قمة الحفرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد العبيدي
    أديب وكاتب
    • 23-08-2008
    • 149

    قمة الحفرة

    قمة الحفرة



    لكي أقول للآخرين باني زاهد ولا أخاف الموت ، اشتريت كفن من مدينة مقدسة ووضعته في خزانة الملابس ، بدأ يزورني كل ليلة قبل النوم على شكل تنين خرافي ينفث الدخان من منخريه ،عندها كنت أتمنى أن يموت احد أقاربي ، فأقوم بعمل بطولي وأتبرع له بهذا الكفن اللعين ، شعوري بالموت لم يتوقف عند هذا الحد، بالأمس فقط اشتريت قطعة أرض صغيرة في المقبرة حتى أبعد شبح الموت عني .
    أذا كنت تخاف من شيء عليك مواجهته ، حكمة صينية مع إن أبي يرددها ويعتقد بأنها من بنات أفكاره .
    حجز قبر يعني أنك تعتقد بعيشك الطويل فتشتريه لكي لا تصبح بعيدا عن ذويك ، هنا ليست المشكلة في شراء القبور ولا اقتناء الكفن ، المشكلة في الموت بحد ذاته ، أحدهم يصف البشر بأنهم كائنات بشعة عملت على تحطيم الأرض ، أنا أيضا أرى الكوكب يحتضر ، يتحدثون عن نيزك يقترب من الأرض ، وأنا أتخيل ذلك الحيمن الجميل يخترق غشاء البيضة وينفجر في أعماقها ، الأرض بيضة في رحم المجرة لم تخصب البعد ، أنا وأنت مجرد خلية واحدة في جسد جنين أسمه الأرض ، أنا بالذات خلية عصبية ، لآني أعيش القلق المتواصل ، لأني أفكر في جيش الدود الذي سيغتصب جسدي ولن يحميني منه ذلك الكفن .
    فكرت أن أرتدي ذلك الكفن واقف في الشارع ، ألوح للمارة ، لأرى من منهم سيعتقد باني شبح ، ولكن حصل هناك تغيير كبير اليوم وأنا أتناول بيض الدجاج غير المخصب ، فطوري المنزلي المعتاد ، مسكينة هي الكرة الأرضية بسببنا لن تكون صالحة للأكل ، عندها عرفت سر الكفن الأبيض ، هو قشرة من كربونات الكالسيوم سنلقيها في العالم الآخر . أمريكا خصبت اليابان بقنبلة نووية ، وبن لادن خصب أمريكا بطائرة مدنية ،الحياة لعبة بايلوجية كبيرة لها قاعدة واحدة للتغيير هي الإخصاب .
    ولكن من غير المعقول أن أتخيل نفسي داخل تلك الحفرة ، التفكير الجدي بالقبر هو من يحدث حفرة في دماغي ، وتعاليم المعبد تُبث إلى الشارع كسلسلة من أفلام الرعب المتواصلة ، مشاهد حقيقية توقف التنفس ، يمنع دخول ذوي القلوب الضعيفة ، تعذيب ، تقطيع ، جلد ، حرق ، تشويه ، قصص كاملة يرويها وجه الكاهن العابس في كل وقت .
    ذات يوم قررت أن أغيض الكفن الراقد في خزانتي بسلام ، وقفت أمامه كقائد عسكري يتأهب لخوض معركته الأخيرة ، وقلت له مستهزأ ، سأجعلك بدون فائدة ، سأربط رجلي بصخرة كبيرة والقي نفسي في النهر ، وربما أسافر إلى الهند لأموت هناك ، وحين يغدو جسدي رماداً ، سأضحك على وحدتك هنا في سجنك التعيس .
    وفي يوم آخر وقفت أفكر وأنا ازور مقبرة مزدحمة بالأحياء ، القبر حفرة ، والثقب الأسود حفرة أيضاَ ، ما هو شعورنا تجاه الحفر ؟ البشر تجذبهم الحفرة ، منظرها مغري دائماً ، وغريزياً نتحرك لردمها ، من منا يستطيع أن يقاوم عدم وضع شيء يخصه في حفرة تنفتح أمامه ؟ ليس الخطأ هو ولعنا بملئ الحفر هذا شيء طبيعي جداً ، ولكن الخطأ هو أن نقوم بفتح حفرة في أي مكان نتواجد فيه ، كل بؤسنا وضعناه في أشياء مدببة ، المسمار لا يتكلم ألا في الحائط ، بينما يستطيع الإصبع أن يملأ الدنيا ضجيجاً خارج الأنف ، كثرة الثقوب حولي تجعني أفكر بفلسفة جديدة ، من خلالها نستطيع تنظيم وتصنيف الحفر ، الفقر هو حفرة في الجيب ، والعهر حفرة في الشرف ، والسكر حفرة في الصحوة ، والشر حفرة في الخير ، والشعر حفرة في اللغة ، واللغة حفرة في الصمت . والموت حفرة في الحياة .
    وهكذا هرعت مسرعاً إلى خزانة الملابس ، كنت أريد أن ألقي نظرة أخيرة على هذا الكفن ، قبل أن أطلق عليه رصاصة الرحمة ، عندها ، شيا فشياً بدأت أفكاري تتغير ، لم يعد لذلك الكفن معنى ، القبر حفرة ذات فتحتين ، جميع ما نعانيه سينهي مع تحويل الحفر إلى ممرات ، في الممرات المتوازية لا توجد اتجاهات عمودية ، الكل يهرول في مسارات متناظرة ، ندخل في الحفرة لنخرج منها في عين الوقت ، عندها فقط تساءلت في نفسي ، يا ترى ماذا يوجد في الجانب الآخر من الحفرة ؟ ماذا يحدث لو فكرنا بشكل شمولي ، لو فتحنا العين الثانية ، سنكتشف بأن كل حفرة هي قمة أيضاً ، الحفر هي قمم شامخة تلقي بنا إلى الحياة ، البركان قمة طريقها الصهير ، والفرج قمة طريقها الجنين ، والقبر قمة طريقها الجسد .

