أزهار في غابة الذئاب
وصلت إلى مرحلة لم أعد أقوى فيها على مواجهة قساوة الحياة، لقد تلاشت قوى العزم عندي ، و نفذت طاقة صبري، و ضاق صدري على تحمل المزيد من الصدمات... قالت أمل ذلك ، بصوت مرتجف من شدة الانفعال و البكاء ، إلى صديقتها سعاد و هي تغلق نوافذ غرفتها الصغيرة الآيلة للسقوط ، ذات المساحات الضيقة و الأثاث الفقير و الجدران المتعبة .
ثم جلست قربها و صرخت ..إخفاق.. إخفاق..إخفاق ..
ما هذا اللون الرمادي القاتم الذي امتلأت به صور حياتي؟؟؟!!!
ما هذه الآلام التي امتطت صهوة عمري و سيطرت على لجامها و لازمت خطاها في المسير؟؟؟!!!
نظرت سعاد ألي لترصد مشهد الحزن و القلق اللذين غطا مساحات عيناي ، فحاولت تهدءتي و اقتربت مني لتمسح دموعي الهادرة على وجهي ، ثم أخذتني بحنان إلى صدرها و ضمتني أليها كضمة أمة حانية تريد أن ترد العواصف عن طفلتها المتعبة وقالت لي بصوت دافئ .. هل هناك مشكلة جديدة تواجهك في عملك جعلتك تفقدين صوابك اليوم؟؟
رفعت رأسي من على صدرها.. و مسحت دموعي بسرعة و توجهت إلى المطبخ لأعدّ القهوة التي أجد فيها متعتي .
نعم يا سيدتي ذئب جديد يحاول أن ينصب شباكه حولي .
يحاول أن يغريني بماله القذر كي أصاحبه و أكون أنيسته في ليله الصاخب و في غفلة عن عيون الناس و أهله ، بعد أن علم بأني مطلقة و إني بحاجة إلى المال لأعيل نفسي .
عدت بالقهوة و هي تغلي .. أتدري.. الرجال يستحقون أن يداسوا بالأقدام دون شفقة أو رحمة. و سكبت القهوة العابقة برائحة الهال وناولتها فنجان القهوة ، فابتسمت لي ، جلست قربها ثم بدأنا نحتسي القهوة.. و مع أول رشفة بدأت استعيد توازني المفقود ..
قلت لها : تصوري أن هذا الرجل يقترب من عمر الخمسين و الشيب اشتعل في رأسه ، و كرشه يتصدر أمامه و هو ملتحي ويدّعي بمظهره أنه رجل المساجد يقيم فيهم الفروض الخمسة و يحمل بيده مسبحة لذكر الله. و يوزع الصدقات على المحتاجين أمام الناس و يدير جمعيات خيرية، تخيلي مثل هذا الرجل كيف يبدو في الظاهر و عندما يخلو إلى نفسه كيف يصبح؟
لا يتأخر لحظة عن جذب الفتيات ما بين العشرين و الثلاثين و إغراءهن بالمال و الهدايا القيمة كي يصل إلى مآربه القذرة....
و طبعا يا سعاد أنت تعلمين ما أكثر النفوس الصغيرة و الفقيرة الغارقة في مستنقع الرذيلة ، و التي تريد بأي وسيلة أن تقتل شبح الفقر الذي يطاردها في كل خطوات مسيرها.
هؤلاء الرجال المختبئون بأفعالهم تحت اللحى يستبيحون حدود الله دون واعظ أو مهابة لجلالته..إنهم ليسوا بالرجال بل بأشباه الرجال.. لا يقومون وزنا لرجولتهم و لا لمواقفهم .. ضالون مضلين ، يعتقدون أنه بالمال يستطيعون شراء كل ما ترنو نفوسهم المتصابية العفنة أليه
أي نوع من البشر هم؟؟ إنهم خارجون عن قانون البشر ، محكومون بقانون الغاب.
هوني عليك يا صديقتي لا تأخذي كل الرجال بغضبك ، فهناك الفاسد و هناك الطيب ، و هذا ينطبق على المرأة أيضا .
المهم أن تتمسكي بقيمك و تدافعي عن مبادئك و الله سيحفظك .. و كوني مع الله و لا تبالي. أنت امراة قوية و أخت رجال و لا يخاف عليك..
و في هذه اللحظة رن موبايلي ، و إذا برقمه يتصدر شاشة الموبايل..
