رواية
هي عاشقة والبحر شاهد
بقلم : عمر الصديقي
تقديم : الأستاذ احمد بوزفور
بسم الله الرحمان الرحيم
باقة شكر
ما كان لهذا العمل الإبداعي أن يصل الى القراء لولا مقترحات وملاحظات مجموعة من الأساتذة والأصدقاء الذين شجعوني على الكتابة والنشر، وأخص بالذكر :
القصاص المغربي المتميز الأستاذ احمد بوزفور
الأستاذ عبد السلام رياح ( دكتوراه في اللغة العربية)
المبدع الشاب عبد الغني علو شي
الدكتور توفيق ادركان
*****
إهداء خاص
لروحي الغائبين أمي وأبي
لزوجتي وأبنائي شكري أميمة ياسين أمين
لشهداء مجزرة قانا (لبنان2006)
لضحايا قوارب الموت
لشمس الحرية التي تبدد ظلمة السجون
لطيور الغربة في المهجر
لحليمة وأخواتها
ولكل من يسكنه عشق لغة الضاد
رسالة تقديم
الدار البيضاء 18/3/2007
آخي العزيز الأستاذ عمر الصديقي
تحية طيبة
أشكرك أولا على ثقتك الكريمة وظنك الجميل، وأشكرك ثانيا على المتعة التي أحسست بها وأنا أقرأ روايتك الجميلة.أكرر لك رأيي في صلاحيتها للسينما، وآمل أن يتاح لك تحويلها الى سيناريو أو تقديمها الى مخرج يتكلف هو بتحويلها.
أبعث إليك صحبته بكلمة قصيرة يمكن إذا راقتك أن تضعها على ظهر غلاف الرواية.
مع اعتزازي بصداقتنا الوليدة
ومع متمنياتي بالخصوبة في الكتابة و التشكيل.
احمد بوزفور
الدار البيضاء
[align=right][align=right][align=right]1- الميلاد التعس
كان الفصل شتاء، والزمن مساء في إحدى القرى الريفية الموحشة، لذا عاد يومذاك ، الرعاة على غير عادتهم مبكرا إلى المداشر القابعة في قعر الأودية عند قدم جبال الريف الشامخة... هدأ كل شئ ذي حركة أو صوت، إلا نباح الكلاب على السطوح المنحنية، معلنة نزوح الذئاب والثعالب إلى الهضبة المجاورة بحثا عن أي كائن حي شارد، لم يهتد إلى جحره أو خمه قبل سدول الظلام.
وفي بيت منزو، كان يسمع من تارة إلى أخرى، أنين امرأة مشوب بأدعية متقطعة وتراتيل مبهمة... كانت وحيدة بين الحياة و الموت، تصارع مخاضها العسير وليلها الطويل، دون مبالاة قطتها "مينوش"، التي احتلت دفئ كانون لم يكنس رماده منذ أسبوع أو أكثر.
طال الليل، وطال النزيف، فماتت المسكينة دون أن تبتسم في وجه وليدها الذي كانت تنوي تسميته" مسعود"، آملة بذلك أن تكون حياته أوفر حظ من حياتها البائسة.
حل الصباح المبلل، فسمع الخوار والصياح والثغاء في الزريبة...إنها الدواجن والبهائم تحتج على التي تأتي كل صباح، وتأخرت ذاك اليوم من غير عادتها... و"مينوش" التي اعتادت تفقد جحور الخم عند مطلع كل يوم، هي الأخرى، سجل غيابها بقلق شديد لأن حضورها رهين بقدوم سيدتها.
تصاعد الاحتجاج من غير استجابة سارة.... وبعد طول انتظار، هاهي العجوز "عيشة لبارود" أو "عائشة الحرب" (لأنها عاصرت حرب عبد الكريم الخطابي في الريف) والملقبة بالأم " عيشة"، قادمة بخطاها المتثاقلة كأنها تجر الزمن خلفها... فحصت الباب الخشبي الخشن دون أي استنتاج، فقصدت كوة تشبه النافدة، وعبر شقوقها، تراءى لها ما يشبه أنقاض زلزال، فتنامى فضولها ففكرت في الأسوء والمحتمل والمستحيل.
