فتحت عيني في الظلام على إثر لكماته وركلاته وقذائف لسانه: " سأقتلكم كُـلَّـكُم.. سأسحقكم جميعا أيها الأوغاد..." فمسحت عرقه وحضنته إلى صدري أهدئه حتى هدأ ونام.. أخذني التفكير في أمر صلاحي ولغته وكوابيس ليله المتكررة فدب القلق في أوصالي ومسح النوم من عيني.. حتى النجوم الكثيرة التي رسمتها حول وحيدي صلاح الدين وهو ما يزال جنينا يتلمس طريقه إلى الوجود انطفأت أمام عيني واحدة تلو الأخرى.. ظللت أحملق في سقف غرفة نومي وضربات قلبي تتسارع بشكل رهيب.. أعدت قراءة كتاب حياة وليدي المشرع لعيني وتوقفت مليا عند العناوين الكبيرة التي سطرتها يدي على صفحاته..
منذ شهوره الأولى، ربطت صلاحي إلى عالم زمانه وتفرغت للنجوم المتراقصة لعيني والمبتسمة لي على الدوام.. كنت أجلسه إلى حاسوبه.. أزيح الرضاعة من يديه وأمسك إبهامه الصغير فينقر على النوافذ والروابط .. تتبدل الصور أمامه فتتسع حدقتاه ويحاول إعادة الكرة ببالغ السعادة.. صار حاسوبه هو عالمه.. أزهده في اللعب وفي الأصحاب، وفي أمه وجدته وفي أبيه أيضا.. أبوه الذي يزورنا ضيفا عزيزا كل صيف فيحط لنا من الهدايا والكلام الحلو ما يقدر عليه ثم يرحل حتى موسم آخر، لم يسألني صلاحي عنه يوما.. وطعامه إذا كان بعيدا عنه زهد فيه صلاحي أيضا.. فأعد له سندوتشات وأضعها بجانبه على طاولة الحاسوب. يقضمها وعيناه معلقتان على الشاشة.. ويشرب شرابه في أكواب خاصة وعبر مصاصات طويلة.. يكفي أن يلمسها بشفتيه حتى تتدفق عليه بخيرها دون أن تشغل يديه المنشغلتين أبدا بالنقر على الأزرار.. وأنا بدوري في غرفتي، أقضم سندوتشي أمام حاسوبي ويداي منشغلتان بالأوراق حينا وبالأزرار حينا آخر..
زلزلني صلاحي بقذائف لسانه التي لم تهدأ طول الليل.. فعاودتني الوساوس تنهشني بشراسة فظيعة.. لم تترك لي محطة آوي إليها لألتقط فيها أنفاسي ولا نافذة أرى منها خيط ضوء إلا وسبقتني إليها وصبغتها بالسواد.. حتى صرح حلمي الذي ما فتئت يوما أعليه، رأيته بأم عيني يتلاشى ككتلة من السحب تمزقها تيارات هوجاء..
بدأ الفجر يرسل خطاباته لعيني المشرعتين وأمواجي ما تزال تتلاطم وحيث عطفت بها تزداد هيجانا.. لم أجد غير حضنه أسند إليه بثقل ليلي وأول نهاري.. نقرات خفيفة على الأزرار جاءني صوته مرحا مفعما بالرقة والحنان.. قاطعته بصوتي المتقطع المثقل بنبرات البكاء.. ما أن استشف موضوع انزعاجي حتى انفجر يضحك بهستيرية ورَّمت أعصابي.. ليخبرني بسعادة بالغة بأنه قبل أن ينام يربط يوميا الخط بصلاحنا يشاركه عراكه وحروبه على الأنترنت. وأنه وعده قبل أمس بحاسوب محمول ليحمله معه إلى غرفة النوم. فغرفته باردة وقعوده الطويل على الكرسي متعب له وأضاف بنبرة سارة:
ـ صلاحك متفوق علي وذكي جدا لك أن تفتخري به..
ثم أضاف:
ـ قريبا سأنزل، يا مجنونتي، وأحمل لكما من الهدايا ما لا يخطر على بالكما..
