حسني سيد لبــــــــــــيب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    حسني سيد لبــــــــــــيب

    حسني سيد لبــــــــــــيب
    ......................

    الاسم رباعيا: حسني سيد لبيب محمد
    اسم الشهرة: حسني سيد لبيب
    عضو: اتحاد الكتاب ـ رابطة الأدب الإسلامي العالمية ـ رابطة الأدب الحديث ـ نادي القصة بالقاهرة ـ نادي الأدب بقصر ثقافة الريحاني
    تاريخ ومحل الميلاد: 18 من نوفمبر عام 1942م ـ بولاق أبو العلاء ـ القاهرة.
    العنوان: 34 شارع الصديق أبو بكر ـ أرض الجمعية ـ إمبابة 12421 ـ مصر.
    رقم التليفون: 3126661 ( القاهرة )
    المؤهل العلمي: بكالوريوس هندسة كهربائية (قوى) ـ كلية الهندسة ـ جامعة عين شمس.
    الوظيفة: رئيس قطاع سابق بشركة الحديد والصلب المصرية ـ بالمعاش حاليا منذ عام 2002م
    **المؤلفات:
    1. باقة حب: دراسة أدبية بالاشتراك مع الدكتور حسين علي محمد ـ القاهرة 1977
    2. حياة جديدة: قصص ـ سلسلة "أصوات معاصرة" ـ الشرقية 1981
    3. أحدثكم عن نفسي: قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1985
    4. طائرات ورقية: قصص ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1992
    5. كلمات حب في الدفتر: قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ ط 1 ـ دمشق 1993
    6. سبعون ألف آشوري: قصص مترجمة لوليم سارويان ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994
    7. ابن عمي ديكران: قصص مترجمة لوليم سارويان ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994
    8. الخفاجي.. شاعرا: دراسة أدبية ـ رابطة الأدب الحديث ـ القاهرة 1997
    9. دموع إيزيس: رواية ـ مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 1998
    أعدها وأخرجها في قالب مسرحي: جمال فراج، بعنوان: "عودة نون" عام 2001م. ومثلت في بيت ثقافة النصر ببور سعيد. مثل دور نون "عادل منسي"، ومثل دور إيزيس "ماري مجدي"، ودور ست "عبد الرحمن موسى"، ودور نفرتاري "ماجدة صبري".
    10. نفس حائرة: قصص ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999
    11. مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي بين الإنصاف والمغالطة: بحث ـ مكتبة الملك عبد العزيز العامة ـ الرياض 1999
    12. روائي من بحري: دراسة أدبية ـ سلسلة "كتابات نقدية" العدد 113 ـ هيئة قصور الثقافة 2001
    13. اتجاهات القصة التونسية القصيرة: دراسة أدبية بالاشتراك مع الكاتب التونسي رشيد الذوادي ـ دار الإتحاف للنشر ـ تونس 2003
    14. الكرة تختفي في الأعالي: قصص ـ سلسلة "أصوات معاصرة" ـ الشرقية 2005
    15. رثاء الزوجة في الشعر العربي الحديث: دراسة أدبية ـ كتيب المجلة العربية ـ الرياض ـ العدد 113 ـ جمادى الأولى 1427 ـ يونيو 2006
    16. رشيد الذوادي أديب من تونس: دراسة أدبية ـ دار الإتحاف للنشر ـ تونس 2006 ـ 108 صفحات
    **الجوائز:
    1. جائزة المقال من مجلة "صوت الشرق " ـ القاهرة 1978م.
    2. جائزة القصة من "نادي شباب حلب" ـ حلب 1986م.
    3. جائزة الرواية التاريخية من مكتبة الملك عبد العزيز العامة عن رواية "صقر الجزيرة" ـ الرياض 1999م.
    **التكريم:
    1. كرمته رابطة الأدب الحديث في 18 يوليو 2006م.
    *شهادات التقدير من:
    1. قصر ثقافة دمياط.
    2. رابطة الأدب الحديث.
    3. مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض عام 1999م.
    4. نادي أدب قصر ثقافة الريحاني عام 2006م.
    *أهم الصحف والدوريات التي نشر فيها نتاجه الأدبي:
    يوالي نشر نتاجه الأدبي في الدوريات المصرية والعربية منذ عام 1963، منها الدوريات المصرية: الأدب، القصة، الرسالة (الإصدار الثاني 63/1965)، الثقافة، صوت الشرق، الشعر، المساء، الأهرام، أخبار دمياط.. والدوريات السورية: الأسبوع الأدبي، الموقف الأدبي، المعرفة، الثقافة.. والدوريات السعودية: الفيصل، المجلة العربية، القافلة، الخفجي، أحوال المعرفة.. والدوريات الكويتية: البيان، الرأي العام.. والدوريات اللبنانية: الأديب، الآداب.. والتونسية: الفكر، الصباح، العمل، الإتحاف، قصص.. والدوريات الإماراتية: الرافد..
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    قراءة في مجموعة «موت قارع الأجراس»
    ----------------------

    هذه مقالة نقدية كتبها الروائي حسني سيد لبيب عن مجموعة محمد جبريل الأخيرة «موت قارع الأجراس» ..
    ****
    «موت قارع الأجراس»
    مجموعة قصصية لمحمد جبريل

    بقلم: حسني سيد لبيب
    ـــــــــــــــــــ

    لمحمد جبريل أكثر من ثلاث وعشرين رواية. ولم يحل هذا الإنتاج الغزير دون كتابة القصة القصيرة وإصدار تسع مجموعات، آخرها "موت قارع الأجراس"، تضم أربعا وعشرين قصة تتفاوت بين الطول والقصر، وتتعدد مستويات الرؤى والموضوعات. لاختيار عنوان المجموعة ـ وهو اسم إحدى القصص ـ دلالته، إذ يعكس همّ المبدع بالقضية المزمنة، قضية "فلسطين". يتفاعل الكاتب مع أحداث انتفاضة الأقصى، التي هزتنا جميعا، ولم يهتز لها العالم بالقدر الكافي، رغم دموية المحتل وجبروته، في التعامل مع شعب أعزل طالته الدبابات والطائرات، فطفق يدافع عن نفسه بصدوره المكشوفة ورءوسه العارية، يضرب مثلا للبطولة والتضحية والفداء. اهتز الكاتب لعمق المأساة، لكنه لم يشأ أن تحتد نغمة الآه المخزونة في حناياه، وإنما أطلقها من خلال حس الفنان المرهف، وتناول مشهدا من مشاهد الانتفاضة، عند محاصرة كنيسة المهد. يتحدث الكاتب بضمير الغائب لشخص لا نتبين ملامحه أو نتعرف على هويته. جعل الكاتب منه رمزا يفسره القارئ على هواه. يشبه ملاك الرحمة يأسو الجراح ويخفف الآلام. كما أنه من منظور آخر يقرع الأجراس منبها بالخطر، محذرا منه. هذا الشخص ربما نطلق عليه "سوبرمان" ينشكل في صورة ملائكية، يدفع نفسه جهة مجمع الكنيسة، فينزل على السطح الملاصق للبرج، ويطل على عشرات من الرجال والنساء والأطفال، وهم يتدافعون نحو الباب الحديدي لساحة الكنيسة. كما أنه يسدي النصح ـ أيضا ـ بترك السلاح، حتى لا تكون الكنيسة، بما لها من ثقل ديني مسرحا لعمليات قتالية. وهو أيضا بندس وسط المجموعات المتناثرة في القاعات والحجرات والردهات. ينزل المدرجات الرخامية لمغارة المهد، مسترخيا في مدخلها، متخيلا قدوم السيدة العذراء ويوسف النجار. كما أنه ملاك رحمة يغمغم بدعوات للشاب المريض بالصرع، يمد يده ويمسد رأسه فيهدأ. وحين دوى انفجار، وتحركت الدبابات، تنقل بين جوانب السطح، محدقا في الشوارع المفضية إلى الكنيسة، ويتجه إلى البرج. يقول الكاتب في سطور الختام : " امتدت يده ـ في وقفته ـ إلى الجبال المتصلة بالأجراس أعلى البرج. توالى هزه للحبال. علت الأجراس، واتسع صداها في فضاءات بعيدة. زاد من هز الجبال، فامتد قرع الأجراس. وضع قوته فيما يفعله.... ترد نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الأذان ـ كما حدث في مرات سابقة ـ من الجوامع وأسطح البيوت.... لم يفطن ـ في انفعاله ـ إلى الجدار المفتوح في جانب البرج، ولا إلى القناصة الذين رأوا من يحرك الأجراس، فصوبوا إليه رصاصهم".
    أمام قسوة البطش وعمق المأساة، أمام الظلم الممتد لأكثر من خمسين عاما خلت، لم يجد الكاتب سوى قوة روحية ملائكية تأسو جراح الشعب المقهور. يتخيلها في صورة شخص أو ملاك يقرع الأجراس، يفيق الغافلين. هنا يتجسد قارع الأجراس في مخيلة المبدع آدميا يطلق عليه الرصاص، حتى يظل النائمون في غفوتهم!
    قارع الأجراس يتمثله الكاتب بقواه الروحية أشيه بسوبر مان ينطلق في الأجواءء ويخترق الأمكنة. هو أشبه بالضمير الحي الذي ينصح ويهدي. هو شاهد عيان لما يلاحظ من انفلات وجبروت. قد يكون قارع الأجراس نذيرا بخطر محدق للكنيسة وما حولها. قد يكون ملاكا هابطا من السماء بالرحمة والهداية.
    في القصة الأثيرة، جانب معرفي عن الكنيسة وطقوسها والمعالم المسيحية والإسلامية في بيت لحم. متوددا إلى القارئ كي يتعرف معه على جغرافية المكان، أو يسرد بعضا من فصول التاريخ القديم، أو يلتقط بيراعه اليقظ جوانب اجتماعيية مهمة. وهي متعة أخرى يحققها النص الأدبي، وأعتبرها عنصرا أساسيا من جمالياته.
    هذه الشخصية المحورية التي تأسس عليها النص، نتتبعها ونتعرف عليها من خلال مجموعة من الأفعال، أو الفعل الإيجابي، وسط مجموعة من الفلسطينيين ونشطاء السلام، اتخذوا من كنيسة المهد ملاذا آمنا، فحاصرتهم قوات البطش الإسرائيلية، فأصبحوا جميعا رهائن.. رجال الكنيسة والأهالي الذين احتموا داخلها.. لا تقدر الرهائن على فعل ما، أو تقوى على درء خطر محدق. وجاءت هذه الشخصية فحفظت التوازن النفسي، من خلال رؤية الكاتب بأن ثمة رحمة تلوح في الأفق، تسبغ ظلها على هؤلاء المحتجزين..!
    نلمس الجانب المعرفي ـ أيضا ـ في قصص مستوحاة من رحلاته إلى عُمان ( قصتا : "الوحدات" و"البيت الفرنسي" )، وتونس ( قصتا : "سندس" و "القرصان" )، وسوريا (قصة : "الكسوف" ). وهو يقر، من خلال هذه الكتابات، أن كل ما يراه أو يعيشه المبدع قابل للكتابة. وهي قضية قابلة للمناقشة والبحث.
    وقصة "الوحدات" عن مخيم فلسطيني بهذا الاسم، يقيم فييه صديق الراوي في عُمان. تبين القصة مدى الضياع الذي يواجه فلسطينيا يحمل وثيقة إقامة، ولا يملك حرية التنقل.
    عن دنو الأجل وإرهاصات ما قبل الموت، تتحدث قصة "العنكبوت". يتبدى الموت للأب الذي تجاوز الستين في صورة عنكبوت فيدعو من حوله أن يطاردوه ويزيلوا خيوطه. لكن من حوله لا يروْن ما يراه..!
    وفي قصتيْ "البيرق" و "العراف" يحدثنا الكاتب عن الغيبيات التي تؤدي إلى الانفصال عن الواقع، وتودي بصاحبها إلى التهلكة.
    تحتد نبرة الكاتب وهو يتحدث في قصة "الزيف"، عن زيف الشعار وزيف التعبئة الكلامية الانفعالية. إذا نزعنا قناع الزيف، يتبدى عمق المأساة العربية. كما تحتد النبرة ـ أيضا ـ في قصة "الخيمة" بما كتبه عن آفة التراخي والاستكانة. وفي قصة "العراف" تحتد النبرة في الحديث عن الخيانة تنخر كالسوس في عصب الأمة.
    من القصص التي تتميز بالقيمة الجمالية، قصة "ونس"، التي تتحدث عن زوجين قصدا شاليها خاصا بهما بالعجمي، في عز الشتاء، إيثارا للهدوء والعزلة!.. لكنهما ضجرا من الصمت المطبق، فإذا ما تبين لهما شعاع ضوء يبين من أسفل الباب المغلق، سرى الدفء التلقائي في قلوبهم، ووشت موسيقى خافتة وضحكات عن وجود بشر!.. فتهمس الزوجة لزوجها : "هل نطرق الباب؟". حاجة الإنسان إلى الونس تفوق حاجته إلى الهدوء. هذا ما تقوله القصة بشفافية وإيحاء مؤثر.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    * صدرت عن سلسلة (أصوات أدبية) ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ العدد 329 ـ نوفمبر 2002 ـ 192 صفحة.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      الذات وعالمها الخارجي
      في قصص «بسمة على وجه مالك الحزين»

      بقلم: حسني سيد لبيب
      ...........................

