المُدَمْدِمْ
جلس على الكرسي القريب من النافذة، يتطلع بعيون ثاقبة إلى الشارع يتفحصه بعين الرقيب ويرسم مخططه النهائي.
نظر إلى السيارات المكتظة بالزحام الخانق وهو يتمتم بينه وبين نفسه عن موقعه ( الثمين ) الذي يطل على التقاطع الرئيسي، والفرحة تملأ قلبه لأن الصيد سيكون سهلا.. هكذا حدث نفسه..
أخرج من حقيبة عدته التي يسميها ( عدة صيدي الثمينة ) قناصته وصار يتحسسها بعد أن أكمل تركيبها، وهو ينظر إليها بعين الإعجاب ثم وضعها على صدره وكأنه يحتضنها، تنفس بعمق شديد وهو يقول:
- لنتوكل على الله حبيبتي.. فاليوم سيكون مشهودا.
بقي في مكانه متربصا، ويده تحتضن قناصته التي أخرج فوهتها من خلال فتحة صغيرة من شباك الغرفة، وعيناه ملتصقتين بمنظارها ينظر إلى الناس من خلال عدستها وهم يمرون عند عبور الشارع.. وشعور عميق بالحزن يخالجه ووجوههم المثقلة بالهموم تحكي ألف قصة عذاب، وأعينهم التي أذبلتها شدة الحياة ووطأتها، تعلن مدى معاناتهم تحت ظل الاحتلال..
لعن الاحتلال ومن جاء فيهِ، وتمتم بكل ما تعلم من كلمات الشتيمة والسب، وكان هذا سببا لأن يكنيه رفاقه ( بالمُدمْدِم ).
مرت سيارة سوداء تخدش حياء الإسفلت بقسوة وفظاظة، تحيط فيها الكثير من السيارات المظللة المليئة بالمسلحين، و رجال حمايتها يخرجون أجسادهم من نوافذها، يصوبون فوهات غداراتهم صوب المارة، إمعانا في إرهابهم..
أطلق البعض منهم إطلاقات نارية في الهواء كي يبعدوا السيارات والمارة القريبين منهم، و موجة من الغضب الشديد اجتاحته لمنظر الناس وهم يتطافرون هربا من رصاصات طائشة قد تودي بحياتهم، في ظل الفوضى العارمة التي اجتاحت عاصمة أول مسلة للقانون في التاريخ.. لتعلن أحكام الغابة شريعة للحكم.. ويرثي حمورابي مسلته، وينشر خبر نعيها.. ليطغى صوت الباطل ويخرس صوت الحق.. والمسلحين يطلقون النار عشوائيا.. دون رادع، أو وخز ضمير.
توسط قرص الشمس السماء المتخمة بأدخنة التفجيرات، والغبار المتصاعد من الأبنية الكثيرة المنهارة، وعيناه مازالتا ملتصقتين بناظور قناصته، والعرق ينصب من جبينه، وينزل على عينيه فيمسحها بطرف إصبعه كي لا تفوته نظرة تفقده ( طريدته الثمينة ).
ساعتان مرت وهو مازال مسمرا في مكانه.. لم يتزحزح.. وحرارة الشمس لفحت وجهه من خلال زجاج النافذة، لتزداد سخونة الجو أكثر حتى ابتلت ملابسه بالعرق، واصبعه على الزناد لم يحركه وإحباط خفيف يعتريه حين شعر أن الوقت قد طال.. وإن هذي العملية ربما ستفشل!
خفق قلبه بسرعة يلامس شغافه بعض الفرح المشوب بالترقب والرهبة.. حين سمع هدير أصوات محركات ضخمة.. تقترب رويدا رويدا.. فمسح عينه لآخر مرة.. وانتظر.
أقبل رتل مدرعات الاحتلال وتوقف عند ناصية الشارع كالمعتاد، ونزل الجند وهم يصوبون فوهات غداراتهم نحو السابلة تحسبا من هجوم المقاومين، وهم يظهرون فجأة ويختفون.. مثل لمح البصر.. وبعد أن اطمئن الجند من خلو الشارع، أنزلوا اسلحة وصاروا يتبادلون الحديث قرب احدى المدرعات..
صوب ( المتمتم ) قناصته نحو أطول جندي فيهم، مسددا ( الفرضة والشعيرة) على جبهته.
