تزوجت أربعا وما زلت أرقص

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سمية البوغافرية
    أديب وكاتب
    • 26-12-2007
    • 652

    تزوجت أربعا وما زلت أرقص

    تزوجت أربعا وما زلت أرقص

    لحسن حظ أمي، لم يكن أبي يعارض على ذهابها إلى حمام الحومة كما لم يمنعها قط من زيارة الأضرحة... رافقتها إلى الحمام ذات صباح صقيعي يستحيل معه الاستحمام في البيت.. دخلنا ودفعنا الحساب.. بمجرد ما أماطت أمي اللثام عن وجهها، أماطت الأخريات اللثام عن منغصاتهن... مداخن أمامي يتسابقن لينفثن أدخنتهن... أظلمن الجو حولي وفي أعماقي... أذكر أني كنت أضغط على أمي ويدي تسحبها من جلبابها لنسرع وندخل لنغتسل من أوساخنا وهن يلححن عليها بأن يظللن معا ليتخففن من أدران ذواتهن...
    قالت إحداهن في الأربعينيات، زوجها سائق سيارة أجرة:
    ـ من يتزوج سائق "طاكسي" لن ينعم بالهدوء أبدا ولن تطرق الطمأنينة قلبها يوما... رياح الفتنة تهب عليه من أربع جهات فتنزل عليه نسيما عليلا وتبلغها رياح جهنم... كلما حدثت زوجي عن مرافقته التي تلازمه كظله في كل مشاويره ويهلوس بها في النوم واليقظة يجيبني مديرا لي ظهره:" زبونة أسترزق منها" وأنا أعلم أنها تسترزق منه ولا أستطيع فعل شيء...
    خطفت الأخرى، زوجة تاجر، طرف الحديث من فمها قائلة:
    ـ ثعابين الطاكسي تتلوى وتتلوى ونادر ما تلدغ.. أما ثعابين المتاجر فبعد الغمز والهمس يسدل الستار ويبدأ الجد... فمن يعد يلتفت إلى "الوحل" وأشكال وألوان الورد تمر على اليد؟!... لقد ضاع اسمي على لسان زوجي... يناديني كل مرة باسم..

    هزت الثالثة رأسها مستخفة من نيرانهما وهي زوجة مغترب في الديار الأوروبية:
    ـ أنتما ما فاتكما في النهار أدركتماه في الليل أما أنا فلا عطر ولا زجاجته...
    لتنطق زوجة عاطل عن العمل بعد ضحكة جذبت إليها كل العيون وانتفضت الأجساد تتزلزل بالضحك لقولها الذي لم أستوعبه حتى ركبتني ذات موجتها:
    ـ أما زوجي فوطواط... نائم بالنهار وقائم بالليل.. طول الليل يعمل... أشعر بانفكاك أعضائي عن بعضها...
    ومضت تجري حركات رياضية تتفقد بها سلامة أطرافها.. وحينما أدنت عنقوديها المتورمين من أمي، ذهلت مما رأيت وكدت أسأل أمي: "هل جارتنا ترضع فيلة بالليل؟؟ " لولا أن تدخلت الخامسة بقهقهة مدوية قائلة وهي تسرع سلخ ثيابها:
    ـ أما زوجي فبناء لا يعرف الهدم إلا ليبني.. اللهم لا حسد
    ـ نغبطك، والله يا أختي، كما نغبط أنفسنا حينما كان أزواجنا فلاحين
    أضافت مشمئزة ويدها تغلق جيبي أنفها:
    ـ لكن لا أخفي عليكن أخواتي أحس أن الإسمنت أغلق مسام جلدي... لكن يقينا بالي مرتاح...

    أما أنا الصغيرة آنذاك فقد بَدَوْنَ لي مداخن كدسن أدخنتهن في دواخلهن ليلفظنه دفعة واحدة... لوثن نفسيتي ونبتت همومهن كالشوك في ذاتي... فأقسمت ألا أكون يوما مدخنة مثلهن... شطبت من قائمة العرسان سائق طاكسي والتاجر والمغترب والعاطل عن العمل ولم يكن لدي مانع من الزواج بفلاح أو بناء...

    شاءت الأقدار، فهز قلبي عامل في الخارج يحترف البناية فوافقت على الاقتران به بشرط أن أرافقه حيث حل وارتحل... لم يطل بنا المقام طويلا في ديار المهجر حتى أصيب زوجي بحساسية مفرطة من مواد البناء... غبرة الإسمنت تشفط الهواء من خلاياه فيغيب ولا يفيق إلا والحقن والأنابيب مغروسة في كل جسده ... فاستقال من عمله ريثما يزاول نشاطا آخر.. طال الانتظار وأنا أنام وأصحو على وجهه وعلى خدمته ليلا ونهارا... بلغت أدخنتي حد خياشيمي لكني لم ألفظها ولم أسمم بها الهواء حولي... ابتلعتها أستشف لي مخرجا...