      في قصة "المرايا" عالمان، يتناوبان التعبير عن أحاسيس الراوي، أو أن الكاتب يتخيلهما عبر الشخصية الرئيسة، لرجل يجلس في المترو، وتنحسر مع سرعة المترو، الأشياء خلفه، وأسراب الطيور. يلحظ أشباح الأشياء، وهذا عالمه الداخلي، أما الخارجي فيتبلور فجأة على شكل توقف للأشياء أو أشباحها ، حين يفيق لواقعه، أو حين يتعرف على عالمه الخارجي في صورة شخص جالس في مواجهته. هي إفاقة مفاجئة من عالم داخلي يخصه، وعالم خارجي يتعرف من خلاله على الجالس قبالته. أو أنه تشكيل فني بين الظاهر والباطن، ظاهر النفس وباطنها.
      يقول الكاتب في هذا: "تتوقف الأشباح في مواجهتي تماما، مما يوقعني في ارتباك ذاتي، ويسقطني في حيرة خاصة، فأتساءل مع نفسي عن عين السبب في توقف هذه الأشباح" [ ص 9 ]. يُحلّ اللغز حين يجد نفسه يجابه بشخص يجلس قبالته، شاغلا المقعد المواجه له. كأنه كائن يهبط عليه من السماء، نظرا للمباغتة التي أخرجت صاحبنا من تتبع الأشباح، ونقلته من الباطن إلى الظاهر، أخرجته من شوارد الأفكار مع أشباح المباني التي تنحسر خلفه مع حركة المترو، إلى هذا الرجل الذي جلس فجأة قبالته.
      يبرع القاص في وصف الهيئة التي يكون عليها الشخص. يسهب في الوصف، كأنه المبتدأ والمنتهى، كأنه غاية في حد ذاته. وصف دقيق لا ينتقل منه إلا بعد أن يحيط القارئ علما بكل دقائق الصورة وخلجات الإنسان. هذه البراعة نجدها في جل قصصه، وخير مثال لهذا ما نطالعه في قصة "المرايا" في وصف النسائم التي تتدفق على بشرة الراوي فيقول: " كانت النسائم لا تزال تتدفق على بشرتي بسرعة هائلة، وها هي ذي تتخلل شعر رأسي. تبدأ بالجزء المواجه لها، ثم تمضي إلى الأجزاء التالية، وتحيط بكل شعرة فيه، وشعر رأسي يرتعش والنسائم تتدفق عليه، في سرعة جنونية، والشعر كله يتطاير وقد تمدد واستطال إلى حد رائع ونسائم الهواء تجتاحه في سرعة خرافية، وتكتسحه أمامها ليبدأ رحلة هروب متواصلة نحو الوراء" [ ص 10 ]. إنه يتتبع الصورة كأنه ينجز بنيانا معماريا، يخلص منه ، أو يلقي في روع المتلقي، أن النسائم قد تكون سببا لهروب الشعر إلى الوراء!
      المفاجأة التي فجرها إمعان النظر في وجه الرجل الجالس قبالته، أن دارت خواطر في رأسه بأنه التقى به ذات يوم، لكنه يجهل متى وأين.. مرة أخرى تواتيه الخواطر ويطيل التأمل، والتعرف عليه. انتقل القاص إلى العالم الداخلي للراوي، الذي يرى ثمة علاقة تربطه بهذا الشخص. الأشياء والشخوص المحيطة به يحيلها إلى معرفة سابقة، هي علاقة ما ينسجها بين العالم الخارجي، المتمثل في الراكب المواجه له، وبين ذاته، في شكل علاقة ما أو لقاء ما جمعهما ذات مرة! وبدت حاجته الشديدة لمحادثته.. "كنت أفكر في طريقة ذات لياقة وجدوى أخترق بها حجب هذا الإنسان الكثيف الرابض في مواجهتي" [ ص 13 ]. تأمل بحثه عن طريقة لاختراق حجبه!.. وتأمل معي إلى أي درجة أفسح لنفسه فضاء فسيحا، بما يبين عن رغبة أكيدة لسبر أعماقه، والغوص داخل ذاته.
      ويدور حوار مقتضب يكتشف فيه أن صاحبه كان زميله في الجامعة. وبنزوله في المحطة المختارة، تنقطع صلته بهذا العالم الخارجي المتمثل في الزميل القديم. وبدأ يجتر كلمات جالت في خاطره، وهو يفكر، حتى أنه يصف الكلمات بأنها "تتنزه بحرية في خاطري" [ ص 16 ]. كما أنها "راحت تتقافز وتحف بي ككرات بلورية تمضي من حولي وأنا ماض في طريقي" [ ص 16 ]. الكلمات تتنزه وتتقافز وتبدو جلية من بين شفتيه. الكلمات تشخص له كائنا يزامله رحلة العودة إلى البيت.
      هو، وإن انقطع عن العالم الخارجي، عالمه الذي نجهله تماما، إلا أنه يجتره في خاطره، دون أن يفصح عنه للقارئ، حتى أنه في تعارفه على جاره في المترو، لم يَبُح لنا، لشدة كتمانه، عن اسم الكلية التي تخرجا منها، ولا اسم الجامعة. تشخص الكلمات ككرات بلورية، على حد وصفه، أو فقاقيع كالصابون تخرج من فمه، على حد تخيلي لها، أو تأثري بما كتب. ولنا في وصف الكرات عودة في قصة "بسمة على وجه مالك الحزين". وربما نجد ذات الوصف في قصص أخرى له. وما يتأمله خارج ذاته، يتفاعل مع ذاته، كأن ثمة مرآة عاكسة للعالم الخارجي، يرى من خلالها الأشياء المحيطة به، داخله بمكونات أخرى أو أشكال غريبة. المثل نجده في وصف الكلمات بالكرات البلورية. ولعبت المصادفة دورها، في أن يتصادف جلوس هذا الرجل بالذات فيجد فيه وجها التقاه منذ أكثر من خمسة عشر عاما. هي مصادفة نادرة الحدوث لكنها ممكنة. المصادفة هنا شكّلها الكاتب عجينة لدنة، طوع بنانه، لتخدم أفكاره الطارئة.
      لغة السرد في معظمها تخدم البناء المعماري للحدث، وتأتي بكلمات وأوصاف في محلها، إلا أنه قد يتنكب الطريق ويأتي بتفاصيل زائدة لا لزوم لها، وهي قليلة، أذكر منها وصوله إلى المسكن.. "وأخرجتُ المفتاح وتحسستُ موضع ثقبه وعالجتُ الباب فانفتح" [ ص 16 ]. كان يمكنه حذف العبارة دون أي تأثير على السرد. على عكس هذه العبارة، تأتي الفقرة التالية لها، تؤدي دورا مهما. للتفاصيل هنا ضرورة فنية. يقول الكاتب: "ودخلتُ وسط ظلام دامس، وتوجهتُ في أناة إلى مفتاح أقرب مصباح، وضغطتُ عليه، فانبثق الضوء، ثم أضأتُ مصباحا ثانيا وثالثا، ولم تمض لحظات حتى كنتُ قد أضأتُ جميع المصابيح، فراح المكان يتوهج سابحا في بحر من الضياء" [ ص 16، 17 ].
      وفي المسكن، ينظر إلى صورته الآنية في مرآة، فيزعجه تجاعيد رسمها الزمن على وجهه، وشعر أشيب يتخلل رأسه. يأتي بألبوم الصور، يسترجع صورته في الماضي البعيد، حيث لا توجد تجاعيد. تقوقع على صورته في الماضي، يتأملها، وما تصوره المرآة اليوم. تبين التجاعيد عن سطوة الزمن وتأثيره على الإنسان. الحالة التي يمر بها الآن، وهو متقوقع على ذاته، منكفئ عليها!.. يقهره الزمن. يبدو الزمن كائنا أسطوريا يهزمه. يصيب المرآة بقبضة يده، فتنكسر، يواصل كسر المرآة حتى تتحول إلى شظايا تدميه. هي حالة انفصال عن الواقع أو هي عدم انسجام معه. الغريب الذي نلاحظه أن هذا الواقع نجهله تماما، لا يشير إليه تفصيلا أو إجمالا. المكان مغيب أيضا، فيما عدا مقعده الذي يجلس عليه في المترو، وعودته إلى شقته. كما أننا نجهل عالم الراوي والمحيط الخارجي الذي يتعامل معه. وقد عاد بالمترو من مهمة نجهلها. لا نعرف له أبا أو أما أو أخا أو أختا أو زوجة أو ابنا أو ابنة أو صاحبا أو حبيبة!! مغرق في الانطوائية. الانفراجة التي أخرجته من عالمه الداخلي، حين التقى زميلا قديما بالمصادفة، أرجعته إلى أيام الشباب التي ولت مدبرة، ولم يبق له من علامات إلا ما حفره الزمن من تجاعيد، وما ابيضّ من شعر رأسه.
      وفي قصة "بسمة على وجه مالك الحزين"، إغراق في وصف الطبيعة بأسلوب يقترب من لغة الشعر، في يوم من أيام الشتاء، حيث تتلبد الغيوم ويهطل المطر. يخايله وجه معهود ـ على حد وصفه ـ لتلميذة تجلس في الصف الأول، ولدهشته يجد نفس الوجه المعهود في فصل دراسي آخر. وكأنه ينطبق عليه المثل "يخلق من الشبه أربعين". ومجموعة من الكرات الزرقاء تصطف في خط واحد، ومجموعة كرات ثانية صفراء اللون تصطف في خط مماثل. صفان متماثلان متشابهان.. وتنتهي القصة بهذا التكوين الجمالي للكرات، مكونة ذات الكلمات في كل من الصفين: "نحن... أختان... شقيقتان... توءم". كأنه يشي بأن التشابه في الطبيعة، يحاكيه تشابه في الإنسان. كأنه يبوح بمنظومة الكون الواحدة. هل نستطيع قراءة النص من جديد على أنه مبني على الثنائية؟ .. الرجل والمرأة.. الموجب والسالب.. الذكر والأنثى.. الأزرق والأصفر.. ربما هي خاطرة مستوحلة من القصة ذاتها، وربما هناك تفسيرات وخواطر أخرى إذا ما حاولنا إعادة القراءة من جديد. وقد تغرينا القصة بالقراءة مرات ومرات.
      يضبط الراوي وقته عند الساعة صفر، بما يعني التوقف والسكون، بينما الكون يمور بالحركة.. ولنقرأ هذه الفقرة الموحية، نتبيين منها الذات الجامدة الساكنة وإحساسها بالعالم الخارجي وهو في حالة حركة دائبة:
      " ورحت أتابع الكرات، في حركتها اللولبية يميناً ويساراً، وقد راحت تملأ المكان بهجة وتثريه بألوانها البراقة، وراحت نفسي تبتهج وهي تتابع في إشراق مهرجان الكرات المنسابة، وهاهي ذي الكرات تتسابق في انسيابها، صاعدة نحو الأعالي، ترتاد آفاقاً جديدة تغمرها أضواء الشمس المتدفقة عبر النافذة ، ويدخل سرب الكرات إلي دائرة الضياء، ويسبح في شلالات الشمس، وتدهشني روعة المشهد، ويسكرني سحره وأنتشي، وأنطلق صاعداً أيضاً، هائماً، سابحاً وسط سرب الكرات السابح، والكرات تتقافز فرحة بي، تتطاير بألوانها الزاهية من حولي، وأنا، أنا نشوان مبتهج.
      كنت أسبح لا أزال، والكرات لا تزال تتطاير من حولي، حين راحت إحدي الكرات المتطايرة تدور حولي، ثم تتبعها كرة ثانية، وثالثة، ورابعة، و، و... كانت الكرات من حولي تدور، وأنا أتابعها وأدور، والكرات تزيد من سرعتها، وأنا معها في طوفان الضوء ندور وأرنو إليها، عبر شعاع الشمس، فألمح بداخلها شيئاً، يلمع عبر الضوء، لكن الأشياء الكروية تهرب مني، تمضي وتدور، وأنا أمضي وألاحقها وأدور، لكني لا أدرك منها شيئاً. ما جدوي أن أمضي أجهد نفسي معها وأدور؟ لماذا لا أتوقف، أتوقف عن دوراني ؟".
      وفي قصة "الزلزال"، يحكي الراوي ما شعر به حين اهتزت الأرض وتمايلت البناية التي يسكن فيها. يحكي الراوي رؤيا وكان حاضرا داخل مصعد ارتفع به إلى أعلى طابق بالبناية، التي اهتزت وتمايلت كأنها قوس يكاد يلامس الأرض وهو يتأرجح. ويشرف الراوي على أراض جديدة وأزمنة غير زمانه.. وهي تداعيات أفكار لما حدث في زلزال 12 أكتوبر 1992. يرصد زمن الفراعنة، ولغتهم الغريبة عليه، أيام توحيد القطرين، ثم ألقت به الاهتزازات عند أرض يحتفل فيها الناس البسطاء بمولد أحد الأولياء الصالحين. ثم حطت به البناية المتمايلة عند قرية غمرها فيضان النيل، ثم ألقت به عند أرض كان البناءون يبنون الهرم الأكبر. ثم يعرج على قرية "إمبابة" حيث احتشدت القوات المصرية . ودارت رحى معركة بين الفرنسيين والمماليك. وكان نابليون قد فرح بوصوله أرض الفراعين . ويغرقنا القاص في تفاصيل المعركة، وكان يمكنه إجمال الوصف حتى لا يطغى على فنية القصة، فبدت القصة تتركز بؤرتها حول تلك الحقبة وتفاصيل أحداثها. فقد صاغ الكاتب قصة بفكرة جيدة، عن تنقله عبر الزمان الماضي والمكان المتغير، وأصبحت عينه لاقطة للأحداث والأرض والناس.. وتنتهي القصة بإفاقته إلى عالمه الواقعي، ويخبره مَنْ حوله أن زلزالا ألم بالبلاد، ودهشوا وانزعجوا من أجله.. قال له البواب: "أقلقتنا عليك... كل ساكني البناية غادروا مساكنهم... سارعوا خارجها... وتركوا أبوابها مفتوحة... كلهم إلا أنت..." [ ص 55 ].
      والفجوات ـ في القصة الرابعة ـ في عرف الكاتب بديل لفظي لمعنى الوقوع في حفرة الزواج! وهو ما حذر الناس المحيطون بالراوي من الوقوع فيه. وهي أطول قصص المجموعة الخمس . تكررت فيها كلمة (الفجوات). حذره أبوه من الوقوع مثله فيها. أبوه لا يني يكشف عن حقده الدفين، لوقوعه فيها. ظل راوي القصة يعزف نغمة غير مألوفة بتحاشي الوقوع في المصيدة، وبدا شديد الحذر، ثاقب الرؤية، أشبه بالشخص الذي يخشى من المرض فيقي نفسه حتى بات هذا الخوف هاجسا يطارده في لفتاته وسكناته، وشبحا يلازمه كظله. تبدّّى لنا الراوي كأنه شديد الذكاء وهو يعزل نفسه عن بنات حواء، كي لا يقع في فجوة من الفجوات! وبذلك يتأكد الخط العام لشخصية الراوي، وإن اختلف الزي الذي يتزيى به، أو اختلطت أمامه الرؤى والسبل، فهو يعزل ذاته عن الآخرين. كلما تفهم الحياة أكثر، انطوى أكثر. ديدنه الحذر والحيطة يجابه بهما الأحداث ومجرياتها. وطوال قصة (الفجوات) ـ في عشرين صفحة ـ لم تفلح بنت من البنات في اصطياده إلى عش الزوجية، كأنه بنى قلعة يعيش داخلها بعيدا عن النساء، حصونها المنيعة القوية، تستعصي على الغازيات. كأن قلبه انتزع من صدره، فما يخفق لأي واحدة من بنات حواء. كأنه السوبرمان الذي يتعملق أمامنا وهو يسير في عكس التيار، يبتني لنفسه عالما أحاديا يتشرنق داخله، غير آبه بسنة الحياة. أسرف الكاتب في التكرار إسرافا لا تحتمله القصة ولا يخدم تكنيكها الفني ، كما أسرف في تكرار أسماء الإشارة والوصل وأساليب الاستفهام، وخاصة في الحوار. وأحيانا يلجأ إلى تقطيع حروف الكلمة، من غير ضرورة. جو القصة مضبب، ولعل الحكمة ـ وأظنها هندية أو وردت في سياق فيلم هندي ـ بأن بيتا بلا امرأة لا يصلح لتنشئة طفل، وأضيف إليها.. "ولا يصلح لمعيشة رجل".. على عكس فكر صاحبنا راوي القصة. وإذا كان الزواج شرا ـ كما يقال ـ فإنه شر لابد منه، بل ربما ـ من زاوية أخرى ـ خير لتواصل الأجيال، وإعمار الكون.
      وراوي قصة (تراكمات) مثل الرواة الآخرين، يعاني هو الآخر الوحدة المستبدة. هو لا يبوح بشكواه لأحد. تخايله أشباح وهو راقد على فراشه، وعند باب شقته، وفي الطريق الموحش. وهي أشباح يجسدها الخيال ويهجس بها الخاطر، فيلعب الخيال لعبته في التصور والنظر المحدق في الظلمة الدامسة.
      يشخص الراوي بقايا آدمي أو حطام جسديصف الراوي نفسه فيقول: "لملمتُ نفسي، وبقيت جالسا على الفراش، كنت أشعر أن ضنى النفس لا يزال يتراكم، والرَهق يتسلل إلى خلايا ذهني دونما هوادة، وأنا جالس القرفصاء متكأكئ على نفسي رافعا رأسي مسندا إياه إلى ما ورائي..." [ ص 81 ].
      هذا الوصف ينطبق على جثمان ووري لتوه الثرى، لا يملك من أمر نفسه شيئا.
      حسني سيد لبيب
      e-mail: hosni_labib@yahoo.com
      hosni_labib@hotmail.com

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        ما جناه أبي

        قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
        .................................

        منذ رقد أبي على فراش المرض، بات يقلقني رنين الهاتف. أهرع لالتقاط السماعة. غالبا ما يكون المتحدث أمي، أو أختي، أو أبي نفسه. أعرف منهم تطور حالته، ربما يستدعونني، لوقوع أبي من فوق السرير، ويخشى أن يكون الكسر لم يلتئم، أو أنه أصيب بكسر ثان..
        لم أنتظر رنين الهاتف، فأكثرت من المرور على بيت الأسرة الذي يبعد عني مسيرة عشر دقائق على الأقدام.
        سمعت مؤخرا صوت أبي، عبر أسلاك الهاتف، كأنه صادر من بئر عميقة. صوت واهن، لكنه واضح.. يحكي لي عما حدث صباح هذا اليوم.. إذ استطاع النهوض عن الفراش والمشي. قلت أستوثق من كلامه:
        ـ هل مشيت يا أبي ؟
        ـ نعم.. مشيت..
        صمت برهة ثم قال:
        ـ وعبرت الشارع.. وحدي..
        ـ ما شاء الله..
        طفق يحدثني عما حدث تفصيلا. وكيف مشى مع رجال الشرطة وجمع من الناس، حتى وصل إلى قسم الشرطة، فوجد والدتي سبقته إلى هناك!
        حكى لي عن ضابط الشرطة الذي رنا إليه، لكنه لم يتهمه بشيء. قلت مندهشا:
        ـ والدتي.. ماذا كانت تفعل ؟
        ـ لا أدري..
        قلت معقبا:
        ـ كثيرة هي الأحلام.. تصور لنا عالما جميلا، أو غريبا..
        كانت والدتي دائمة الشجار مع أبي. لعل الحلم إسقاط طبيعي للعلاقة غير الودية بينهما.. لكن أبي نفى بشدة أنه كان يحلم.. إنه يسرد واقعة. يؤكد لي ذلك، ويؤنبني، أو يعاتبني على ظني الخاطئ..
        كرر رواية ما حدث، فرفعت عقيرتي متضايقا من تحويله الخيال إلى واقع:
        ـ يا أبي.. اخرج من دائرة الحلم.. عد إلى الواقع..
        قال بصوت هادئ:
        ـ تعال..
        ـ حاضر..
        وضعت السماعة وقد خشيت أن يكون أبي يعاني ما يسبق الموت من روايات لرؤى لا تمت لواقعنا بصلة. لكن أبي طلبني على الهاتف، أي أنه طلب رقم هاتفي، دون أن يخطئ، هذا دليل على أنه في حالة من الوعي لا أنكرها.. أما السير على قدميه، وهو طريح الفراش من جراء كسور العظام في الفخذ والحوض، فهذا لا أصدقه، إلا إذا حدثت معجزة من السماء. أجرى جراحة في العظام لعلاج الكسور، لكنه لم يبرأ من الجراحة بعد. عدوت الطريق إلى بيت والدي، وعندي أمل أن أجده يمشي. أصبحت مثله، أتوهم الأمنية واقعا.
        راجعت علب الأدوية الموضوعة على (الكومودينو). تأكدت من تناوله العلاج في موعده. حدثني بتلقائية، وهدوء نفس.. عاد يروي لي ما حدث له. نفس الرواية لم يزد أو ينقص منها حرفا واحدا. كأنه يعيد قراءة نص في كتاب دون تغيير أو تبديل. عزوت ما حكاه إلى أنه حلم، فتنهد في ضيق من سوء ظني أو سوء فهمي. عدتُ إلى الواقع، فألفيته متنبهاً لي، لم يشرد أو يغفُ. شكا لي من أمي..
        تركتَه في غرفته بالطابق العلوي، وجالستُ أمي في الطابق الأرضي. لابد يا أمي من مصالحة أبي. إنه يعاني. تصمت. لا تجيب! تشكو لي هي الأخرى من مرضها.
        سمعتُ صوت أبي ينادي على أمي وهو على درج السلم. هرعتُ إليه. وجدته يحبو هابطا الدرج، على يديه وقدميه.. طفلا يجلس إلى جوارها.. يصالحها.. يتأمل غرفتها التي لم يزرها منذ مرضه. مضت شهور لم يبارح غرفته العلوية. قال لي وهو يشير إلى عدة الهاتف الجديدة:
        ـ لم أرها من قبل..
        ـ اشتريناها منذ أسبوعين..
        صمت طويلا، يتوقع من أمي الاستجابة لكلماته. رجوتها أن تتحدث إليه، ولو بكلمة واحدة، فأعرضت عني وعنه. يا لها من قسوة. ما الذي جنيته يا أبي في حقها ؟
        انحدرت دمعة حبيسة على خدي..
        عاد أبي من حيث أتى. لكني، في هذه العودة، أمسكت به وساعدته على الوقوف. ساعدتني أختي من الجهة الأخرى. صعد درجتين، وعند الدرجة الثالثة توقف. صدره يعلو ويهبط من ضيق شديد في التنفس.. فحملته بين ذراعيّ، وصعدت به إلى غرفته. أرقدته الفراش. جالسته أخفف عنه الجفوة. أروي له عن مرض أمي. هي تعاني كثيرا. غاليت في وصف مرضها المفاجئ، فصدق ما قلت.. كأنني مددتُ إليه قارب نجاة يعبر به نهر الهواجس.. كان مستعدا أن يصدق أي شيء يطمئن خاطره، ويخمد زوابع القلق.
        نزلت الدرج لألتقي أمي. ما كان يجب أن تجافيه، أو تخاصميه.. فزجرتني.. حدثتُ نفسي:
        "هل قدّتْ قلوبنا من الصخر ؟".
        عدتُ إلى بيتي، أستغفر الله له، ولأمي، ولي..
        حسني سيد لبيب
        ................................
        *نشرت مؤخراً في مجلة "الرافد".

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          قراءة في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب

          بقلم: إبراهيم سعفان
          ــــــــــــــــــ

          الأستاذ حسني سيد لبيب أديب ملتزم بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وهو منحاز للطبقة المتوسطة والفقراء، ويعتني أيضا بالأسرة باعتبارها النواة الأساسية التي يرتكز عليها المجتمع. إنهم يعيشون في الأرض، ويسعون في مناكبها بحثا عن الرزق، ولتحقيق أحلامهم البسيطة، كأحلام "حمزة" صاحب الغرزة الذي "يدعو الله أن يصلح الأحوال، ويحقق الآمال، كانت آماله محدودة متواضعة، لا تتعدّى أن يعينه الله على مواجهة ما تأتي به الأيام، وأن يحقق "لحميدة" حلمها في ولد تفرح به".
          الرواية صورة واقعية حقيقية، لأناس يكافحون من أجل توفير أدنى متطلبات الحياة، فالنفق يمثل قوة من قوى الضغط النفسي، فالخوف ساكن في قلوبهم خشية انهيار النفق في أي لحظة، أصبح يمثل كابوسا يهدد حياتهم في يقظتهم، وفي أحلامهم، وهناك أيضا "سيد سبرتو" الفتوة يمثل قوة ضغط وخوف وتهديد.
          ويبين الكاتب الروح الشعبية المتألقة بشكل واضح. ولذا يمكن القول: إن الشعب يحركه أمران هامان هما:
          1. الوجدان الديني،
          2. الروح الشعبية.
          فالوجدان الديني يحرك فيه الصدق والأمانة والعدل، والروح الشعبية تحرك في الإنسان الشهامة. وهذان الأمران يسريان في الشخصيات، ونتبين ذلك في سلوكهم.
          هذه الروح جعلت والد فتحي يتراجع عن الهروب من كمساري الأتوبيس حتى لا يدفع ثمن التذكرة، ثم يفيق إلى نفسه فينادي على الكمساري ويعطيه ثمن التذكرة في إباء. لننظر إلى كلمة "في إباء" وما تكشفه عن اعتزازه بنفسه. وعند عودة "فتحي" من الخارج سمع حديث والده مع والدته. ماذا فعل؟ أخذ يعاقب نفسه بتأنيب الضمير، فيقول الكاتب "أنّب نفسه لمجرد التفكير في قضاء ليلة في المولد يلهو فيها ويعبث، باحثا عن اللذة.. بدأ يفيق على صورة الأب المكافح الذي هزمته الحياة في مواقع عديدة، لكنه يواجهها برباطة جأش، وتحمّل. بدأ يتنبه إلى أنه ينتمي للأسرة الفقيرة، وابتأس لحاله".
          يبين الكاتب أن الإنسان يحمل الشر والخير، فشخصية "سيد سبرتو" الفتوة وما عرف به من قوة شريرة نجده يسارع فورا في إنقاذ غرقى الأتوبيس في النيل، وكذلك والد فتحي يتراجع عن الهروب من الكمساري حتى لا يدفع ثمن التذكرة. لم يمنع فتحي إحساسه بفقره من محاولة تحقيق حلمه وحلم الأسرة بدخوله كلية الهندسة.. يعيد الثانوية العامة بعد حصوله على مجموع 56 % لا يؤهله لدخول كلية الهندسة، فقدم أوراقه إلى معهد الخدمة الاجتماعية، فلما طلبوا منه كتابة بحث اجتماعي، اختار موضوع "التسول كظاهرة اجتماعية".
          وافق الوالد دون تردد على تحقيق رغبة ابنه. لم يتردد في بيع طقم الصالون، ودفع الرسوم المقررة.
          تحول النفق إلى كابوس يجثم على الأهالي في اليقظة، وفي النوم، يضج مضاجعهم، ويؤثر في أعصابهم، فها هو "حمزة"، يرى في منامه حلما مزعجا فيقول:
          " لم ينم هذه الليلة. إن غفلت عيناه، حلت كوابيس أفزعته من نومه في حالة لم يعهد لها مثيلا. أتاه حلم مرعب لعمال بأفرولات زرقاء، وجوههم غير محددة المعالم، يحفرون مقبرة بعمق لا نهاية له. وهو مستكين ينتظر حتفه في هذا الجب العميق. ولما حان أجله أحس بقوة تحاول دفعه للسقوط، فصرخ صراخا عاليا، لكن الصراخ لا صوت له، تردد صداه في المقبرة التي لا قرار لها، ينهض هلعا.
          أما الحلم الثاني لحمزة بن محمد، فقد استغرق في نومه وسبح في دنيا الأحلام، ورأى فيما يرى النائم نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع، يتحسس الجدران.. يمرّر سبابته على شق من شقوقه، تجزع نفسه.. يصيح.. أبي.. حلم أو علم.. يقرص فخذه حتى يتنبه، يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له.. يا هُو.. يا خلق الله.. النفق ينهار.. انقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ، أم انهيار كامل.. لا يدري.. لا أحد يجيب.. يجري كالمجنون.. الناس في بيوت مغلقة، لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات".. وهذه إشارة إلى لا مبالاة الأهالي. ويصف الكاتب الحلم بأنه "إشارة لما سيحدث في المستقبل، فيقول: "الحلم إرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام، وقد تكون الحاسة السادسة تري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب.. تريه ما لا يراه بعينيه، وما لا يطوف بخياله".
          أما حلم اليقظة: فهو القدرة على استحضار صور شتى، تخدع العقل، وتخضع الإرادة الشخصية، وحسها الانتقائي، فالتخيل هنا إرادي، مجاله لا وعي لليقظة. وفق الكاتب في تصوير معاناة أهل الحي، نتيجة لما مرّ من حروب في الماضي، وما يتحملونه من أزمات اقتصادية شديدة. إنه شعب لديه إرادة على تحمل الصعاب. لقد ربط الحزام ولم يفكه.. ورغم ذلك يدبر حياته متحديا ظروفه القاسية مستعينا بالله سبحانه وتعالى.
          أما اللغة فالكاتب يحسن اختيار ألفاظه السهلة الحميمية، كما يتميز بالأسلوب والصور الفنية غير المعقدة، ليحدث التواصل بين المتلقي وبين النص. لذلك نراه يحرص على تنقية اللغة من أي إغراب، لذلك يمكن القول: "إن الأسلوب هو المبدع"، وإن "اللغة العربية هي التي تحدد خصوصية المبدع وهويته الحضارية".
          اللغة الإبداعية نسج بديع يبهر ويسحر، وعلى الأديب أن يعرف كيف يتعامل مع لغته، كما يقول الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه "في نظرية الرواية": "حتى يجعلها تتنوع على مستويات، دون أن يشعر القارئ باختلال المستويات في نسج اللغة". فالأستاذ حسني واع لمهمة اللغة وأهميتها في تحديد المستويات، كما يولي أيضا لغة الحوار اهتماما كبيرا، فهو يحرص أن تكون لغته عربية فصيحة بسيطة سلسة، يفهمها المتلقي بمستوياته المختلفة، فهو لا يستخدم العامية حتى في الأمثال الشعبية.
          واختلف في ذلك النقاد، فمنهم من يرى بقاء الأمثال بلهجتها العامية مثل الدكتور علي الراعي ـ رحمه الله ـ الذي قال إن الأمثال الشعبية تكتب بلهجتها لتحتفظ بزخمها.
          وسبب تمسك حسني سيد لبيب باللغة العربية الفصيحة يرجع إلى أن العامية لا تقدر على التعبير عن العواطف والأفكار والواقع اليومي مثل اللغة العربية.
          الكتابة الروائية عمل فني جميل يقوم على نشاط اللغة الداخلي، ولا شئ يوجد خارج تلك اللغة، وإذا كانت غاية بعض الروائيين العرب المعاصرين هي أن يؤذوا اللغة ( ليس بالمفهوم الفني ولكن بالمفهوم الواقعي للإيذاء)، بتسويد وجهها، وتلطيخ جلدها، وإهانتها بجعل العامية لها ضُرّة في الكتابة.. فلم يبق للغة العربية إلا أن تُحزّم حقائبها، وتمتطي ركائبها، وتمضي على وجهها سائرة في الأرض لعلها تصادف كتّابا يحبونها من غير بني جلدتها.
          أمام كل هذا فإننا لا نقبل اتخاذ العامية لغة في كتابة الحوار.. ونؤثر أن تكون للغة الحرية المطلقة لتعمل بنفسها عبْر العمل الإبداعي، فلا واقعية، ولا تاريخ، ولا مجتمع، ولا هم يحزنون، إن هي إلا أساطير النقاد الآخرين.
          استعان الأستاذ حسني سيد لبيب بوسائل فنية تعمق الحدث، وتنشط ذاكرة المتلقي، فيسترجع ذكرياته ويحل رموزها، ويصل إلى مفاتيحها، ودلالاتها، ونتبين ذلك في: الحديث النفسي، والمناجاة، وحمزة صاحب الغرزة الذي يتذكر أحداث عصره، ومذكرات فتحي الذي يسجل وقائع زمنه، وأحوال الشخصيات. وكذلك الأحلام سواء الأحلام التي نراها في النوم، أم في أحلام اليقظة.
          لقد قدم الأستاذ حسني سيد لبيب بانوراما لمدينة إمبابة، وسجل الحركة الدقيقة لسكان الحي، حالتهم النفسية، والاجتماعية. كما اهتم بإبراز شخصية ابن البلد عن إيمان عميق يسري في وجدانه، ولا يظهر ذلك إلا في الملمات، كما أبرز أن الإنسان فيه الخير وفيه الشر، ولكن الخير هو المقدم عنده، ويتضح ذلك في سلوك "سيد سبرتو" الفتوة الذي يهب لنجدة أبناء حيّه ومساعدتهم. فشخصيات الرواية سوية إيجابية، لذا نراها متكاتفة، متعاونة في أي ظرف من الظروف.
          ونورد أخيرا الكلمة التي ختم بها الكاتب الرواية: "عكف فتحي يسطر في مذكراته مأساة أمة نكبت في أعز أمانيها. بللت الدموع الصفحة التي يكتب فيها.. تطلع إلى السماء، عساه يهتدي إلى نجم ما، لعل أملا جديدا يضئ الأفق".. وهذا الأمل هو الذي يعيش له أهالي حي المنيرة.
          الجوانب الفنية:
          1. بدأ الكاتب ببيان جغرافية المكان ووصفه وصفا دقيقا. الأماكن الجديدة والأماكن القديمة، ذاكرا كل الأماكن المشهورة، التي لها ذكريات في حياته، وفي حياة سكان إمبابة، التي تحرك أشجان الإنسان وتعيده إلى مراتع الصبا.
          2. بيّن الأزمات والمعاناة من الآثار النفسية المتراكمة نتيجة الحروب في الماضي، ونتيجة الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها دون أمل في حل الحزام الذي ربطوه منذ سنين.
          3. من يقرأ الرواية قراءة سريعة يعتقد أنها رواية تعالج مشاكل اجتماعية ومشاكل الشباب فقط، ولكنها رواية تعالج قضايا سياسية، لم يشأ أن يعرضها بالتفصيل، ولكنه عرضها كأسماء شخصيات، أو أماكن، أو مواقف سياسية مثل الحديث عن عبد الناصر، واعتقال الشيخ محمود خطيب المسجد، غير الإشارات والتلميحات التي استخدمها.
          4. وفق الكاتب في توزيع الأسماء في فصول حتى لا يقع الإنسان في لبس لكثرة ذكر الأسماء.
          5. كما أنه وفق أيضا في تقسيم الفصول فهي تتتابع حينا وتتبادل حينا آخر.
          6. لم يذكر الكاتب بعض أسماء الشخصيات في بداية الفصول لإحداث شئ من الإبهام ليستثير القارئ ليتابع أحداث الرواية.
          7. الرواية واقعية اجتماعية سياسية، أي أن أحداثها مستمدة من الواقع المعيش لسكان الحي. والواقعية التي استخدمها الكاتب واقعية نظيفة ليس فيها هبوط أو استخدام ألفاظ رديئة تجرح مشاعر المتلقي، كما نرى في إبداع بعض الأدباء من إسفاف وخروج عن الذوق مما يفسد الجانب الفني والخلقي. أما حسني لبيب، فقد استخدم الواقعية النظيفة التي تفيد المتلقي فنيا وخلقيا.
          8. نلاحظ أن الكاتب حسني لبيب يضع نصب عينيه المتلقي، فهو ملتزم، فلا نجد في الرواية وصفا خارجا جارحا، ويبدو ذلك في التالي: "يدخل فتحي المسرح، ويرى الراقصة العارية، عندما وصل إلى بيته، ماذا فعل؟ هل سلك سلوك الشباب الطائش؟ لم يفعل ذلك، بل تصرف تصرفا عاديا، "حضن المخدة كما فعل عبد الحليم حافظ في فيلم "الوسادة الخالية". كما أن الكاتب لم يستغل هذا الموقف في وصف جنسي يداعب به غرائز الشباب، ويرجع ذلك إلى رفضه هذا حماية للشباب واحتراما لأمانة الكلمة، والتزاما بالخط الخلقي الذي التزم به..
          9. لم يحقق أهل الحي أحلامهم أو بعضا منها، ولكن لم يسدّ الطريق عليهم، فهو كعادته يؤمن بالمستقبل الذي سيحمل تفاؤلا وأملا جديدا يضئ الأفق.
          إبراهيم سعفان
          ....................................
          *ألقيت هذه الدراسة في ندوة رابطة الأدب الحديث بمناسبة احتفالها بصدور الرواية.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            قراءة في قصة «كلمات حب في الدفتر» لحسني سيد لبيب

            بقلم: أ. د. حسين علي محمد
            ...........................

            عرفتُ الصديق الأديب حسني سيد لبيب منذ إحدى عشرة سنة حينما قرأت له قصة قصيرة في مجلة " الآداب " البيروتية عنوانها " شيء أخضر ".. كانت كلمات القصة تنساب في بساطة متناهية، وتقول شيئا ما في فنية وفي وضوح.
            ومن يومها وأنا أتابعه في قصصه وفي مقالاته النقدية وخواطره المضيئة التي هي أشبه ما تكون بأسلوب التلغرافات : قصيرة ومركزة.. وحسني ينشر الآن كتاباته باستمرار في ثلاث مجلات هي : (صوت الشرق )، و ( الأديب ) اللبنانية، و(الآداب) أحيانا.
            وكان ينشر مقالاته النقدية في مجلة "الأدب" التي احتجبت منذ عشر سنوات بعد وفاة أستاذنا أمين الخولي، رحمه الله.
            وسوف نقدم حسني من خلال قصة قصيرة هي "كلمات حب في الدفتر".
            القصة بسيطة، والحدث فيها بسيط.
            إن ( رفعت ) يعبث في دفتر أخته ( عفاف ) فيجد كلمات حب متناثرة في صفحات كراستها، ويذهل رفعت، هل من الممكن أن تحب ( عفاف ) شخصا ما ؟
            وتحدثه خطيبته في ( التليفون ) بعد خصام دام أسبوعا، فيعود يقرأ الكلمات وهو يتذوقها من جديد ويكتب في صفحة بيضاء في ذيل كراسة عفاف : " أختي عفاف : أعجبتني الكراسة، لكن كلمات الحب.. " ولكنه لم يستطع أن يكمل عبارته ويطمس الكلمات.
            ثم ـ أخيرا ـ يقطع الورقة حتى لا يؤثر على أناقة الكراسة.
            هذه القصة البسيطة تذكرني بقصة ( في ضوء القمر ) للقصصي الرائد : جي دي موباسان التي نرى فيها ( قسا ) محافظا لا يعترف بعاطفة الحب، يتناهى إلى سمعه أن ابنة أخته تحب، تلك التي رباها على الفضيلة. ويخرج في الليل ليراقب الفتاة مع حبيبها، ولكنه يجد القمر الوديع يسبح في الفضاء، وتعتريه هزة مفاجئة في لحظات صفاء فوق العادة ويسأل نفسه : لماذا خلق الله القمر ؟ ألم يخلقه للمحبين كي يستمتعوا بنوره ؟.. ويذهب إلى ابنة أخته وحبيبها كي يبارك حبهما، ويدعو لهما بالسعادة.
            كان من الممكن أن تكون قصة صديقي حسني سيد لبيب في مثل روعة قصة "جي دي موباسان " لو أنهاها عند الكلمات التي كتبها رفعت في كراسة عفاف وإحساسه المبكر بعظمة الحب وروعته، وأن يرضى لها الحب ـ ولا يمقته ـ ذلك الذي شعر به وتذوقه بعد قراءة كلماتها المعطاءة.
            لكن قصة حسني فيما أرى أرادت أن تكون رمزية : فاسم البنت ( عفاف ) أي أنها ( رمز العفة وربة الصون ) واسم أخيها ( رفعت ) رمز الرفعة والسمو عن العواطف. أما من ناحية الكلمات فهي رمزية في القصة تفتح كنوزها عن عالم شعري العطاء.
            واقرأ معي ـ يا صديقي القارئ ـ هذه السطور الأخيرة التي كتبها حسني، بعد أن كتب رفعت سطوره في كراسة أخته عفاف، ولاحظ أن الكلمات تحمل شحنات مكثفة من القدرة على التعبير السخي، فكأنها مثمنات بللورية تتساقط عليها الأشعة من كل جانب.
            يقول حسني سيد لبيب : " أختي عفاف.. أعجبتني الكراسة… لكن كلمات الحب..". لم يستطع أن يكمل ـ يتردد ـ يرتعش القلم بين أنامله.. يحس ببرودة تلفح وجهه.. يخشى أن تصاب عفاف بنوبة برد وهي نائمة. يقف. يخطو. يقترب من الفراش. يسحب الغطاء، يدثر الساقين العاريتين، ليصون عفافه، وما احتضن إلا الفراغ.. الفراغ مارد هائل. والصمت رهيب كئيب ".
            هل أنثر هذا الجزء من القصة وأتحدث عن البلاغة فيه وأقول على عادة شرّاح الكتب المدرسية : إن عفاف لم تكن في البيت، وإنه بهذا الأسلوب يصور شعور رفعت وخوفه من أن يصيبها بكلماته.. كما لو كان يعريها من الأغطية في ليل الشتاء !!
            لعلك ـ يا عزيزي القارئ ـ لاحظت معي أن أدنى شرح يفقد هذا الأسلوب الرائع قدرته السخية على العطاء.
            أريد ـ فقط ـ منه أن يخفف جملة "وما احتضن إلا الفراغ" فهذه القصة تتحدى فهم القراء.. وكأنهم لا يفهمون الأدب ! ولهذا ـ في رأيي ـ أسقطت قصته من حالق !
            شئ آخر ـ غير الرمز ـ شارك في نجاح هذه القصة، هو أسلوب كتابتها الذي أعتبره يضيف إضافات باهرة لقصص حسني سيد لبيب الموباسانية الشكل والأسلوب.
            اقرأ معي ـ يا عزيزي القارئ ـ هذه الفقرة في بداية القصة، ولاحظ معي أن حسني سيد لبيب يستخدم فيها بوعي وذكاء شديدين أسلوبا من أساليب القصة الحديثة.. وهو الأسلوب المسمى " بتيار الوعي " :
            " ارتعشت يده.. غار قلبه.. أحب أن يعبث بحاجيات عفاف. ماذا يحوي هذا المكتب الصغير ؟ حرص على أن يلج باب غرفتها دون أن يسمع له صوت، رغم أن البيت خال. تردد. حملق في الصورة التي يحيطها إطار مذهب، كأنه إكليل يتوج العروس.
            رنا إلى الصورة.. ابتسامة حانية.. ونظرة ملائكية.. وشعر منسدل على الكتفين كالليل الدافئ. اقتعد كرسيها. ذعر. ارتعد. تدخل فجأة. تبتسم. تتكئ بمرفقها على المكتب. تسند وجهها على كفها.. الإبهام والسبابة يرسمان الرقم سبعة. الابتسامة تزغرد في العينين. " ما لك وحاجتي ؟ ولم تتدخل في حياتي الخاصة ؟!!.. يحملق في الفراغ الذي حوله.. قبضة يده تخبط المكتب بقوة.. شعره الهارب إلى الوراء تاركا جبهة أعرض. يقشعر. يكفهر وجهه. أيرد عليها ؟ ماذا يقول ؟ مفتاح المكتب قابع في يده المرتعشة. يتوسل إلى الصورة التي تشاغله. ماذا يحوي المكتب من أسرار ؟ يود أن يستكشف عالمها الخاص.. ".
            بقي شيء نقوله في هذه القصة، وهو أن هناك بعض التعبيرات ـ رغم صحتها اللغوية ـ إلا أنها في صياغتها الحالية تحتاج إلى تعديل مثل قوله : يستفزه السر المكمون ".. وكان في إمكانه أن يقول : "السر الكمين ".
            وعموما فإن قصة «كلمات حب في الدفتر» للصديق حسني سيد لبيب، قصة جيدة لكاتب واعد نرجو أن نستمتع بكتاباته وإبداعه دائما. ونرجو أن يأخذ موقعه على خريطة القصة المصرية القصيرة.
            .................
            [نشرت في مجلة "صوت الشرق"، القاهرة، عدد مايو 1977م]

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              قراءة في «كلمات حب في الدفتر»

              بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
              ..................