سحب نفسا طويلا ثم قطع الأنفاس.. وحين أراد أن يضغط على الزناد، انحنى الجندي ليخرج شيئا من جعبته.. تمتم ( المُدَمْدِ مُ) في عصبية وحقد والغيض يملأ صدره حنقا، لكنه تذكر أن عليه أن لا ينسى.. قدرة الله.. فتعوذ من الشيطان الرجيم.. وصار يقرأ آيات من القرآن الكريم.
رفع الجندي الطويل قامته مرة أخرى.. فهمس المدمدم، باسمك اللهم، اللهم سدد رميَّ.. وقطع أنفاسه مرة أخرى.. ثم أطلق رصاصته.
سقط الجندي بعد أن ترنح يمينا وشمالا .. خار للحظة.. ثم سكت.. ورفاقه الغارقين في الضحك، لم يفقهوا الأمر في البداية إلا إن الدخان الذي تطاير من مؤخرة رأسه وسقوطه المفاجئ أرعبهم.. فساد الهرج والمرج، وملأت الفوضى المكان وهم يطلقون النار عشوائيا على البنايات والأسطح، ويتدافعون فيما بينهم.. للاختباء.
ساد الرعب أجواء المنطقة والناس يتطافرون هربا، وترك أصحاب السيارات سياراتهم وسط الشارع، يحتمون من الرميٍ العشوائي خلف الأعمدة.. و
على حين غرة ومن بين أحد الأزقة الضيقة في المنطقة، خرج أربعة مسلحين، صاروا يرشقون قوات الاحتلال بإطلاق نيران كثيفة، لتأمين انسحاب ( المُدَمْدِمْ ).. وقتل من يستطيعون قتله من الجند.
نزل ( المتمتم ) السلم بسرعة خاطفة، وخرج من الجهة الأخرى إلى الشارع، كأنه عابر سبيل..
لوي رجله اليمين وسار بطريقة عرجاء.. ولويّ يده اليمين.. فبدا وكأنه معوق مصاب بتخلف.
وقف قرب شرطي يسأله بصوت متلعثم، ولعابه يسيل من فمه ليتناثر على وجه الشرطي..رذاذا.
- مم اذ ا هن اااك
نظر إليه الشرطي نظرة تقزز واللعاب يسيل من فمه ويتناثر في الهواء، فدفعه بيد وفي الأخرى مسح اللعاب عن وجهه.. يصرخ في وجهه بصوت ملول:
- اذهب أنت الآخر، ألا ترى الأميريكان وهم يطلقون النار على كل من هب ودب، اختبئ أيها المعوق الأحمق، هيا بسرعة قبل أن تأتيك رصاصة طائشة تزيد إعاقتك.
مشى مشيته العرجاء، وعيناه تومض بوميض متألق وقلبه يخفق فرحا، يغمره شعور بالسعادة القصوى، فهذا هو الجندي رقم مائة الذي ( قنصه )
إنه الرقم الماسي.
تنهد بعمق، واختفت فرحته وهو يستذكر وجوه مئات الضحايا الذين أزهقت أرواحهم بلا رحمة ودون ذنب اقترفوه.. استباح القهر قلبه واعتصرت الأحزان روحه على أبناء جلدته.. والظلم يستبد بهم.. فغلف وجهه الأسمر الوسيم.. ظل غم عميق.
ابتعد عن المكان كثيرا، بعد أن دخل وخرج من شوارع فرعية كثيرة، فأدار رأسه للخلف يستطلع المكان.. ثم اعتدل في مشيته.. تذكر رفاقه وهم يغطون انسحابه في هجومهم المباغت على قوات الاحتلال، وهو يسمع صوت تراشق النيران مازال مستمرا.. فعلت وجهه ابتسامة خفيفة .. وهو يتخيل موقف جنود الاحتلال من عملية ( القنص).. وهجوم رفاقه.. تمنى لو أنه كان هناك يراهم بأم عينه وهم يختبئون داخل مدرعاتهم، خوفا ورعبا من المقاومين.. تمتم بوله عاشقٍ.. إنشودته الوطنية المفضلة التي قضى ثمانية أعوام، وهو ينشدها:
( إحنه مشينه مشينه للحرب .. عاشق يدافع من أجل محبوبته .. واحنه مشينه للحرب .. هذا العراقي العراقي من يحب .. يفنى ولا عايل يمس محبوبته .. واحنه مشينه للحرب )
( المُدَمْدِمْ) كلمة باللهجة العراقية .. وتعني ( المتمتم)
( إحنه مشينه للحرب.. إنشودة كان يتغنى بها الجند وهم يذهبون لساحا ت الوغى والجهاد)
تعليق