    أغريته بالعودة إلى الوطن.. فاقتنى له سيارة أجرة ليسترزق منها ويطرد عنه الضجر... عاوده الشباب وأضحى يغني ويرقص سعيدا بمشاويره الأخيرة... رائحة عطره وأناقته وغناؤه كلما هم بالخروج أيقظت شكوكي ومع ذلك لم أنبس بكلمة ولم أتأفف... خرجت إلى البلكونة أحكم إغلاق قبضة يدي على الغبرة السحرية... صفق الباب وراءه ومضى كعصفور حررت جناحاه للتو... بلغني عطره الممزوج برائحة عرقه فدغدغ حواسي وأشعل نيراني في ذات الوقت.. ما كاد يدنو من السيارة وهو يدندن ويترنح حتى تحرك الإسمنت في فضائه يمتص هواءه.. فعاد إلي وارتمى في أحضاني أسقيه من أنفاسي ويسقيني عبير عرقه..

    أضحى زوجي يخشى السيارة وزاهدا في حلاوة مشاويرها... فمكنت السيارة لأخي يسترزق منها ونرتزق معه... ونصحت بعلي بأن يفتح له محلا تجاريا من مجمل البيت ففعل... وإذا بلغتني منه رائحة لا أستسيغها أو دغدغت حواسي رائحة عرقه طعمت هواء متجرنا الصغير بالغبرة الإسمنتية... فيعود إلي يرتمي في أحضاني أسقيه من أنفاسي ويسقيني عبير عرقه...


    سمية البوغافرية
    أبريل 2008
    التعديل الأخير تم بواسطة سمية البوغافرية; الساعة 01-04-2010, 10:26.
  • أبو صالح
    أديب وكاتب
    • 22-02-2008
    • 3090

    #2

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      الاديبة الرائعة سمية البوغافيرية
      قصة جميلة تصب في قالب اجتماعي عن معاناة المرأة في البحث عن الأمان مع الزوج
      لا محال فالغيرة ملتصقة بالمرأة منذ الأزل
      تحية للجمال والخير الذي تبثينه في قصصك
      شكرا لك
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        هاهاهاهاهاهاهاها
        تركت الكيبورد وصفقت لحنكتك وخفة ظلك وظل نصك الرائع
        رائعة سمية صدقيني
        كنت معك
        وفي النهاية صرت أحبك
        هنا تكمن فطنة المرأة وشطارتها
        تحياتي لك بعطر الغاردينيا
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • سمية البوغافرية
          أديب وكاتب
          • 26-12-2007
          • 652

          #5
          شكر

          المشاركة الأصلية بواسطة أبو صالح مشاهدة المشاركة
          الأخ الفاضل أبو صالح
          ما أروعك!!!!!
          حقيقة أسعدني مرورك.. وأن تكون أول المعلقين على هذياني هذا وينال بعض إعجابك فكرم تستحق عليه كل الشكر
          دمت رائعا وتقبل أصدق تحياتي وتقديري

          تعليق

          • الشربيني المهندس
            أديب وكاتب
            • 22-01-2009
            • 436

            #6
            مع نهاية القصـة تذكرت انني لم ازر المغطس منذ فترة ..
            وضحك شيطاني
            وما أجمل الرقص علي الاسمنت الساخن

            تعليق

            • سمية البوغافرية
              أديب وكاتب
              • 26-12-2007
              • 652

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
              الاديبة الرائعة سمية البوغافيرية
              قصة جميلة تصب في قالب اجتماعي عن معاناة المرأة في البحث عن الأمان مع الزوج
              لا محال فالغيرة ملتصقة بالمرأة منذ الأزل
              تحية للجمال والخير الذي تبثينه في قصصك
              شكرا لك
              الغالية الطيبة مها راجح
              شكرا على تفاعلك الجميل وإشادتك الدائمة بما أقترفه من كتابات
              همسة: إذا لم يأت الأمان طوعا استجلبناه قهرا .. ما رأيك في هذه الحكمة؟؟ المرأة لا تعوزها الوسيلة..
              دمت رائعة أيتها العزيزة

              تعليق

              • سمية البوغافرية
                أديب وكاتب
                • 26-12-2007
                • 652

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                هاهاهاهاهاهاهاها
                تركت الكيبورد وصفقت لحنكتك وخفة ظلك وظل نصك الرائع
                رائعة سمية صدقيني
                كنت معك
                وفي النهاية صرت أحبك
                هنا تكمن فطنة المرأة وشطارتها
                تحياتي لك بعطر الغاردينيا
                الغالية عائدة
                شكرا على قراءتك المختزلة لمضمون القصة .. أي نعم عزيزتي" هنا تكمن فطنة المرأة وشطارتها" وأضيف : "وفي انزوائها للشكوى والبكاء يكمن غباءها".. فأي النساء أنتِ؟؟..
                مباركة ضحكتك.. تصدقين؟؟ أني حينما أقترف مثل هذه الكتابات أضحك من هذياني ولكن حينما يبلغني الضحك من القراء فأضحك من قلبي..
                فشكرا لك مرة أخرى لأنك هنا قريبة
                ودمت دائما مشرقة وقلمك متوهجا

                تعليق

                • محمد سلطان
                  أديب وكاتب
                  • 18-01-2009
                  • 4442