              تخرج علينا المطابع العربية كل يوم بإصدارات متنوعة وعديدة، خاصة فيما يتعلق بالقصة القصيرة ـ هذا الفن الأدبي الرائع الممتع ـ بيد أن قلة من تلك القصص وثلة من أولئك القاصين هم الذين يستوقفون القارئ ليتركوا انطباعات متميزة، ويرسموا في عقله ملامحهم الفكرية. ذلك أن هذا الفن / القصة القصيرة مغلف بغلالة صفيقة من المراوغة تجعله يبدو لكثير ممن يتعاطونه سهلا ميسورا مجردا من كل أثر للصعوبة والعنت، فما هي إلا أن يمسك بالقلم، ويشرع في الكتابة حتى دون تخطيط مبدئي للحدث والفكرة والشخوص، وما هي إلا كلمات محدودة تسرد شيئا ما حتى تستوي في وهمه قصة قصيرة أو أقصوصة يجد في نفسه إلحاحا بالغا على نشرها، ونزوعا جارفا لاطلاع الناس عليها، أو رؤيتها ممهورة باسمه. وهو هنا يتجاهل أمرا مهما يتمثل في تقنيات القصة القصيرة التي ينبغي الالتزام بها، ويستخف بذوق القارئ ووعيه دون أن يخطر في وهمه أن هذا الأمر لن يعود عليه إلا بالخيبة والفشل.
              ومن هذا ينبغي على مبدعي هذا اللون الأدبي الجميل أن يولوه قسطا أوفر من عنايتهم، ويحرصوا على تقديمه في صورة فنية متكاملة ليحققوا لأنفسهم قدرا مناسبا من الإبداع، فيحظوا بقدر مناسب من الشهرة والذيوع. وقاصنا الأستاذ حسني سيد لبيب، كما يظهر في مجموعته القصصية التي اطلعنا عليها، يمكن أن يعد نموذجا طيبا لمبدعي هذا الفن / القصة القصيرة، الذين وعوه بعمق، وتمثلوه بوضوح في إبداعهم. وهذه المجموعة التي بين يديك أيها القارئ العزيز التي تحمل عنوان إحدى أقاصيصها " كلمات حب في الدفتر " أبدعها ببراعة هذا القاص المتميز الذي ينتمي إلى جيل السبعينيات بكل طموحاته وآماله ومعاناته وآلامه وواقعيته، تمثل شرائح متنوعة التقطها من واقعه ومجتمعه، عايش همومها وآلامها ومعاناتها ومشكلاتها، ووعى آمالها وطموحاتها وأحلامها فاندفع يجسد ذلك كله عبر أحداث أقاصيصه على ألسنة شخوصها محاولا جهده وضع حلول مناسبة لمشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية..
              وتحتوي هذه المجموعة اثنتي عشرة قصة، تعالج كل قصة منها حدثا خاصا وتتناول مشكلة معينة، ولكنها تلتقي جميعا في النهاية لتمثل المجتمع المصري البسيط المتواضع الذي عاشه القاص واقعا متميزا، أحسن التقاط أحداثه وانتقاء شخوصه إحسانا ظاهرا. فعلى المستوى الاجتماعي وما يثور فيه من مشكلات أسرية نجد "اقتفاء الأثر " / 2 تجسد مشكلة الخلافات الأسرية التي لا يخلو منها بيت، ولكنها هنا لا تراعي العشرة الطويلة وتسقطها من حسابها في سبيل تحقيق وهم الحب من قبل الزوجة ومحاولة الزوج / الأستاذ البحث عن الاستقرار النفسي والأسري مع أم إيناس وتقابل هذه القصة قصة " الطفل والعربة الصفراء " التي تصور خروج أو طرد الزوج من البيت الضيق المكون من غرفة واحدة، تحت إصرار الزوجة على بيت من غرفتين على الأقل، كما تلقانا في القصة الثانية مشكلة فتاة الجينز ومفهومها الخاص للحرية الشخصية المغاير لمفهوم والدها. وقصة " ماسح الأحذية " / 5 تحاول تحقيق الذات المسحوقة ولكنها بكل واقعيتها تنتهي بتكريس حقيقة التمايز الطبقي وأن كل ما يبدو ليس أكثر من تمثيل في تمثيل كما تركت الأوضاع الاقتصادية المتردية بصماتها على كثير من القصص، فـ " الصندوق " / 1 تنطلق أحداثها من مشكلة السكن التي يعاني منها الشباب المقبلون على الاستقرار الاجتماعي، والرغبة في الحصول على سكن مناسب فضلا عن الضائقات المالية التي كانت تعصف بالأسرة والتي كان الصندوق يجسد الأمل في الخلاص منها. وكذلك جاءت " الورقة الضائعة " / 4 تجسد مشكلة الفقر لدي الطبقة الدنيا من طبقات المجتمع ومشكلة الجمعيات الاستهلاكية التعاونية.. وكذلك حكاية الموظف أنور وعجز الراتب عن تحقيق التوازن بين الواردات / الدخل والنفقات في قصة "حكاية ورقة نقدية " / 3 التي تعالج مشكلات هذه الطبقة الفقيرة في شخوصها الأخرى " المومس والعجوز والراقصة " بازاء طبقة القطط السمان الجزار والمعلم حسب الله والثري المتصابي الباحث عن اللذة المحرمة مع عشيقته…. وعلى المستوى الأخلاقي نجد القاص الفاضل يرصد في بعض أقاصيصه طرفا من الممارسات الأخلاقية المنحرفة كما في " الصندوق " / 1 الذي احتفظ على مدى خمسة أجيال زهاء قرن ونصف من الزمان.
              وفي " حكاية ورقة نقدية " / 3 يعرض لمستويين من هذه الممارسات الخلقية : المستوى الشعبي / طبقة الشعب / فهمي والمومس، والمستوى الرأسمالي / الجزار والراقصة، والثري والعشيقة، والذين ترددت بينهم الورقة النقدية، لتكون نهايتها المفجعة بحرقها لإشعال لفافة تبغ بين شفتي غانية لعوب. وهي ممارسة أخلاقية متميزة وشائعة تلقانا في أحداث كثيرة مشابهة. وعلى المستوى النفسي تلقانا في قصة " الخاتم " / 8 مشكلة الفراغ الجنسي كما تلقانا مشكلة الفراغ هذه في محاولة الأستاذ تعويض ما افتقده من حنان الزوجة والابنة عن طريق الزواج من أم إيناس في قصة " اقتفاء الأثر " / 2. أما " كلمات حب في الدفتر " / 10 فقد أعادت التوازن النفسي لرفعت وزرعت الحب في نفسه من خلال كلمات الحب التي دونتها أخته عفاف في دفترها، فردته إلى خطيبته ردا جميلا، كما نجد هذه الظاهرة في قصته " عاشقة الضوء " / 11 التي احتملت كل ألوان العناء صامدة أمام مختلف محاولات الإغراء الجامحة في انتظار الحبيب الغائب. و " ناني الغالية " / 9 تجسد أثر الشائعات والأقاويل والافتراءات في إفساد العلاقات الحميمة بين الخطيبين. ويبدو أنه لعناية القاص الفاضل بهذه القضايا والمشكلات التي كانت تشكل بالنسبة له هاجسا خاصا وهما اجتماعيا بالغا في وجدانه صرفته عن الهم السياسي، أو حجبت عنه رؤيته، وكأن الوضع السياسي المصري على الأقل لم يكن يعنيه كثيرا أو قليلا… ولا نظن أن " الرداء الأحمر " / 12 يمكن أن تشفع له أو تفسد هذا الرأي برغم كونها قصة رمزية الأحداث والشخوص تجسد شهوة الحكم والتشبث بالملك والسلطان وما قد يفضي إليه من سفك واسع للدماء… ذلك أن الهم السياسي أعمق من أن يعالج بمثل هذه القصة إلا أن يكون القاص الفاضل يؤمن بالتخصص في مجالات الإبداع أو أن يكون إبداعه في هذا المجال لم نطلع عليه…
              وكما أبدع القاص في عرضه قضايا مجتمعه الواقعية ومشكلات أبطال قصصه وشخوصها المتنوعة، فقد حقق التكامل الفني لكثير من قصص المجموعة من حيث الأحداث المؤثرة والشخوص المتنوعة المحورية الرئيسية منها والثانوية الهامشية وما حرص عليه من تحليل دقيق لكثير منها.. كما يلمس القارئ لهذه المجموعة دقة الحبكة وروعة السرد وانسيابية القص وسهولة التعبير وتنامي الأحداث وتطور الصراع وطبيعة العقدة وبعدها عن الافتعال والمصادفة وعبثية الحدث مما جعل لحظات التنوير / الحلول تأتي فيها طبيعية متوازنة وإن شابها في جوانب محدودة جدا شئ قليل من التفصيل والإطناب المخالف لطبيعة القصة القصيرة، تحت إلحاح الرغبة في الوضوح والتفصيل على نحو ما نجد في قصة "عاشقة الضوء "، وعلى هذه الشاكلة يتبدى لنا القاص الأستاذ حسني سيد لبيب في هذه المجموعة "كلمات حب في الدفتر " قاصا مبدعا قد ملك أدوات هذا الفن الماتع فن القصة القصيرة وحرص على تكريس تقنياتها والتزامها فيها من انتقاء الحدث واختيار الشخوص الفاعلة ودقة رسمها وتحليل أبعادها وملامحها الواقعية والرمزية وبناء الحبكة المتقنة وانسيابية السرد وشيوع الحوار وطواعية اللغة وجمال العبارة وحلاوة الأسلوب… وكل أولئك من مقومات الموهبة المبدعة الأصيلة التي تبشر بإبداع متواصل جدير بالاهتمام والتقدير والتنويه.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                الواقع وتحدياته في «كلمات حب في الدفتر»

                بقلم: رشيد الذوادي ـ تونس
                ......................

                منذ مطلع هذا القرن والكتابات المعاصرة تتسع اتساعا كبيرا للمشكلات والقضايا ولمتطلبات الواقع وتحدياته.
                ورغم مرور السنين ظل التفاؤل دائما يستوجب منا هذه المتابعة المستمرة لما يكتب وينشد، ولما يثار في ساحات الأداء والفعل عبر التغيرات الواسعة؛ التي اتجهت أحيانا إلى تنمية الدفق العاطفي، وشكوى وألم وغضب تارة أخرى.
                والفكر الأدبي بأشكاله المختلفة ومضامينه المتعددة والمعقدة في بعض الأحيان؛ بدا لنا في هذا الزحام مدخلا إلى عصر تدوين معاصر، ومقوما من مقومات توجهنا الحضاري، وشكّل بالتالي قدرات الإنسان غير المحدودة على الالتقاء بالآخرين، كما مثل روح النضال، والذات المتحركة ضد التخلف؛ سعيا إلى بناء واقع اجتماعي جديد، يرسم تفاؤلية للمستقبل… وهذه التفاؤلية ستبدد ملامح اليأس والفقر ومكوناته، وتضع أعيننا أمام المشكلات الفعلية من خلال ارتباط الذات بالمجتمع، ومن خلال تولد الأفعال وردودها في فضاءات التحليل والتأمل، وفي حدود المكان والزمان، وحتى في سياق الأحداث ذات الدلالات الاجتماعية والإنسانية.
                وفي ضوء منظومة قضية ( الفن والواقع المعاش )، وفي محك صراعات الإنسان التواق للحرية وللعدل الاجتماعي، وفي مجالات التعبير عن معاناة الفقراء؛ تأتي مجموعة قصص الكاتب حسني سيد لبيب الحاملة لعنوان : " كلمات حب في الدفتر "، ولا أخفي على القارئ الكريم أني لمست في هذه المجموعة القصصية " الوجه الآخر " في رحلة القاص حسني سيد لبيب؛ وهذا الوجه تمثل في مرتكزات ثلاثة :
                أولا : في ذلك الخيط الدقيق؛ الذي يملك به محبة كل من عرفهم أو التقى بهم في زحمة الحياة ومشاقها.
                ثانيا : وفي تلك العاطفة الجياشة والشخوص؛ الذين التقطهم ببراعة… وحركهم ببراعة أكثر؛ ضاربا بذلك المثل على الإنسان المؤمن الكادح، لا الإنسان الاتكالي، الذي يعيش عالة على غيره ولا تستفيد منه أمته بشيء.
                ثالثا : وفي دلائل نضوج قاص مكافح تقدم بمستويات القصة أشواطا بعيدة بعد ما ملأها بأشتات من الأدوات والشخوص ففيهم : الموظف، والصحفي، والجزار، والفلاح، والعمدة… وغيرهم… قدم كل هؤلاء لنا بمهارة فائقة وإحساس مرهف؛ حتى أنك لتكاد تحس بأن هذا القاص متمكن من أدواته، وله قدرة في تصوير الحياة كما يراها، ومتأثر جدا بمسارات محمود تيمور الحريص على أن يماشي الحادثة في الخطو والتحول، ويتنقل في الحارة والقرية باتزان؛ جامعا بين السرد والحوار ليلفت الأنظار إلى نجاحاته الفنية في محكيات العصر وفقا لسؤال الهوية وتصوير الحقائق الدقيقة الصادقة.
                وإذا ما كانت هناك وشائج فكرية بين فتحي غانم، وبين مسيرة القاص صلاح عبد السيد؛ حيث أن كلا منهما يقترب من الإنسان، ويقتحم أغوار حياته وينحاز إليه؛ فإن الراصد لقصص حسني سيد لبيب؛ يرى فيها البيئة والزمان المختلف، وتلك التحولات التي واجهت ( الأنا ) و ( الآخر ).. والآخر هنا رابض بأقنعته وقمعه وتجاوزاته، ويرى فيها نقل الواقع المصري بكل ملابساته… إنه في قصصه ينحو منحى محمد تيمور الذي مات في فجر شبابه : ( 1892 ـ 1921 م )، ولكنه مع ذلك أمكن له أن يرصد جملة التحولات السياسية والفكرية في وطنه.
                فكلاهما في تقديري نقل الواقع بأمانة وصدق وبمتعة فنية، وانتصر على المعوقات واليأس.
                وحسني سيد لبيب بما يملكه من رؤية أيديولوجية مثلما لمسناه واضحا في البعض من أقاصيصه كـ: ( الصندوق ) و ( الرداء الأحمر )؛ استطاع أن يعكس واقع الحياة الشعبية في مصر في معظم قصصه؛ لذلك لا عجب إن بدا لنا أحيانا حائرا. وطورا آخر يحلق في أجواء المعاني الإنسانية، وقد يتوقف عند قضايا الطبقات المحرومة أو يطرح آراءه الفكرية في بعض الأحداث. وهو في رأيي يضيف الجديد ويعطي تفسيرات إضافية للمستقبل.
                وبدون شك فإن هذا التوقف؛ هو خطوة في الطريق الطويلة، وهو لون من الارتباط بالواقع وبالأرض. وبالمشكلات القائمة عبر الأحداث وفي ضوء الراهن العربي المعاصر.. وهو مسار جديد من أجل تحقيق الأمنيات، وفرصة لإيجاد ذلك التغيير الجذري في قيم المجتمع ومثله.
                ولا شك أن كل هذا مفيد في إبراز تطور العلاقات بين القاص والمجتمع؛ سيما إذا ما أراد القاص أن يعبر عن هموم شعبية وبأسلوب سهل ومبسط.
                وفي ضوء التزام القاص حسني سيد لبيب بظروف حياة مجتمعه وتحدياته لمشاهد القهر والأحزان؛ نقرأ له قصصا شائقة في هذه المجموعة كـ ( عاشقة الضوء )، و ( ماسح الأحذية ) و ( اقتفاء الأثر )، و( كلمات حب في الدفتر )؛ وهي كلها تعكس هذا التأثر بنجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وجمال الغيطاني… إنه ينقلنا إلى نفس المشاهد والصور في هذه الحارات الشعبية، وإلى هذا العراك المستمر مع (المستكرشين )؛ الذين هزءوا بالمبادئ؛ حيث احتوتهم المصالح وأصبحوا عبيدا لها.
                وتبدو أسئلة الإنسان العربي ماثلة أمامنا أيضا في هذا الراهن المفجع في قصص: ( الرداء الأحمر)، و ( الوظيفة الشاغرة )، و ( حكاية ورقة نقدية )؛ فهذه القصص مليئة بالآراء الفلسفية وبأسئلة الإنسان العربي عن مدى أهمية دور المثقف؛ الذي انعزل أو احتجب في غياب مسئولياته كمؤسس للخير والحب.. والعدل؛ ولكن هل في استطاعته أن يقول شيئا وهو الأعزل و ( الصندوق في يد الآخرين ؟…).
                وفي النهاية أقول : إن الجيل الذي انتمى إليه حسني سيد لبيب؛ هو جيل شغف بالبحث عن صيغ لطرح الأسئلة حول الهوية والعدل الاجتماعي، وحالات الظلم القابع في النفوس، وهو الذي احتمى بالماضي، وساهم في تأسيس المنعطفات والحلم، وتطور شخصية البطل الأسطوري.
                وتعد " كلمات حب في الدفتر " من فن القص الراقي؛ الذي نرى فيه الزمن والحلم، والشكل والجوهر، والتفسيرات والنظائر، والمزاج والتحليلات النفسية وحتى خفايا القلب الإنساني الغامض.
                وسمة القاص؛ في هذه المجموعة؛ نراها ماثلة في هذا التعاطف مع الشخوص، وفي تصوير الحقائق عارية؛ فكأنه ينادي بـ ( الريالزم Realism ) أي بأدب واقعي بدلا من أدب وجداني.. فلعله بذلك يحقق المغايرة المنشودة ولحظة النصر !….

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  عن رواية «دموع إيزيس»

                  بقلم: وديع فلسطين
                  ..............

                  روااية ( دموع إيزيس ) للأديب حسني سيد لبيب هي رواية مقتطعة من التاريخ المصري القديم، بأسماء أبطالها وأجوائها ووقائعها. ولكنها رواية وليست تاريخا، بمعنى أن المؤلف أعطى لنفسه الحق في أن يجعل من شخوصها إيزيس وأوزوريس وحورس وست ونفرتاري ونفتيس والحكيم نون صلصالا بين يديه يشكله كما يشاء ويهوى، غير متقيد بأخبار رواة التاريخ، وأن يجري على ألسنة شخوصه من الحوارات ما تلهمه إياه بديهته. وإذا كان المؤرخ في تسجيله لأحداث التاريخ يعنى أساسا بكبار الحادثات، فإن حسني سيد لبيب عُني بإبراز قيمة الحب من خلال الأحداث الفاجعة التي وقعت في سياق الرواية. فالحب عنده هو القيمة الكبرى التي رغب في إعلائها، وهي القيمة التي تستحق كل التضحيات مهما تعاظمت. ولا غرو أن يكون حسني سيد لبيب في هذا العمل روائيا فنانا، وليس مؤرخا مأسورا بإسار حرفية التاريخ. ولا يصح بداهة أن يحاسب باعتبار أن صنيعه هو عمل تاريخي بحت، وإنما يحاسب بوصفه عملا أدبيا من قبل ومن بعد.
                  اختار الأديب حسني سيد لبيب أن يحكي لنا حكاية حب من خلال هذه العائلة المصرية القديمة. عائلة قوامها إيزيس وشقيقتها نفتيس. وقد تزوج أوزوريس من إيزيس وأنجبا حورس. وهناك ست الذي تزوج من نفرتاري، ولكنه ـ وهو العقيم ـ بات مولها بإيزيس يطاردها بحب ويطارحها عبارات الغرام، ولكنها لا تصيخ له لأنها سعيدة بزوجها أوزوريس، فيتوهم ست بأنه لو قتل أوزوريس فسيصبح الطريق أمامه ممهدا للوصول إلى معبودته إيزيس. ولكنه وإن نجح في تمزيق أوزوريس إلى أشلاء متناثرة لم يفلح في الاقتراب من هذه المعبودة التي تفرغت بعد موت زوجها لرعاية ابنها الوحيد حورس، وظن ست أنه لو صنع تمثالا باهر الجمال لمعبودته إيزيس فإن قلبها يرق له. ولكن إيزيس، برغم ذلك، ازدادت نفورا منه، لأن الحب الوحيد الذي عرفته وتعرفه هو حبها لزوجها الراحل أوزوريس ولابنها حورس. وهي لا تضمر ذرة من الميل إلى ست وفي سبيل التقرب من إيزيس، عمد ست إلى قتل زوجته نفرتاري التي كانت تعاني هجرا منه بعدما اعترفت له بأنها استسلمت لعابر سبيل أذاقها من العسيلات ما لم تذق مثله من زوجها ست. وخشيت إيزيس أن يبيت ست لقتل ابنها حورس، فاضطرت أن تعقد مع ست صفقة تبيح له فيها أنوثتها وجمالها ومواضع عفتها في سبيل أن تنقذ ابنها من حقده الغدار، ولكن ست أكبر منها هذه التضحية وتعفف عن إتيانها، سواء بسبب الشيخوخة التي هدته أو بسبب يقظة متأخرة من الضمير. ولم يقو بعد ذلك على العيش فسقط ميتا، ولكنه كان قبل ذلك قد ندم على قتل زوجته نفرتاري، فنقش قصتها على الجدران إلى جانب تمثاليْ إيزيس وأوزوريس. وكانت نفتيس خالة حورس ترغب في تزويجه من حتحور أخت فرعون، ولكن حورس آثر عليها الفتاة التي عرفها في ملاعب صباه وهي نيت، لأن قلبه لم يتعلق إلا بها، والحب يصنع المعجزات وتهون أمامه العروش.
                  هذه هي الرواية في إيجاز مخل وقد ختمها حسني سيد لبيب بقوله : إن حورس تمنى أن يطير بجناحيْ الشوق إلى عروسه الفتاة الجميلة البسيطة، وأن يغني للبسطاء الكادحين من أبناء الأرض السمراء. أما والدته إيزيس فقد كانت تدعو إلى أن يكون في انبلاج الصباح بداية عهد جديد يغمر الكون فيه الحب والصفاء والنقاء، وأن يكون خير مصر لأبنائها الكادحين.
                  ولأن المصريين القدماء كانوا يؤمنون بالسحر والعرافة، فلم تخلُ الرواية من هذين. ولأنهم كانوا يجلون نهر النيل، ويهدونه عروسا جميلة في كل عام حتى يفيض النهر ويروي الزرع والضرع فقد أقحم حسني سيد لبيب هذه الأسطورة في سياق روايته، وإن كان قد جعل فرعون يحتفظ لنفسه بالعروس الفاتنة ويطرح في النيل تمثالا يشبهها في عملية خداع لشعبه. ولعل الدور الرئيسي الذي اضطلع به حسني سيد لبيب وتجلت فيه موهبته الأدبية بصورة رائعة هو الحوار الذي أجراه على ألسنة الأبطال إلى جانب الحبكة الروائية مجتهدا في أن يخلق جوا يحاكي أجواء قدماء المصريين ـ ولو في عرف حسني سيد لبيب ـ الذين لم يعرفوا المحاكم والقضاء للاقتصاص من المجرمين. ولهذا أفلت ست من العقاب، مع أنه قتل أوزوريس ومثل بجثته ثم قتل زوجته نفرتاري، وكان يهم بقتل حورس. وفي هذا يدافع ست عن نفسه قائلا : فرعون قتل آلاف الناس ولم يحاسبه أحد، وأنا قتلت اثنين فانقلبت عليّ الدنيا بأسرها. وهكذا بقي ست حرا طليقا ثأرت منه شيخوخته وعذاب ضميره ونفور الناس منه. وقد أراحني حسني سيد لبيب بأسلوبه السهل الرائق الجميل، فلم أتعثر في عباراته السلسة، على النقيض من تلك الأساليب الحجرية التي بتّ أصادفها في كثير من كتابات الأدباء الضالعين الذين يتوهمون أنه من حقهم أن ينحتوا ألفاظا من الصخر، وأن يلفقوا كلاما ينوء بفهمه عباقرة اللغات. فكيف يتأتى لقارئ أن يتجاوب مع كاتب لا يفهم لغته ولا يعي مراده. وقديما قيل إن الأسلوب هو الرجل، وأنا أقول إن الأسلوب، والأسلوب وحده، هو الأدب، وما عداه هراء.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    قراءة في رواية «دموع إيزيس» لحسني سيد لبيب

                    بقلم: أ. د. خليل أبو دياب
                    ـــــــــــــــــــــــ

                    (القسم الأول)
                    ...........