وبعد حيرة واستفهام وبكاء، وري الجثمان الثرى، فتصاعد النواح على مصير الرضيع، الذي شاءت الأقدار أن يلقب ب " أمنوس" * لتزامن ميلاده التعس مع وفاة والدته في وضع درامي، توارثته الأجيال عبر قرى الريف.
* أمنوس : تعني بلغة الريف هما وهموما
2- تعب كلها الحياة
عاش" أمنوس" طفولته مع الأم "عيشة" التي تبنته بمعية القطة "مينوش" حتى صار شابا... امتهن، بعدما طرد من الدراسة ، عدة أشباه مهن وحرف موسمية لم يجد منها غير معارف عقيمة، لم تفده في شيء يملئ فراغ بطنه.
وذات صيف حار، بينما "أمنوس" يشتغل في مزارع الكيف بكتامة*، أسلمت الأم " عيشة" الروح للخالق محتضنة مؤنستها الوفية "مينوش"، بعدما استعصى عليها استشفاء الشيخوخة.... كانت المرحومة حفرية حية وتحفة آدمية، أمهلها الدهر أكثر من قرن ،ربما لإتمام مهمة تنال بها أجر وثواب الآخرة.
وبحلول الخريف تساقطت لبنات بيت " الأم عيشة" لبنة بعد أخرى، وتطايرت صفائح قصديرها واحدة تلو الأخرى، فلم يبق منه غير حفنات تراب وبقايا أسمال يتحاشى العابرون النظر إليها مخافة أن ينتصب فوقها شبح الموت ، فيخطف نور عيونهم إلى الأبد....
وحده "أمنوس" ، العائد بعد طول غياب ، تجرأ على تقبيل ثنايا الطلل المتهالك حسرة على طيبوبة" ألام عيشة"، تغمدها الله بوشاح رحماته .وبذلك تيتم "أمنوس" ثانية بعدما فقد صدرا حنونا تعهده بالإخلاص والوفاء.
هكذا عصفت زوابع القدر بكل آماله، و سحبت الأيام البساط تحت قواعد أمانيه، فانبطحت عزائمه أرضا، وطارت أنفاسه هباء منثورا....عاد إلى كتامة قبل الأوان ، لإغراق بقية أيامه في أقداح الخمرة الإسبانية، وينصب نفسه ملكا على أحزانه في مزارع الكيف النائية على الأنظار...
استمرت الحياة على إيقاع الإحباط و الضجر، وتوالت مواسم الحصاد حتى حظي بثقة مشغله صاحب المزرعة ، وفاز بقلب ابنته حليمة الحسناء... التي كانت تأتيه كل ظهيرة بالزاد في سلة قصبية مغطاة بمنديل أحمر، وببضع سجائر ملفوفة داخل صدريتها المزخرفة...لأنه تعود على صناعة" صواريخه السحرية" التي تحمله بعيدا عن محن المزارع، وتحول دون مراجعة ماضيه المشؤوم... ومع ذلك لاشيء يقوى على الإطاحة بعرش أحزانه ، سوى استظلاله بقد حليمة الجميل ، وهي ترقص كوشاح في مهب الريح، بينما دخان لفافته يتصاعد بكثافة محجبا عليه شفتين لامعتين وصدرا مكتنزا، فيضطر من حين لآخر إلى تبديد كتل الدخان بيده ليحاور بشفافية مفاتن ثائرة، تكاد تنطق شغفا وشوقا.
وعند شمس كل أصيل، كانت تتطاول ظلالهما المتعانقة،فيعودان من المزرعة الذهبية وفي رصيدهما أحلام ووعود وقبل مغتصبة...وهكذا تطورت أواصر الحب والثقة ،حتى صار "أمنوس" يدير شؤون المزرعة ،ويدبر أوراش سبائك الذهب الأخضر ، وتسويقها وتنويع أساليب شحنها برا وبحرا وجوا في اتجاه امستردام، دوسلدورف، وبروكسيل وغيرها من عواصم الغبار الأسود والأبيض النفيسين.
* كتامة : بلدة في شمال المغرب) إقليم الحسيمة)
3- " حدو طنجة "!
