الجثث تشرب العصير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وفاء عبدالرزاق
    عضو الملتقى
    • 30-07-2008
    • 447

    الجثث تشرب العصير

    الجثثُ تشرب العصير

    يلوح في الأفق شكلٌ جديد، بل شيءٌ مغايرٌ لما ألفناه، يحتاج إلى شجاعة منـِّا لمسايرته أو التآلف معه، السطحيون جداً وبخاصة مَن لهم استعداد تام لمشاركة خلاَّط العصير سيعتبرونه أمراً عاديـَّاً وباعثاً للسعادة .

    هذا الضرب من الكائنات أكثر المخلوقات خبثاً وأكثر حيوانية من حيوان واسع الحيلة، أكثر الوجوه تشوهاً، أكثر العيون شرراً، أكثر القلوب حقداً وأكثر مَن يثير استغرابي .

    استخدمتُ لوصفه كلمة "أكثر" لذلك سأعطيه اسم "أكثر" لأنه أكثر المنتشرين في الشارع وأكثر المألوفين للمارين العابرين المتوجهين إلى محل " أبو فرَج " بائع عصير التمر.

    في خلاَّط أبو فرَج تمرٌ فقط، فهو لا يبيع غير عصيره ذلك لأن التمر لا يحتاج إلى سُكـَّر بل يحتاج ماءً فقط وكهرباءً لتشغيل الخلاَّط وثلجاً، مما يجعل السعر رخيصاً على المشترين من العمـَّال والطلبة والكادحين والذين تخرَّمت جيوبهم، الجيوب التي خرمها الدهر والقـِدم وليس كثرة التبذير .

    " أكثر " له خلاّطه الخاص لكن لا أدري لمَ أُطلقُ عليه اسم " عورة "
    خلاّطٌ عورة، ربما اسم الشركة المصنِّعة أو الخلاَّط أعور، لكن العم " أكثر " لا يجد مبرراً لستر العورة ، ربـَّما المجرب حكيم والمثل قال : اسأل المجرب ولا تسأل الحكيم . هذا يعني أنـّني أكمل اسمه وأدعوه السيد " أكثر مجرِّب " .

    اسم العائلة ناقص لابد من إيجاد اسم جدٍّ له ، خطرت لي فكرة عظيمة:
    " أكثر بن مجرِّب بن ناقص " .
    العم " أكثر " مزواج خلّف اثني عشر ولداً، كل ولد بمثل الأب، كنزٌ نابغ، ولأنه نابغ العقل والقلب علَّم عشيرته بني أكثر مدَّ اليد لتصبح خرقاء متهورة، هذا سر نبوغ بني أكثر .

    الحفيد " كثيـِّر " ورث خلاَّط أبيه ، أقول سراً : كثيِّر فيلسوف، نعم فيلسوف قحّ وأكثر الرؤوس حكمة وله استنتاجات لا تخطر ببال، يعني هو فوق البشرية لا يأتي إلا بالأمور الخارقة .

    تهافت كل مَن في المدينة إلى محل " كثيِّر " لشراء العصير المخلوط من فاكهة متنوعة وبثلج وسُكَّر ورمـَّان .

    لائحة الأسعار مختلفة بلغة غير مفهومة ربما إفرنجيَّة لا يفهمها عامة الشعب مما اضطره التعامل مع زبائنه بالإشارة، كل نوع من أنواع العصير يضع عليه عصير الرمـَّان بدل الماء ولا أحد يعترض، وأيضاً على المشتري أن يغمس يده اليمنى بقدح من عصير الرمـَّان ليتكرم عليه " كثيـِّر " بأكواب العصير، بعدها يسجل اسمه في دفتر كبير وبعد التسجيل ينال مكرمة خاصة (عصير بلاش طول العمر)، لكن على الموقعين الاعتراف بأن الإنسان لم يُخلـَق من أجل الإنسان بل من أجل أن يصبح وحشاً .


    بطريقة رديئة فكر المشترون وتهامسوا وتوافقوا واتفقوا على رأي واحد : كل فرد في العائلة عصيره بلاش إلى نهاية العمر، توصلوا إلى نتيجة مهمة جداً، يسجـِّـلون اسم الأموات من الأسرة ويغيِّرون من شكلهم أو يتنكرون أثناء غمس اليد بالعصير ليكثر نصيبهم ويسبحون بالرمـَّان .