أ رأيت القذر ؟؟!! ..حتى في الليل لا يتوان عن إزعاجي.. ردي عليه قالت سعاد ..فقلت لها كلا.. و فصلت الموبايل نهائيا.
ماذا يريد منك في هذه الساعة المتأخرة من الليل و في هذا الجو الماطر ؟؟
لقد طلب مني عدة مرات أن يتناول القهوة في منزلي الوضيع هذا و يشاركني العشاء ، و أنا في كل مرة أتذرع له بسبب ما حتى اضطرت بعد محاولات هروب أن أفهمه أنني لست من الصنف الذي تبحث عنه.. لكن و للأسف ليس عنده كرامة كي يحفظها من رفض الطلب ؟
تعرفي يا صديقتي أمل .. كل الحق على أباك الظالم هذا الذي يرتع في قصر تتكلم فيه الرفاهية بصوت مرتفع قالت سعاد ....
لا عليك أبي كما يقولونها ديوس و لا يعطي أهمية لعرضه ...
من يطرد ابنته من منزله يوم طلقت ، و يحمّلها مسؤولة قرارها و يرميها في مفترقات الدروب وحيدة لتواجه مصيرها و لتشرد في هذه المفترقات دون حصن يحتويها أو ملجأ يؤويها .. لا يستحق لقب أب..
لا تذكريني ... تلك كانت ليلة من أقسى الليالي في حياتي ... ليلة طلاقي مع طردي من منزل أبي في وقت واحد.. أنظري ما أشقاني من امراة
قولي لي يا سعاد ما ذنبي في كل ما حصل و يحصل لي ؟
ولدت من أب ديوس، تزوجت من زوج ديوس فعله كان أفظع من فعل الأب المصون ، ثم وجدت نفسي وحيدة أعاني مرارة المواقف و انا أتنقّل من عمل لأخر ، بسبب دياثة أصحاب العمل ودناءة أنفسهم و كل هذا طلبا للقمة العيش بالحلال.. أهرب من نار لأقع في نار اشد لهيبا من الأولى..
ماذا علي أن افعل ؟؟!! لقد وصلت إلى مرحلة مع هذا الرجل الملتحي المتصابي إلى نقطة مسدودة و أنا بحاجة إلى المال..
ماذا علي أن افعل؟؟! ...أ اصبر قليلا ريثما أجد عملا أخرا ؟ أم أغادر حالا ثائرة لكرامتي و أنوثتي الضائعة؟
اصبري قليلا و استخدمي الحيلة و الذكاء إلى حين أن تستقر أوضاعك أجابت سعاد
حسنا.. سأحاول لكن لن أعدك في ذلك .. فقد اقتربت الأمور معه حتى النهاية فإما أن ينتصر او أنتصر.
همّت سعاد بالقيام للذهاب، وضعت يدها على كتفي و قالت لي: بعد أن أطمئنت عليك ، يجب علي المغادرة فقد تأخر الوقت و زوجي والأولاد بانتظاري.. لا عليك يا صديقتي الوحيدة سعاد أشكر لك سعة صدرك على احتوائكي لي في هذا اليوم الحزين ..
فأنا وحيدة و ليس لي من بعد الله غيرك ... لم يبقى لي من معاني الحياة إلا صداقتك الجميلة .. نحن أصدقاء و أخوات قالت سعاد .. ثم ودعتها و قفلت الباب من خلفها ..
ساد صمت رهيب في بيتي .. نظرت حولي وجدت كل شيء موحش و تعيس .. اختصرت التأمل في هذا المكان الصامت و دخلت في سريري .. أحاول أن أنام .. لكن حجم الألم في قلبي أبعد النوم عن مقلتاي .. فعدت للبكاء مرة أخرى لكن هذه المرة بصوت لا تسمعه إلا النفس.. و أخذت أتمتم مع نفسي ، أحاول تسكين أوجاعي بالتسليم لرغبة القدر لكي أهدأ و أنام ... ما أصعب أن يعيش الإنسان وحيدا مجهولا خائفا من الغد لا يشعر به إلا جدران الغرفة ؟؟ّّ و لو كانت الجدران قادرة على الكلام لصرخت..
إنّه قدرنا أن تعاني المراة في هذا العصر ، الذي أصبح يرثي حاله لفقدانه للقيم و الأخلاق و الضمير..
الدنيا أصبحت موحشة بسبب النفوس الموحشة التي تسكنها ... أصبحنا فعلنا في غابة و الضعيف فيها ليس له مكان .
