حب يبحث عن حب
بقلم : مجدي السماك
سيدتي، كلّي أرجوك كلّك.. أن تبتعدي عن قلبي، وعنّي. فأنا أحمد الله أنني قمت بالسلامة وتعافيت من حبك.. أكاد لا اصدق أن حبنا لم يصبني بأي عاهة رغم مشواره الطويل في عمري. خذي كل ما تستطيعين أن تأخذينه مني وارحلي أنّى شئت، وارشفي حاجتك من قلبي وارحلي الآن، بل قبل الآن هيا ابتعدي يا سيدتي. واذهبي قبل هطول ظلام قد بدأ يرش عتمته علينا ببطء مقيت، حاملا معه ما نكره من أوصافنا التي عشقناها منذ القدم. واغربي عني إليك واخرجي دفعة واحدة من عروقي إلى عروقك.. أنت التي اشتعلت أنوثتك قبل سنين في ضلوعك والتهبت في ضلوعي التي ورّمها حبك. وتوغلي عميقا في أحلام أثيرية غير قابلة للتفسير، تصلح لإنعاش النسيان في ذاكرة بدأت تؤول إلى نسيان، بعيدا عن يقيني المكسور في قلبي والضائع في ماضيك الذي مضى قبل الأوان، دون أن يودعنا ولو بصمت يشبه الكلام، أي كلام. وابتعدي عن يقيني الذي لم يعد له قلب يرجع إليه حين يحار في فراغه الموهوم.. صدقيني أن دقاته وهمية وأحذرك لا تنخدعي به يا سيدتي، ولا في بعض رهافة ونعومة تتلذذين فيها حين نشرب سوية قهوة ساخنة في المساء، ونرشف بعضنا عند أقرب يابسة يحف بها زبد بحرنا الصغير، وأمواجه تبلل أفخاذنا لتطفئ نارنا المستعرة وتبرّدنا. وبعض نبضي كنت تسمعينه وأنت تتحدثين معي عنّي وعنّك وعن الحب الذي قتلناه قبل أن يقتلنا في أجمل معانيه، ومعانينا التي شحبت مع كل صحوة عشق لا نملك كبحها فيكبحها شرقنا المأزوم في هزيمته. وها هي معانينا التي لا زالت تلهث وهي تبحث عن قافية تصلح لقصيدة شعر تكتبنا لنكتبها، فندميها لتدمينا. ألا تعرفين أن حبنا نشف حين أخرجناه معا من أعماق حواسنا إلى عالم حقيقتك وتفاصيل حقيقتي الموزعة بين الشك واليقين في قاع فنجان لم أشربه كله.. حقيقة قد أنشأنا معالمها وزخرفنا وجودها بأجسادنا المبلية بعشق عابر للقلوب. فأجسادنا لا تكف عن الفوضى والعبث ولا تكف عن الجوع، الذي هو أقسى وأمرّ أنواع الجوع.. بل هو أجوع أنواع الجوع يا سيدتي. فدائما أجسادنا إلينا تجوع، كأن أجسانا مزوّرة يا سيدتي، وجوعها أكثر تزويرا.. فتهنا فيها وتاهت فينا وسكرّنا في ورطتنا ولهونا، فمر الزمن مسرعا في مرة وبطيئا في أخرى، مرّ من جنبنا لينظر نحونا في فتور، دون أن يلمس أي حب فينا أو حتى يقف قربنا ليتفرج علينا قليلا، ونحن نحترق ونذوب ونتبخر، أو حتى ليقرأ ما سكبته شفاهنا على أفواهنا قرب البحر بعد الغروب، وقبل الحرب التي تشبه كل حروب الشرق حين تقوم على جسدي ولا تقوم حين تقوم من أجل الحب. ونتألم دون أن نعي ضرورة البحث عن لواء للحب نرفعه في ربوع شرق حزين محطم، كف عن الغناء حين قتلت أول حمامة كانت تضحك في عشها على غصن شجرة زيزفون في غرناطة. وحبنا الذي كثيرا ما اختبرناه في خلايا أجسادنا التي مهما انتشت لا تشبع منّا، أجسادنا طماعة يا سيدتي.. فانتثرت أوصافنا من حولنا وانتثرنا فعدنا لنبدأ رحلتنا من جديد لنبحث عنّا فينا، علّنا نشعّ و نلّمع في ظلام غبي لا يميز بين الجائع والشبعان، لا في السرير ولا في ساحات الحروب. ونفتش فينا عن حب جديد نشبهه ويشبهنا في كلمات كنا نود أن نحكيها، ولم نحكها خشية انتصار حقيقة فقدت عذوبتها حين فقدنا عذوبتنا ورفعنا رايات بيضاء فوق كل صواري هذا الشرق المشروم، وكنّا قد عرفنا العشق وقدّسناه أو لم نكن حين خرجنا إلينا في ساعة غبية.. أو في لحظة عارية جدا.
