[align=center]نجاة[/align]
[align=justify]أشعر الآن بالراحة.... بكلمة واحدة تخلصتُ من مشاكل زوجتي وأخيها غير المتناهية... ضميري لا يُأنبني تجاهها.... طلاقنا كان أمرا حتميا....فلم نكن على وفاق منذ البداية.... فكم استغلتني هي وأخيها المُقامر السكير.... لم أكن بالنسبة لهما أكثر من حساب مفتوح في بنك.... تسحب منه كيفما تشاء وتصرف على أخيها الفاسد..... الذي كان سيفا مسلطا على رقبتي... دائما ما كنت أُعاني من إجرامه وتهديده المستمر... مرة بخطف الأبناء... ومرة بالقتل... كثيرا ما طلبت منها أن ندخله لمصحة.... لكنها كانت تخاف على اسم عائلتها أكثر من خوفها على تماسك أسرتنا....
وكثيرا ما كانت تهددني بترك البيت.... لم أكن أحب أن أتسبب في شرخ في حياة أبنائي... لذلك قررتُ الاستمرار معها من أجل ابنائي.... وأعلم جيدا أنها كانت تستغل تلك النقطة.... لكن الطلاق كان مشروعا مؤجلا....
أما الآن فأبنائي ليسوا في حاجة لي... فقد شقوا طريقهم في الحياة... وعلىّ الآن أن أعيش حياة هادئة، بعدما أديت رسالتي على أكمل وجه تجاههم....علىّ الآن أن أُخطط لحياتي الآتية.... الأجواء ساكنة ولا أحد يزعجني.....
جرس التليفون يرن.... لأرد على التليفون وأذهب إلى فراشي لأنعم بقسطا من النوم الهادئ.....
من المتحدث....
سأقتلك... سأقتلك.... تجرأت وطلقت أختي....كنت تظن إنك عندما تبلغ عني الشرطة وتسجنني .... يخلو لك الجو.... الحساب عسير.....نهايتك على يدي...
يدي ترتعش... وقعت سماعة التليفون.... قلبي يخفق بشدة... دوي كلماته يكاد تصم أذني.... لكني لم أظلمه....فقط ابعدت شره عني....
الخوف عاد ليتسلل إلى داخلي مرة أخرى... هذه المرة أنا متأكد من أنه سوف ينفذ تهديده....أصبح شأني شأن الهارب من ثأر.... أو المنتظر حكم الإعدام.... كلايهما ينتظر الموت....
بعد لحظات من الصمت قمت من مكاني مهرولا لأصلي ركعتين لله... وبعد الصلاة دخلت إلى فراشي والسكينة تملأ قلبي... والخوف والذعر لا وجود لهما بداخلي.
وبعد سُبات عميق استيقظتُ مع شروق الشمس... شيئا ما دفعني للخروج من منزلي... وعلى غير هدى خرجت من منزلي لا أعلم إلى أين أذهب... مرة أخرى وكأن صوتا يهمس في أُذني... أتجه يا خالد إلى شاطئ البحر....
الجو شديد البرودة، الرياح عاصفة، السماء ملبدة بالغيوم، والصوت مازال يتردد... إلى الشاطئ يا خالد ... إلى الشاطئ يا خالد....
بعد دقائق وصلت إلى الشاطئ... المكان خالي تماما من البشر... أعجاز النخل تتعارك مع الرياح... البحر غاضب وثائر... المنظر كئيب.... جلستُ على كورنيش البحر وأعطيت ظهري للبحر... هبت موجة عاتية ولطمتني على ظهري... كأنها تقول لي... لا تدير وجهك عني...
وقفت أمام البحر وظللت أنظر تارة إلى البحر الثأثر وتارة إلى السماء الغاضبة.... أغمض عيناي من البرق، وصوت الرعد يصم أذناي... هواجس تدور بداخلي... صراع لا حد له... أفكارا تتصارع في عقلي ابني الصغير من زوجتي الجديدة... التي تنتظر أن نُعلن زواجنا... أخوتي الثلاثة المعاقين.... لمن أترك هؤلاء....علىّ أن أُصارع الزمن...أُصارع اللحظات الأخيرة لتأمين حياة هؤلاء.... من يرعاهم من بعدي... والموت يدنو....
بدأ المطر ينهمر... رفعت يداي ووجهت وجهي لفاطر السماوات قائلا: " الأمر لله وحده" وجهي تبلل بقطرات المطر....
سافر الغمام...ابتعد المزن المحمل بالمطر......عيناي مثبتتان نحو السماء... وزني خف أصبحت كالريشة.... فقدت السيطرة على نفسي...أشعر وكأني مجذوبا نحو السماء ....
وفجاءة طلت من عنان السماء هالة نور تشبه القمر انشقت نصفين... كُتب على نصفها الأيمن بحروف نورانية... "كُتبت النجاة"
اقشعر بدني من الرهبة... لم أصدق ما تراه عيناي... ظللت أُهرول يمينا ويسارا... ثم أُعاود البصر إلى السماء فأرى تلك الهالة التي يشع منها النور..
سرتُ قرابة ساعة أتجول في الشوارع ... منجذبا نحو السماء ... حتى توقفت قدماي أمام مسجد أبي العباس المرسي...انتبهت حولي وجدت جموع المصلين تهرول .... بواكير خطبة الجمعة تتصاعد من مكبرات الصوت وتملأ أرجاء المكان رهبة وخشوع....
جلست بين المصلين استمع لخطبة الجمعة في خشوع .... كلام الخطيب كان مؤثرا .... انذرفت دموعي مع دعاء الخطيب بالنصر للمسلمين والمجاهدين في كل مكان....
رأيت الحقيقة كاملة أمام عيناي.... شعرت بأن مصيبتي ضئيلة سوف أترك أسرة واحدة تتشرد... وهناك آلاف الأسر قد تشردت في فلسطين والعراق... مواطنون صامدون والأخطار تحدق بهم من صوب وجهه....
بعد صلاة الجمعة انتشرت جموع المصلين .... ترددت في أن أحكي ما رأيت للشيخ.... لكني صليت ركعتين شكر لله وبعدما قمت من الصلاة لم أجد الشيخ...
خرجت من المسجد متوجها نحو بيتي.... لم أعد أخشى الموت.... عندما وصلت إلى منزلي أخبرني جاري أن أخو طليقتي – القادم من القاهرة لقتلي- ضربته سيارة وهو يعبر الطريق...
علمت أن القدر ينذرني... فالموت سوف يدق الباب فجأة لا محالة...علىّ ألاّ أسر في هذه الحياة اعتباطا...لا يكفي أن يعيش المرء حياته - حتى ولو كانت مستقيمة- دون أن يعد نفسه ليوم الحساب... حتى ولو كان يؤدي ماعليه من فروض.... صلاة... صوم... وزكاة...
حتى دوره في أسرته.... لا يكفي أن يعيش أبا و أخا وزوجا....فالحياة رسالة أكبر من ذلك.... الآن قد أدركت وجها آخر للحكمة من وجدي في هذه الحياة.....
لم أُنقذ من الموت بقدر ما أُنقذت من الأنانية واللامبالة....
[/align]
تعليق