مع التحيات
رنا خطيب
15/5/2009
وصلت إلى مرحلة لم أعد أقوى فيها على مواجهة قساوة الحياة، لقد تلاشت قوى العزم عندي ، و نفذت طاقة صبري، و ضاق صدري على تحمل المزيد من الصدمات... قالت أمل ذلك ، بصوت مرتجف من شدة الانفعال و البكاء ، إلى صديقتها سعاد و هي تغلق نوافذ غرفتها الصغيرة الآيلة للسقوط ، ذات المساحات الضيقة و الأثاث الفقير و الجدران المتعبة .
ثم جلست قربها و صرخت ..إخفاق.. إخفاق..إخفاق ..
ما هذا اللون الرمادي القاتم الذي امتلأت به صور حياتي؟؟؟!!!
ما هذه الآلام التي امتطت صهوة عمري و سيطرت على لجامها و لازمت خطاها في المسير؟؟؟!!!
نظرت سعاد ألي لترصد مشهد الحزن و القلق اللذين غطا مساحات عيناي ، فحاولت تهدءتي و اقتربت مني لتمسح دموعي الهادرة على وجهي ، ثم أخذتني بحنان إلى صدرها و ضمتني أليها كضمة أمة حانية تريد أن ترد العواصف عن طفلتها المتعبة وقالت لي بصوت دافئ .. هل هناك مشكلة جديدة تواجهك في عملك جعلتك تفقدين صوابك اليوم؟؟
رفعت رأسي من على صدرها.. و مسحت دموعي بسرعة و توجهت إلى المطبخ لأعدّ القهوة التي أجد فيها متعتي .
نعم يا سيدتي ذئب جديد يحاول أن ينصب شباكه حولي .
يحاول أن يغريني بماله القذر كي أصاحبه و أكون أنيسته في ليله الصاخب و في غفلة عن عيون الناس و أهله ، بعد أن علم بأني مطلقة و إني بحاجة إلى المال لأعيل نفسي .
عدت بالقهوة و هي تغلي .. أتدري.. الرجال يستحقون أن يداسوا بالأقدام دون شفقة أو رحمة. و سكبت القهوة العابقة برائحة الهال وناولتها فنجان القهوة ، فابتسمت لي ، جلست قربها ثم بدأنا نحتسي القهوة.. و مع أول رشفة بدأت استعيد توازني المفقود ..
قلت لها : تصوري أن هذا الرجل يقترب من عمر الخمسين و الشيب اشتعل في رأسه ، و كرشه يتصدر أمامه و هو ملتحي ويدّعي بمظهره أنه رجل المساجد يقيم فيهم الفروض الخمسة و يحمل بيده مسبحة لذكر الله. و يوزع الصدقات على المحتاجين أمام الناس و يدير جمعيات خيرية، تخيلي مثل هذا الرجل كيف يبدو في الظاهر و عندما يخلو إلى نفسه كيف يصبح؟
لا يتأخر لحظة عن جذب الفتيات ما بين العشرين و الثلاثين و إغراءهن بالمال و الهدايا القيمة كي يصل إلى مآربه القذرة....
و طبعا يا سعاد أنت تعلمين ما أكثر النفوس الصغيرة و الفقيرة الغارقة في مستنقع الرذيلة ، و التي تريد بأي وسيلة أن تقتل شبح الفقر الذي يطاردها في كل خطوات مسيرها.
هؤلاء الرجال المختبئون بأفعالهم تحت اللحى يستبيحون حدود الله دون واعظ أو مهابة لجلالته..إنهم ليسوا بالرجال بل بأشباه الرجال.. لا يقومون وزنا لرجولتهم و لا لمواقفهم .. ضالون مضلين ، يعتقدون أنه بالمال يستطيعون شراء كل ما ترنو نفوسهم المتصابية العفنة أليه
أي نوع من البشر هم؟؟ إنهم خارجون عن قانون البشر ، محكومون بقانون الغاب.
هوني عليك يا صديقتي لا تأخذي كل الرجال بغضبك ، فهناك الفاسد و هناك الطيب ، و هذا ينطبق على المرأة أيضا .
المهم أن تتمسكي بقيمك و تدافعي عن مبادئك و الله سيحفظك .. و كوني مع الله و لا تبالي. أنت امراة قوية و أخت رجال و لا يخاف عليك..
و في هذه اللحظة رن موبايلي ، و إذا برقمه يتصدر شاشة الموبايل..
