غفوة إسماعيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    غفوة إسماعيل

    غفوة إسماعيل

    سئم إسماعيل الملل المتحجر الذي يعيشه طوال سني عمره ، وسئم نشرات أخبار العالم العربي وانتخاباته ومؤامراته وحفلاته ومهرجاناته وأغانيه الخفيفة والثقيلة وأفلامه ومسلسلاته ومناظراته السياسية والاجتماعية والدينية التي تسر العدو وتدفع بالصديق إلى الانتحار، فقرر أن يجرب الهروب من هذا العالم الكئيب وأحداثه الدامية، وتمنى لو أغمض عينيه لأطول برهة ممكنة. وما أن أطبق جفنيه وانسلخ بأفكاره وأحاسيسه عن هذا العالم العربي العقيم، حتّى هدأت أعصابه وأحسّ بالدفء الجسدي، فغاص في نوم عميق ورأى نفسه يركب الهواء، ورأى زوجته وأولاده وأصدقاءه يرجونه ويلحّون عليه أن يفتح عينيه ويعود إليهم، لكنه تمسك بموقفه بصلابة زعماء الأمم الذين يدافعون عما تبقى من أوطانهم وشعوبهم ، وسمع أحد أصدقائه يقول له : "ألا يكفيك ما لاقيته من هذه الحياة العاقر حتّى تزجّ بنفسك في سجن ضيّق داخل سجن أوسع وتحرم نفسك من مباهج الدنيا !؟"
    فأجابه إسماعيل: "رغم ذلك أنا أكثر حريّة منكم، أرى أكثر مما ترون، وأسمع أكثر مما تسمعون، وأتمتع أكثر مما تتمتعون "
    فقال صديق ثان بتهكم: "ماذا ترى يا زرقاء اليمامة !؟"
    فأجاب : "أرى ملائكة بأجنحة ، مزيّنين بالتيجان ، واللباس الوطني والديني ، يقفون على أبواب الجنة، يختمون جوازات الدخول، ويصدرون شهادات التزكية، ويوقعون صكوكا ،، يدخلون من يشاءون ويطردون من يشاءون ".
    قال صديق ثالث : " تجاوزت حدودك ورأيت أكثر مما يسمح لك !"
    فقال :"لو أغمضتم عيونكم، لرأيتم ما أرى من عدالة تزين العدل كما يحلو لأصحاب السلطة، وتصمم قرارات الحكم كما يريد السلطان، وتصنف الواقف في قفص الاتهام حسب قبلته، وتحكم على المقتول بالقتل، وعلى المذنب بالتعذيب ، وتمنح النياشين والأوسمة للقتلة وتجار المخدرات وزعماء العالم السفلي".
    قالت زوجته وهي تدقّ صدرها: "إن ما يقوله زوجها خطر عليها وعلى أولادها ".
    فقال :" لو أغمضتم عيونكم لبرهة، لرأيتم أناسا عيونهم مفتوحة ، وعقولهم واعية ،لكنهم لا يرون ولا يأكلون إلا من خبز السلطان ، ولا يضربون إلا بسيفه ،فالدنيا أمامهم مائدة خضراء ، مليئة باللبن والسمن والشهد والعسل ،يتغنون بديمقراطيّة ليس لها مثيل لا في الشرق ولا في الغرب ، يدّعون أنك تقول ما تشاء وتكتب ما تشاء وتصرخ كما تشاء داخل غرف النوم دون أن تسمعك الحيطان أو خدم السلطان، عندئذ تجد نفسك وحيدا منبوذا في العراء ".
    قال صديق رابع: "من أجل هذا حبست نفسك في سجن أفكارك وأقفلت جفونك ؟!"
    فأجاب :" أهرب خجلا من أطفال فلسطين الذين يتفنن الاحتلال في قتلهم ، وأطفال العراق ، الأموات منهم والأحياء ،بعد أن صرنا نتسلّى بأخبار من يقتل منهم بأسلحة متطورة كيماوية وبيولوجيّة وفسفوريّة وعنقودية وأرتعب خوفا من أن يزجّ بي في سجن كسجن "أبو غريب " أ, سجن "غوانتانامو" أو في سجن سريّ في مكان سريّ في صحراء عربيّة سريّة أو في دولة أخرى سريّة ترفض أن تعلن عن اسمها !".
    قال أحدهم أنت يساري ونهايتك سجن كسجن "كتصيعوت أو شطّة أو الرملة أو ... .
    وقبل أن يكمل إسماعيل هبّ أصدقاؤه يريدون الانصراف، فسألتهم زوجته " لم ألاستعجال "
    فأجاب زوجها :" دعيهم ، إنهم ذاهبون ليفقؤوا عيونهم قبل أن تلتقي بعيون أطفال فلسطين والعراق ".
    خرج الأصدقاء وظلّ إسماعيل يغط في غفوته، مغمض العينين ، وظلّت زوجته تدقّ صدرها وتنتف شعرها !!
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    الاستاذ الفاضل أمين خير الدين

