جوهر حرية الرأي .. والانسداد العقلي لدى بعض المثقفين !!
بقلم : نبيل عودة
بقلم : نبيل عودة
هل هناك حدود لحرية الفكر والراي ؟
هل هناك من فكرة مقدسة لا يمكن نقدها او انتهاكها ؟
ما هو الفرق ما بين الحرية والتحررية ؟
وما الفرق بين الرأي والقدح والذم ؟
حرية الرأي الشخصية للأنسان تتحدد بدرجة معقوليتها . بمعنى انه لا يوجد شيء مطلق .والا تحولنا الى فوضى وهمجية .
يقول هيغل : " ان الحرية هي وعي الضرورة ". اما الماركسية فرؤيتها ان وعي الضرورة هو شرط هام للوصول الى الحرية.
الحرية هي نشاط ينبع من وعي الانسان وايمانه بهدف. من الصعب أن أقول ، انها مطلقة ، لأن كل شيء نسبي في الحياة ..
السؤال: هل يعي المتحاور نسبية الوعي ( وعيه أيضا ) ؟ وهل يعي الانسان انه لا يملك لوحده كل المعرفة ؟ وأن الآخرين ليسوا أقل شأنا منه ؟ وأن ادعاء المعرفة الكاملة ، هي حالة مرضية وليست ذكاء ؟؟
الأفكار المقدسة ؟
التناقض الأساسي هنا هو مع نسبية الحقيقة . هل نستطيع ان نقول انه توجد حقيقة مطلقة؟ او يوجد موقف فكري مطلق صحيح في كل الظروف ؟ وانه يوجد انسان مطلق ، من طينة خاصة - كما وصف ستالين الشيوعيين في زمنه ، وظلت هذه الفكرة الستالينية الغبية والمدمرة سائدة حتى أيامنا الراهنة ، ليس بين بعض الشيوعيين المتحجرين فقط ، بل وأضحت عقيدة للكثير من الحركات القومية والدينية .
اذا وجدت حقيقة مطلقة فهي مقدسة اذن ... ولا اعني حقائق الدين فقط .. حتى المجانين يؤمنون ان حقائقهم مقدسة ولا تناقش.
ما هي الحقيقة ؟ لنأخذ العلوم نموذجا لأن قوانين العلوم شرحها أسهل . قانون الجاذبية مثلا هو حقيقة علمية مطلقة. بينما النظريات العلمية يمكن ان تتغير وفيها جوانب ما تزال خاضعة للبحث والفحص والتطوير ،اذن هي حقيقة نسبية وليست مطلقة . وهناك فرضيات ، وهي ما دون النظرية العلمية .. وهي مجرد طرح فكري يعتمد على الظواهر ، وتحتاج الى براهين علمية قبل ان ترقى لمستوى النظرية العلمية ، وقد لا يثبت منها شيئ بعد اخضاعها للحقائق العلمية.
العقائد والحقيقة المطلقة .
جميع العقائد تؤمن بحقائق مختلفة مطلقة ، والإيمان لا ينبع من معرفة علمية ... او من تحصيل دراسي . انما من ثوابت اجتماعية وعقلية متوارثة. وكل محاولة لإثبات الحقيقة المطلقة لعقيدة ما تبقى حقائق تدور في اطار القناعة الشخصية والجماعية غير المبررة علميا مثل النظريات العلمية ( النسبية ، قانون الجاذبية ، وحدة وصراع الأضداد وغيرها ).
الذي اريد ان أشير اليه هو ان المتحاور الذي يؤمن أن الحقيقة كلها الى جانبه ، حواره سيكون حوارا مع أطرش .. وهذا يستحسن تحييده وعدم حواره . المفترض بالمحاور الانتباه للرأي الآخر باحترام نسبي على الأقل ، وليس الرد التلقائي بدون تفكير تمسكا ب "العبقرية " الذاتية التي تغذي أوهام تملك الحقائق المطلقة .. وبالتالي هي ظاهرة للإنسداد العقلي والتحجر الفكري وعدم القدرة على الاندماج بحركة الثقافة واندفاعها الذي لا ينتظر المقعدين المقتنعين انهم وصلوا قمة المعرفة ، بجهل عظيم ان المعرفة تبقى نسبية وجزئية ، مهما اتسعت واتسع ادراكنا لحقائقها الجديدة.