لسنين قليلة راكم "أمنوس" ثروة طائلة، وتجربة مهمة في تجاوز الحواجز، وتضليل المراقبة الرسمية وغير الرسمية، فعاش وخليلته مغامرات سعيدة ....قاما برحلات سياحية متوالية، قادتهما إلى اسطمبول وبرلين ومدريد وأثينا وروما بإسراف جنوني شبه متعمد ، وكأنهما يتوقعان نهاية درامية أو تقهقرا جديدا إلى الحضيض... !. فعلا ، لقد أمهلته سخرية الأقدار مدة ادخار غلة حصادين متتاليين، قبل أن تناديه النهاية المحتومة في ميناء طنجة، وهو يجر خلفه حمولة "الحشيش" المخزونة بإحكام في براميل زيت الزيتون الموجهة للتصدير...
فما لعمل؟.. البحر أمامه والجمارك خلفه، اصطكت أسنانه، وانصب عرقه رغم برودة البوغاز...نزل من الشاحنة مستحضرا جميع قواه ليلتحق برجال المراقبة الذين يتفحصون مؤخرة الحمولة في صمت ، مادام الحال لا يستدعي إبداء ملاحظة أو إصدار تعليق، فبادره رئيسهم بيقين يضاهي اليقين المطلق :
- أرى البراميل السفلى غير متجانسة مع البراميل العليا نوعا وجودة ... على كل حال انتظرناك منذ أمس، فأين تأخرت..؟ ! لعل المانع خيرا ..؟ !
فهم" أمنوس" بحدسه الحاد، أنه لم يضبط في نقطة المراقبة، بل عند نقطة الانطلاق حيث ترصدته العيون غير الرسمية، فلم يبد أي نية للدفاع أو الهجوم، بل اكتفى بإلقاء نظرة أخيرة على البراميل الملعونة، وهو محفوف بمختلف الهيئات المدججة بالسلاح .
وفي مساء اليوم نفسه، كان الملف جاهزا، من غير مطاردة أو تحقيق أو استنطاق، وبعد مداولة منتصف الليل، حكمت المحكمة حضوريا على المدعو مسعود أمنوس بعشرين سنة سجنا نافدة وغرامة مالية تقدر ب ....
حينذاك انهارت قواه، وانخفض تنفسه، واستدار في قفصه دون الاستماع لبقية الحكم ولا لمبلغ الغرامة، فهو يعلم أنه لم يترك خارج السجن أما أو أبا أو أخا يتولى الأداء لتحريره.
فباستثناء الشرطيين اللذين لازماه، والملف الذي فتح له، لم يرافقه أحد إلى مثواه قبل الأخير.... فاستبدلت ثيابه ببذلة " الحمار الوحشي"، واسمه برقم ترتيبي يختزل هويته، بعد أن سحب منه تعريفه، وعطلت وظائفه كمعروضة قديمة في متحف أثري... فتح باب وأغلق باب ثم فتحت أبواب وأغلقت أخرى، حتى وصل إلى جوف دهليز وهو يتأبط لحافا هزيلا ووسادة تحمل الحروف الأولى لسجناء سابقين، ورموز شعاراتهم وأسماء عشيقا تهم... فدخل غرفة شبه عمياء لا تتسع لحركة حرة دون اصطدام.
وبعد وهلة وجيزة ،تبينت له أسرة حديدية متراكبة ووسائد وبطانيات متنوعة الألوان شكلت، في فضاء الزنزانة الضيق، مشهدا تشكيليا شبيه بتكعيبات الفنان "بيكاسو"...!
نال منه الإرهاق حدا لا يطاق، فتحسس بيده هامش السرير وجلس ليتفحص واقعا سرياليا يضم أشياء غريبة غير متجانسة ، أرغمتها ظروف المكان على التجاوب و التعايش....فاستأنس هو الآخر بالمكان، و استأنس المكان به. وشيئا فشيئا، شرع النزلاء يقتربون من السجين الجديد...مسحوا دموعه وقاسموه خبزه وشاطروه أحزانه ، واستفسروه عن سبب اعتقاله، والحكم الصادر في حقه، وعن ماضيه وعن حاضره، حتى صار مثلهم بل واحدا منهم تماما ... !