كلمات قليلة نثرها زوجي في أذني فأضاءت نفسيتي وأحالت الجبل الأسود الذي كان جاثما على صدري إلى خيوط دخان.. أزحتها من فضائي بزفرة واحدة.. وامتلأ صدري فخرا بصلاحي عندما ضممت كلمات زوجي إلى كلماتي:"صلاحي متميز ومتفوق على أقرانه بذكائه ولغته الحربية هذه.. ويوم يكمل ربيعه الخامس ويلتحق بالروض ثم المدرسة سيتعلم لغة بني سنه".. فتنهدت واستنشقت هواء الفجر ومضيت أرقص على أطراف قدمي.. وأنا أستشعر أن كتلة الضوء التي استجمعها الفجر لينثرها على الوجود استودعها كلها في نفسيتي.. أعدت التيار الكهربائي إلى غرفة صلاحي ثم أعددت له فطوره على طاولة حاسوبه كما عادتي دائما وعدت إلى فراشي.. تهالكت بجانب قمري وانطفأت وأنا أبتسم لنجومي..
****
عتبت باب بيتي أكتم حبل لهاثي من جراء ثقل حملي.. درجات السلم توالدت أمام عيني بشكل غير مسبوق.. شعرت بأني أتسلق برجا متناهي الدرجات.. ومع كل درجة أرتقيها أشعر بأن رئتي ستعلنان التمرد بعد حين.. بلغت شقتي في الطابق الثالث.. اتكأت على عضادة الباب حتى تآلفت أجزاء رئتي.. ثم خلعت حذائي ومضيت إلى مكتبي أسترق خطواتي على أطراف أصابع رجلي.. ففلتت من نشرة المجازر التي يلقيها صلاحي في وجهي كلما رمق ظلي.. إلا أنه ما أن تفطن لوجودي في الغرفة المجاورة لغرفته حتى داهمني منتشيا بفتوحاته الجديدة وعدد قتلاه. رددت عليه بكلمات مخنوقة معصورة بين أسناني المشدودة ضيقا مما بين يدي:
ـ اذهب واقتل أعداءك ودعني أقتل أعدائي...
ـ هل لك أعداء أمي؟؟
ـ أجل علي أن أطلع على هذه الكتب وأنجز ملفات العمل هذه ؟؟
أضاف حينما رآني أكمش ورقة بين يدي وأرميها بتشنج في سلة المهملات:
ـ أنت غبية وأسلحتك بدائية.. أعداؤك سينتصرون عليك..
ـ وما الحل الذي تقترحه لأعداء أمك؟؟ لا شك ستتعلم القراءة والكتابة وستنجز معي كثيرا من أعمالي وــــــــــــــ
ما كدت أنهي جملتي وأنا أمدد ظهري المقصوم إلى مسند كرسيي حتى كان صلاحي قد أجهز على أعدائي..أشعل الولاعة وأوقد النار في ملفاتي وأوراقي وألسنة النيران تتنطط حولي كما العفاريت... وهو يقول لي:
ـ هم أعداؤك.. احرقيهم قبل أن يحرقوك..
أطفأت النيران بعد دقائق من الهلع والعراك وهرعت إلى صلاحي المنكمش في الزاوية . ضممته إلى صدري أهدئ روع قلبه الذي يضخني بضربات تنقر صدري.. أفهمته قصدي وحذرته مما فعل فقال لي مبديا الشجاعة وعدم الاكتراث بما جرى:
ـ أرى بطنك ينتفخ أكثر من ذي قبل.. لعل عدوا يسكنه؟؟ لقد سدد لي أكثر من لكمة عبر هذا البالون الذي يحتمي في داخله..
وراح يرد الصاع صاعين فأمسكت بقبضتي يديه وأنا أقول له:
ـ كلا يا ولدي، هذا أخ لك.. سألده قريبا ليؤنسك...
ـ سأقتله يا أمي.. سأعصر رقبته.. بل سأشنقه.. كلا سأطخه بالمسدس... طخ طخ طخ طخ
ثم راح يتمرغ في الأرض يمثل أمامي بلذة بالغة صورة أخيه الصريع من جراء رصاصات صلاحي..
وخزني لأول مرة رعب قاتل من صلاحي الصغير فأوقفته وزلزلته بين يدي وقلت له وأنا أحدق إلى عينيه الخضراوين المتقدتين:
ـ ألا تعرف شيئا غير القتل ؟؟...
ـ سأكبر، يا أمي، وسأشتري أسلحة فسفورية كثييييييييرة.. أقتل أولاد الجيران والباعة المتجولين والكلاب والقطط وأفجر كل السيارات.. لن تسمعي غير فرقعات.. فرقعات.. فرقعات.. ولن تري غير نيران وأدخنة... ثم يستكين كل شيء فتشتغلين في هدوووووووء....