لا يوجد في الفكر والعلوم بمختلف مجالاتها ، مقدسات لا يمكن نقدها او اخضاعها للبحث.
الفرق بين الحرية والتحررية ، هو الفرق بين الوعي والجهل . الواعي يعرف المساحة التي يستطيع ان يتعامل معها باحترام لوعي الآخرين ووجهات نظرهم وعقائدهم ، بينما التحررية هي الفوضى العارمة وغياب الرأي الواضح أو الطرح العقلاني.. أو الاحترام للإختلاف الطبيعي والضروري للمعرفة والتطور .
قرأت طروحات في الفترة الأخيرة حول حرية الراي والحوار ، أثرتني جدا .. وتتعلق أيضا بحق الرأي وحق الاختلاف ومساحة حرية الرأي.. وحالة الفكر العربي بشكل خاص . ويبدو لي ان الكثير من المثقفين العرب هم شبه أميين لا يقرأون الا أنفسهم .. لا يطورون معارفهم ، لا يوسعون آفاقهم . كنت أظن انها ظاهرة مستفحلة في ثقافتنا العربية الفلسطينية داخل اسرائيل فقط ، ولكن الأسابيع الأخيرة تكشف لي واقعا مستهجنا ومؤلما على المستوى العربي العام .. القراءة لم تعد صفة للمثقفين . . الا لقلة منهم . هذا لا يحتاج الى عباقرة لكشفة ، يصرخ من جملتهم الأولى ، وبغض النظر ان كانت جملة شعرية أو قصصية أو موقف ..
كما قلت ، كل شيء في عالمنا نسبي.. وما يحكم الحرية والأخلاق في حقبة تاريخية معينة ، ليس نفسه في حقبة تاريخية أخرى.
ما يحكم المواقف والتعبير عنها في ظروف سياسية ، قومية ، دينية أو اجتماعية ، ليس نفسه اذا اختلفت الظروف.
آمل ان كلماتي تفهم ، رغم انها مستقاة من فلسفتي في الحياة ، المركبة لي أيضا ، والتي تشغلني وتقلقني كثيرا عند صياغة مواقفي.
المثقف هو انسان مسؤول أولا.. وليس مجرد صاحب رأي أو مجتر لآراء القيمين عليه .. قد يكون رأيه صحيحا ولكن اسلوب طرحه خاطئ أو توقيته خاطئ. .. او بعيد عن مشاكل مجتمعه ، خاصة في حالة الاجترار والتقليد بلا وعي وبلا معرفة ...
الذي لا يعرف متى يجاهر برأيه في الوقت الصحيح ، لديه اشكالية في قدرته على فهم الحدث باطاره التاريخي.. .والانتباه لتوقيت الطرح ولا أقول محدوديته ، لأن القانون لا يقيد الفكر ، الفكر هو الذي يصنع حدوده ومساحة طرحه واسلوبه وشرعيته. . ونحن ندرس التاريخ ليس لنعرف متى ولد نابليون ومتى مات .. او سيرة غيره من الزعماء وتاريخ صعود وسقوط الدول .. انما لنعرف تجارب هذه الدول ، الأفكار التي حركتها ، واحتمالات الصواب والخطأ لنثري معارفنا ونرقى بها. ولنجعل من التاريخ تجربة فكرية نتعامل بها بناء على تطور معرفتنا من سياق التاريخ ، لنطبقها على حالات تتماثل في حراجتها وأهميتها ومصيريتها مع ما نواجهه في واقعنا .
الموضوع .. حرية الرأي لا يمكن تلخيصه بجملة أو قانون .. بل بحركة الحياة والرقي الفكري والتعليمي والثقافي والعلمي والبحثي للمجتمع ولأفراد المجتمع ولأصحاب الرأي بالتحديد الذين يشكلون العنصر الفعال في تكوين الرأي العام الاجتماعي. وبالطبع لا يمكن تجاهل مساحة الحرية الاجتماعية والسياسية داخل دولنا ..
اذن هي مسؤولية ليست سهلة .. وألد اعداء هذه المسؤولية هو الوهم ان ما أطرحه " انا " هو الصواب نفسه .
الانفتاح على الرأي الأخر هو الحل وهو النهج الذي يضمن الاحترام المتبادل وعدم التشهير بين أصحاب الرأي. وأظن ان التلخيص الأنسب لكل هذا النقاش يمكن تحجيمة بمقولة واحدة : عاش العقل !!
نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي فلسطيني
nabiloudeh@gmail.com
هل هناك من فكرة مقدسة لا يمكن نقدها او انتهاكها ؟
ما هو الفرق ما بين الحرية والتحررية ؟
وما الفرق بين الرأي والقدح والذم ؟
حرية الرأي الشخصية للأنسان تتحدد بدرجة معقوليتها . بمعنى انه لا يوجد شيء مطلق .والا تحولنا الى فوضى وهمجية .
يقول هيغل : " ان الحرية هي وعي الضرورة ". اما الماركسية فرؤيتها ان وعي الضرورة هو شرط هام للوصول الى الحرية.
الحرية هي نشاط ينبع من وعي الانسان وايمانه بهدف. من الصعب أن أقول ، انها مطلقة ، لأن كل شيء نسبي في الحياة ..
السؤال: هل يعي المتحاور نسبية الوعي ( وعيه أيضا ) ؟ وهل يعي الانسان انه لا يملك لوحده كل المعرفة ؟ وأن الآخرين ليسوا أقل شأنا منه ؟ وأن ادعاء المعرفة الكاملة ، هي حالة مرضية وليست ذكاء ؟؟
الأفكار المقدسة ؟
التناقض الأساسي هنا هو مع نسبية الحقيقة . هل نستطيع ان نقول انه توجد حقيقة مطلقة؟ او يوجد موقف فكري مطلق صحيح في كل الظروف ؟ وانه يوجد انسان مطلق ، من طينة خاصة - كما وصف ستالين الشيوعيين في زمنه ، وظلت هذه الفكرة الستالينية الغبية والمدمرة سائدة حتى أيامنا الراهنة ، ليس بين بعض الشيوعيين المتحجرين فقط ، بل وأضحت عقيدة للكثير من الحركات القومية والدينية .
اذا وجدت حقيقة مطلقة فهي مقدسة اذن ... ولا اعني حقائق الدين فقط .. حتى المجانين يؤمنون ان حقائقهم مقدسة ولا تناقش.
ما هي الحقيقة ؟ لنأخذ العلوم نموذجا لأن قوانين العلوم شرحها أسهل . قانون الجاذبية مثلا هو حقيقة علمية مطلقة. بينما النظريات العلمية يمكن ان تتغير وفيها جوانب ما تزال خاضعة للبحث والفحص والتطوير ،اذن هي حقيقة نسبية وليست مطلقة . وهناك فرضيات ، وهي ما دون النظرية العلمية .. وهي مجرد طرح فكري يعتمد على الظواهر ، وتحتاج الى براهين علمية قبل ان ترقى لمستوى النظرية العلمية ، وقد لا يثبت منها شيئ بعد اخضاعها للحقائق العلمية.
العقائد والحقيقة المطلقة .
جميع العقائد تؤمن بحقائق مختلفة مطلقة ، والإيمان لا ينبع من معرفة علمية ... او من تحصيل دراسي . انما من ثوابت اجتماعية وعقلية متوارثة. وكل محاولة لإثبات الحقيقة المطلقة لعقيدة ما تبقى حقائق تدور في اطار القناعة الشخصية والجماعية غير المبررة علميا مثل النظريات العلمية ( النسبية ، قانون الجاذبية ، وحدة وصراع الأضداد وغيرها ).
الذي اريد ان أشير اليه هو ان المتحاور الذي يؤمن أن الحقيقة كلها الى جانبه ، حواره سيكون حوارا مع أطرش .. وهذا يستحسن تحييده وعدم حواره . المفترض بالمحاور الانتباه للرأي الآخر باحترام نسبي على الأقل ، وليس الرد التلقائي بدون تفكير تمسكا ب "العبقرية " الذاتية التي تغذي أوهام تملك الحقائق المطلقة .. وبالتالي هي ظاهرة للإنسداد العقلي والتحجر الفكري وعدم القدرة على الاندماج بحركة الثقافة واندفاعها الذي لا ينتظر المقعدين المقتنعين انهم وصلوا قمة المعرفة ، بجهل عظيم ان المعرفة تبقى نسبية وجزئية ، مهما اتسعت واتسع ادراكنا لحقائقها الجديدة.
لا يوجد في الفكر والعلوم بمختلف مجالاتها ، مقدسات لا يمكن نقدها او اخضاعها للبحث.
