التقويم المعلق على المقابل يتدلى حزيناً تتمزق صفحاته بسرعة البرق، وإحساسي باقتراب نهايتي مثله تماماً
على كل ورقة تمزق وتُطرح في سلة النفايات كنت أقول معها:أكرهك
على كل ورقة تقذف الى عالم الأموات كانت أمي تقول : طلقني أرجوك
الأنيـن داخل الغرفة يتهادى
أنتظر وأنتظر وأعضائي ينفر منها الدفء ، ومع الانتظار أجدد كراهيتي لبلادته ورجولته المصطنعة
برغم كبر سنه وانحناءة ظهره التي تعلن عن عجزه، فتجاعيده المحفورة حول عينيه تنذر بمستقبل مرعب موحش،
كم أكره المستقبل كما أكره الماضي
وأسأل : ماذا يمكن أن يحصل لو ماتت أمي؟! ربما أكون زوجته أحضّر له الفطور ويناديني
يعوي سعالاً كعادته من كثرة التدخين :
يا غبية أيـن الماء الساخن ؟ فكل شيء مطلوب مني، فالماء الساخن ضروري لغسل وجهه وعينيه
وتطهيرها من نظراته السافلة
ثم أحضّر الطعام ليأكل وأقتات أنا من علقم قسوته ثلاث وجبات يومية
تماماً كما وجبات الطعام في البيوت الخالية من الثقوب، وربما تزداد الوجبات مستقبلاً
وربما يكون لي طفلة ويلاحقها وأصاب بالشلل وأموت.
هنا زمجرت بزعقة خرجت مني رغماً عني
وكأني أشهد الموت حقاً
فصحوتُ من غفلتي على توقف المطر
توقف المطر وتهالك الزمهرير وكلّ الأنين بداخل الغرفة المغلقة
وتحوّل فجأة إلى زفرة واحدة لا أكثر
أسرعتُ اندفع نحو الباب والطبيب يخرج وقد ترك الباب مفتوحاً، لم أسأل
توجهتُ نحو السرير لأرى أمي جسداً مسجى مغطى بلا أنين.
أدركتُ أن أمي قد انتهت انتهت !!
فأبـكي .. وأبـكي إذ لا وقت للبكاء، أمي ماتت وعليّ أن أفكر، تقيدني فكرة الهروب قبل أن ينقض علي ويفـترسني ولكن ، كيف سأغادر؟؟ وإلى أيـن؟ والعالمُ كلُه رجل .
يا الهي !!أكاد أفقد النطق ، ماذا أفعل ؟؟
لقد ماتت أمي لأتعذب ، وأبقى هنا وحدي وحدي!
لا لست وحدي
( بقلمي )
...إلى هنا
تحية... ناريمان الشريف
تعليق