بــبـغــاء الـفـضاء
منذ نعومة أظفاره أحب يوسف الحيوانات الأليفة حبا كبيرا لا مثيل له . ذلك الحب كلفه الكثيـر من التأنيب من أمه التي كانت تخاف عـليه ، فهـو كان يقضي كـل وقته مع الحمام الذي رباه وأحبه إلى حد أنه كان يهمل دراسته وواجباته المدرسية الشيء الذي كان يقلقها لأنها كانت تخاف على مستقبله . نهْـر أمه ، وتهديدها له بذبح كل الحمام إن هو لم يغير من عاداته شيئا ، زاد من إصراره على تربيته والاعـتناء به . ديدنه أنه كان يستيقـظ في الصباح الباكر ، وأول ما يقوم به هــو الذهاب مباشرة إلى خمّ الدجاج حيث الحمام فيقوم بتـفـقده وتنظيف إناء الماء ومعاودة ملئه بماء نظيف ، ونثر حبات من الحنطة أمامه ، ثم يجلس القرفصاء متأملا كل الحمام وقد غادر مكانه لالتقاط ما قدِّم له ، ومستمتعا بهديل الذكور وهم يطاردون بعضهم بعضا تارة ، أو وهم يتبادلون ضربات أجنحتهم تارة أخرى إلى حيـن أن يعلن الضعاف عن هـزيمتهم تاركين المكان للأقوى . كان يوسف لا يترك الخم إلا على صوت أمه التي تناديه من أجـل الإسراع لتناول وجبة الفطور والانصراف إلى المدرسة قبل أن يفـوته الوقـت .
يوسف كان يعيش في حي شعبي يعج بأبناء الفـقـراء ، حيث التشاجر بينهم شيء مألوف ، والنشاز هـو مرور يوم دون وقوع حوادث تذكر . ما زال يتذكر جاره الجندي الذي اقتنى سم الفئران وأطعمه لحمامه بغية التخلص منه بحجة أنه كان ينبش بمخالب رجليه ما يغرسه ويتلفه ، ويضع سِرْجـِـينه أمام عـتبة بيته . هذا الحادث أدى إلى موت جـل الحمام إلا الذي كان يحضن بيضه ولم يلتقط الحب المسموم ، وإلى وقوع خصام وقطيعة بيـن عائلتي يوسف والجندي ، تطورا إلى عداوة كبرى بينهما ، انتهت برحيـل عائلة يوسف من الحي خوفا من وقوع الأسوأ وإيثارا للسلامة .
اصطحب يوسف معه ما نجا من حمامه ، وظلت عنايته به هي ، هي ، وكان عزاؤه الوحيد في ما وقع هـو رؤيته له ، وهــو يتكاثر أمام عينيه عبـر مرور الأيام والشهـور. كبر يوسف وما كانت تخشاه أمه لم يقع . تزوج وكانت زوجته هي الأخرى تعشق الحيوانات الأليفة وعلى الخصوص الطيور منها ، وكانت تترجاه أن يشتري لها ببغاء في أول فرصة سانحة ، وهــو ما وعدها بتحقيقه .
في ليلة من ليالي فـصل الشتاء الذي يحلو فيه النوم ، قام يوسف كعادته استعدادا للذهاب إلى العمل . توجه نحو النافذة المطلة على الشارع ، وأطل من زجاجها محاولا تكوين فكرة عن حالة الجو في الخارج لارتداء المناسب من الثياب . لقد كان الفضاء ملبدا بسحب كثيفة داكنة مبطنة بالإعصار تشي بأن اليوم سوف يعرف تساقطات مهمة بعد طول انتظار كان كما لو أنه احتضار . تناول فطوره على عجـل ، وامتطى سيارته وتوجه نحو العمل . ظلت السماء ممسكة غيثها إلى أن حل المساء ، فهاجت سواكن الوجود في الوقـت الموعـود ، وأيقـظت من كانوا في حالة هجود ببروقها ورعودها وزمهريرها ، وطفـقـت الأرياح تهصر الأغصان ، وتزرع الذعـر في نفـوس بني الإنسان ، والأمطار تنهمر من السحاب الهمّار، بأمر من البارئ الجبار .
في هذا الجو المضطرب ، ركب يوسف سيارته وغادر مقر عمله عائدا إلى منزله . نظرا لكثرة الأمطار المتهاطلة ، كان بالكاد يتبين طريقه لأن الرؤيا كانت شبه مستحيلة . وبينما هو سائر في طريقه ، رأى شيئا تسقطه الرياح أمام سيارته . أوقفها جانبا ، ونزل ، ثم توجه نحو الشيء الساقط من السماء . التقطه بسرعة ، وحمله قافلا إلى سيارته . داخلها ألقى عليه نظرة ليفاجأ . إنه ببغاء مبلل بقطرات المطر ، إنه آية في الحسن الجمال ، لم يسبق لعينيه أن أبصرتا مثله لا في الواقع أو الخيال . وضعه فوق المقعد الأمامي لسيارته ، وفكر في زوجته التي سوف تكون أسعد مخلوق هذه الأيام ، ببغائها الذي لا يملك نظيرا له كل الأنام .