اهتز قلبي بفرقعات لسان صلاحي وانطلقت للتو أضع حدا بينه وبين القتل والتقتيل.. جردت حاسوبه من كل ما يمده بالحياة وأوهمته بأن عطبا كبيرا قد اعتراه.. وفي ذات الوقت، نقلت به إلى فضاء سنه في التلفاز.. وما رأيته منغمسا في عالم جديد مع شخوص أفلام الكرتون حتى سلتت نفسي وخرجت أجري لألحق موعد العمل.. عدت ووجدت صلاحي يتصبب عرقا يحشو عدوته بلكماته ويقطع أطرافها بأسنانه مزمجرا بما امتصه من لسان بطل الفيلم على شاشة التلفاز:"سأقتلك.. سأشرب من دمك.. " لم يهدأ صلاحي حتى كانت أحشاء المخدة الصغيرة قد تناثرت في كل أرجاء الصالة..
فجردت التلفاز من التيار الكهربائي وجلبت لصلاحي قطة ابنة جارتي لتؤنسه وألقيت في غرفته أشكالا من اللعب ليلهو بها.. ثم تسللت خارجة أتمايل كباخرة في عرض البحر.. ولما عدت من عملي هرع إلي إلى الباب وراح يجرني من يدي ليطلعني عن جديد يومه.. أزحته من طريقي وتهالكت على أقرب أريكة في بهو البيت.. صرخ في وجهي ويداه تسحباني لأمضي معه إلى غرفته:
ـ تعالي.. لقد سحقتُ عَدُوَّتي..
ـ من تكون عدوتك هذه المرة..؟؟ أمخدة أخرى يا صلاح الدين؟؟
لم يرد.. فكلمات صلاحي قليلة وفعله دائما يسبق قوله.. راح يجرني وراءه وأنا أمضي في أثره أتمايل بثقلي.. كاد أن يغمى علي وأنا أقف على هول جريمة صلاحي..
صلاحي الذي يبلغ أربع سنوات وبضعة أشهر، شنق القطة الصغيرة عند نافذة غرفته وشكل من أطراف جسدها مكعبات صغيرة.. ويطالبني بإلحاح أن أناوله سكينا كبيرة ليفصل رأسها عن جسدها بعدما عجز مقصه الصغير عن فصله.. وبينما هو يلح علي بأن أناوله السكين، تفجر في أعماقي صوت هادر يزلزلني:
ـ صلاحُكِ مجرم.. صلاحُكِ مجرم......
تخلفت أجر رعبي وهلعي.. أهدئه بيدي المرتعشتين وأتوسل إليه بأن يظل في مكانه.. ما كادت رجلاي تعتبان بي بوابة غرفتي حتى كان طفلي الآخر ينزلق من أحشائي.. اتكأت على كل ما تبقى لدي من إدراك وقوة أستنجد بالهاتف..
سمية البوغافرية
نونبر، 2008
منذ شهوره الأولى، ربطت صلاحي إلى عالم زمانه وتفرغت للنجوم المتراقصة لعيني والمبتسمة لي على الدوام.. كنت أجلسه إلى حاسوبه.. أزيح الرضاعة من يديه وأمسك إبهامه الصغير فينقر على النوافذ والروابط .. تتبدل الصور أمامه فتتسع حدقتاه ويحاول إعادة الكرة ببالغ السعادة.. صار حاسوبه هو عالمه.. أزهده في اللعب وفي الأصحاب، وفي أمه وجدته وفي أبيه أيضا.. أبوه الذي يزورنا ضيفا عزيزا كل صيف فيحط لنا من الهدايا والكلام الحلو ما يقدر عليه ثم يرحل حتى موسم آخر، لم يسألني صلاحي عنه يوما.. وطعامه إذا كان بعيدا عنه زهد فيه صلاحي أيضا.. فأعد له سندوتشات وأضعها بجانبه على طاولة الحاسوب. يقضمها وعيناه معلقتان على الشاشة.. ويشرب شرابه في أكواب خاصة وعبر مصاصات طويلة.. يكفي أن يلمسها بشفتيه حتى تتدفق عليه بخيرها دون أن تشغل يديه المنشغلتين أبدا بالنقر على الأزرار.. وأنا بدوري في غرفتي، أقضم سندوتشي أمام حاسوبي ويداي منشغلتان بالأوراق حينا وبالأزرار حينا آخر..
زلزلني صلاحي بقذائف لسانه التي لم تهدأ طول الليل.. فعاودتني الوساوس تنهشني بشراسة فظيعة.. لم تترك لي محطة آوي إليها لألتقط فيها أنفاسي ولا نافذة أرى منها خيط ضوء إلا وسبقتني إليها وصبغتها بالسواد.. حتى صرح حلمي الذي ما فتئت يوما أعليه، رأيته بأم عيني يتلاشى ككتلة من السحب تمزقها تيارات هوجاء..