كل الأيام عارية يا سيدتي.. كلها بحاجة إلى عشق يكسوها. لا تبحثي في فائض أحلامي عما ينقص من أحلامك، أو ينقصك.. فذكرياتي تحوّلت كلها إلى لغة لا وجود لها في معاجم اللغة أو في قواميس القلوب، أو في نواميس الوجود.. فهذا وجود قد بدأ منذ قرون في رحلة البحث عن وجوده، ولا يزال يبحث عن وجود أكثر وجودا منقوش على ورقة نقدية خضراء ليثق في ذكورته كثيرا أو قليلا يا سيدتي. ونحن الآن نعيش في زمن لم يأت بعد، وإذا قفز المستقبل وجاء ألآن فجأة فلا تتوقعي أن يحفل بشهوتنا المطعونة في شرعيتها، أو في ما يقترفه الحب فينا من بهاء وجمال لينعش أمانينا المعذبة عند كل مفترقات الغرام، النائمة في شرق هزم في كل معارك الحب يا سيدتي. اذهبي يا سيدتي إلى أي شخص آخر غيري واعشقيه بشرط ألا يكون أنا.. أرجوك تأكدي قبل أن تحبينه أو تعشقينه من أنه ليس أنا.. فلا أريد أبدا يا سيدتي أن أكون غيري.. رجاء حارا يا سيدتي.. أحبي غيري.. وابتعدي عني كثيرا أو قليلا.. ابتعدي عن قلبي، وعنّي.
- هل صرت تكرهني؟.
- لا.
- إذن ما زلت تحبني؟
- لا.
- أنت مجنون.
- ربما.
- في أعماقك أنت مجنون جدا!
- من لا جنون له لا أحلام له.
- أنت تغيرت بعد الحرب!
- كل شيء تغير في الحرب.
- لكنك في الحرب بحثت عني.
- نعم. في الحرب كل شيء كان يبحث عن كل شيء.
- لماذا؟ هل تخشى الموت؟
- لا أخشى الموت، لكنني أخشى الحياة. وأخاف من حبك.
- لا تنس أنني سيدة الحب الأولى.
- وأنا سيد الأحلام الأول. بل أول الأول.
- قلت لك أنك مجنون.
- أنت نصف ذكية.
- لماذا بالذات نصف ذكية؟
- لأنك بالذات نصف غبية.
- دعنا نبدأ حبنا من جديد. تعال نحب بمنطق الكبار.
- الحب في قلبي له منطق يختلف عن أي منطق.