الفرق بين الحرية والتحررية ، هو الفرق بين الوعي والجهل . الواعي يعرف المساحة التي يستطيع ان يتعامل معها باحترام لوعي الآخرين ووجهات نظرهم وعقائدهم ، بينما التحررية هي الفوضى العارمة وغياب الرأي الواضح أو الطرح العقلاني.. أو الاحترام للإختلاف الطبيعي والضروري للمعرفة والتطور .
قرأت طروحات في الفترة الأخيرة حول حرية الراي والحوار ، أثرتني جدا .. وتتعلق أيضا بحق الرأي وحق الاختلاف ومساحة حرية الرأي.. وحالة الفكر العربي بشكل خاص . ويبدو لي ان الكثير من المثقفين العرب هم شبه أميين لا يقرأون الا أنفسهم .. لا يطورون معارفهم ، لا يوسعون آفاقهم . كنت أظن انها ظاهرة مستفحلة في ثقافتنا العربية الفلسطينية داخل اسرائيل فقط ، ولكن الأسابيع الأخيرة تكشف لي واقعا مستهجنا ومؤلما على المستوى العربي العام .. القراءة لم تعد صفة للمثقفين . . الا لقلة منهم . هذا لا يحتاج الى عباقرة لكشفة ، يصرخ من جملتهم الأولى ، وبغض النظر ان كانت جملة شعرية أو قصصية أو موقف ..
كما قلت ، كل شيء في عالمنا نسبي.. وما يحكم الحرية والأخلاق في حقبة تاريخية معينة ، ليس نفسه في حقبة تاريخية أخرى.
ما يحكم المواقف والتعبير عنها في ظروف سياسية ، قومية ، دينية أو اجتماعية ، ليس نفسه اذا اختلفت الظروف.
آمل ان كلماتي تفهم ، رغم انها مستقاة من فلسفتي في الحياة ، المركبة لي أيضا ، والتي تشغلني وتقلقني كثيرا عند صياغة مواقفي.
المثقف هو انسان مسؤول أولا.. وليس مجرد صاحب رأي أو مجتر لآراء القيمين عليه .. قد يكون رأيه صحيحا ولكن اسلوب طرحه خاطئ أو توقيته خاطئ. .. او بعيد عن مشاكل مجتمعه ، خاصة في حالة الاجترار والتقليد بلا وعي وبلا معرفة ...
الذي لا يعرف متى يجاهر برأيه في الوقت الصحيح ، لديه اشكالية في قدرته على فهم الحدث باطاره التاريخي.. .والانتباه لتوقيت الطرح ولا أقول محدوديته ، لأن القانون لا يقيد الفكر ، الفكر هو الذي يصنع حدوده ومساحة طرحه واسلوبه وشرعيته. . ونحن ندرس التاريخ ليس لنعرف متى ولد نابليون ومتى مات .. او سيرة غيره من الزعماء وتاريخ صعود وسقوط الدول .. انما لنعرف تجارب هذه الدول ، الأفكار التي حركتها ، واحتمالات الصواب والخطأ لنثري معارفنا ونرقى بها. ولنجعل من التاريخ تجربة فكرية نتعامل بها بناء على تطور معرفتنا من سياق التاريخ ، لنطبقها على حالات تتماثل في حراجتها وأهميتها ومصيريتها مع ما نواجهه في واقعنا .
الموضوع .. حرية الرأي لا يمكن تلخيصه بجملة أو قانون .. بل بحركة الحياة والرقي الفكري والتعليمي والثقافي والعلمي والبحثي للمجتمع ولأفراد المجتمع ولأصحاب الرأي بالتحديد الذين يشكلون العنصر الفعال في تكوين الرأي العام الاجتماعي. وبالطبع لا يمكن تجاهل مساحة الحرية الاجتماعية والسياسية داخل دولنا ..
اذن هي مسؤولية ليست سهلة .. وألد اعداء هذه المسؤولية هو الوهم ان ما أطرحه " انا " هو الصواب نفسه .
الانفتاح على الرأي الأخر هو الحل وهو النهج الذي يضمن الاحترام المتبادل وعدم التشهير بين أصحاب الرأي. وأظن ان التلخيص الأنسب لكل هذا النقاش يمكن تحجيمة بمقولة واحدة : عاش العقل !!
نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي فلسطيني
nabiloudeh@gmail.com
تعليق