أ رأيت القذر ؟؟!! ..حتى في الليل لا يتوان عن إزعاجي.. ردي عليه قالت سعاد ..فقلت لها كلا.. و فصلت الموبايل نهائيا.
ماذا يريد منك في هذه الساعة المتأخرة من الليل و في هذا الجو الماطر ؟؟
لقد طلب مني عدة مرات أن يتناول القهوة في منزلي الوضيع هذا و يشاركني العشاء ، و أنا في كل مرة أتذرع له بسبب ما حتى اضطرت بعد محاولات هروب أن أفهمه أنني لست من الصنف الذي تبحث عنه.. لكن و للأسف ليس عنده كرامة كي يحفظها من رفض الطلب ؟
تعرفي يا صديقتي أمل .. كل الحق على أباك الظالم هذا الذي يرتع في قصر تتكلم فيه الرفاهية بصوت مرتفع قالت سعاد ....
لا عليك أبي كما يقولونها ديوس و لا يعطي أهمية لعرضه ...
من يطرد ابنته من منزله يوم طلقت ، و يحمّلها مسؤولة قرارها و يرميها في مفترقات الدروب وحيدة لتواجه مصيرها و لتشرد في هذه المفترقات دون حصن يحتويها أو ملجأ يؤويها .. لا يستحق لقب أب..
لا تذكريني ... تلك كانت ليلة من أقسى الليالي في حياتي ... ليلة طلاقي مع طردي من منزل أبي في وقت واحد.. أنظري ما أشقاني من امراة
قولي لي يا سعاد ما ذنبي في كل ما حصل و يحصل لي ؟
ولدت من أب ديوس، تزوجت من زوج ديوس فعله كان أفظع من فعل الأب المصون ، ثم وجدت نفسي وحيدة أعاني مرارة المواقف و انا أتنقّل من عمل لأخر ، بسبب دياثة أصحاب العمل ودناءة أنفسهم و كل هذا طلبا للقمة العيش بالحلال.. أهرب من نار لأقع في نار اشد لهيبا من الأولى..
ماذا علي أن افعل ؟؟!! لقد وصلت إلى مرحلة مع هذا الرجل الملتحي المتصابي إلى نقطة مسدودة و أنا بحاجة إلى المال..
ماذا علي أن افعل؟؟! ...أ اصبر قليلا ريثما أجد عملا أخرا ؟ أم أغادر حالا ثائرة لكرامتي و أنوثتي الضائعة؟
اصبري قليلا و استخدمي الحيلة و الذكاء إلى حين أن تستقر أوضاعك أجابت سعاد
حسنا.. سأحاول لكن لن أعدك في ذلك .. فقد اقتربت الأمور معه حتى النهاية فإما أن ينتصر او أنتصر.
همّت سعاد بالقيام للذهاب، وضعت يدها على كتفي و قالت لي: بعد أن أطمئنت عليك ، يجب علي المغادرة فقد تأخر الوقت و زوجي والأولاد بانتظاري.. لا عليك يا صديقتي الوحيدة سعاد أشكر لك سعة صدرك على احتوائكي لي في هذا اليوم الحزين ..
فأنا وحيدة و ليس لي من بعد الله غيرك ... لم يبقى لي من معاني الحياة إلا صداقتك الجميلة .. نحن أصدقاء و أخوات قالت سعاد .. ثم ودعتها و قفلت الباب من خلفها ..
ساد صمت رهيب في بيتي .. نظرت حولي وجدت كل شيء موحش و تعيس .. اختصرت التأمل في هذا المكان الصامت و دخلت في سريري .. أحاول أن أنام .. لكن حجم الألم في قلبي أبعد النوم عن مقلتاي .. فعدت للبكاء مرة أخرى لكن هذه المرة بصوت لا تسمعه إلا النفس.. و أخذت أتمتم مع نفسي ، أحاول تسكين أوجاعي بالتسليم لرغبة القدر لكي أهدأ و أنام ... ما أصعب أن يعيش الإنسان وحيدا مجهولا خائفا من الغد لا يشعر به إلا جدران الغرفة ؟؟ّّ و لو كانت الجدران قادرة على الكلام لصرخت..
إنّه قدرنا أن تعاني المراة في هذا العصر ، الذي أصبح يرثي حاله لفقدانه للقيم و الأخلاق و الضمير..
الدنيا أصبحت موحشة بسبب النفوس الموحشة التي تسكنها ... أصبحنا فعلنا في غابة و الضعيف فيها ليس له مكان .
مع التحيات
رنا خطيب
15/5/2009
تعليق