سيدتي.. أرجوك.. قلت لك مليون مرة إن الحب والمنطق لا يلتقيان. إما أن نحب الحب كله بلا أي منطق، أو نتركه ليموت كله دون أن نأسف عليه، ودون أن يدمع أي موق من مآقينا. دعيني وابتعدي عن شفتي، وأتوسل إليك بحق كل القبلات التي قطفناها معا بالسر والعلن أن تذهبي عني بعيدا أو قريبا، واخرجي تماما من صدري، استحلفك بكل لحظات العشق التي أشعلت كل ما هو قابل للاشتعال في جسدينا أن تتركيني وحدي اغني أشجاني كما قلبي يشاء. لا أريد العودة إلى ماض مضى تماما، وأخذ معه ما أخذ من فوضى هي فوضاي التي لم استطع أن أنشئ عليها شهوة صغيرة عابرة في زقاق ضيق، تحت ضوء بالكاد يضيء ويستحي مني حين الّمع وأشع وأتوّهج.. أرجوك انصرفي في الحال.. قبل أن يحث ماضينا خطاه إلى خطانا فننكسر أو ينكسر الانكسار في ما بقى غير مكسور من أمانينا.
- إذن أنت مطلقا لا تفكر بالزواج مني؟
- الزواج منك!. بعيد الشر عني. فأل الله ولا فألك. سلامة قلبي ألف سلامة.
- لكن أنا أموت فيك.
- وأنا أموت منك.
- أنت شخص مغرور. وتكره النساء.
- أنت دخان في فوضى. أنت لا تشبهين إلا نفسك.
أرجوك سيدتي.. عيب عليك قول هذا.. أنا لست مغرورا. ولم أدع يوما أنني كنت فارسا فينيقيا امتشق سيفه في يوم ليحرر سبايا قرطاج من يد الرومان. ولا أكره النساء.. فانا أحب كل نساء الأرض لو اجتمعن في قلبي، ولا مانع لدى فمي أن يقبل أفواههن كلهن واحدة وراء الأخرى، حتى العجائز منهن.. لكنني غضبت حين اغتصب حاخام امرأة في غزة وفض بكارتها ثم نكل في جثتها.. وراح مطمئنا يكمل رحلته في البحث عن هيكله ليجدد خرافته ويتوغل فيها ليزيد طهارته، علّ الرب يغفر له خطيئته ويصير من الأبرار.. فيظل يحمل أسفاره في بني النضير. وفي رد فعله السريع راح آخر أحفاد الخليفة يبحث عن خطر الفرس الداهم في خراسان على أصحاب رسول الله، الخطر الداهم غير القابل للتأجيل ولو لثانية واحدة يا سيدتي. وهنالك في الصحراء الواسعة يا سيدتي بالقرب من خيام قريش عثروا على فئة من اليهود ما زالت تائهة منذ القدم، وما زالت تبحث عن وجود الله في صفير رياح أو بقرة صفراء.. وكان أبو سفيان يا سيدتي يداعب لحيته الصفراء وينظر ويحصي ثروته لعقد صفقة جديدة وكبيرة مع تاجر قدم من بلاد الروم، ومعه هدية شهية ومغرية.. جارية عربية لذيذة جلبها وهو في طريقه من بلاد الشام.. يقال أن أصولها تعود إلى غطفان. بينما كنت أنا اهتف مبتهلا بملء صوتي حين كانت الطائرات تحرثنا.. يا الله عبدناك، وحدّناك، نزّهناك، حكّمناك، قدّسناك.. وكتبت يا سيدتي أسماء الله الحسنى كلها في إطار مذهب وعلقتها على الجدار عاليا بجوار آية الكرسي.
- هل تندم على حبنا؟
- لا. كان يجب أن أحبك.. قبل ضعفك. أحببتك وأنت نار بلا دخان.
- وألان؟
- أنت الآن دخان بلا نار. أنت الآن فوضى.
- لماذا لا تذكر سوى الحرب؟
- لأنه في حروب الشرق كل شيء يحارب ضد كل شيء من أجل أي شيء.
- أعطني قبل ذهابي رقم موبايلك الجديد جدا.
- لا. آسف.
اذهبي بعيدا عني، وعن قلبي. أرجوك لا تودعيني. ابتعدي قبل الآن.. وقبل أن يقفز المستقبل إلينا خلسة.