                    يعد الأستاذ الأديب حسني سيد لبيب من خيرة كتّاب القصة القصيرة الذين يطلق عليهم جيل السبعينيات والذين تولاهم برعايته الكريمة وفضله العميم الأديب الروائي الكبير الأستاذ محمد جبريل؛ وأديبنا الأستاذ حسني سيد لبيب صدرت له حتى الآن زهاء خمس مجموعات قصصية قصيرة؛ وعلى الرغم من أن العبرة في مثل هذا الأمر ليست بالكم بل بالكيف أو الإبداع، فإن هذه المجموعات بما اشتملت عليه من قصص قصيرة تجسد إبداع القاص الأديب وموهبته الراسخة في هذا الفن العجيب وتميزه عن كثير غيره من مبدعي هذا الفن لما يملك من طاقات الإبداع والمقومات التي يقوم عليها فن القصة القصيرة بالذات بتقنياته المعروفة من حيث تحديد الحدث وتعميقه ودقة تطويره وتصعيده وما يقوم فيه من صراع وتدافع لبلوغ العقدة ومن ثم لحظة التنوير أو الحل بتلقائية سلسة، ومن غير افتعال أو تكلف أو مصادفة مفسدة للحدث. وكذلك الحفاظ على وحدة المكان والزمان، وأيضا محدودية الشخوص الذين يرسمون الحدث أو الأحداث ويطورونها ودقة تصويرهم وتحديد ملامحهم خارجيا وداخليا. ناهيك عن الحبكة الدقيقة التي تسود تلك القصص ومستويات السرد وأنماط الحوار فيها التي تفرضها طبيعة الحدث، فضلا عن اللغة المتميزة التي تبدي حرصه البالغ على انتقاء مفرداتها المناسبة بدقة وذوق ومهارة، والبعد عن العامية البغيضة المفسدة لبنية الحدث والفكرة والشخصية على السواء والتي تورط في مستنقعها الآسن غالبية أدباء وكتّاب المرحلة برغم تسامح نفر من النقاد وتجويزهم استخدامها في مواطن معينة، وإن كنا نخالفهم في هذا الأمر ولا نمل من التنديد بها وبالأدباء المبدعين الذين بشوهون إبداعاتهم بمظاهرها البشعة، وعوراتها المشينة، وندعوهم دائما إلى الارتقاء بمستوى لغتهم وبمستوى شخوصهم وقرائهم جميعا، باختيار اللغة الفصحى ونبذ العامية وانتقاء المفردات المناسبة والدقة في سبك العبارات والحرص على سلامتها من الأخطاء، لتكون من وسائل تعليم المجتمع اللغة الصحيحة إلى جانب تعليمهم القيم الرفيعة وتوجيههم إلى الصالح الخير منها، وتنفيرهم من الفاسد السيئ تحقيقا لوظيفة الأدب الرفيع. وهذه هي مهمة المبدعين التي ينبغي أن يحرصوا عليها ويلتزموها في إبداعهم.
                    أما أديبنا القاص الأستاذ حسني سيد لبيب، فقد تميز بحرصه الشديد على مجانبة العامية قدر المستطاع من وجه، ومن وجه آخر الارتفاع بقرائه إلى مستواه اللغوي الرفيع. وهو أمر يحمد له ويحسب في ميزان إبداعه.
                    وإذا كانت شهرة أديبنا الفاضل قد ارتبطت بفن القصة القصيرة من خلال مجموعاته التي أشرنا إليها، فيبدو أنه أراد أن يوسع دائرة الإبداع في فن القص ليمارس كتابة الرواية عبر هذه الرواية "دموع إيزيس" التي كانت لنا معها هذه الوقفة المتأنية أو قل العجلى، في محاولة جادة ومحايدة لتقويم هذه الجانب في موهبته وتحديد مظاهر إبداعه فيه.
                    وأول ما يلفت النظر في الرواية العنوان الذي مهرها به، مستلهما إياه من الأسطورة الفرعونية القديمة التي تكرس فكرة الخلود بعد الموت، كما تكرس فكرة التعاقب بين الفصول وارتباطه بالخصب والجدب، وكذلك ظهور الشمس وغروبها، أو موتها وحياتها، وما ارتبطت به من رموز وأفكار لا نرى حاجة هنا إلى سردها. الذي يعنينا من ذلك شخصية إيزيس باعتبارها أشهر معبودات المصريين القدماء، وكانت في البداية ربة للسماء، ثم تزوجت أوزوريس وولدت ابنها حورس رب الشمس الذي يمثل غيابها وشروقها موته وحياته في عقائدهم القديمة. ولهذه المكانة التي حظيت بها إيزيس عبدها الإغريق والرومان أيضا. ويبدو أن تلك الشعوب القديمة وجدت في هذه الأساطير تفسيرا مقنعا لتعاقب الفصول وما يسودها من مظاهر الخصب والجدب / البعث الربيعي والموت الخريفي خاصة، أو الموت والحياة عامة، وغير ذلك.. وكل ما فعلوه أنهم خالفوا وغيروا في الأسماء، فكان تموز وعشتار، أو عشتاروت الإلاهة الأم عند الرافديين التي كانت تتجسد فيها قوى التناسل في الطبيعة، وأدونيس وأفروديت وبرسيفوني اللتان تقاسمتاه مرحلتي الحياة والموت / الخصوبة والجدب .. ..
                    أما أوزوريس فقد كان إلاها للنيل والخير والخضرة والنماء حيث كان ظهوره مرتبطا بمرحلة الخصوبة والفيضان، ليحل محله في فترة الجدب والقحط وانحسار النيل. وأخوه " ست " إله الشر وإله القفار والصحراء الذي شغل بمطاردة أخيه أوزوريس لقتله ولتعيده إيزيس من جديد إلى الحياة في دورات طبيعية منتظمة ليواصل مرحلة الخصوبة والفيضان؛ ونحن هنا لا يعنينا من أمر هذه الأسطورة وغيرها أكثر من هذه الإلماعة الوجيزة، ولمن شاء التزود من أخبار الأسطورة والتعرف على مظاهرها المتنوعة فليرجع إلى كتب الأساطير ليجد فيها بغيته.
                    على أية حال، فقد انطلق أديبنا المبدع يسرد أحداث روايته الفرعونية الجديدة أو العصرية، التي ابتدأت بما أصاب إيزيس من حزن بالغ وهم شاغل لغياب أوزوريس وعدم عودته، ومساءلتها " ست " عنه ومحاولته طمأنتها عليه، وذهابها إلى المعبد تسأل الكهنة والعرافين عنه وإخبارهم إياها أنه يرقد في ضجعة أبدية في صندوق ملقى في النيل يسير باتجاه المصب وفقا لمشيئة الأقدار بتدبير من ست لحبه لها ورغبته في الزواج منها. وبدأت رحلة البحث عن الصندوق، مسكونة بهاجس الخوف أن يكون ألم به مكروه، والأمل بإعادته إلى الحياة من جديد. وقد نجحت في تحقيق هذه الغاية بمساعدة الناس الذين انتشلوا الصندوق. وتستغرق في صلوات وتراتيل للشمس أن تعيده إلى الحياة، ويتحقق ذلك ليصبح هذا اليوم عيدا لهم. ويقص عليها خبر وضعه في الصندوق وتآمر أخيه ست وزوجته نفرتاري، ثم استغراقه في النوم حتى عثرت عليه. وشاع الخبر وتهافت الناس للتهنئة والبركة وأمر الفرعون ببناء دار كبيرة لأوزوريس يلحق بها معبد ومكافأة ( 500 فدان ) لزراعتها.. كما أمر بحبس ست الذي هرب ليعيش مع المطاريد في الجبل مواصلا أذاه لأوزوريس، حيث سلط رجاله لإغراق مزروعاته وإحراق داره ومواشيه، ثم تمكن من قتله وتمزيقه وبعثرة أشلائه في أنحاء القطر.
                    وتبدأ إيزيس رحلة البحث عن أوزوريس الممزق المتناثر الأعضاء، وتتمكن من جمع أشلائه ولكنها تعجز عن إعادته إلى الحياة أو إعادة الروح إليه إلا في الحلم الذي غابت فيه وهي تتأمل الأعضاء المكومة أمامها، فيخيل إليها أنها بدأت تتقارب وتبعث فيها الروح، وينهض أوزوريس واقفا وسط الناس المتجمهرين في رواق المعبد، وهو يخطب فيهم مفسرا مشكلة الصراع الأبدي بين الخير والشر داعيا إلى الزهد في الحياة ونشر المحبة والخير والرحمة والغفران. وكذلك خطب الكاهن واعظا الناس ورافعا من قدر أوزوريس وداعيا إلى بناء هرم ليكون قبرا له بعد الموت؛ وهنا أفاقت إيزيس على الواقع المؤلم لتجد الحقيقة المرة وهي موت أوزوريس، ودعتها أختها نفتيس لتتصالح مع الواقع وترضى بالقدر المكتوب .
                    وإلى هنا ينتهي القسم الذي يمكن أن يوصف بالأسطوري في الرواية، ليبدأ القسم الآخر الذي يمثل الواقع البشري، وإن ظل يغرق في مظاهره الأسطورية التي تحاول توجيهه والتحكم في مسيرته خصوصا الأسماء والأجواء. ومنذ الفصل التاسع تخرج إيزيس الواقعية من دائرة الحزن والأمل في عودة الروح إلى أوزوريس، لتمارس حياتها الطبيعية متكيفة معها. وهذا ما جعل القاص يبدؤها بعد مرور خمس سنوات على فراق أوزوريس، وإن كرست الأثر السلبي لطيبة زوجها ومسالمته للشر حريصة على تنشئة ولدها "حورس " والاعتناء به.
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      (القسم الثاني)
                      ............

