قمة الحفرة
لكي أقول للآخرين باني زاهد ولا أخاف الموت ، اشتريت كفن من مدينة مقدسة ووضعته في خزانة الملابس ، بدأ يزورني كل ليلة قبل النوم على شكل تنين خرافي ينفث الدخان من منخريه ،عندها كنت أتمنى أن يموت احد أقاربي ، فأقوم بعمل بطولي وأتبرع له بهذا الكفن اللعين ، شعوري بالموت لم يتوقف عند هذا الحد، بالأمس فقط اشتريت قطعة أرض صغيرة في المقبرة حتى أبعد شبح الموت عني .
أذا كنت تخاف من شيء عليك مواجهته ، حكمة صينية مع إن أبي يرددها ويعتقد بأنها من بنات أفكاره .
حجز قبر يعني أنك تعتقد بعيشك الطويل فتشتريه لكي لا تصبح بعيدا عن ذويك ، هنا ليست المشكلة في شراء القبور ولا اقتناء الكفن ، المشكلة في الموت بحد ذاته ، أحدهم يصف البشر بأنهم كائنات بشعة عملت على تحطيم الأرض ، أنا أيضا أرى الكوكب يحتضر ، يتحدثون عن نيزك يقترب من الأرض ، وأنا أتخيل ذلك الحيمن الجميل يخترق غشاء البيضة وينفجر في أعماقها ، الأرض بيضة في رحم المجرة لم تخصب البعد ، أنا وأنت مجرد خلية واحدة في جسد جنين أسمه الأرض ، أنا بالذات خلية عصبية ، لآني أعيش القلق المتواصل ، لأني أفكر في جيش الدود الذي سيغتصب جسدي ولن يحميني منه ذلك الكفن .
فكرت أن أرتدي ذلك الكفن واقف في الشارع ، ألوح للمارة ، لأرى من منهم سيعتقد باني شبح ، ولكن حصل هناك تغيير كبير اليوم وأنا أتناول بيض الدجاج غير المخصب ، فطوري المنزلي المعتاد ، مسكينة هي الكرة الأرضية بسببنا لن تكون صالحة للأكل ، عندها عرفت سر الكفن الأبيض ، هو قشرة من كربونات الكالسيوم سنلقيها في العالم الآخر . أمريكا خصبت اليابان بقنبلة نووية ، وبن لادن خصب أمريكا بطائرة مدنية ،الحياة لعبة بايلوجية كبيرة لها قاعدة واحدة للتغيير هي الإخصاب .
ولكن من غير المعقول أن أتخيل نفسي داخل تلك الحفرة ، التفكير الجدي بالقبر هو من يحدث حفرة في دماغي ، وتعاليم المعبد تُبث إلى الشارع كسلسلة من أفلام الرعب المتواصلة ، مشاهد حقيقية توقف التنفس ، يمنع دخول ذوي القلوب الضعيفة ، تعذيب ، تقطيع ، جلد ، حرق ، تشويه ، قصص كاملة يرويها وجه الكاهن العابس في كل وقت .
ذات يوم قررت أن أغيض الكفن الراقد في خزانتي بسلام ، وقفت أمامه كقائد عسكري يتأهب لخوض معركته الأخيرة ، وقلت له مستهزأ ، سأجعلك بدون فائدة ، سأربط رجلي بصخرة كبيرة والقي نفسي في النهر ، وربما أسافر إلى الهند لأموت هناك ، وحين يغدو جسدي رماداً ، سأضحك على وحدتك هنا في سجنك التعيس .
وفي يوم آخر وقفت أفكر وأنا ازور مقبرة مزدحمة بالأحياء ، القبر حفرة ، والثقب الأسود حفرة أيضاَ ، ما هو شعورنا تجاه الحفر ؟ البشر تجذبهم الحفرة ، منظرها مغري دائماً ، وغريزياً نتحرك لردمها ، من منا يستطيع أن يقاوم عدم وضع شيء يخصه في حفرة تنفتح أمامه ؟ ليس الخطأ هو ولعنا بملئ الحفر هذا شيء طبيعي جداً ، ولكن الخطأ هو أن نقوم بفتح حفرة في أي مكان نتواجد فيه ، كل بؤسنا وضعناه في أشياء مدببة ، المسمار لا يتكلم ألا في الحائط ، بينما يستطيع الإصبع أن يملأ الدنيا ضجيجاً خارج الأنف ، كثرة الثقوب حولي تجعني أفكر بفلسفة جديدة ، من خلالها نستطيع تنظيم وتصنيف الحفر ، الفقر هو حفرة في الجيب ، والعهر حفرة في الشرف ، والسكر حفرة في الصحوة ، والشر حفرة في الخير ، والشعر حفرة في اللغة ، واللغة حفرة في الصمت . والموت حفرة في الحياة .
وهكذا هرعت مسرعاً إلى خزانة الملابس ، كنت أريد أن ألقي نظرة أخيرة على هذا الكفن ، قبل أن أطلق عليه رصاصة الرحمة ، عندها ، شيا فشياً بدأت أفكاري تتغير ، لم يعد لذلك الكفن معنى ، القبر حفرة ذات فتحتين ، جميع ما نعانيه سينهي مع تحويل الحفر إلى ممرات ، في الممرات المتوازية لا توجد اتجاهات عمودية ، الكل يهرول في مسارات متناظرة ، ندخل في الحفرة لنخرج منها في عين الوقت ، عندها فقط تساءلت في نفسي ، يا ترى ماذا يوجد في الجانب الآخر من الحفرة ؟ ماذا يحدث لو فكرنا بشكل شمولي ، لو فتحنا العين الثانية ، سنكتشف بأن كل حفرة هي قمة أيضاً ، الحفر هي قمم شامخة تلقي بنا إلى الحياة ، البركان قمة طريقها الصهير ، والفرج قمة طريقها الجنين ، والقبر قمة طريقها الجسد .
أحمد العبيدي
ahmedubaidi@yahoo.com
24 نيسان 2009
تعليق