    أحمد العبيدي
    ahmedubaidi@yahoo.com
    24 نيسان 2009
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2

    الزميل القدير
    أحمد العبيدي
    ابتسمت رغما عني لنصك الرائع
    أفكار جديدة لنص جميل وأسئلة غاية في الشفافية
    ذكرني نصك بأمي رحمة الله عليها
    فهي اشترت أرضا في النجف الأشرف.. لكنها لم تدفن فيها .. والسبب تعرفه ونعرفه جميعنا..الأوضاع السيئة وهي حفرة كبيرة في قلوبنا.. أليس كذلك
    ثم اشترت كفنا وكانت تهديه لكل من يموت قبلها .. ونحن اشترينا لها كفن جديد لأنها لم تلحق أن تشتري آخر..
    رائع كنت تستحق الأنجم الخمس زميلي
    أسعدني كثيرا أن أكون أول المصافحين لنصك
    تحياتي لك بعبق نسمات الرافدين العطرة
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • دريسي مولاي عبد الرحمان
      أديب وكاتب
      • 23-08-2008
      • 1049

      #3
      كثرة الثقوب حولي تجعني أفكر بفلسفة جديدة ، من خلالها نستطيع تنظيم وتصنيف الحفر ، الفقر هو حفرة في الجيب ، والعهر حفرة في الشرف ، والسكر حفرة في الصحوة ، والشر حفرة في الخير ، والشعر حفرة في اللغة ، واللغة حفرة في الصمت . والموت حفرة في الحياة .
      المبدع أحمد كاطع جدوع...تحية خالصة.
      قمة الحفرة هي قمة طريقها الجسد منذ صرخة الميلاد حتى حفرة القبر...وبهذا المسار الانتقالي بين مكانيين...خلقت فلسفة تنقب بالمعنى والقيمة الجماليين بشكل فني رائع وبلغة جميلة...
      نقبت بدوري في هذا الأرشيف حتى وجدتني أعتلي هذه القمة...لكن فلسفتي علمتني دوما أن الصعود نحو القمم يستلزم العدة...وعدتي قلقي...
      مثل هذه النصوص هي التي تحرك فينا جدلية البناء والهدم وتجعلنا نواجه الحياة باجراء حفر في مسارها...تلك الحفر التي أسميها القطائع الخلاقة...
      نص جميل للغاية وأشكر أناملي التي قادتني الى مصافحته...
      تقديري.

      تعليق

      • أحمد العبيدي
        أديب وكاتب
        • 23-08-2008
        • 149

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة دريسي مولاي عبد الرحمان مشاهدة المشاركة
        كثرة الثقوب حولي تجعني أفكر بفلسفة جديدة ، من خلالها نستطيع تنظيم وتصنيف الحفر ، الفقر هو حفرة في الجيب ، والعهر حفرة في الشرف ، والسكر حفرة في الصحوة ، والشر حفرة في الخير ، والشعر حفرة في اللغة ، واللغة حفرة في الصمت . والموت حفرة في الحياة .
        المبدع أحمد كاطع جدوع...تحية خالصة.
        قمة الحفرة هي قمة طريقها الجسد منذ صرخة الميلاد حتى حفرة القبر...وبهذا المسار الانتقالي بين مكانيين...خلقت فلسفة تنقب بالمعنى والقيمة الجماليين بشكل فني رائع وبلغة جميلة...
        نقبت بدوري في هذا الأرشيف حتى وجدتني أعتلي هذه القمة...لكن فلسفتي علمتني دوما أن الصعود نحو القمم يستلزم العدة...وعدتي قلقي...
        مثل هذه النصوص هي التي تحرك فينا جدلية البناء والهدم وتجعلنا نواجه الحياة باجراء حفر في مسارها...تلك الحفر التي أسميها القطائع الخلاقة...
        نص جميل للغاية وأشكر أناملي التي قادتني الى مصافحته...
        تقديري.
        مرور جميل أفتخر به كثيراً