                      ويبدو تحول ظاهر في الأحداث عندما لقيت نفتيس ست، لائمة إياه على قتل أوزوريس مبديا أسفه وندمه على جريمته البشعة. وهي مظاهر تشير إلى بداية التحول الهائل في شخصيته مما يخالف الأسطورة التي ما تزال تكرس فيه قضية الشر. وتصحبنا الرواية بتؤدة وعلى مهل لنتابع تطور حياة حورس منذ أخذ يمارس أنواع الرياضة العنيفة المقوية للجسد وعلاقته ببعض أصدقائه " توت ونيت"، كما يطيل الوقوف عند بعض الألعاب الشعبية " الاستغماية "، وبداية تعلمه الرسم من نيت حتى أتقنه. ويستغرق الفصل العاشر ممارسات رياضية وفنية للشبان الثلاثة " حورس وتوت ونيت " لا تخلو من تدريب ومناصحة وعلاقة أخوية ومودة عبر حياتهم الريفية البسيطة. كما ظهرت إمارات الحب أو التعلق بنيت تسود تصرفاته، كما كانوا يترددون على " بيت الحياة " لأخذ العلم عن "نون"، وما كان يسودهم من مناقشات عقلية واسعة حول كثير من القضايا كنشأة الكون وقصة الخلق وعلوم الفلك.. ثم يستعرض لما أصاب ست من تغير وتحول حتى إنه أخذ يتردد على بيت الحياة يأخذ العلم عن نون، ويستنصحه فيما يجب عمله. كما يبدأ في ممارسة النحت ليصنع تمثالا لإيزيس تكفيرا عما أحدث لها من آلام وأنزل بها من شرور، وتمثالا آخر لنفرتاري، وتمثالا ثالثا لأوزوريس. ويستهوي هذا التحول الذي أصاب بعض شخوص الرواية المؤلف، فيفرد فصلا مستقلا لرصد مظاهر التحول في شخصية حورس، حيث يتحلل من كثير من الروابط والعلاقات التي كانت تفرض وجودها عليه آنفا بسبب تجاوزه مرحلة الطفولة والصبا لبناء شخصيته المستقلة، وإن ظل يحس أعمق الإحساس بأفعال ست الشريرة بحق أبيه وأمه ويألم منها أشد الأل. كما يسرد طرفا من علاقة حورس بصديقه توت وأخته نيت وما يسودها من شعور غامر بالحب خصوصا وأن لها وجها قمريا جميلا مثل وجه أمه. وفي هذه الأثناء يقدم ست للتعلم فيحاول حورس الهرب منه ويأمره توت بالبقاء والمواجهة بشجاعة ونفي الخوف عن نفسه. وهنا ينتهي إلى فكرة ضرورة قتل ست والعمل على تنفيذها. ويرشد المعلم ست لزيارة قبر أوزوريس تكفيرا عن جريمته، والتردد طويلا على المعبد وقراءة التعاليم الدينية والزهد في متاع الدنيا وإدمان الفكر في عالم الموتى حتى تصفو روحه، وإن قذف في وجهه ما يوحي باليأس المطبق وهو يقول له : " ليس سهلا على قاتل أخيه أن يكون محبوبا ".. ويخبر المعلم بعزمه على صنع تمثال لإيزيس تكفيرا عن جريمته وتأكيدا لحبه الروحي لها مؤكدا له ما سيكون عليه من جمال وروعة وجلال !!
                      ويبارك نون خطوته الأولى في طريق العودة إلى الخير، ويعلن ست سعادته برضا نون عنه ومباركته لما سيعمل. وينصرف ست إلى بيته ليبدأ في صنع التمثال المنتظر موفرا له كل ما أوتي من مهارة وإبداع وعبقرية، تسنده صورة إيزيس الراسخة في أعماق نفسه ووجدانه بكل مظاهرها وأبعادها الجمالية الفائقة، مزودا بكل مظاهر التحدي لإنجازه. وتظهر نفرتاري التي أكل الحقد والغيرة قلبها لانصراف زوجها عنها وانهماكه في صنع تمثال إيزيس وعكوفه عليه لدرجة العبادة، وعجزها عن عمل أي شيء بعد أن هددها ست بالقتل.
                      وهنا حاولت أن تتسامى على جراح كبريائها عندما أقنعت نفسها بأنها أجمل من إيزيس، أو لا تقل عنها جمالا. وإن لم يقدر ست ذلك لأنه أعمى البصر والبصيرة، ومع ذلك لم تخفِ إعجابها بالتمثال الرائع وما تجسد فيه من جمال " حتى كأن الروح حلت فيه "! ويبقى القاص فترة أخرى مع نفرتاري، يستعرض طرفا من همومها وأحزانها التي فجرتها بعنف مشاعر ست تجاه إيزيس وانشغاله بتمثالها، ناهيك عن مشكلة عقم ست ورغبتها في الإنجاب؛ وهنا تفزع إلى نون مستنصحة ليحفزها إلى مزيد من الصبر لئلا تهدم بيتها فتندم. وفي غمرة سياحتها مع ذكرياتها وهمومها وأوهامها تناهى إليها صوت عازف الناي العاشق الحزين، فاندفعت صوبه ولقيها رجل ريفي ادعى أنه أوزوريس بعث لينقذها من الانتحار حتى لو في صورة عروس النيل، وقد دفعتها همومها وأحزانها إلى القناعة بتلك المزاعم والاستسلام له.
                      ثم يدور حوار واسع بينها وبين عازف الناي يكشف حقيقة ذلك الشيطان الماكر، ثم أعادها إلى المنزل لتواصل رحلة الهموم والأحزان في صحبة ست، محاولة الاقتناع بما جرى لها مع ذلك الشيطان لحديثه عن الخلود وإنشاده تراتيل من كتاب الموتى. وضاعف من همومها تمثال إيزيس وإن حاولت من جديد تحقيق توازنها النفسي وهي تؤكد جمالها الذي لا يقل عن جمال إيزيس، كما أخذت تتصالح مع الواقع وتعيش الحقيقة، بل إنها فكرت في تحطيم التمثال، وراحت تقارن بين ست / عابد الحجر وبينها بعد أن تمتعت بلقاء ذلك الشيطان وأخمدت ما يستعر في نفسها من جذوة الجنس. ويوفق القاص في تصعيد الحدث بين ست الذي ينكر على نفرتاري محاولتها تحطيم تمثال ربة العشق والجمال وادعاءها أنها هي ربة العشق والجمال، ويلقاها بالسخرية مؤكدا أنوثة إيزيس، فتندفع لتعترف له بما أحدثت مع ذلك الفلاح الشرير، فيثور غضبه ويقتلها ويقضي فترة اختلاط عقلي، ثم نصب راية سوداء على الدار إشارة إلى موت أحد أفرادها. وأقام لها مأتما حيث تجمع الأهل والجيران يشاطرونه الفاجعة مظهرا ندمه وحزنه على فعلته. ويتحفنا القاص بوصف المقبرة التي دفنت فيها نفرتاري وما يسودها من مظاهر فرعونية قديمة.
                      ثم عاد ست يواصل حياته الطبيعية وقد طلب من بعض النحاتين والمصورين تخليد مشهد قتلها على الجدار وتسجيل قصة حياتها ثم كتب ست آخر سطر في اللوحة وهو " تم القتل بمعرفة زوجها ست لأجل خاطر إيزيس "!! واستمر المأتم أسبوعا رتلت فيه الدعوات؛ ثم خف لزيارة إيزيس عارضا عليها رغبته في الإقامة معها بعد فقد نفرتاري فبكتته على قتلها، ولكنه يعزو ذلك إلى مشيئة الإله معتذرا بما قدم لها من واجب الوداع إلى مثواها الأخير مصحوبة بالأدعية والرحمة والغفران. ويكشف لها سر قتلها ثم يخبرها بتمثالها الذي صنعه لها، ويستطرد القاص عارضا قصة التوحيد والثنوية في العقيدة الفرعونية القديمة، من خلال الجدل المحتدم الذي دار في بيت الحياة بين حورس وتوت بإشراف نون تكريسا لقضية الصراع الأبدي بين الخير والشر.
                      ثم ينتقل القاص إلى وصف مشهد عروس النيل وفق الطقوس الفرعونية القديمة في ضوء تصور أو إسقاط عصري من خلال الخداع الذي يخالطها : " أن يحظى النيل بالعروس التمثال ويفوز الفرعون بالعروس القربان ".. وذلك لأن هذا التصور مخالف لطبيعة التفكير الأسطوري القديم وما يقوم عليه من قرابين ( الأسطورة والتراث 85 وما بعدها ). ويخبرنا أن هذا المشهد لا يتم إلا عند غضب النيل وانحسار مائه وعدم فيضانه ليقدم له القربان المقرر. ويطلعنا على ما أصاب نظرة نون من تحول ومشاركة لست في آرائه بعد التحول وقضية المقارنة بين ست والفرعون وحقيقة الفيضان، ودور الشعب ومحاولة التخلص من أسر عبادة الفرعون، وإن ظلت عبادة النيل.. ثم كشف الحيلة العصرية.
                      ثم ينقلنا القاص إلى دار إيزيس لتلتقي بنفتيس وتتفقا على زيارة قبر نفرتاري لتلتقيا بست هناك، وما دار بينهما من حوار حول دور نفرتاري في قتل أوزوريس، ثم تغادران المكان، ويقرر ست زيارتها ليشكرها على زيارة قبر نفرتاري. ويتراءى ست وقد تحول كلية إلى قطب الخير بعد رحلة الجريمة والشر واليأس، وإن كان رأي إيزيس فيه لم يتغير وأنه سيقتل حورس كما قتل أباه من قبل، مما دفعها إلى أن تعرض عليه نفسها ليقضي منها وطره حماية لحورس من شره وأذاه، ولكنه يرفض إجلالا لحبه لها مؤكدا لها أنه لن يمسها وحورس بأي أذى، لأنه قد تحول عن الشر الذي كان يمارسه، وتغير حقيقة وندم على ذلك. ويقدم حورس وقد أثاره وجود ست في الدار وحاول قتله لولا تدخل إيزيس. ويحاول حورس قتله فيذهب إلى داره ويشتبك مع حرسه الأحباش الذين أوشكوا أن يقتلوه لولا تدخل ست ومنعهم، وطلب منهم أن يوصلوه إلى داره والحفاظ عليه.
                      وتبدأ حكاية زواج حورس الذي تختار له خالته نفتيس أخت الفرعون " حتحور "، ولكنه يفصح لها عن رغبته في الزواج من " نيت " ابنة الشعب الفقيرة الكادحة.
                      وفي زيارة الأختين لست يطلعهما على تمثالين صنعهما لإيزيس وأوزوريس تكفيرا عن جريمته، ثم يصل حورس تملؤه رغبة الانتقام من ست. وما هي إلا لحظات غلب فيها النحيب ست، ثم انقطع ليجداه قد فارق الحياة.
                      وينقلنا القاص إلى الفصل الأخير من الرواية، في رحلة في ذاكرة إيزيس حيث تستعرض الماضي والحاضر، وتتأمل الأحداث والشخوص دونما إضافة تذكر لولا قضية زواج حورس من نيت ابنة الشعب الكادح وتفضيلها على حتحور سليلة الفراعين الآلهة!!
                      وعلى هذه الشاكلة نتبين ملامح الحدث الذي قامت عليه الرواية وخطوطه العريضة من لدن علاقة إيزيس بأوزوريس وقضاء ست عليه، وعنائها في إعادة الروح إليه بعد نومته في الصندوق، وعجزها عن إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد تمزيق ست له وبعثرة أعضائه في أنحاء القطر إلا في الحلم لتكون نقطة التحول من الأسطورة إلى الواقع، وإن ظلت الأجواء الأسطورية تغلفها بصورة هائلة كاملة، ثم ما تبع ذلك من استمرار شهوة الشر في ست ومحاولاته الدائبة للحصول على إيزيس ومقاومته بكل ما تطيق.
                      وتبدأ مرحلة الشباب بالنسبة لحورس وقد أتقن المعرفة والرياضة وتفجرت في نفسه الرغبة في الانتقام من ست قاتل أبيه، وقد دفع خوف إيزيس على حورس إلى استسلامها لرغبات ست وعرضها جسدها عليه، ورفض ست هذا العرض لما أصابه من تحول جذري إلى قطب الخير منذ عكوفه على تمثالها تكفيرا لجريمته. وتلقانا محاولات حورس لقتله وما حدث فيها من تحولات انتهت بموت ست ندما وأسفا على جرائمه، ثم كانت الخاتمة التي شهدت فكرة زواج حورس ورغبته في نيت!
                      وقد تخللت هذه الأحداث أو تطورات الحدث في الرواية مشاهد استطرادية متعددة منها مشهد لقاء نفرتاري بالرجل الشرير الذي تقمص شخصية أوزوريس، ثم قتل ست لها ومأتمها ومشهد عروس النيل.. وغير ذلك !! وقد وفق القاص في سرد هذه المشاهد والأحداث والوقائع وما وفر لها من حبكة متماسكة تسلسلت تسلسلا دقيقا واعيا لم تفلت خيوطها من يده، وإن كاد يخفي طرفا منها في بدايات الفصول وما اعتراها من خفاء الضمائر المقصودة، وما أخفاه أيضا من أحداثها. وكنا نفضل لو أنه ألمع إلى بؤرة الحدث الذي سيقيم عليه كل فصل من خلال عنوانات كاشفة لما فيها من توثيق الروابط والعلاقات بين أحداث الفصول بما يخدم الوحدة العامة للحدث الكلي في الرواية!!
                      وأما الحوار، فقد اعتمد عليه القاص اعتمادا كبيرا حيث غدا يشكل معلما رئيسا بالغ الأهمية من معالم الرواية حتى أوشكت أن تكون مسرحية! وانتشار الحوار في جميع فصولها وإن جاء متفاوتا قصيرا في بعض جوانبه، وطويلا في كثير من جوانب الرواية حتى كاد يستغرق بعض الفصول استغراقا، يسهل عملية السيناريو فيما لو حولت إلى مسرحية أو عمل تلفازي.
                      أما السرد، فقد قامت الرواية على مستوى سردي واحد هو ضمير الغائب، حيث قام القاص بدور الراوي الذي يتابع مسيرة الحدث ويسرد أطرافه بحيادية مطلقة؛ وقد وفق القاص في هذا الأمر لارتباط الرواية بالجانب الأسطوري البحت وهو يروي أحداثا موغلة في القدم، ولا مجال لوجود القاص من ضمن شخوصه فيما وراء بعض التحولات أو التحويرات أو الإسقاطات العصرية التي يمكن أن يحدثها بين حين وآخر. على أن من أبرز مظاهر السرد في الرواية ما أشرنا إليه آنفا من إخفاء الضمائر المشيرة إلى شخوص الحدث مع بدايات أغلب فصولها والإشارة إليها بضمير الغيبة ثم ذكرها فيما بعد، سواء في ذلك الفصول التي تحدد فيها الإشارة إلى ضمير شخصية محددة مثل الفصل الثاني الذي يبدأ بعبارة "جابت القطر.. "، والإشارة هنا بطبيعة الحال إلى إيزيس التي دار عليها الفصل الأول، وآخر عبارة فيه توثق هذا الربط وهي " سأظل أبحث عن زوجي، لن أيأس "! وما وجد في آخر الفصل الثالث على لسان ست " سأقتل أوزوريس بنفسي "، وبداية الفصل الرابع " حاول ست إيذاءه " ليعود الضمير إلى أوزوريس؛ ومثل ذلك الفصول 14، 15، 16، 17، 21، 22، 23، 24.
                      وأحيانا أخرى لا نجد هذا الربط الكاشف عن الضمير المقصود كما في بداية الفصل الخامس " ذهب إلى نفتيس.. "، ولا إشارة إلى ست المقصود في نهاية الفصل الرابع، دون مبرر للحذف فيما وراء التشويق والإغراب!! ومثل ذلك ما نجد في الفصل السادس حيث كان الحديث عن أوزوريس دون أن يكون ثم رابطة مع الفصل السابق " ذات يوم خرج بمفرده يرعى الماشية.. "، وبعد مساحة جاءت عبارة " ولم يعد أوزوريس "؛ ومثله ما جاء في بداية فصل ( 11 ) : " اسودت المرئيات في عينيه.. " دون إشارة إلى الضمير " ست "؛ ومثله فصل ( 13 ) حيث تشير إلى تعدد لقاءات ست بالمعلم نون دون أن تسبق إشارة رابطة في ختام الفصل ( 12 )؛ وبرغم ذلك فهذا الاستخدام ينطوي على ملحظ جمالي بلاغي قيم بما يثري التعبير ويقوي الاهتمام والتشويق لمتابعة الأحداث وأدوار الشخوص فيها!!
                      أما اللغة والأسلوب الذي صاغ القاص فيه أحداث روايته، فلعل من أهم ما يحمد له حرصه البالغ على سلامة أسلوبه ونقاء لغته وصفاء عباراته وجودة تراكيبه وانتقاء ألفاظه وروعة الوصف والسرد وجمال العبارة ودقتها. وربما كان من أهم ما يحمد له أيضا حرصه الشديد على الفصحى ورفض العامية. وهذه كلها خصائص شائعة في كل إبداعاته القصصية وتميزه عن كثير من كتّاب وأدباء المرحلة، خاصة في فن القصة القصيرة والرواية في الأدب الحديث، الذين كان لهم مع العامية موقف مشهود مذكور شجعهم عليه نفر من النقاد غير المخلصين !!
                      أما نحن فنؤمن بدور القصاص في نشر الفصحى وتحويل كثير من طبقات المجتمع إليها والترقي بمستواهم اللغوي، والتخلص من العامية البغيضة، وعدم الإسفاف باستخدامها في إبداعاتهم، لا خوفا من العامية على الفصحى التي ضمنت الخلود، وهذا أمر غير محسوب في القضية، ولكن وأدا لهذه اللهجات غير الشرعية التي تفسد الذوق وتبعد المجتمع عن لغته الأصيلة، وتسف به إسفافا بعيدا ‍ِ!!
                      ومما يحمد للقاص أيضا أنه قدم لنا في الرواية لوحات لغوية رفيعة المستوى بما وفر لها من قيم لفظية وتعبيرية شاعت في جوانب كثيرة منها، وهي أوسع من أن يشار إليها هنا، ومن أراد نماذج لها فليراجع صفحات 12، 30، 32، 36، 72، 85، 107 " مشهد عروس النيل ".. وغير ذلك كثير. ولكن يبدو أن المثل الشائع " لا تعدم الحسناء ذاما " أبى إلا أن يطارد هذه الرواية في طرف من جماليات اللغة فيها متمثلة في طائفة من الأخطاء تناثرت في بعض صفحاتها.. كما وجدت بعض المبالغات التعبيرية كما في ص 45 " انبجست الدموع أنهارا من عينيها "، 124 / " وهو يمسح نهر الدموع المتجمد على خده ".. فمثل هذه المبالغات، تفسد التعبير وحبذا لو تخفف منها !!
                      (يتبع)

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #12
                        القسم الثالث / الأخير)
                        .....................