Magdi_samak@yahoo.com
بقلم : مجدي السماك
سيدتي، كلّي أرجوك كلّك.. أن تبتعدي عن قلبي، وعنّي. فأنا أحمد الله أنني قمت بالسلامة وتعافيت من حبك.. أكاد لا اصدق أن حبنا لم يصبني بأي عاهة رغم مشواره الطويل في عمري. خذي كل ما تستطيعين أن تأخذينه مني وارحلي أنّى شئت، وارشفي حاجتك من قلبي وارحلي الآن، بل قبل الآن هيا ابتعدي يا سيدتي. واذهبي قبل هطول ظلام قد بدأ يرش عتمته علينا ببطء مقيت، حاملا معه ما نكره من أوصافنا التي عشقناها منذ القدم. واغربي عني إليك واخرجي دفعة واحدة من عروقي إلى عروقك.. أنت التي اشتعلت أنوثتك قبل سنين في ضلوعك والتهبت في ضلوعي التي ورّمها حبك. وتوغلي عميقا في أحلام أثيرية غير قابلة للتفسير، تصلح لإنعاش النسيان في ذاكرة بدأت تؤول إلى نسيان، بعيدا عن يقيني المكسور في قلبي والضائع في ماضيك الذي مضى قبل الأوان، دون أن يودعنا ولو بصمت يشبه الكلام، أي كلام. وابتعدي عن يقيني الذي لم يعد له قلب يرجع إليه حين يحار في فراغه الموهوم.. صدقيني أن دقاته وهمية وأحذرك لا تنخدعي به يا سيدتي، ولا في بعض رهافة ونعومة تتلذذين فيها حين نشرب سوية قهوة ساخنة في المساء، ونرشف بعضنا عند أقرب يابسة يحف بها زبد بحرنا الصغير، وأمواجه تبلل أفخاذنا لتطفئ نارنا المستعرة وتبرّدنا. وبعض نبضي كنت تسمعينه وأنت تتحدثين معي عنّي وعنّك وعن الحب الذي قتلناه قبل أن يقتلنا في أجمل معانيه، ومعانينا التي شحبت مع كل صحوة عشق لا نملك كبحها فيكبحها شرقنا المأزوم في هزيمته. وها هي معانينا التي لا زالت تلهث وهي تبحث عن قافية تصلح لقصيدة شعر تكتبنا لنكتبها، فندميها لتدمينا. ألا تعرفين أن حبنا نشف حين أخرجناه معا من أعماق حواسنا إلى عالم حقيقتك وتفاصيل حقيقتي الموزعة بين الشك واليقين في قاع فنجان لم أشربه كله.. حقيقة قد أنشأنا معالمها وزخرفنا وجودها بأجسادنا المبلية بعشق عابر للقلوب. فأجسادنا لا تكف عن الفوضى والعبث ولا تكف عن الجوع، الذي هو أقسى وأمرّ أنواع الجوع.. بل هو أجوع أنواع الجوع يا سيدتي. فدائما أجسادنا إلينا تجوع، كأن أجسانا مزوّرة يا سيدتي، وجوعها أكثر تزويرا.. فتهنا فيها وتاهت فينا وسكرّنا في ورطتنا ولهونا، فمر الزمن مسرعا في مرة وبطيئا في أخرى، مرّ من جنبنا لينظر نحونا في فتور، دون أن يلمس أي حب فينا أو حتى يقف قربنا ليتفرج علينا قليلا، ونحن نحترق ونذوب ونتبخر، أو حتى ليقرأ ما سكبته شفاهنا على أفواهنا قرب البحر بعد الغروب، وقبل الحرب التي تشبه كل حروب الشرق حين تقوم على جسدي ولا تقوم حين تقوم من أجل الحب. ونتألم دون أن نعي ضرورة البحث عن لواء للحب نرفعه في ربوع شرق حزين محطم، كف عن الغناء حين قتلت أول حمامة كانت تضحك في عشها على غصن شجرة زيزفون في غرناطة. وحبنا الذي كثيرا ما اختبرناه في خلايا أجسادنا التي مهما انتشت لا تشبع منّا، أجسادنا طماعة يا سيدتي.. فانتثرت أوصافنا من حولنا وانتثرنا فعدنا لنبدأ رحلتنا من جديد لنبحث عنّا فينا، علّنا نشعّ و نلّمع في ظلام غبي لا يميز بين الجائع والشبعان، لا في السرير ولا في ساحات الحروب. ونفتش فينا عن حب جديد نشبهه ويشبهنا في كلمات كنا نود أن نحكيها، ولم نحكها خشية انتصار حقيقة فقدت عذوبتها حين فقدنا عذوبتنا ورفعنا رايات بيضاء فوق كل صواري هذا الشرق المشروم، وكنّا قد عرفنا العشق وقدّسناه أو لم نكن حين خرجنا إلينا في ساعة غبية.. أو في لحظة عارية جدا.