        شكراً لك سيدي الكريم

        احمد

        تعليق

        • إيمان الدرع
          نائب ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3576

          #5
          أستاذ أحمد كاطع جدوع:
          نصّ قويّ ،عميق، من أروع ما قرأت..
          يحمل فكراً فلسفيّا جدليّاً..يستدعي الكثير من المحاور ..
          يالهذه الحفر ...وهذه الأكفان التي أتعبتنا...تناولتها بشكلٍ غير عاديّ..
          همسة عتب صغيرة من أختٍ لك..بيني وبينك ولا أحد يسمعنا..
          أما تأخّرتَ كثيراً في الردّ على المداخلات..؟؟؟
          أ سنةٌ كاملة...يا أديبنا الرائع وأنت تحجب عنا درر هذا المداد..؟؟
          أرجو ألاّ يكون الردّ أيضاً بعد عام..سنزعل...
          ننتظر جديدك..أهلاً بعودتك الغالية...
          دُمتَ بسعادةٍ...تحيّاتي

          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

          تعليق

          • أحمد العبيدي
            أديب وكاتب
            • 23-08-2008
            • 149

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
            أستاذ أحمد كاطع جدوع:
            نصّ قويّ ،عميق، من أروع ما قرأت..
            يحمل فكراً فلسفيّا جدليّاً..يستدعي الكثير من المحاور ..
            يالهذه الحفر ...وهذه الأكفان التي أتعبتنا...تناولتها بشكلٍ غير عاديّ..
            همسة عتب صغيرة من أختٍ لك..بيني وبينك ولا أحد يسمعنا..
            أما تأخّرتَ كثيراً في الردّ على المداخلات..؟؟؟
            أ سنةٌ كاملة...يا أديبنا الرائع وأنت تحجب عنا درر هذا المداد..؟؟
            أرجو ألاّ يكون الردّ أيضاً بعد عام..سنزعل...
            ننتظر جديدك..أهلاً بعودتك الغالية...
            دُمتَ بسعادةٍ...تحيّاتي
            الأخت العزيزة أيمان

            مرور أعتز به ، وقراءة أشكرك عليها
            وعتبك في محلة ، وتقصيري واضح ..
            وأنا الآن أرد عليك في نفس اليوم ، فلن تصبري عاماً أخر كما أعتقد

            لك الود

            احمد

            تعليق

            • أحمد العبيدي
              أديب وكاتب
              • 23-08-2008
              • 149

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة

              الزميل القدير
              أحمد العبيدي
              ابتسمت رغما عني لنصك الرائع
              أفكار جديدة لنص جميل وأسئلة غاية في الشفافية
              ذكرني نصك بأمي رحمة الله عليها
              فهي اشترت أرضا في النجف الأشرف.. لكنها لم تدفن فيها .. والسبب تعرفه ونعرفه جميعنا..الأوضاع السيئة وهي حفرة كبيرة في قلوبنا.. أليس كذلك
              ثم اشترت كفنا وكانت تهديه لكل من يموت قبلها .. ونحن اشترينا لها كفن جديد لأنها لم تلحق أن تشتري آخر..
              رائع كنت تستحق الأنجم الخمس زميلي
              أسعدني كثيرا أن أكون أول المصافحين لنصك
              تحياتي لك بعبق نسمات الرافدين العطرة
              العزيزة عائدة
              بالفعل لم تقولي غير الواقع .. رحم الله والدتك وامواتنا جميعاً

              تقبلي ودي

              احمد

              تعليق

              • هادي زاهر
                أديب وكاتب
                • 30-08-2008
                • 824

                #8
                أخي الكاتب أحمد العبيدي
                نص يبعث مشاعر متناقضة، متشابكة إذا صح التعبير.. هي بين الفرح من الصيغة الفنية وبين الماضيع المطروحة الموجعة
                محبتي
                هادي زاهر
                " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                تعليق

                • ميساء عباس
                  رئيس ملتقى القصة
                  • 21-09-2009
                  • 4186

                  #9

                  أحمد العبيدي
                  ماذا ينقصنا لأن نعطي دائما كل من يستحق حقه
                  أيها الأديب الذي يعارك المد والجزر ولايغرق
                  جمال
                  تلك الفلسفة االعميقة كم أهواها
                  من نكون نحن بلاتساؤلات
                  أدب منقوش بعدة شرفات
                  وأعتب عليك لم تبتعد عن ملتقانا
                  أم أنني أعتب على ملتقانا لايستطيع الاحتفاظ بكل مميز
                  بوركت أيها الجميل

                  ميساء
                  وامرأة برائحة ..رجل
                  مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
                  https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

                  تعليق

                  يعمل...
                  X