4- زيارة خاصة
مرت شهوره الأولى بالسجن كأنها أعوام مظلمة ، وذات صباح فوجئ بالحارس" دراكولة" يبتسم له عن غير عادته ويخبره بزيارة خاصة... اقترب من الشباك الضيق الخانات، ولاح له وجه حليمة كالبدر في حسنه وكماله، فشعر بها قريبة منه وبعيدة عنه في آن واحد...لم يتمالك، أجهش بالبكاء أسفا عن وعودهما وأحلامهما المشتركة ...فاحمرت عيناها وسال كحلهما على خدين كمزرعتي النعمان.... انتهت الزيارة بعدما تبادلا عبارات الود ، وتراشقا بالقبل عبر الشباك، وتعاهدا على الوفاء حتى الموت .
رجع إلى زنزانته كالمنتشل من حلم عظيم، وفي الممر الرئيسي ابتسم له أكثر من سجين، بل حتى الحراس، وكأنه كان في حضرة الملكة" نفرتيتي" بل لم يتردد بعضهم الأكثر فضولا في استفساره بشغف:
- لاشك أنك كنت سعيدا خارج الأسوار؟!
- يبدو أنها لطيفة معك ؟
- هل ستعيد الزيارة ؟
- كيف..؟..لماذا..؟..هل...؟.
تناسلت الأسئلة بينما كان يفكر في جواب واحد يختزل فيه الرد على وابل علامات الاستفهام والتعجب التي تقاطرت عليه كالسهام :
- كفى...كفى إنها زوجتي أظن أن أسئلتكم انتهت...دعوني الآن بسلام.
دفن وجهه في وسادته، واستحضر صورها في أوضاع مختلفة :
حليمة تبتسم عند قدم برج » إيفيل » في باريس...
ترقص في المزرعة...
تحزم رزمات الكيف الأخضر...
تغربل" الحشيش" وهي تبتسم...
تقيس مجوهرات نفيسة في روما...
تتأمل سرب الإوز يسبح في بركة بأثينا...
.......
رفع رأسه فعلق قائلا:
" دنيا يا دنيا... لن يسمح قلبي للبراميل مهما يطول العمر"..!
تنهد طويلا متأملا يومية موشومة الأرقام ، إنها أواخر أبريل، لا شك أن تلل "كتامة" قد أزهرت من جديد !
5- نداء عاشق
مرت أسابيع وشهور، وانقطعت أخبار حليمة، ولم يعد للمتيم بحبها أمل في رؤيتها ولو في الأحلام ...ساعته اليدوية معطلة، ومؤشره الوحيد على استمرار الحياة في الخارج، هو شعاع الشمس الباهت الذي يحبو إلى ساحة السجن، عبر القضبان الحديدية، ليعلن للظلام أن الأرض لم تتوقف بعد.. !
لكن صمت حليمة أصبح مقلقا، لذا قرر مكاتبتها على عنوانها القديم.
" مسعود أمنوس
رقم الاعتقال 58698/..158
الجناح ب
السجن المدني ب....
صديقتي حليمة
أناديك باسم الصداقة، متمنيا أن تصلك رسالتي.اعلمي أختي انك أملي الوحيد... فاطمئني، لن أحدثك عن الحب أو الزواج، فلا امرأة في الوجود تستطيع أن ترتبط بسجين مثلي، رغم أن الزواج وحي وليس بقرار، وقدر وليس بحكم...ولا اعرف لماذا سيج بشرائع الأرض في إطار عقود والتزامات واقتسام للممتلكات...وليكن فأنا احبك كالشمس التي تنسل إلى زنزانتي، وسأحتفظ بك كالرصاصة الوحيدة في البندقية...فأنا أحبك..أحبك..أحبك وسأعيدها باستمرار، كخدش على خد اسطوانة...فأنت مخاطبتي الوحيدة بعدما أطلق سراح جل زملائي الذين استأنست بهم ، واستبدلوا بآخرين يتأملونني من بعيد، كأنني دينصور أو مجنون.. !
فأرجوك لا تدفنيني حيا، ولا تنسجي كفني قبل الأوان..فتذكريني إذا ما حان موسم الحصاد في كتامة، وتذكري حصص الرقص والهمس عند الأصيل على الربى الذهبية، وتذكري ال... فأنا استحضر دوما أشرطة الماضي الملونة على شاشة وحدتي السوداء...
فيا حليمتي إن كان لكل واحد طائر ينقر ذاكرته، فأنت عصفوري الجميل . وإن نقشت اسمك على وسادتي فلأني لم أجد لسواد عينيك بديل...سأنتعل تراب خطاك واصلي حبك جهرا عساني أشفى من نوبات جنوني وليلي الطويل ...قد تجدي في كلامي هذا بعض الهذيان لكن قلبك الرحب يتسع لحماقاتي ....فاعذريني وزريني كل سنة ولو مرة .. !