كل الأيام عارية يا سيدتي.. كلها بحاجة إلى عشق يكسوها. لا تبحثي في فائض أحلامي عما ينقص من أحلامك، أو ينقصك.. فذكرياتي تحوّلت كلها إلى لغة لا وجود لها في معاجم اللغة أو في قواميس القلوب، أو في نواميس الوجود.. فهذا وجود قد بدأ منذ قرون في رحلة البحث عن وجوده، ولا يزال يبحث عن وجود أكثر وجودا منقوش على ورقة نقدية خضراء ليثق في ذكورته كثيرا أو قليلا يا سيدتي. ونحن الآن نعيش في زمن لم يأت بعد، وإذا قفز المستقبل وجاء ألآن فجأة فلا تتوقعي أن يحفل بشهوتنا المطعونة في شرعيتها، أو في ما يقترفه الحب فينا من بهاء وجمال لينعش أمانينا المعذبة عند كل مفترقات الغرام، النائمة في شرق هزم في كل معارك الحب يا سيدتي. اذهبي يا سيدتي إلى أي شخص آخر غيري واعشقيه بشرط ألا يكون أنا.. أرجوك تأكدي قبل أن تحبينه أو تعشقينه من أنه ليس أنا.. فلا أريد أبدا يا سيدتي أن أكون غيري.. رجاء حارا يا سيدتي.. أحبي غيري.. وابتعدي عني كثيرا أو قليلا.. ابتعدي عن قلبي، وعنّي.
- هل صرت تكرهني؟.
- لا.
- إذن ما زلت تحبني؟
- لا.
- أنت مجنون.
- ربما.
- في أعماقك أنت مجنون جدا!
- من لا جنون له لا أحلام له.
- أنت تغيرت بعد الحرب!
- كل شيء تغير في الحرب.
- لكنك في الحرب بحثت عني.
- نعم. في الحرب كل شيء كان يبحث عن كل شيء.
- لماذا؟ هل تخشى الموت؟
- لا أخشى الموت، لكنني أخشى الحياة. وأخاف من حبك.
- لا تنس أنني سيدة الحب الأولى.
- وأنا سيد الأحلام الأول. بل أول الأول.
- قلت لك أنك مجنون.
- أنت نصف ذكية.
- لماذا بالذات نصف ذكية؟
- لأنك بالذات نصف غبية.
- دعنا نبدأ حبنا من جديد. تعال نحب بمنطق الكبار.
- الحب في قلبي له منطق يختلف عن أي منطق.