    غريب هذا الإنسان به حاجة إلى العبوديـَّة حتى ولو لرمـَّان وبه طمع وجشَع يتصارعان أو يعتاش كل منهما على الآخر .

    لكن الأموات أكثر جشعاً منهم لم يتركوا الفرصة تضيع منهم ،خرجوا من قبورهم هياكل عظمية تدور حول عربة الأخ "كثيـِّر " وتلعق ثم لحقت بهم الجثث الطازجة الطريـَّة مادة ألسنتها بتعطــِّش .

    الأخ " كثيِّر " له مرتبة عالية، كونه بعين واحدة في وسط جبينه وهو يذكرني بقصص الجدَّات عن الأعور الدجـَّال، أما العم " أبو فرج " تركه الوقت محبوساً لذا تقرفص المسكين بقدح عصير فارغ صفنَ وتحنـَّط .

    خلاصة القول : إن هذه القصة هي الأكثر حقيقة من قصصي الباقية، لأنني أكثر وثوقاً بمعرفتي لغزها خاصة حين رأيتُ عدد الهياكل العظمية والجثث المنتشرة في الشارع ، والهوَّة الأكثر بؤساً، أنني ثـنيتُ ركبتيَّ بعيداً عنهم ، وجلستُ قرب دكان " أبو فرج " ألعن كلمة أكثر التي حاصرتني أكثر وكتبتُ عنها أكثر من أكثر أعمالي .

    أشارت إحدى الجثث متسائلة عني : مَن تلك ؟
    أجابتها جثــَّة أخرى : هي تلك .

    أنا تلك ابنة ذلك بن ذاكَ مازلتُ أجلس القرفصاء عند دكان العم السجين أنتظر أن ينهض " أبو فرج ".
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميلة القديرة
    وفاء عبد الرزاق
    نص جاء برمزية عالية وعميقة جدا

    ومن أجل أن تكون الغنيمة أكبر استحضرت الحشود أسماء حتى الموتى كي تنهش أكثر وتملأ البطون (( وهنا البطون .. جيوب))
    ماأشبه هذا الوضع بما يجري معنا
    أسماء وهمية تأخذ رواتب وهبات وأراض سكنية
    رائعة وفاء
    وأبو فرج هو الرمز الذي ننتظره (( للإفراج )) عنا وعن الوطن..
    هل سننتظر أبو فرج طويلا وفاء؟!!
    لقد طال الزمن وهو مازال في قعر الكأس مقرفصا!!
    وانت ابنة أبو فرج (( الحرية)) التي ستأتي يوما
    ونجوم خمس لك
    تحياتي لك سيدتي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • هادي زاهر
      أديب وكاتب
      • 30-08-2008
      • 824

      #3
      تعقيب

      اختي الكاتبة وفاء عبد الرازق

      قصة متكاملة رمزاً سرداً وتشويقاً
      محبتي
      هادي زاهر
      " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

      تعليق

      • يسري راغب
        أديب وكاتب
        • 22-07-2008
        • 6247

        #4
        وتاتي الشاعره
        وتاتي باطفالها
        هذا هو طفل يبكي
        وذاك الطفل يغني
        وهناك يرفع يداه
        امام الغزو منتفضا
        ساخرا من العسكري الازرق
        هل ترى الحرب
        عدو طفولتنا
        مزقت احلامه
        وقطعت اطرافه
        وكانت له ذاكرته
        في قلب الطفله
        التي لاتكبر
        على مر الزمان طفله
        تتاوه وتتالم
        تتحرك وقلبها
        لازال طفلا
        تلك الشاعره
        وفاء الوفية
        لطفولة العراق
        والبصرة التي ذبحت
        شاهده وشهيده
        اغنية ونشيده
        والبصرة طفلتها الرشيده
        والعراق طفلها الباقي
        الى الابد طفلا

        ايها الطفلة الشاعره
        انحني امام نبوغ لايتوقف
        وعطاء لاينضب
        وابداع على الابداع يبدع
        والجثث لا تشرب العصير لانه دماؤها
        مودتي وكل التقدير اديبتنا الراقيه العاليه الغاليه