لن أطيل عليك فربما لديك ما يغنيك عن هلوستي ...وإن بقي في فؤادك شيء من الدفء، راسليني على العنوان أعلاه.
تحياتي لك ولكل من يسأل عني.
مسعود امنوس دوما دوما دوما دوما دوما دوما.... !
6- شراع من كفن
لم تعد لحليمة صلة بكتامة، ولا برائحة الأخضر واليابس من نبتتها الملعونة..... رحلت إلى طنجة، حيث ابتلعتها الحانات والعلب الليلية، واستسلمت لغزوات الرجال حتى أخذ منها الزمن مأخذه، فاستنجدت بالمساحيق والعقاقير والطلاسم ووصفات العشابين للحفاظ على رونقها ورشاقتها المعهودة ، والاحتفاظ بزبنائها الكرام الذين طردتهم برودة الشيخوخة من الرصيف، فاصبحوا كالكلاب ينبحون ولا يعضون، أو اختاروا اللحم الطري عند أبواب الثانويات والمعاهد والمعامل، بعدما تحسنت وتطورت أساليب ممارسة هذه المهنة القديمة لدى الجيل الجديد من الهواة.. !
وبالرغم من أنها لازالت تحتفظ بشيء من الجاذبية الكافية لاستفزاز الباعة المتجولين، واستمالة المدمنين على اللحم البشري ،إلا أنها فضلت الانسحاب "بشرف" مادامت الحصيلة القذرة لا تكفي لأداء حصة كراء غرفتها.... فغيرت صديقاتها ودروبها ورقم هاتفها وعاداتها، فلم تعد تصفف شعرها وتقلم أظافرها وتقيس تنوراتها القصيرة كل مساء استعدادا لليالي الملتهبة...أدارت ظهرها للماضي وأصبحت تفكر بجدية في المستقبل وراء البحر خارج الوطن...
حدثوها عن الضفة الأخرى، فباتت تقارن عزمها مع أمواج البحر المتوسط الموحش، كأنها تختبر طموحاتها الفتية أمام صلابة واقع الهجرة السرية..
وفي ليلة مقمرة، وصفتها الأرصاد الجوية الوطنية بالهادئة، كانت حليمة على ظهر القارب الخشبي الذي يشبه النعش، ولسان حالها يقول :
" تبا للبحرية الإسبانية ولشرطتها... يحسدوننا على التعب والموت...ألا تكفيهم متاعبنا.؟.."
جلست على مقعد مبلل لا يتسع لأكثر من شخص ، بعدما أدت الواجب نقدا وعينا.... وبعد منتصف الليل تفحص قائد" الحراكة" ضحاياه وعد حصيلته ثم عدهم وفحصهم بعينين منتفختين فصاح فيهم مهددا :
"شوف العايل إلا تكلم شي واحيد ... نزلع يماكم فلبحار مكنعرفكم مكتعرفوني" .
قد تثير هذه العبارة الضحك.. ولكن ليس في من يغامر بحياته، ويتوقع الموت غرقا في كل لحظة ...تمايل القارب لثوان معدودة، واندفع تحت جناح الظلام إلى كبد البحر المتوسط الكئيب ...سمعت همهمات وأدعية وتراتيل خفية، وعقبها لم يسمع إلا تلاطم الموجات بمقدمة القارب-النعش... !
توهجت أضواء القرى في الضفة الأخرى...أخرس القائد المحرك ومسح الأفق المضبب بمنظاره واقفا ...ثم عاد وجلس ينتظر زوال الضباب على موقعه المقصود...وقبيل إعادة تشغيل المحرك للمرة الأخيرة توجه لعيون "الحراكة" البراقة بتعليمات تجمع بين النصح والوعيد :
" نحن على بعد كيلومترين بحرا فقط، فلا تستعجلوا النزول قبل إشارتي ...ولحظة وصولكم للبر، تفرقوا في اتجاهات مختلفة، ولا تقصدوا نقط الضوء، وإن ضبطتم بعد طلوع الشمس فإياكم أن تصرحوا بوقت الوصول وتفاصيل الرحلة...فذلك ليس في صالحكم... !"