قبل وصوله إلى منزله لاحظ تغير لون الببغاء الذي فقد الكثير من بريق ريشه فقال في قرارة نفسه : قد يكون المطر هو المسؤول عـن ذلك ، وعندما يزول أثره سوف يعود إلى سالف بهائه ورُوائه . نسي أمره ، وتابع سيره . لما وصل ، أوقـف سيارته أمام شقته التي كانت زوجته بداخلها جالسة أمام زجاج النافذة تتأمل ما يقع في الخارج في نوع من الذهـول والفضول ، والتفكير في المجهول الذي قد يقع أو لا يقع . قرع الباب قرعا عنيفا لم تألفه زوجته ، ونادى بأعلى صوته :
ــ افتحي الباب يا فاطمة ، إن المطر قد بللني .
نادته فاطمة من الداخل وهي تطلب منه التريث قليلا ريثما تعثر على المفتاح كي تـفتح الباب قائلة له :
ــ أنا قادمة يا يوسف ، أمهلني بعض الوقت فـقط من فضلك .
لكن القرع لم يتوقف ، بل كان يزداد قوة وعنفا ، مما كان يربك فاطمة ويمنعها من التركيز قصد تذكر المكان الذي وضعت فيه المفتاح . فخاطبها يوسف من الخارج منقذا إياها من ارتباكها لأنه يعرف المكان المعتاد الذي تضعه فيه :
ــ إنه بجانب المزهرية ، هيا أحضريه ، وافتحي الباب وخلصيني من هذا المطر قـبل أن تبتل ملابسي بالكامل .
التـقـطت فاطمة المفتاح ، وبخفة غير معهودة فتحت الباب ، لكن يوسف لم يدخل ، بل بقي واقفا في مكانه وهـو شاخص إليها بنظره ، ويداه خلف ظهره ، وعـيناه وأسارير محياه تفضحان سريـرته فبادرته فاطمة قائلة له :
ــ ادخل يا يوسف ، ما ذا تخفي وراءك ، عيناك تفضحانك .
ــ خمّني يا فاطمة ، ما ذا أحضرت لك هذا المساء ؟
لكن الببغاء لم يترك لفاطمة ولو ثانية واحدة للتفكير حيث نطق بصوت رخيم :
ــ ببغاء ، ببغاء .
تعجب يوسف من الببغاء الذي سمعه لأول مرة يتكلم ، والذي أفسد خطته التي نوى اتباعها من أجل مفاجأة فاطمة ، فما كان منه إلا أن أظهره لها وهـو يقـول :
ــ انظري إنه ببغاء يا فاطمة ، ما رأيك في نضارته ؟
تعلقت فاطمة في عنق زوجها وشرعت تلثم وجهه لثما حارا تعبيرا عن غبطتها ، وشكرها له وقالت :
ــ رائع ، رائع يا يوسف ، سبحان الذي صوره ، وبأبهى الريش زينه ، ما أحسنه ما أحسنه ا أعـطني إياه من فضلك .
ناول يوسف فاطمة الببغاء وانصرف إلى خزانة ملابسه
كي يغير ما تبلل منها ، ويعود للاهتمام بشأن الببغاء ، وبينما هو منهمك في تغـيـيـرها سمعه وهـو يعيد كلام فاطمة رائع ، رائع يا يوسف ... غـيّـرها على عجل وعاد وفي يده قفص سيكون مأوى للببغاء ، فخاطبها قائلا لها :
ــ ها هـو القـفـص يا فاطمة ، ضعي فيه الببغاء ،وأحضري له الحب الخاص به والماء ، لا شك أنه جائع وظمآن . وبينما هي تهم بوضعه فيه نطق الببغاء .
ــ أنا لا أحب الأقفاص ، وما تعودت يوما على العيش سجينا محروما من التحليق في الآفاق ، كي تتمتع بي الأحداق ، يا رفاق ، بعيدا عـن شمس الإشراق ، ورحابة الفضاء .
تعجب الاثنان من فصاحته ، وتبادلا نظرات تـنـمّ عـن الاستحسان والحيرة في ما يمكن فعله مع هذا الببغاء
الفـتـّان . فقالت فاطمة :
ــ أنا أحبه طليقا كي يؤنسني في وحشتي ، ويوقـظني من قيلولتي ، لكنني أخاف عليه من قطتنا يا ..
لم يترك الببغاء فاطمة تنهي كلامها فخاطبها قائلا لها :
ــ هوّني عليك يا فـاطمة ، فأنا أشكرك على نبلك ، ومحبتك لي ، فهي لا يمكنها أن تراني ، أو أن تمكث في المكان الذي أوجد فيه ، انظري حولك فهي قد غادرت البيت قـبل أن ألجه .
من جديد نظر الاثنان إلى الببغاء ،لكن هذه المرة نظرة وجل من ماهـيته ، وحقيقة أمره ، وسر كلامه الأخير. فقال له يوسف :
ــ إذا لم يخني سمعي أعتـقـد أنك قد قلت بأن القطة لا يمكن أن تراك أو تمكث في المكان الذي توجد أنت فيه أليس كذلك ؟
ــ بلى .