                        الشخوص : إذا ألقينا نظرة فاحصة على شخوص الرواية ألفيناها نوعين : شخوص رئيسة محورية فاعلة وصانعة للحدث ومحركة له ومساهمة في تطويره وتصعيده لبلوغ الذروة أو العقدة، وشخوص ثانوية هامشية ليس لها كبير أثر في بناء الحدث وتطويره، وإنما تأتي مكملة لمسيرته دون أن يترك غيابها أثرا يذكر في بنية الرواية؛ وعلى الرغم من كثرة الشخوص في الرواية حيث بلغت أربع عشرة شخصية، فضلا عن العرافين والكهنة الذين نلقاهم بين حين وآخر، ويمثلون صورا مميزة على طريق الحدث، ولكنها غير فاعلة وهامشية شأن كثير غيرها من الشخوص التي سنشير إليها وإن أسهم بعضها في توجيه الحدث وتحريكه إلى حد ما..
                        وقد استحوذت أسرة " إيزيس " بطبيعة الحال على النصيب الأكبر من الشخوص، حيث جاء فيها ست شخوص هي " إيزيس وأوزوريس وحورس " مثلث الخير، و" ست ونفرتاري ونفتيس " مثلث الشر. وقد جاءت الأربع الأولى منها رئيسة وفاعلة ومحركة للحدث وصانعة له في الرواية، وعليها تقوم وبها تتطور كما رأينا في عرض الأحداث، وإن تباينت أدوارها، فجاء بعضها رئيسا، وبعضها ثانويا بالنسبة له، حيث كانت شخصيات " إيزيس وست وحورس ونفرتاري " أكثر بروزا وظهورا في الرواية وتطويرا لأحداثها، ثم كانت شخصيتا " أوزوريس ونفتيس ثانويتين قياسا عليها، وهذه هي أهم شخوص الرواية.
                        كما نجد منها شخصيتين لم يكن لهما أي دور في تطوير الحدث وهما عازف الناي والفرعون، وشخصيتين أخريين ذُكِرَا ذِكْرًا عابرا وهما المعلم كاف وأخت الفرعون "حتحور " التي كانت مرشحة للزواج من حورس ولكنه فضل عليها نيت الريفية ابنة الشعب الكادح. ثم كانت شخصية الفلاح الشرير الذي انتحل شخصية أوزوريس وأغوى نفرتاري، وأهميته أنه قفز بالحدث قفزة واسعة، ودفعها إلى مأزق خطير بقتل نفرتاري وما تبعه من أحداث حتى نهاية الرواية. على أن الشخوص الرئيسة فيها تفاوتت فيما بينها، حيث تبرز شخصيتان منها تتعاوران الحدث وتطوراته بعمق، وبذلك يعدان أهم شخوص الرواية على الإطلاق وهما " إيزيس " و " ست "؛ في حين جاءت شخصية " أوزوريس " اعتبارية خلافا للأسطورة التي جعلته شخصية رئيسة، وعلى نفس الدرجة من الأهمية، حيث تجعله إله الخير والخصب والفيضان ورمز الطيبة والمحبة والرحمة، وإنه إذا غاب، فلفترة الاعتدال الخريفي حيث يبدأ فصل الجدب والقحط، ثم يعود مع فترة الاعتدال الربيعي، لتبدأ مرحلة الخصب والتوالد كما تقرره الأسطورة.. وهكذا كان وجوده مرتبطا بالخصوبة والولادة والبعث، كما كان غيابه مرتبطا بالجدب والقحط وموت الأرض والحياة!!
                        أما الرواية، فقد أسقطت البعد الأسطوري من شخصيته بمجرد أن عجزت إيزيس " الحديثة " عن بعثه إلى الحياة، أو إعادة الروح إليه بعد الموت برغم جمعها أعضاءه المتناثرة في أنحاء القطر ورش ماء النيل عليها. ولم تتمكن من ذلك إلا في الحلم كما رأينا. وانطلقت تمارس وجودها منفردة، وإن ظل حلمها بمولده وعودة الروح إليه يتولد في نفسها لفترة طويلة حتى بلغت حد اليأس مقتنعة بوجود حورس بجوارها!! وهكذا لم تكد تعثر على صندوق أوزوريس وتعيده إلى الحياة حتى تمكن منه ست فمزقه إربا إربا ونثر أشلاءه في مختلف أرجاء القطر، ولتعلن إيزيس عجزها عن إعادة الروح إليه، ليتوقف زمن الأسطورة ولتبدأ إيزيس العصرية ممارسة وجودها ودورها في بناء الرواية وتطوبر الحدث حتى النهاية بمعزل عن البعد الأسطوري. ومع كل ذلك فإن الرواية لم تقصر في هذا المدى المحدود في تحديد معالم شخصية أوزوريس المناقضة أو المقابلة لشخصية ست فجعلته إله الخير والخصب، ورمز الطيبة والمحبة والمغفرة والرحمة وحب الناس، وتأييد الأقدار له، وهو روح طائر خفيف الظل والحركة يهيم في سماء صافية بوجه بش وقلب عطوف نقي " / 31، و " هو الرجل الطيب، وهو الحياة المتجددة في زمان رديء " / 34، وكثيرا ما أعلنت إيزيس رأيها الرافض لطيبته مؤكدة أنها تكرهها فيه لكونها سلاحا في يد خصومه، بل إنها تذكر تلك الطيبة التي انسربت إلى نفس حورس / 47، كما عبر أوزوريس عن تفاؤله بالحياة في قوله "إني متفائل بالحياة، بكل مظهر من مظاهرها.. متفائل بالماء والهواء والشمس والنبات والحيوان والإنسان، ولا أجد وسيلة للتفاؤل تعلو على الحب " / 38؛ وهذا ما جعل ست يتمكن منه مرتين، عندما أخفاه بالحيلة أولا في الصندوق، وعندما مزق أشلاءه وبعثرها في أنحاء القطر أخيرا؛ وبذلك انتهى دوره البشري والأسطوري على السواء في الرواية. وهذا ما جعل ملامحه تبدو محدودة جدا ودوره في بناء الحدث كذلك، إذ سرعان ما قضى عليه أدبيا، خلافا للأسطورة التي تغيبه فترة الموت وتعيده إلى الحياة فترة أخرى تجسيدا لقضية الموت والحياة والخلود الأبدي / الجدب والخصوبة، انحسار ماء النيل وفيضانه / 79.
                        أما شخصية إيزيس، فقد كانت أهم شخوص الرواية قاطبة، وقد مارست دورها الأسطوري أولا، ثم واصلت مسيرة دورها البشري العصري الواقعي حتى نهايته؛ فكانت تمثل الشخصية القوية التي تقف دائما بمواجهة ست إله الشر لتحبط أعماله وتفسد مخططاته وتحمي نفسها وابنها حورس من شره وأذاه؛ وقد عنيت الرواية بتحديد معالم شخصيتها وملامحها في المرحلتين : ففي المرحلة الأولى تمكنت أولا من إعادة الصندوق الذي وضع فيه أوزوريس وإيقاظه من ضجعته الأبدية ليمارس دورة من دورات الحياة والخصوبة، ولكنها عجزت عن إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد أن جمعت أشلاءه المتناثرة لتضع حدا للأسطورة ولتبدأ مرحلة الواقع، ولكنها ظلت قادرة على الوقوف في وجه ست حتى آخر لحظة في حياته. هكذا كانت أبرز ملامح شخصيتها الإخلاص والقوة والعزيمة والإرادة والصبر والمثابرة والحرص على البحث وعدم اليأس.. صمدت في وجه ست ومحاولاته الدائبة لإخضاعها لرغباته، وإن أعلنت عجزها أخيرا واستسلمت له وعرضت عليه جسدها حماية لحورس من شره؛ ولكنها ـ وهذا إبداع في الحبكة يحسب للقاص ـ صادفت لحظة التحول الهائل والتغير الكامل في شخصية ست وانقلابه إلى محور الخير… وقد صور الكاهن طرفا من شخصية إيزيس في قوله : " أنتِ يا إيزيس سنبلة قمح في أرضنا الطيبة، وقطرة ماء من نيلنا العذب، أنتِ الضحكة في وجوه أطفالنا.. أنتِ.. يا أنتِ.. نبع الحياة أنتِ يا إيزيس. اصبري صيرا جميلا، لعل ما هو آت يحمل البشرى. وإذا ما أفل نجم فعلينا أن ننظر إلى مئات النجوم المزينة بها صفحة السماء. انهضي يا إيزيس. اخلعي ثوب القهر. أثبتي للحاقدين أنكِ الأقوى. فوِّتي الفرصة على الذين اغتصبوا الضحكة من ثغرك الجميل. فحورس الصغير هو الأمل.. حورس الجميل هو رجل الغد، المنتقم لأبيه! ".
                        واستمرت إيزيس تشكل مرحلة المقاومة لست حتى كادت تستسلم لفكرة نفتيس عندما دعتها لتعيش معه بعد أن تأكدت من تحوله المطلق إلى جانب الخير لتكون نهاية ست نهاية روائية جديدة.
                        أما شخصية ست، فيمكن أن تعد أقوى شخصيات الرواية على الإطلاق وأوضحها ملامح وقسمات وأشدها فاعلية وتحريكا للأحداث وتطويرا لها وتصعيدا للصراع فيها؛ وقد مرت أو عاشت شخصيته مرحلتين متمايزتين : مرحلة الشر ومرحلة الخير أو التحول إلى الخير والتخلص من الشر؛ وكانت هذه الشخصية في مبدأ أمرها تمثل الشر في الحياة، فكانت رمزا للشيطان، أو إلاها للشر، أو ابن إله الشر. وقد بدا ست منذ طفولته المبكرة ميالا للشر بخلاف أوزوريس الذي كان ميالا للخير مسرفا في الطيبة والرحمة والمحبة للناس جميعا.
                        كما برزت فكرة الشر في نفسه منذ بدأت المنافسة بينه وبين أوزوريس على إيزيس أختهما ورغبة والدهم في تزويجها من أوزوريس الطيب، وحظي هذا الأمر بموافقة ومباركة الكهنة. ولكي يحظى بإيزيس عمد إلى التخلص من أوزوريس بوضعه في الصندوق أو التابوت الذي أعده لهذه الغاية بالاتفاق مع نفرتاري وإلقائه في النيل في المرة الأولى، حتى إذا فشلت خطته وتمكنت إيزيس من إعادته إلى الحياة وإعادة الروح إليه، مزقه تمزيقا وبعثر أشلاءه في أرجاء البلاد عسى أن تعجز إيزيس عن إعادة الروح إليه مرة أخرى فيحظى بها. وقد دفع هذا السلوك العدواني البشع إيزيس لأن تصفه بأنه " قابيل العصر "، ولما يمثله من شرية ترتبط بالمرأة جاء وصفه بأنه مادي النزعة شهواني النظرة، وأنه محب للنساء ولا تكفيه امرأة واحدة، وأنه عقيم لا ينجب.. بل إن شره طال أخته نفتيس وكاد يطول إيزيس لولا أنها أفلتت منه، ولا يكف عن الشر والتفكير فيه وممارسة الأفعال الدنيئة، وإن كانت الأقدار لا تكف عن مطاردته لإفشال خططه الشريرة، وهذه هي المرحلة الأولى من شخصية ست وهي مرحلة الشر.
                        أما المرحلة الأخرى من حياته فهي مرحلة التحول في شخصيته من الشر إلى الخير وإن كان ذلك بسبب عجزه ويأسه من تحقيق غايته في الحصول على إيزيس التي ظلت متعلقة بأوزوريس مخلصة لغيابه الأبدي برغم كل محاولاته للحظوة بها. وقد كان هذا الموقف بالغ التأثير في نفسه حتى دفعه إلى هذا التحول عن الشر والبحث عن الخير وممارسته، وكأنه يريد أن يبعث أوزوريس في شخصيته عسى أن تتقبله إيزيس وترضى عنه، فابتدأ بالتردد على بيت الحياة يتزود من علم نون وحكمته ليتطهر من آثامه، ثم عزم على ممارسة النحت ليصنع تمثالا لإيزيس يؤكد التحول ويحقق غايته بعد أن يئس وعجز عن ذلك. وقد بلغ به التطهر والتحول والندم والرغبة الجارفة في التكفير عن ذنوبه وجرائمه إلى عبادة تمثال إيزيس، حتى إنه رفض جسد إيزيس عندما عرضته عليه حماية لحورس ظنا منها أنه لا يزال ست الشيطان رمز الشر وإلهه، ثم موقفه الرافض المندد بأفعال الفرعون وجرائمه وقتله آلاف الناس الذين سخرهم في تشييد مقبرته، وجريمته البشعة فيما يعرف بعروس النيل وما يسودها من مكر وخداع. بل كان من مظاهر تحوله زيارته قبر نفرتاري وتخليد موتها على جدران البيت نحتا ورسما ودعوات ومأتما وغير ذلك، وصنع تمثالا لأوزوريس، ثم لحظات البكاء الأخيرة قبل أن يسلم الروح!!
                        وقد كانت كل هذه المظاهر أثرا لحبه لإيزيس التي رفضته وبقيت على العهد محافظة على ذكرى أوزوريس!!
                        وأما شخصية حورس، فقد كانت تعيش في ظل شخصية أمه إيزيس التي قضت حياتها شديدة الخوف عليه، حريصة على حمايته من شرور ست وتنشئته ليكون قادرا على الانتقام والثأر لأبيه من قاتله، ومواصلة سيرته الطيبة الخيرة. ثم بدأت ملامح شخصيته في الظهور والاستقلال منذ أخذ يتردد على بيت الحياة لأخذ العلم عن نون وممارسة الألعاب الرياضية مع صديقه توت وأخته نيت وما قام بينه وبينها من علاقة انتهت بالرغبة في الزواج منها وتفضيلها على أخت الفرعون، حتى أزف أوان الأخذ بثأر أبيه من ست، وحاول تنفيذ هذا الأمر ولكنه لم ينجح بفعل الحراسة الشديدة التي كانت تحميه. بل إن ست نفسه حماه من حرسه وأنقذه، ثم تكررت المحاولة، ولكنه وجده حطام رجل لم يلبث أن فارق الحياة.
                        ثم تتابعت الشخوص الفرعية أو الثانوية التي كان أبرزها المعلم نون بمبادئه وقيمه وحرصه على نشر الخير والحب والمعرفة بين الناس، ثم مشايعته لست في بعض آرائه التي تتعلق بجرائم الفرعون، وقصة عروس النيل التمثال والعروس القربان التي تكون في العادة من نصيب الفرعون!
                        ثم شخصية " نيت " و " توت "، وهما متعادلتان في علاقاتهما بحورس!!
                        أما الجانب الأخير الذي نود أن نقف عنده في هذه القراءة التحليلية لرواية " دموع إيزيس "، فهو الجانب الأسطوري، وما طرأ عليه من أحوال أو تحولات وتغيرات جعله ينفصم عن الأسطورة الأم. وهذا الجانب يمكننا أن نرصده من زاويتين أو مظهرين : المظهر الموافق للأسطورة، والمظهر المخالف.
                        أما المظهر الموافق، فقد كاد يستقطب كل أحداث الرواية وشخوصها وأزمنتها وأمكنتها حيث سيطرت الأجواء الأسطورية عليها سيطرة تكاد تكون كاملة، وفيما وراء الأسماء الأسطوربة القديمة لجميع شخوص الرواية نجد الفكرة الأساسية التي قامت عليها، وهي فكرة الصراع بين الخير الذي يمثله أوزوريس، أو صار له رمزا أو إلها، والشر الذي يمثله ست وصار له إلها أو رمزا؛ وتغدو إيزيس محور هذا الصراع وسببه حيث كان الأخوان يتنافسان عليها، وما أحدث ذلك من قلق في نطاق الأسرة دفع الأب إلى استثارة الكاهن في هذا الزواج وما تمخض عنه من أحداث قررتها الأسطورة، وأبرزها تمكن إيزيس من إعادة الروح إلى أوزوريس في المرة الأولى، ولكنها لم توفق في ذلك في المرة الأخرى برغم اقتدارها على جمع أشلائه المبعثرة، مخالفة بذلك أهم تطورات الأسطورة ومقاصدها وأهدافها المقررة المركزة في الذاكرة الشعبية المرتبطة بقضية الخلود والحياة والموت، والخصب والجدب، وفيضان النيل وانحساره، وما واكبها من مظاهر التقديس. ويرسم القاص جو هذه الأسطورة وأثرها على الطبيعة فيجعل السماء غاضبة من جريمة ست، وتمطر لتغسل جدران المعابد والتماثيل من أثر هذه الجريمة البشعة. وقبل أن تبدأ إيزيس رحلة البحث عن أوزوريس تفزع إلى العرافين والكهنة في المعابد تستشيرهم وتسترشدهم، فتخبرها العرافة التي تفسر لغة النجوم وتقرأ الطوالع وتعلم النبوءات أنه في صندوق ملقى في النيل ويجري باتجاه المصب.. وأن ذلك تم بمشيئة الأقدار؛ ويتكرر ذكر الكهنة والعرافين في مواضع كثيرة من الرواية : 24، 32، 33 – 37. كما نجد ذلك عند وصف الأرواح الشريرة التي تسبب الكوابيس المزعجة التي أخذت تنتاب إيزيس في نومها وعانت منها كثيرا، فقصدت المعبد لتسأل العراف أو الكاهن الذي وصف لها دواء ناجعا، كما أكد العراف لها أن حورس سينتقم لأبيه ويأخذ بثأره.
                        وواضح أن العرافين والكهنة يقومون ضمن ما يقومون به بالكشف عن الغيب والتنبيه على ما سيقع من الشر والدعوة إلى الخير ونشر الأمل في النفوس وكان لهم وظيفة دينية محددة!!
                        ومن مظاهر هذا الجانب الأسطوري مناجاة إيزيس للشمس القوية المهيمنة باعثة الدفء والخصب، وأحد أسباب الحياة ومحاربة الشر والفساد والموت، وإعادة الروح أو الطائر الشريد إلى جثمان أوزوريس. وكذلك ما نجده من تكريس ظاهر لفكرة الخلود بعد الموت عند الفراعنة، مما جعلهم يضعون الأطعمة في القبور!!
                        وكذلك مظهر تقديس إيزيس وأوزوريس، حيث كان الحس أو الوجدان الجمعي يشكل مظهرا مهما من مظاهر الأسطورة القديمة حرص القاص على بعثه في صورة عصرية عندما جعل الناس يعلنون تعاطفهم مع إيزيس لتحقيق عودة الروح إلى أوزوريس.. ومن ذلك القبر الذي يتخذ شكل الهرم والذي دعا الناس لتشييده تعظيما لأوزوريس ليدفن فيه والذي ورد على لسان الكاهن / 43؛ وكذلك مشهد نفرتاري مع منتحل شخصية أوزوريس وما تلا من أدعية من كتاب الموتى وما تكرس من رمزية الخلود في قصة أوزوريس / 80.
                        وعندما قتل ست نفرتاري طلب منها الغفران واصفا إياها بالروح الخالدة الباقية؛ ثم قام بتخليدها في صور وتماثيل على جدران الدار وتلاوات من كتاب الموتى.. كما قام بتخليد أوزوريس وإبزبس بتمثالين نحتهما لهما تكفيرا عن جرائمه وشروره بحقهما. كما تبرز فكرة تقديس ماء النيل وقضية القربان المقدس " عروس النيل " و " مركب الشمس " / 109، وغير ذلك كثير من الطقوس التي تكرس الأجواء الأسطورية القديمة في الرواية!
                        أما المظهر الآخر المخالف، فلعل أول ظهور له كان في ضجعة أوزوريس الأبدية / 8، وفشل إيزيس وعجزها عن إعادة الروح إليه في المرة الثانية بعد تمكنها من جمع أشلائه إلا في الحلم الذي سرعان ما تبدد وتبددت معه أحلامها وتقطعت الروابط التي تربطها بالأسطورة في حين جعلت الأسطورة تلك الضجعة أو الموتة مرحلية فصلية متجددة مع دورات الخصب والجدب والحياة والموت تكريسا لفكرة الخلود !
                        كما نجد ذلك في موقف الفرعون من ست بعد ارتكاب جريمته بحق أوزوريس حيث يأمر بحبسه فيهرب إلى الجبل، ليعيش مع المطاريد وليواصل أعماله الإجرامية ضد أوزوريس على طريقة أهل الكفور والنجوع في الريف المصري " إغراق أرضه وإحراق داره ومزروعاته " وفشله في ذلك لشدة الحراسة التي أمر بها الفرعون!!
                        وكما أسلفنا فإن القسم الأسطوري من الرواية ينتهي مع بداية الفصل التاسع، وبذا يمكن اعتبار كل الأحداث القادمة مجردة عن الأسطورة واعتبارها واقعية عصرية برغم سيطرة الأجواء الأسطورية عبر الأسماء القديمة التي لو غيرت بأسماء عصرية ريفية لم يحدث فيها أي اختلاف. ولعلنا نذكر أن من أبرز مظاهر هذا الجانب المخالف ذلك التحول الجذري الذي أصاب ست من الشر المطلق إلى الخير المطلق، حتى إنه يرفض جسد إيزيس الذي عرضته عليه حماية لحورس من شره، والذي قضى حياته كلها، وفعل من الجرائم ما فعل طلبا له، وسعيا للحصول عليه. كما كان من مظاهر هذا التحول تردده على بيت الحياة يأخذ العلم عن نون. ومن أبرز مظاهر البعد عن الأسطورة في الرواية أو التحرر من ربقتها مشهد عروس النيل الذي جاء مشهدا عصريا موغلا في الحداثة والانفصام عن الأسطورة القديمة، وموقفه الرافض لهذا القربان المقدس. وهي نظرية عصرية مفرطة في البحث العقلي الذي يرفض مفهوم الأسطورة ومنطقها. كما أن التحول الذي أصاب القربان / عروس النيل بصنع تمثال أو نموذج لها ليقذف به في النيل، أما هي / الأصل، فتكون من محظيات الفرعون يتمتع بها ليلته، إذ أن مثل هذا السلوك لم يكن في زمن الأسطورة القديمة، وقضية القرابين الكثيرة التي يمكن أن نستبشعها في هذا العصر لم تكن مما يفكر فيه الناس آنذاك حيث لم يكونوا ينظرون إليها على نحو ما ننظر إليها نحن في هذا الزمان. ولكن الإغراق في التحول العصري والواقعي وما يهدف إليه القاص من إسقاطات دفعته إلى هذا الأمر.
                        وعلى هذه الشاكلة طوفنا مع القاص المبدع الأستاذ حسني سيد لبيب في هذه الجولة الماتعة مع روايته الجديدة " دموع إيزيس " التي استلهمها من الأساطير الفرعونية القديمة ومن الموروث الديني في محاولة لإسقاط أطراف من أحداثها على الواقع المعيش نافذا من خلالها لنقد بعض الأوضاع الراهنة، آملين أن نلتقي معه في إبداعات أخرى قادمة‍.

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #13
                          مع الروائي حسني سيد لبيب:
                          النقل الآلي للواقع يُلغي عنصر "الخيال"
                          حاوره: أ.د. حسين علي محمد
                          ..........................