سيدتي.. أرجوك.. قلت لك مليون مرة إن الحب والمنطق لا يلتقيان. إما أن نحب الحب كله بلا أي منطق، أو نتركه ليموت كله دون أن نأسف عليه، ودون أن يدمع أي موق من مآقينا. دعيني وابتعدي عن شفتي، وأتوسل إليك بحق كل القبلات التي قطفناها معا بالسر والعلن أن تذهبي عني بعيدا أو قريبا، واخرجي تماما من صدري، استحلفك بكل لحظات العشق التي أشعلت كل ما هو قابل للاشتعال في جسدينا أن تتركيني وحدي اغني أشجاني كما قلبي يشاء. لا أريد العودة إلى ماض مضى تماما، وأخذ معه ما أخذ من فوضى هي فوضاي التي لم استطع أن أنشئ عليها شهوة صغيرة عابرة في زقاق ضيق، تحت ضوء بالكاد يضيء ويستحي مني حين الّمع وأشع وأتوّهج.. أرجوك انصرفي في الحال.. قبل أن يحث ماضينا خطاه إلى خطانا فننكسر أو ينكسر الانكسار في ما بقى غير مكسور من أمانينا.
- إذن أنت مطلقا لا تفكر بالزواج مني؟
- الزواج منك!. بعيد الشر عني. فأل الله ولا فألك. سلامة قلبي ألف سلامة.
- لكن أنا أموت فيك.
- وأنا أموت منك.
- أنت شخص مغرور. وتكره النساء.
- أنت دخان في فوضى. أنت لا تشبهين إلا نفسك.
أرجوك سيدتي.. عيب عليك قول هذا.. أنا لست مغرورا. ولم أدع يوما أنني كنت فارسا فينيقيا امتشق سيفه في يوم ليحرر سبايا قرطاج من يد الرومان. ولا أكره النساء.. فانا أحب كل نساء الأرض لو اجتمعن في قلبي، ولا مانع لدى فمي أن يقبل أفواههن كلهن واحدة وراء الأخرى، حتى العجائز منهن.. لكنني غضبت حين اغتصب حاخام امرأة في غزة وفض بكارتها ثم نكل في جثتها.. وراح مطمئنا يكمل رحلته في البحث عن هيكله ليجدد خرافته ويتوغل فيها ليزيد طهارته، علّ الرب يغفر له خطيئته ويصير من الأبرار.. فيظل يحمل أسفاره في بني النضير. وفي رد فعله السريع راح آخر أحفاد الخليفة يبحث عن خطر الفرس الداهم في خراسان على أصحاب رسول الله، الخطر الداهم غير القابل للتأجيل ولو لثانية واحدة يا سيدتي. وهنالك في الصحراء الواسعة يا سيدتي بالقرب من خيام قريش عثروا على فئة من اليهود ما زالت تائهة منذ القدم، وما زالت تبحث عن وجود الله في صفير رياح أو بقرة صفراء.. وكان أبو سفيان يا سيدتي يداعب لحيته الصفراء وينظر ويحصي ثروته لعقد صفقة جديدة وكبيرة مع تاجر قدم من بلاد الروم، ومعه هدية شهية ومغرية.. جارية عربية لذيذة جلبها وهو في طريقه من بلاد الشام.. يقال أن أصولها تعود إلى غطفان. بينما كنت أنا اهتف مبتهلا بملء صوتي حين كانت الطائرات تحرثنا.. يا الله عبدناك، وحدّناك، نزّهناك، حكّمناك، قدّسناك.. وكتبت يا سيدتي أسماء الله الحسنى كلها في إطار مذهب وعلقتها على الجدار عاليا بجوار آية الكرسي.
- هل تندم على حبنا؟
- لا. كان يجب أن أحبك.. قبل ضعفك. أحببتك وأنت نار بلا دخان.
- وألان؟
- أنت الآن دخان بلا نار. أنت الآن فوضى.
- لماذا لا تذكر سوى الحرب؟
- لأنه في حروب الشرق كل شيء يحارب ضد كل شيء من أجل أي شيء.
- أعطني قبل ذهابي رقم موبايلك الجديد جدا.
- لا. آسف.
اذهبي بعيدا عني، وعن قلبي. أرجوك لا تودعيني. ابتعدي قبل الآن.. وقبل أن يقفز المستقبل إلينا خلسة.
Magdi_samak@yahoo.com
تعليق