                  #9
                  [align=center]الممتعة .. الراقية .. المبدعة
                  سمية البوغافرية
                  أسلوبك قوى جدا وجذاب للنهاية رغم عن أنفى جذبنى
                  تعجبت لقدرتك على السيطرة و التحكم
                  تنبأ للأحداث .. مع العلم بأن القاص أو الكاتب دائما ما يكتب و يبدأ ولا يعرف محتويات السطور .. أذهلنى السرد و توقفت عند بعض الأسطر أتغزل فيها جمالاً وقوة ..
                  رائعة رائعة وأكثر
                  وموزونة بحنقة أديب
                  سيدتى اسمحى لى أن أصافح قلمك الراقى
                  احترامى له
                  و
                  لك [/align]
                  صفحتي على فيس بوك
                  https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                  تعليق

                  • كمال عبد الرحيم
                    شاعر
                    • 16-08-2008
                    • 388

                    #10
                    القاصة سمية البوغافرية
                    نص رائع وتملكين قدره عالية على السرد
                    استمتعت بهذا النص الجميل

                    تعليق

                    • mmogy
                      كاتب
                      • 16-05-2007
                      • 11282

                      #11
                      [ALIGN=CENTER][TABLE1="width:70%;"][CELL="filter:;"][ALIGN=justify]هذا النص من النصوص الطويلة القصيرة أي التي تمضي في قراءتها بأنفاس متلاحقة .. فلا تشعر معها بالملل مهما طال السياق .. فجمال السرد ودقته يجعلك وكأنك تشاهد حروفها وكلماتها بالصوت والصورة .. بل وتشم بعض أحداثها أيضا .. كما ولو كنت حاضرا أحداثها أو أحد أطرافها .. وهذا ما جعلني فعلا أستمتع بهذا السرد الجميل .

                      تحياتي لك أستاذة سمية [/ALIGN]
                      [/CELL][/TABLE1][/ALIGN]
                      إنْ أبْطـَأتْ غـَارَةُ الأرْحَامِ وابْـتـَعـَدَتْ، فـَأقـْرَبُ الشيءِ مِنـَّا غـَارَةُ اللهِ
                      يا غـَارَةَ اللهِ جـِدّي السـَّيـْرَ مُسْرِعَة في حَلِّ عُـقـْدَتـِنـَا يَا غـَارَةَ اللهِ
                      عَدَتِ العَادونَ وَجَارُوا، وَرَجَوْنـَا اللهَ مُجـيراً
                      وَكـَفـَى باللهِ وَلـِيـَّا، وَكـَفـَى باللهِ نـَصِيراً.
                      وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ, وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

                      تعليق

                      • صباح الشرقي
                        أديب وكاتب
                        • 16-05-2007
                        • 326

                        #12
                        القاصة و الأديبة المميزة سمية البوغافرية
                        وكم من نساء نجت بفعل هذا ، وكم من نساء ضاعت بمثل هذا
                        لقد عشنا حتى رأينا بأم أعيننا علاقات تنهار لا تأخذ بها الأصوات
                        ولا تتحكم فيها الأغلبية، لكن يتبادل فيها الاستبداد فأحيانا تستبد الزوجة
                        وأحيانا يستبد الزوج، لكن تظل أهم الخصائص التي ترسم الشخصيات
                        رسما عميقا وصحيحا تؤدي إلى كشف النوازع والنفسيات التي تتطور
                        من موقف لآخر
                        من أجمل ما قرأت، حفظك الله ولك خالص تقديري
                        [align=center]http://sabahchergui.maktoobblog.com

                        http://www.rezgar.com/m.asp?i=1767

                        http://sabahchergui64.blogspot.com

                        [/align]

                        تعليق

                        • أبو صالح
                          أديب وكاتب
                          • 22-02-2008
                          • 3090

                          #13
                          ما رأيكم أخواتي النساء؟؟

                          http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...167#post187167

                          تعليق

                          • عارف عاصي
                            مدير قسم
                            شاعر
                            • 17-05-2007
                            • 2757

                            #14
                            أختنا الأديبة
                            سمية

                            قصة جميلة
                            وقلم أجمل

                            ولكن
                            أخشى أن تلاحقة
                            رائحة الإسمنت
                            فيخرج ولا يعود


                            بورك القلب والقلم
                            تحاياي
                            عارف عاصي

                            تعليق

                            • سمية البوغافرية
                              أديب وكاتب
                              • 26-12-2007
                              • 652

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة الشربيني المهندس مشاهدة المشاركة
                              مع نهاية القصـة تذكرت انني لم ازر المغطس منذ فترة ..
                              وضحك شيطاني
                              وما أجمل الرقص علي الاسمنت الساخن
                              بكل هناء..
                              دع شيطانك يضحك..
                              أرى ألغازك امتدت حتى إلى التعاليق على النصوص.. عموما جميلة هي الألغاز لأفسرها كما يحلو لي..
                              دمت مبدعا راقيا استاذ الشربيني وشكرا على توقفك هنا

                              تعليق

                              يعمل...
                              X