                          حسني سيد لبيب (من مواليد 1944م) قاص وروائي من جيل الستينيات، بدأ النشر مبكراً في مجلات "الأديب"، و"الآداب"، و"الرسالة"، و"صوت الشرق" … وغيرها. صدرت له أربع مجموعات قصصية، هي: "حياة جديدة" (1981م)، و"أحدثكم عن نفسي" (1985م)، و"طائرات ورقية" (1991م)، و"كلمات حب في الدفتر" (1993م)، وترجم عن الإنجليزية مجموعتين قصصيتين لوليم سارويان، هما "سبعون ألف أشوري" (1994م) و"ابن عمي ديكران"، وله روايتان: الأولى بعنوان "دموع إيزيس" (1998م)، والثانية بعنوان "صقر الجزيرة"، ويُصوِّر فيها حياة الملك عبد العزيز، وجهاده في سبيل دينه ووطنه.
                          *ما أهم القضايا التي تؤرقك كأديب؟ وهل انعكس ذلك على إبداعاتك ؟
                          -القضايا التي تؤرقني كثيرة ومتشعبة، أبرزها وأهمها قضية "الصدق الفني" في الأدب، وأعني بهذا الصدق أن يكون العمل الأدبي نابعاً من ذات الأديب، معبراً أصدق تعبير عن قضية الإنسان ووجدانه، إن هذا الصدق لا يُقصد به نقل الواقع نقلاً آليا، فهذا النقل يُلغي عنصر "الخيال"، وهو من العناصر الهامة في الأدب، إنما المقصود هو التعبير عن المشاعر الإنسانية في قوالب فنية يرتاح لها المتلقي، وتُصادف هوى في فؤاده. يجب أن يتأصَّل العمل الأدبي في وجدان مؤلفه قبل تسطيره على الورق، وبذلك يملك الأديب ناصية التعبير الصادق، ويكسب حماس قارئه لهذا العمل.
                          ولقد أرقتني قضية "الصدق الفني" بحيث أثرت في كم الإنتاج القصصي، حيثُ أُلغي العديد من الأفكار، تحت دعوى أنها أفكار عادية، أو استهلكها الكتّاب .. علاوة على البحث عن شكل جديد للقصة، يحقق المزاوجة بين القصة القصيرة وقصيدة الشعر واللوحة التشكيلية، في بنيان فني متكامل اسمه "قصة قصيرة". وأنا لا أكتب القصة إلا بعد زمن طويل من بزوغ الفكرة في خاطري؛ تظل الفكرة تطاردني، وتتبعني كظلي، وتُلح عليَّ إلحاحاً لا أملك له دفعاً، فأجدني أمتثل طوعاً وأكتب القصة، وفي مشوار المعاناة تموت أفكار قصصية كثيرة، لاتصمد طويلا أمام هذا الاختيار، الذي أعتبره المحك لتأصيل الفكرة، وأنها من الممكن أن تصنع قصة جيدة.
                          *ما اهم سمات أبناء جيلك ؟ وهل أنتم تتميزون عن الجيل السابق؟
                          -لكل جيل ملامحه المميزة، ولا شك أن القصة القصيرة تطورت على يد الجيل المعاصر بدءًا من ضياء الشرقاوي ومحمد الخضري عبد الحميد، وهناك فئة جديدة بدأت تُؤصِّل اتجاهاتها الجديدة، أخص منهم: صلاح عبد السيد على سبيل المثال.
                          والسمة المميزة للقصة القصيرة المعاصرة أنها أصبحت "مضغوطة"، تحمل فكرة جيدة في سطور قليلة. ويُحاول الكتاب البحث عن لغة جديدة، أو تخريجات تتسم بالومضات السريعة المركزة المعبرة. تلك العبارات القليلة الكلمات، الموحية بالعديد من المعاني. وبهذا نستطيع القول إن السرد والوصف والمقدمات والمبررات، أصبحت عوامل ضعف وإحباط للقصة القصيرة، وقد ظهرت في الساحة قصص قصيرة جدا، أو هي القصص الموجزة، أشبه بأسلوب البرقيات، وإن كنت لا أهتم كثيرا بأن تكون القصة قصيرة جدا أم قصيرة نوعاً ما، المهم فنية القصة. ولعل البعض لجأ إلى هذا اللون من الكتابة القصصية، بحجة أن القارئ في حاجة إلى كلمات قليلة، وأن عصر السرعة يُحتِّم هذا، وهنا المزلق الذي يجني على الأصالة الفنية، فلتُكتب القصة في سطرين، أو صفحتين، أو عدة صفحات .. المهم أن تكون للقصة سماتها الجمالية، وأن تكون بمثابة لوحة تشكيلية، وأن تحقق لقارئها "النقلة" إلى عالم خاص بالقصة، يتعايش معها بوجدانه.
                          *ألاحظ انشغالك بقضايا النقد. ألا يجني ذلك على عملك كقاص؟ ثم ما مبررات انشغالك بالنقد؟
                          -لا أعتقد أن كتاباتي النقدية تؤثر على كتاباتي القصصية، لأنني حين أتهيّأ لكتابة قصة أترك كل شيء وأتفرَّغ لها، وتمر الكتابة القصصية عندي بمرحلة معاناة قاسية، ففكرتها تعيش في خاطري. أحيانا تمر مرور الكرام فلا تُكتب، وأحيانا أخرى تُلح عليَّ إلحاحاً، لا أملك دفعاً له، وأجدني منساقاً مع الفكرة، أُقلِّبها على شتى الوجوه، باحثا عن القالب الذي أضعها فيه، ثم أجدني أدع كل ما يشغلني، عدا كتابة القصة. والكتابة القصصية ليست سهلة كما يظن البعض، لا أقصد أثناء تسطيرها على الورق فحسب، إنما أيضا فترة ما قبل الكتابة، وهي فترة المعاناة الحقيقية، حتى أصبح في حالة حضور ـ بلغة المسرح ـ أما كتابة القصة فهي معاناة اخرى، ولكن بطريقة أخف، وليست كل فكرة تصلح أن تكون قصة قصيرة. ولا أعتقد أن القاص جاهز في كل وقت كي يكتب قصة، أما كتاباتي النقدية فهي تنبع من قراءاتي، حيث أدوّن ملاحظات هامشية، تمثل انطباعاتي وآرائي، وبعض الملاحظات تدفعني إلى كتابة دراسة نقدية حول العمل الأدبي.
                          *ما رأيك في مقولة "نحن جيل بلا أساتذة" التي طرحها القاص محمد حافظ رجب في الستينيات؟
                          -قد يتأثر الأديب بأستاذ ما أو مجموعة من الأساتذة، وقد يكون أثر الاطلاع الواسع في الجهة التي يختارها الأديب ويميل إليها، مثل أثر الأستاذ، وقد يكون "أستاذه" تجارب الحياة ذاتها، وحاسته الفنية. أختلف في المقولة حول كلمة "أستاذ"، فليس شرطاً أن يكون اسماً معينا، وأن يكون بلغة أهل المدارس "معلماً".
                          للفن طبيعة تختلف عن طبيعة الدراسة، ألا ترى أننا نجني كثيراً على الفن إذا أخضعناه لهذه اللغة؟ ربما نستنبط من كتابات أديب ما أنه ينتمي إلى مدرسة فنية، وهذا الاستنباط يأتي بعد أن تقرأ له العديد من المؤلفات. ولكن الخطأ يكمن في ادّعاء أديب أنه ينتمي إلى مدرسة فنية، دون أن تكون له كتابات متميزة. وقد يصبح الأديب الفنان نسيجا خاصا، إذا ما شكلت كتاباته اتجاها جديداً، وليستقر في أذهاننا أن الأديب لا يولد من فراغ، ومن بين العناصر المكونة لشخصيته: ثقافته وتجاربه الحياتية.
                          *ما رأيك في نشرات الماستر (التصوير الطباعي) التي يصدرها بعض أبناء جيلك مثل "نادي القصة" و"فاروس" في الإسكندرية و"أصوات معاصرة" في الشرقيةا؟
                          -هي محاولة طيبة من جيل الشباب، وتتخطى ضيق المساحة المتاحة، ونرجو أن تأتي التجربة بجديد يعكس فكر الشباب. وإذا كانت "الجدية" و"المثابرة" وراء هذه التجارب فسوف تؤتي ثمارها، وتكون لها نتائج إيجابية ملموسة، ولي ملاحظات أرجو أن يتقبلها أصحاب هذه النشرات بصدر رحب:
                          1-أغلب المواد ـ إن لم يكن كلها ـ سبق نشره.
                          2-الاهتمام بوضوح الطباعة، والعناية بالإخراج الفني، مع عدم تداخل الموضوعات بطريقة تُجهد القارئ.
                          3-مطلوب من أصحاب هذه النشرات ألا ينغلقوا على أنفسهم، وأن يتسع المجال لكل الأقلام.
                          4-بعض الموضوعات يتكرر نشرها في أكثر من عدد بدون مبرر.
                          5-عدد النسخ ـ فيما أعلم ـ قليل جدا، بحيث لا تصل هذه النشرات لمن يطلبها أو يبحث عنها.
                          *هل تعتقد أن الظروف الأدبية ملائمة لأن تقدم ما تريد تقديمه؟
                          -الذي أريد تقديمه أكتبه وأنشره، ودائماً تكون لديّ أفكار جديدة لم تكتب بعد. يبدو أن رحلتي مع الأدب طويلة وقاسية، فالمعاناة مستمرة، وما أن أفرغ من فكرة حتى تستبين أفكار قصصية أخرى، وما أريد تقديمه يخضع لما أسعى إليه، في أن تكون القصة القصيرة "كلوحة تشكيلية" أو "قصيدة شعرية". وأعتقد أنني قدّمت قصصا كثيرة أرضى عنها فنيا في هذا المجال، مثل قصص: "كلمات حب في الدفتر"، و"عاشقة الضوء"، و"الفراشة والنور"، و"الحب والناس"، كما اتجهت أخيراً إلى كتابة قصص لا ترتبط بالواقع المعاصر أو التاريخ، بل ابتنيت لها عالما خاصا، مثل قصص "الطاغية"، و"الوباء"، و"الزلزال". كما أتمنى أن أنتهي قريباً من روايتي "دموع إيزيس"( ) المستوحاة من الأسطورة الفرعونية.
                          *لماذا لم تلجأ إلى المغامرة الأسلوبية كما لجأ بعض معاصريك من أبناء جيلك في مصر والعالم العربي؟ ثم ألا ترى أن مساحة القصص الموباساني تتقلص الآن؟
                          -لكل كاتب أسلوبه المتميز، وعالمه الخاص، ومغامرته الجديدة. وليس شرطاً أن تكون المغامرة في الأسلوب. وأنا أقرأ التجارب الجديدة في حرص وبحذر، وليس كل جديد يُتَّبع، ولا تطلب مني أن ألجأ إلى المغامرة من باب التقليد أو ركوب الموجة. لابد أن تكون المغامرة نابعة من ذات الكاتب، وليس كل ما أقدمه موباساني الشكل، لي قصص تتجه إلى الواقعية النقدية، ولي قصص رمزية. وكما أن جي دي موباسان ترك بصماته على بعض الناس، فلقد تأثرت أيضا بأنطون تشيكوف في مرحلة النضج، وفي الفترة الأخيرة أعجبني وليم سارويان ومغامرته الأسلوبية( ). ولا أعني بهذا أنني أقتفي أثر هذا أو ذاك، إيماناً مني بأن الأديب فنان بالدرجة الأولى، وللفنان حساسيته في التعامل مع اللون أو اللفظ أو النغمة، وللفنان عالمه الخاص الذي يكلف به. ألا ترى معي أن لكل فنان مذاقاً خاصا؟
                          *ما مفهومك للخيال والحداثة في الأدب؟
                          -الخيال مرغوب فيه، لكن الإغراق فيه غير مستحب. والخيال أحد المفردات للغة الفنان، بحيث يخدم هذا الخيال قضية الإنسان، وألا يكون مجرد تهويمات. وعن "الحداثة" هل تقصد بها "تحديث" الأدب؟ أم تطويره؟ والمعنيان لا أُوافق عليهما. وإن كنت أتفق مع القول بتطوير الأدب، وهذا أمر طبيعي، يحكم الآداب والفنون على السواء. أما الحكم بأن الأدب متطور أو متخلف، فيكون على مرحلة سابقة.
                          *ما موقف النقد منك ومن جيلك؟
                          -النقد في محنة، فالنقاد قليلون، والدراسات النقدية الجادة قليلة. ونادراً ما أقرأ دراسة مستفيضة عن عمل أدبي ما، فأغلب الكتابات النقدية مجرد انطباعات، أو هي ملاحظات عابرة. الناقد في عصرنا هذا لا يبحث عن العمل الأدبي الذي يستحق النقد إلا نادراً، إنما هو يعمد إلى نقد ما يصل إلى يديه.
                          *حدِّثنا عن أجواء روايتك عن الملك عبد العزيز آل سعود" التي كتبتها مؤخَّراً بعنوان "صقر الجزيرة".
                          -كنتُ ـ ومازلت ـ معجباً بالملك عبد العزيز وجهاده في سبيل دينه ووطنه، وأنا أعتبره واحداً من البطولات الشامخة في القرن الماضي، ومن ثم فقد قرأت معظم ما كٌتِب عن تاريخه وبطولاته وأمجاده وخلقه بأقلام من عرفوه، وأحببتُ أن أُسطِّر عنه رواية تاريخية، تُقدِّم للأجيال التالية بطولته الفذة.
                          *لماذا كانت أول رواياتك "دموع إيزيس" عن الأجواء الفرعونية؟
                          -"دموع إيزيس" هي أول رواية منشورة لي، وهناك روايتان مخطوطتان لم تريا النور بعد: "بدايات جديدة" للصغار، و"صقر الجزيرة" عن حياة الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية.
                          ولا أكتمك القول: إن أسطورة "إيزيس وأزوريس" رسمت في مخيلتي دوائر وجدانية جعلتني أهيم في عالم (فانتازي)، وتملّكتني رغبة في خلق عالم روائي من وحي الأسطورة، ولا يُحاكيها تماماً. وكما تعرف فإن الأسطورة نسج خيال، فأحببتُ أن تكون روايتي مُغايرة للأسطورة في خطها الدرامي، وإن أخذت منها، أو أضافت إليها. كما أنّني في هذه الرواية لم أتقيَّد بزمان معيّن للأحداث، وحرصت فقط على أن تقع في زمن الفراعنة .. وجعلت كل "موتيفات" العمل الروائي في قالب متماسك، قريب من روح العصر الذي نعيشه، وقريب من عصر الفراعنة. وهي مُزاوجة صعبة إلى حد ما، إذا أضفنا إليها حرصي على ألا تنحرف بعيداً عن قيمنا الروحية.
                          وقارئ "دموع إيزيس" قد لا يجد تسلسلاً تاريخيا، وإن وجد شخصيات من الأسطورة نفسها، مثل: إيزيس، وأزوريس، وست، وحورس، وشخصيات من خيال المولف مثل: توت، ونيت، والحكيم نون، وحتحور.
                          وتدور أحداث الرواية في زمن ما من العصر الفرعوني، والزمن غير محدد بالضبط، فقد نسجت الأحداث في أزمنة مختلفة، وزاد الرواية في كل الأحوال الخيال. ربما نسجت الرواية أحداثها في أزمنة متباينة، والتحمت تلك الأحداث بعضها ببعض، وكوّنت ما نستطيع أن نُطلق عليه "زمن الرواية"، وهذا خيال تاريخي آخر! والقصد من كل هذا هو الرمز لإعلاء قيمة الإنسان، صانع الحضارة والمجد.
                          أما عن سبب اختياري للأجواء الفرعونية فذلك لاعتزازي بالحضارة الفرعونية التي بزغت وقتما كان العالم ينخبّط في ظلام الجهل والخرافة. ومازال التاريخ الفرعوني نبعاً لا يغيض لأعمال إبداعية تنتظر الأديب الفنّان المُلهَم.
                          *هل لديك مشروع تاريخي كمشروع نجيب محفوظ الروائي التاريخي سابقاً الذي تمثّل في "عبث الأقدار" و"رادوبيس"، و"كفاح طيبة"؟
                          -أرجو أن تسمح الظروف وأكتب جزءاً ثانياً لرواية "دموع إيزيس" عن "محاكمة ست"، وقد اقترح عليَّ الدكتور نسيم مجلِّي هذا، ولرأيه وجاهته وموضوعيته.
                          *ما مشروعاتك الروائية للمستقبل؟
                          -أريد كتابة رواية مستوحاة من التاريخ الإسلامي .. وحين أستقر على هيكل درامي لموضوع معيَّن، لن أتردَّد في صياغته قصولاً لرواية جديدة، وأدعو الله أن يتحقق هذا قريباً.
                          *كيف يُساهم الأديب عموما والقاص خصوصا في بناء إنسان الغد؟
                          -على الأديب إشباع وجدان القارئ، والصدق الفني مطلوب، وهو غير الصدق المطلق. مطلوب من الأديب والقاص على السواء الإخلاص لقضية الإنسان، وتأصيل معاني الحب والحرية والكرامة والصمود.
                          التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 09-02-2010, 07:31.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
                            .........................

                            حتى لا يكون البلاغ كاذبا

                            ارتمى على الأرض متظاهرا بالإغماء، كما اقترح عليه رجل غريب شهد الواقعة معه. غامت المرئيات في عينيه.. تخشبت أطرافه.. تثلجت.. هرب الدم من عروقه، رعبا وفزعا وهلعا. خشي أن تأتي الشرطة ولا تنطلي عليهم الخدعة. لابد أن يتقن الدور. لأول مرة يمثل.. يخادع.. كان مضطرا.. مجبرا.. لابد أن يغيب عن عالم الأحياء، يتماوت.. يتقن الدور، وإلا... لو اكتشفت الخدعة سيقاد إلى السجن، ضحية بلاغ كاذب وخداع السلطة المتمثلة في الشرطة.
                            الرجل الغريب أصلع الرأس.. جلده في لون البن المحروق، وشاربه كث. يبدو عليه أنه موظف يكفيه راتبه بالكاد. اقترح عليه التظاهر بالإغماء، بديلا للمغمي عليه الذي أبلغ عنه، لكنه أفاق سريعا وجرى كالحصان. قال الموظف الغلبان :
                            ـ حين تأتي الشرطة، ستقبض عليك..
                            سأل، غير متيقن مما سمع :
                            ـ تقبض على من ؟
                            ـ على صاحب البلاغ الكاذب..
                            تريث قليلا ثم قال مشيرا بإصبعه إليه :
                            ـ سيادتك..
                            قال "سيادته" وقد غار قلبه من الخوف :
                            ـ ما العمل ؟
                            ـ ترتمي على الأرض بدلا منه، وتتظاهر بالإغماء..
                            وضع يده على بطنه، صارخا متألما، وارتمى على الرصيف، فالتف الناس حوله.
                            ما زال يسترجع المشورة الخائبة التي أرقدته على ظهره. تشخص إليه العيون.. يسمع الهمهمات والصيحات.. كيف يتراجع ؟ ما كان قد كان. يقف الموظف البسيط بجانبه ويحكي للناس ما حدث للمسكين. سأل أحدهم :
                            ـ هل طلبت الإسعاف ؟
                            ـ في الطريق..
                            جسّ شاب نبضه، وبشر الواقفين :
                            ـ خير يا جماعة.. النبض سليم..
                            النبض سليم!.. يعني... يُسجن ؟ غامت الدنيا في عينيه المقفلتين.. رأى الدنيا محمرّة بلون المغيب. يخشى البربشة بعينيه فينكشف أمره.. تداخلت الصور وتاهت المرئيات..
                            مضت نصف ساعة، ولم تصل سيارة الإسعاف. وهو ممدد على أسفلت الرصيف الساخن، لا يبدي حراكا ولا ينطق حرفا. لا يتنفس هواء ولا تتحرك له عضلة!..
                            حين جاءت سيارة الإسعاف بعد نحو ساعة، حملوه على النقالة جثة هامدة..
                            قال الموظف الأصلع :
                            ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. صاحبي أخذ الحكاية جدّا !..
                            قال أحد الواقفين في عصبية :
                            ـ جئتم متأخرين.. المرحوم شبع موتا!
                            نظر إليه رجل الإسعاف نظرة عتاب. هو غير مقدر لظروف عملهم. ولم يعلق بكلمة واحدة.
                            انبجست الدموع من عينيْ الموظف الكليلتين..
                            سأله رجل الإسعاف :
                            ـ أهو أخوك ؟
                            ـ لا...
                            أولى المكان ظهره منصرفا، بينما تتحرك سيارة الإسعاف وصوت آلة التنبيه المميزة لها يخرق طبلة أذنه، ولا يملك إلا التلويح بيده إلى رجل الإسعاف حتى بعدت السيارة عن ناظريه. تمتم محدثا نفسه : " مات بصحيح.. لا كان به شئ ولا عليه! "..

                            ( 2002م )

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #15
                              قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
                              .........................

                              الكرة تختفي في الأعالي

                              اثنان يلعبان. يتقاذفان بالكرة. يتقافزان معها في الاتجاه الذي تميل إليه. يريان الكرة ولا يراها غيرهما. إذا اتجهت جهة اليمين، امتدت أذرعهما بأكف مبسوطة. يتسابقان في رميها. اختارا أرض فضاء مسوّرة ملعبا لا يزاحمهما فيه أحد.. تطل أنقاض منزل متهدم، تشي بقايا جدرانه، وأسقفه المتهاوية، وأعمدته المشروخة إلى مَنْ عاشوا فيه..
                              أطلق أحدهما الكرة عاليا. رنا الثاني إلى الارتفاع الشاهق الذي وصلت إليه، وفي دورانها حول نفسها، كأنها تعجب من الرمية العشوائية.. نظر إلى صاحبه يعتب عليه. رنا هو الآخر إلى الارتفاع الشاهق، وانتظر الاثنان سقوطها. تهيآ بأكفهما الملتهبة. تزاحما. كل زاحم الآخر كي يضربها.. لكنها عاندت. ظلت تواصل ارتفاعها، تتحدى جحوظ العيون. استذلتهما الوقفة. رنا كل إلى الآخر، ثم عادا ينظران إلى الفضاء المترامي. اختفت تماما. ابتلعها الفضاء.. تجمهر الناس حول الاثنين. سألوا عما يبكيهما. أشار كل بإصبعه إلى أعلى. قال الأول:
                              ـ هذا رمى الكرة بقوة فأضاعها..
                              قال الثاني محتدا:
                              ـ أتعبني بالرميات العالية.. حاولت في هذه المرة أن أعامله بأسلوبه..
                              نظر الناس إلى الفضاء الواسع فلم يجدوا شيئا.. سألوا:
                              ـ هل هناك كرة حقا؟
                              الناس يرنون إلى الفضاء ينتظرون سقوط الكرة، مثل من يتضرع إلى السماء أملا في سقوط قطرات غيث يسقي بها الأرض العطشى.
                              تحولوا إلى مشهد اللاعبيْن وهما يحتدان بأصوات عالية لا يسمعونها، لكن حركات الفمين وتقاطيع الوجهين دلتهما على حدة النقاش.. ثمة أشياء مبهمة لا يفهمها الناس. من طبيعة الأشياء أن تسقط على الأرض، وفقا لقانون الجاذبية لنيوتن.. عاندت الكرة الجميع.. تحدت عقولهم.. كما أنهم لا يسمعون أصوات اللاعبيْن.. اندهشوا..
                              أما اللاعبان فيبدو أنهما فضّا خلافاتهما واتفقا على أن يواصلا اللعب.
                              من المحتمل أنهما يلعبان الآن بكرة ثانية، لكن الناس لا يريانها. بدآ يتناوبان القذف بالأيدي. ثمة اتفاق تم بينهما على ألا يقذفانها عاليا، وتحلق الناس يتفرجون على اللعبة الجديدة لكرة اليد. يتخيلون مسار الكرة من حركات اللاعبيْن..
                              همس أحد المتفرجين إلى الواقف بجواره:
                              ـ لعبة ممتعة.. كرة يد بدون كرة..!
                              قهقهات عالية اهتز لها كرشه المتكور.. قال الثاني:
                              ـ للتخيل متعته.. أليس كذلك؟
                              ابتسما وهما يتتبعان الكرة غير المرئية..
                              فجأة، ظهر رجل من الواقفين، يرتدي زي الحكم ويطلق صفارة معلنا انتهاء المباراة، فصفق الحشد الملتف. حين أعلن الحَكَم المزيف انتهاء المباراة بالتعادل، لا غالب ولا مغلوب، وقبل أن ينقطع التصفيق، انتبها إلى بطليْ المباراة وهما يرنوان إلى السماء، يتتبعان الكرة الأولى وهي تسقط. يلتقطها أحدهما، بينما يمسك الآخر بالكرة الثانية. الجمهور لا يرى أيا من الكرتين. انقطع التصفيق فجأة وتعالى صفير الاحتجاج على انتهاء اللعب. صفير متواصل، مطالبين باللعب بالكرة الأولى. وقع من نصّب نفسه حكما في حيرة، فاندس وسط الناس معلنا اعتزاله! وطلب من المتفرجين اختيار حكم غيره، لكنهم تمسكوا به واقتادوه إلى الملعب..
                              بدأ اللاعبان يلعبان بالكرتين معا، بالتبادل، كل يرمي كرة ويستقبل الأخرى في مباراة صعبة أدهشت الواقفين فصمتوا كأن على رؤوسهم الطير. نسوا الحَكَم الذي اندس ثانية بينهم، متفرجا مثلهم. ظلا يتتبعان الكرتين، ولا يدري أحد أي الكرتين هي التي اختفت في السماء ثم عادت!
                              ظلت الكرتان المختفيتان تروحان وتجيئان بين اللاعبيْن في رميات مكوكية سريعة. مباراة لا تنتهي، فاللاعبان لا يخطئ أحدهما في رميته أو في استقبال الكرة الثانية. الحَكَم المعتزل ملّ الانتظار. من المفروض أن تنتهي المباراة.. أطلق صفارته.. فصفق المتفرجون واندفعوا يحضنون اللاعبيْن. همس البعض متسائلا بصوت لا يسمعه أحد: "أين الكرة ؟".

                              ( أغسطس 2001 )

                              تعليق

                              يعمل...
                              X