بدأ الفجر يرسل خطاباته لعيني المشرعتين وأمواجي ما تزال تتلاطم وحيث عطفت بها تزداد هيجانا.. لم أجد غير حضنه أسند إليه بثقل ليلي وأول نهاري.. نقرات خفيفة على الأزرار جاءني صوته مرحا مفعما بالرقة والحنان.. قاطعته بصوتي المتقطع المثقل بنبرات البكاء.. ما أن استشف موضوع انزعاجي حتى انفجر يضحك بهستيرية ورَّمت أعصابي.. ليخبرني بسعادة بالغة بأنه قبل أن ينام يربط يوميا الخط بصلاحنا يشاركه عراكه وحروبه على الأنترنت. وأنه وعده قبل أمس بحاسوب محمول ليحمله معه إلى غرفة النوم. فغرفته باردة وقعوده الطويل على الكرسي متعب له وأضاف بنبرة سارة:
ـ صلاحك متفوق علي وذكي جدا لك أن تفتخري به..
ثم أضاف:
ـ قريبا سأنزل، يا مجنونتي، وأحمل لكما من الهدايا ما لا يخطر على بالكما..
كلمات قليلة نثرها زوجي في أذني فأضاءت نفسيتي وأحالت الجبل الأسود الذي كان جاثما على صدري إلى خيوط دخان.. أزحتها من فضائي بزفرة واحدة.. وامتلأ صدري فخرا بصلاحي عندما ضممت كلمات زوجي إلى كلماتي:"صلاحي متميز ومتفوق على أقرانه بذكائه ولغته الحربية هذه.. ويوم يكمل ربيعه الخامس ويلتحق بالروض ثم المدرسة سيتعلم لغة بني سنه".. فتنهدت واستنشقت هواء الفجر ومضيت أرقص على أطراف قدمي.. وأنا أستشعر أن كتلة الضوء التي استجمعها الفجر لينثرها على الوجود استودعها كلها في نفسيتي.. أعدت التيار الكهربائي إلى غرفة صلاحي ثم أعددت له فطوره على طاولة حاسوبه كما عادتي دائما وعدت إلى فراشي.. تهالكت بجانب قمري وانطفأت وأنا أبتسم لنجومي..
****
عتبت باب بيتي أكتم حبل لهاثي من جراء ثقل حملي.. درجات السلم توالدت أمام عيني بشكل غير مسبوق.. شعرت بأني أتسلق برجا متناهي الدرجات.. ومع كل درجة أرتقيها أشعر بأن رئتي ستعلنان التمرد بعد حين.. بلغت شقتي في الطابق الثالث.. اتكأت على عضادة الباب حتى تآلفت أجزاء رئتي.. ثم خلعت حذائي ومضيت إلى مكتبي أسترق خطواتي على أطراف أصابع رجلي.. ففلتت من نشرة المجازر التي يلقيها صلاحي في وجهي كلما رمق ظلي.. إلا أنه ما أن تفطن لوجودي في الغرفة المجاورة لغرفته حتى داهمني منتشيا بفتوحاته الجديدة وعدد قتلاه. رددت عليه بكلمات مخنوقة معصورة بين أسناني المشدودة ضيقا مما بين يدي:
ـ اذهب واقتل أعداءك ودعني أقتل أعدائي...
ـ هل لك أعداء أمي؟؟
ـ أجل علي أن أطلع على هذه الكتب وأنجز ملفات العمل هذه ؟؟
أضاف حينما رآني أكمش ورقة بين يدي وأرميها بتشنج في سلة المهملات:
ـ أنت غبية وأسلحتك بدائية.. أعداؤك سينتصرون عليك..
ـ وما الحل الذي تقترحه لأعداء أمك؟؟ لا شك ستتعلم القراءة والكتابة وستنجز معي كثيرا من أعمالي وــــــــــــــ
ما كدت أنهي جملتي وأنا أمدد ظهري المقصوم إلى مسند كرسيي حتى كان صلاحي قد أجهز على أعدائي..أشعل الولاعة وأوقد النار في ملفاتي وأوراقي وألسنة النيران تتنطط حولي كما العفاريت... وهو يقول لي:
ـ هم أعداؤك.. احرقيهم قبل أن يحرقوك..