    قصة تبوح ..تجرح..تعري..تحرك الساكن وتفتح المسامات الصماء
    قصة عميقة ..سعدت بالقراءة
    تحية مخلصة
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • اسماعيل الناطور
      مفكر اجتماعي
      • 23-12-2008
      • 7689

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة أمين خيرالدين مشاهدة المشاركة
      غفوة إسماعيل

      سئم إسماعيل الملل المتحجر الذي يعيشه طوال سني عمره ، وسئم نشرات أخبار العالم العربي وانتخاباته ومؤامراته وحفلاته ومهرجاناته وأغانيه الخفيفة والثقيلة وأفلامه ومسلسلاته ومناظراته السياسية والاجتماعية والدينية التي تسر العدو وتدفع بالصديق إلى الانتحار، فقرر أن يجرب الهروب من هذا العالم الكئيب وأحداثه الدامية، وتمنى لو أغمض عينيه لأطول برهة ممكنة.
      هذا الجزء يخصني
      وياليثني كتبته قبلك
      الرائع ان نكتب ما نحس
      والأكثر روعة
      أن يكتب غيرنا
      فنجد على لسانه
      ما نريد قوله

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        أمين خير الدين
        أرى قصتك اليوم حوارية واعظة
        سؤال يراود ذهني دوما
        هل نعيش عصر احتضاراتنا ؟!!
        وحتى متى نبقى نصارع؟!!
        لاأدري لمَ تراءت أمامي تساؤلاتي وأنا أقرأ قصتك
        تحياتي لك
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • أمين خيرالدين
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 04-04-2008
          • 554

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
          الاستاذ الفاضل أمين خير الدين

          قصة تبوح ..تجرح..تعري..تحرك الساكن وتفتح المسامات الصماء
          قصة عميقة ..سعدت بالقراءة
          تحية مخلصة
          الكاتبة مها راجح
          تحية
          [[align=center]B]
          [align=center] "قصة تبوح، تجرح، تعرّي.." لأن الجرح ينزف والأنين يبوح والقهر والاحتلال يحرك المسامات الصمّاء
          شكرا لك على مرورك وعلى تعقيبك المشرف[/align]
          [/B[/align]]
          [frame="11 98"]
          لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

          لكني لم أستطع أن أحب ظالما
          [/frame]

          تعليق

          • أمين خيرالدين
            عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
            • 04-04-2008
            • 554

            #6
            [[frame="11 98"]align=center]ألأخ الكريم اسماعيل الناطور
            أنت تحسّ بما أحسّ،
            وأنا أحس بما تحس لأننا كلنا في القهر عرب
            أحسست بالسعادة لأننا شركاء في الهم
            شكرا لك مرورك
            ولك تحياتي[/align][/frame]
            [frame="11 98"]
            لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

            لكني لم أستطع أن أحب ظالما
            [/frame]

            تعليق

            • أمين خيرالدين
              عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
              • 04-04-2008
              • 554

              #7
              [frame="12 98"][align=center]ألأخت عائدة محمد نادر
              ألأخت التي ليست مكروهة
              الحمد لله على سلامتك
              بالنسبة للقصة: حوارية ممكن لكنها ليست واعضة بقدر ما هي متمردة... متفجرة... يائسة..
              "هل نعيش عصر احتضاراتنا؟؟"
              سؤال طالما سألته لنفسي، ولم أجد ما يلغيه!
              وحتى متى؟ لا أدري طالما ظلت السماء تخدم الأعداء!!![/align][/frame]
              [frame="11 98"]
              لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

              لكني لم أستطع أن أحب ظالما
              [/frame]

              تعليق

              • أبو يونس الطيب
                أديب وكاتب
                • 06-03-2009
                • 57

                #8
                الفاضل امين خير الدين

                اسلوب الرمزية عندما يدخل عالم الادب يحوله الى ثورة .. الى قناديل تضيئ سراديب الظلم والقهر ..نص طغت عليه صبغة السياسة فحولته الى بيان يحمل
                كل مآسي الشعوب العربية والاسلامية .. لكنه بابداع من صاحبه ارتقى الى صف الادب الثائر ليُلقى في المتلقي شعورا بالمرارة والخذلان
                لك مني طاقة ورد
                ومودتي

                تعليق

                • أمين خيرالدين
                  عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
                  • 04-04-2008
                  • 554

                  #9
                  [frame="9 98"][align=center][align=center]أخي الكاتب أبو يونس الطيب
                  رغم أن كل ما في الحياة سياسة، وفي ما قبلها وفي ما بعدها، إلاّ أنني أحاول الابتعاد في النصوص الأدبية قدر الإمكان، لكنها تلاحقنا في سراديب الظلم ومآسي شعبنا الفلسطيني والشعوب العربية، هنا وفي كل مكان، فتتسلل إلى حياتنا لتثير خلايا الدماغ إن هي اعتادت الأمر الواقع.
                  ألف تحية لك وألف شكر على مرورك الكريم[/align][/align]
                  [/frame]
                  [frame="11 98"]
                  لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

                  لكني لم أستطع أن أحب ظالما
                  [/frame]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X