ــ وكيف يمكن أن أصدق كلامك ؟
ــ انظر حولك ، ابحث في المنزل ،أيـن هي قطتـك ؟
نادت فاطمة على القطة بأعلى صوتها ، وأعادت النداء مرات ومرات لكـن القطة لم تحضر كعادتها . بدأ الرعـب يسري في أوصال الزوجين ، والشحـوب والوجوم يبدو عليهما ، فانعقد لسانهما عن الكلام ، وخـيـّم صمت رهـيب على أرجاء المكان ، أحس فيه الاثنان بفـقـدان الأمان ، والحاجة إلى رحمة الواحد المنـّان . بعد تأنّ ، وتفكير طويليـن خاطب يوسف الببغاء قائلا :
ــ أيها الببغاء اللطيف ، في حديثك عن الأقفاص قـلت بأنك تكرهها وتحب رحابة الفضاء ، فما علاقة الفضاء بعيش الببغاوات ؟
ــ أنا كائن فضائي ، والفضاء هو موطني الطبيعي ، ولا يحلو لي العيش إلا هناك .
ــ كائن فضائي ؟
ــ نعم .
ــ وكيف أتيت إلى هنا ؟
ــ إنه مجرد سوء تقديـر مني للمسافة الفاصلة بيـن الفضاء والأرض أدى إلى ما ترى .
ــ لم أفهم .
ــ لقد كـنت سابحا في الفضاء ، كعادتي كل يوم أربعاء ، فجرفني تيار الأهواء ، الذي كان قويا على غير عادته في الأجواء ، ليبتل ريشي ويقع ما هو مكتوب وقضاء . والآن بعدما جف ريشي ، وأصبحت قادرا على الارتقاء إلى السماء ، فأنا أنتظر زوال الأنواء ، كي أعود إلى أعالي الفضاء ، حيث الهناء والنقاء ، وسأظل رهـن إشارتكما لتلبية حاجاتكما عند الاقـتضاء .
ــ ستـلبي حاجاتـنا عند الاقتضاء ، كـيف ؟
ــ على رسْلك يا يوسف ، لقد مر ّ وقـت طويل ، قـمْ للنوم ولا تسلمْ فكرك للتأويل ، وغـدا ستـفـهـم كـل ما غـمـَض من هذه الأقاويل .
امتـثـل يوسف لكلام الببغاء ، ولم ينبس ببنت شفة ، فـقام هـو وزوجته للنوم ، وبمجرد ما وضع رأسه على المخدة نام نوما عميقا ، لم يفـق منه إلا على ضوء الشمس التي عـمّت أرجاء غـرفته . جلس في فراشه ، وبدأ يتأمل ما بداخلها عـلّه يلمح الببغاء ، لكـنه لم يبصر أمامه إلا القطة التي كانت تموء وتتمسح بالفراش . نهض من فراشه ، وبدأ يفـتش عـن الببغاء ، لكن دون جدوى . وبعدما أيـِس من العثور عليه جلس على كرسي موضوع أمام مكتبه ليرى فوقه ريشة من ريش الببغاء ، وورقة ذهبية كتب فوقها ما يلي :
عزيزي يوسف ، لقد أنقـذت حياتي من هلاك محقـق ، وعرفانا مني بجمليك وصنيعك ، وبرّا مني بوعدي ، قـد تركت لك ريشة من ريشي ، فإذا كان الجو صحوا ، وأردتني في أمر يخصك فما عليك إلا بحرق جزء مـن ريشتي لكي أحضر في الحال ، وألبي كل طلباتك .
نظر يوسف إلى الساعة التي كانت في معصمه ، ليفاجأ بأنه لم يبق له من الوقت إلا القليل ، دسّ الورقة في جيب سرواله ، ووضع الريشة بين ثنايا جريدة قديمة وتركهما فوق مكتبه . ارتدى معطفه ، وغادر المنزل على عجـل دون تناول وجبة الفطور كي لا يصل متأخرا إلى عمله .
لما استيقـظت فاطمة من النوم ، لم تعثر لا على زوجها، ولا على الببغاء . حضرت الفطور ، وتناولته ، وكعادتها يوم الخميس . نظفـت المنزل بكـنس كل أطرافه ، وجمع ما لا فائدة من ورائه . وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعت بائعا متجولا ينادي في الخارج ، تناولت الجرائد القديمة ، وخرجت . سلمته الجرائد ، واقتـنـت منه ما كانت في حاجة إليه ، وعادت إلى منزلها . في المساء لما عاد زوجها من العمل ذهـب مباشرة إلى مكـتبه ليأخذ الريشة ويخبئها في مكان آمن ، لكـنه لم يعثر لا على الجريدة ولا على الريشة .
فلما سأل زوجته أخبـرته بأنها تخلصت منها بتسليمها إلى بائع متجول لا تتذكر ملامحه ولا أي شيء عنه ، وبذلك ضاع كل أمل في العثور على الجريدة ومعاودة رؤية الببغاء من جديد.
أحمد القاطي المغرب
تعليق