        تعليق

        • وفاء عبدالرزاق
          عضو الملتقى
          • 30-07-2008
          • 447

          #5
          ومن أجل أن تكون الغنيمة أكبر استحضرت الحشود أسماء حتى الموتى كي تنهش أكثر وتملأ البطون (( وهنا البطون .. جيوب))
          ماأشبه هذا الوضع بما يجري معنا
          أسماء وهمية تأخذ رواتب وهبات وأراض سكنية
          رائعة وفاء
          وأبو فرج هو الرمز الذي ننتظره (( للإفراج )) عنا وعن الوطن..
          هل سننتظر أبو فرج طويلا وفاء؟!!
          لقد طال الزمن وهو مازال في قعر الكأس مقرفصا!!
          وانت ابنة أبو فرج (( الحرية)) التي ستأتي يوما
          ونجوم خمس لك
          ----------------------------------
          غاليتي العزيزه
          عائده نادر
          هذا اعصير هو دماء الارواح التي قضت اجلها
          فكيف يكون للجثث ان تشرب دمائها
          شكرا لتحليك العميق الرؤيه
          ونظرتك الانسانيه الى ما يجري من جرائم يوميه
          كل الود وكل المحبه لك عزيزتي

          تعليق

          • يسري راغب
            أديب وكاتب
            • 22-07-2008
            • 6247

            #6
            عفوا على المداخله الجديده هنا
            فالامر يتعلق بالقصه ذاتها وهي واحده من المجموعه القصصيه التي صدرت للاديبه وفاء عبد الرزاق عن دار الكلمه نغم - مؤخرا - تحت عنوان :-
            امراه بزي جسد
            واود الاشاره ايضا الى ان القصه ذاتها فازت
            بجائزة جعفر الخليلي للابداع القصصي في العراق
            فالف مبروك للزميله بالاصدار الجديد وبالجائزه
            وعذرا لان المباركة جاءت متاخرة

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              هل نحن أمام كائنات وحيدة الخلية .. حيوانية الطبع
              أم أسطورية التكوين ،
              أم خلقية حيث الدين ،
              و النموذج المسخ الذى بشرت به ؟
              أكثر بن أكثر بن ناقص
              ذلك بنت ذاك
              هنا كنا فى قاع قاع الرمز ، فى عمل جاء مترابطا و قويا إلى حد .. و أكاد أزعم أنه من أجمل و أقوى أعمالك على الإطلاق ؛ فقد حفل بالكثير متناصا مع الأسطورة ، و الدين .. وواقع الحال !!
              هو ترجمة حقيقية للتهافت ، فى عصر تعتصر القيمة فيه إلى أبعد ممكن
              تنهل من الفرج و أبى الفرج ، حتى يضيق فرجه ، و قد ى يكون إلا حلما ينتظر مع الأيام !!

              لا يهمنى إن كنت على حق فيما ذهبت إليه بقدر ما توصلت إلى ما أريد أنا أن أراه فى العمل !!

              شكرا وفاء على هذا الهم ، الذى يشاركنى همى ، و يحاول ترجمته ، و لو تخفى فى كثير من غموض !!

              تحيتى و تقديرى
              sigpic

              تعليق

              • وفاء عبدالرزاق
                عضو الملتقى
                • 30-07-2008
                • 447

                #8
                اخي الغالي يسري شراب
                شكرا لتهنئتك اتمنى من ربي يجعلني قديرة بما تتوقعه مني من إخاء

                دمت وفيا

                تعليق

                • وفاء عبدالرزاق
                  عضو الملتقى
                  • 30-07-2008
                  • 447

                  #9
                  الصديق الغالي والاخ الاغلى ربيع عقب الباب


                  رايك يهمني جدا، شكرا لما توصلت اليه في الجثث تشرب العصير

                  والنص المفتوح يتحمل كل التأويلات، وهذا سره
                  ممتنة لك كثيرا ايها الغالي

                  تعليق

                  • محمد مطيع صادق
                    السيد سين
                    • 29-04-2009
                    • 179