أطفأت النيران بعد دقائق من الهلع والعراك وهرعت إلى صلاحي المنكمش في الزاوية . ضممته إلى صدري أهدئ روع قلبه الذي يضخني بضربات تنقر صدري.. أفهمته قصدي وحذرته مما فعل فقال لي مبديا الشجاعة وعدم الاكتراث بما جرى:
ـ أرى بطنك ينتفخ أكثر من ذي قبل.. لعل عدوا يسكنه؟؟ لقد سدد لي أكثر من لكمة عبر هذا البالون الذي يحتمي في داخله..
وراح يرد الصاع صاعين فأمسكت بقبضتي يديه وأنا أقول له:
ـ كلا يا ولدي، هذا أخ لك.. سألده قريبا ليؤنسك...
ـ سأقتله يا أمي.. سأعصر رقبته.. بل سأشنقه.. كلا سأطخه بالمسدس... طخ طخ طخ طخ
ثم راح يتمرغ في الأرض يمثل أمامي بلذة بالغة صورة أخيه الصريع من جراء رصاصات صلاحي..
وخزني لأول مرة رعب قاتل من صلاحي الصغير فأوقفته وزلزلته بين يدي وقلت له وأنا أحدق إلى عينيه الخضراوين المتقدتين:
ـ ألا تعرف شيئا غير القتل ؟؟...
ـ سأكبر، يا أمي، وسأشتري أسلحة فسفورية كثييييييييرة.. أقتل أولاد الجيران والباعة المتجولين والكلاب والقطط وأفجر كل السيارات.. لن تسمعي غير فرقعات.. فرقعات.. فرقعات.. ولن تري غير نيران وأدخنة... ثم يستكين كل شيء فتشتغلين في هدوووووووء....
اهتز قلبي بفرقعات لسان صلاحي وانطلقت للتو أضع حدا بينه وبين القتل والتقتيل.. جردت حاسوبه من كل ما يمده بالحياة وأوهمته بأن عطبا كبيرا قد اعتراه.. وفي ذات الوقت، نقلت به إلى فضاء سنه في التلفاز.. وما رأيته منغمسا في عالم جديد مع شخوص أفلام الكرتون حتى سلتت نفسي وخرجت أجري لألحق موعد العمل.. عدت ووجدت صلاحي يتصبب عرقا يحشو عدوته بلكماته ويقطع أطرافها بأسنانه مزمجرا بما امتصه من لسان بطل الفيلم على شاشة التلفاز:"سأقتلك.. سأشرب من دمك.. " لم يهدأ صلاحي حتى كانت أحشاء المخدة الصغيرة قد تناثرت في كل أرجاء الصالة..
فجردت التلفاز من التيار الكهربائي وجلبت لصلاحي قطة ابنة جارتي لتؤنسه وألقيت في غرفته أشكالا من اللعب ليلهو بها.. ثم تسللت خارجة أتمايل كباخرة في عرض البحر.. ولما عدت من عملي هرع إلي إلى الباب وراح يجرني من يدي ليطلعني عن جديد يومه.. أزحته من طريقي وتهالكت على أقرب أريكة في بهو البيت.. صرخ في وجهي ويداه تسحباني لأمضي معه إلى غرفته:
ـ تعالي.. لقد سحقتُ عَدُوَّتي..
ـ من تكون عدوتك هذه المرة..؟؟ أمخدة أخرى يا صلاح الدين؟؟
لم يرد.. فكلمات صلاحي قليلة وفعله دائما يسبق قوله.. راح يجرني وراءه وأنا أمضي في أثره أتمايل بثقلي.. كاد أن يغمى علي وأنا أقف على هول جريمة صلاحي..
صلاحي الذي يبلغ أربع سنوات وبضعة أشهر، شنق القطة الصغيرة عند نافذة غرفته وشكل من أطراف جسدها مكعبات صغيرة.. ويطالبني بإلحاح أن أناوله سكينا كبيرة ليفصل رأسها عن جسدها بعدما عجز مقصه الصغير عن فصله.. وبينما هو يلح علي بأن أناوله السكين، تفجر في أعماقي صوت هادر يزلزلني:
ـ صلاحُكِ مجرم.. صلاحُكِ مجرم......
تخلفت أجر رعبي وهلعي.. أهدئه بيدي المرتعشتين وأتوسل إليه بأن يظل في مكانه.. ما كادت رجلاي تعتبان بي بوابة غرفتي حتى كان طفلي الآخر ينزلق من أحشائي.. اتكأت على كل ما تبقى لدي من إدراك وقوة أستنجد بالهاتف..
سمية البوغافرية
نونبر، 2008
تعليق