                    #10
                    إن هذه القصة هي الأكثر حقيقة من قصصي الباقية، لأنني أكثر وثوقاً بمعرفتي لغزها خاصة حين رأيتُ عدد الهياكل العظمية والجثث المنتشرة في الشارع ، والهوَّة الأكثر بؤساً، أنني ثـنيتُ ركبتيَّ بعيداً عنهم ، وجلستُ قرب دكان " أبو فرج " ألعن كلمة أكثر التي حاصرتني أكثر وكتبتُ عنها أكثر من أكثر أعمالي .
                    ما أجمل هذه الخاتمة وما أجمل لغتك وترميزك
                    تحية تقدير أختي الكاتبة

                    الأخت الفاضلة

                    تعليق

                    • مجدي السماك
                      أديب وقاص
                      • 23-10-2007
                      • 600

                      #11
                      رائعة

                      الرائعة وفاء عبد الرزاق..تحياتي
                      قصة رائعة بحق..بكل ما فيها من رمزية وجمال..ولغة تخاطب القلب والعقل والاحساس..رائعة بكل المقاييس.
                      مودتي
                      عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

                      تعليق

                      • على جاسم
                        أديب وكاتب
                        • 05-06-2007
                        • 3216

                        #12
                        [align=center]السلام عليكم


                        مرحباً بالمبدعة والمتألقة قولاً يقيناً صادقاً نابعاً من القلب

                        لغة سردية ورمزية جميلة يتفاعل معها المتلقي لأنها تعكس مشكلة ووجع يعاني

                        منه بلد ، فكانت هنالك مفردات وكل منها له دور ومعنى في القصة .

                        فالعم أبو فرج وهو يكون اختيار الاسم لم يكن هكذا اعتباطاً بل جاء وفق مفهوم

                        وفكرة واضحة وهي الأمل والترقب لنهاية جميلة .

                        كذلك كان العصير فهو رمزية أخرى قد يجرنا إلى الحديث عن علم النفس

                        وسلوكيات الإنسان في التعلم بما يعرف بعلم النفس بالمثير والاستجابة


                        لذا برأيي المتواضع كانت هنالك اجادة تامة منكِ في ايصال المشكلة بعيداً عن

                        الاسراف والمبالغة كما يحدث مع البعض حين يكتب عن مشكلة ما .

                        لذا فنحن وهم في انتظار العم أبو فرج .

                        تقديري لكِ [/align]
                        عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً ... في ظِلّ شاهقّةِ القُصور ِ
                        يَسعى عَليك بِما اشتهْيتَ ... لَدى الرَّواح ِ أوِ البكور ِ
                        فإذا النّفوس تَغرغَرتْ ... في ظلّ حَشرجَةِ الصدورِ
                        فهُنالكَ تَعلَم مُوقِناَ .. ما كُنْتَ إلاََّ في غُرُور ِ​

                        تعليق

                        • محمد سلطان
                          أديب وكاتب
                          • 18-01-2009
                          • 4442

                          #13
                          ثانى قصة أقرأها هذا الأسبوع و أحب القص بزيادة
                          أمتعتنى و أحببت الأسلوب لغةً و خيالً ورمزاً ..
                          "أكثر" و "كثير" و باقى الأبطال يستحقون الإحترام .
                          أتوقع فوزها بمسابقة ((القصة الذهبية)) لهذا الشهر
                          تحياتى
                          صفحتي على فيس بوك
                          https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                          تعليق

                          • عائده محمد نادر
                            عضو الملتقى
                            • 18-10-2008
                            • 12843

                            #14
                            الأديبة القديرة
                            وفاء عبد الرزاق
                            ألف مبروك سيدتي فقد فاز نصك بالمرتبة الأولى لهذا الشهر
                            وقد ثبت عملك ولمدة شهر كامل
                            تستحقين كل الخير سيدتي لأنك أديبة تحترم أعمالها وتقدم الأفضل دوما
                            كل الود لك وفاء
                            تهاني قلبية مني لك
                            تحياتي وودي لك سيدتي
                            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                            تعليق

                            • محمد الطيب يوسف
                              أديب وكاتب
                              • 29-08-2008
                              • 235

                              #15
                              نص مدهش فاجأني كما النهار عميق ومتماسك ومنساب النيل

                              يفتح آفاق عدة لقراءات من زوايا مختلفة فلسفية ربما

                              بالطبع يستحق الفوز رغم أني لم أسوط له لأني لم أقرأه إلا الآن

                              مزيدا من التقدم أختي العزيزة
                              صفحتي الخاصة

                              http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

                              تعليق

                              يعمل...
                              X