دار المحرك دورة الإقلاع للمرة الأخيرة ....لكن لأسفهم، انتبهت الدورية الليلية للقارب الذي زحف متهاديا، كفأر ثمل يقصد وليمة القطط الشرسة..... اقتربت حليمة ومن معها من نقطة على دائرة، اصطفت على قطرها عناصر البحرية الإسبانية المدججة بالبنادق والمسدسات، في انتظار القارب المغفل بل قارب "المغفلين "..!
استسلم " الحراكة " كقطيع غنم تائه، وأخذت لهم الصور والبصمات في صمت، قبل القذف بهم في اتجاه الضفة الأخرى وتسليمهم لسرية الدرك بطنجة.
7-وعادت حليمة الى عادتها.. !
دخلت حليمة إلى غرفتها، بعدما رفضتها الموت وطردتها الحياة...فاستقبلتها جارتها ببسمة لها أكثر من معنى، دون أن تعرف سبب غيابها الليلة الماضية، ثم ناولتها رسالة تحمل خاتم السجن، تناقلتها الأيدي فتآكلت حواشيها المصفرة... فتحت الرسالة مستعينة بظفر طويل، اضمحل طلاؤه فصار يشبه سكة محراث ...
قرأت الرسالة دون شوق وشفتاها مطبقتان ثم علقت قائلة:
"الرجال يبدعون كلاما جميلا حين يشتهون دفء النساء...ماذا يريد مني وجه النحس، بعدما شتت ثروتي وشتت آمالي...وكل ما ينقصني الآن الحب...لعنة الله على الحب ...لعنة الله على الحب وما يليه ."
دفنت وجهها في راحتي يديها، متأسفة على المليون فرنك الذي تبخر من غير جدوى...ثم قامت واستخرجت من تبانها بطاقة الهوية وبعض أوراق الأورو الدافئة....
الرسالة أمامها كضيف غير مرغوب فيه، أخذتها وقرأتها مجددا مع احترام علامات الوقف وكأنها تريد أن تفهم أكثر.....رفعت عينيها المثقلتين بنوم مؤجل، لتبحث عن مكان تقبر فيه الرسالة من غير إتلافها، كمن يريد التخلص من جثة وجدت بغتة بين يديه، ثم أخذت القلم فكتبت لأمنوس تلاطفه حينا وتغازله أخرى...اختارت كل عبارات الغزل التي يحب الرجل أن يسمعها من المرأة، مخافة أن يجر عليها نقمة السجن، أليست طرفا كاملا في قضية البراميل؟... ألا تستحق أن تنال حظها من ظلمة تلك الزنزانة مثله؟ ...
فهي لم تزره أصلا لسواد عينيه، بل لتطمئن أن شريكها في السجن، وأن صفقة البراميل لم تثمر، وإلا طالبت بحقها في ثمن" العشبة " والزيت معا....أليس معها حق ؟
عادت حليمة لعادتها القديمة لتراقص الشباب العائد من المهجر على إيقاع الليالي الحمراء والخمرة المستوردة ... إنه شباب بين ثقافتين، فلا هو من هذه ولا من تلك .. يكدح طول السنة ليعود في الصيف شوقا إلى كسكس "الحاجة"، والبطيخ و" بنات البلاد"...فلكل واحد حكاياته ومغامراته التي لا تخلو من بعض الإضافات مع الشقراوات والغربة هنالك …
وحليمة، رغم شحمها الزائد، فهي تبدو- لهم- تحت مفعول خليط المسكرات كمراهقة في العشرين، فيتسابقون على اختطافها في السيارات الفاخرة ومساومتها تارة بالزواج الأبيض وتارة أخرى بأوراق الإقامة المزورة... كأن وجهها كتب له أن يكون للحرام وللممنوع فقط....وحين تحدثهم متنهدة عن ذكرياتها في باريس وبرلين، يتغامزون ويتهامسون بينهم:
"المسكينة تبالغ في علف أقراص" القرقوبي" فهي على حافة الجنون ... !"
فلا أحد يصدق أنها فعلا زارت أهم عواصم أوربا...
توالت الأيام، وفي كل ليلة رقص وخمر وعرق وأشياء أخرى حتى الصباح، وهكذا دواليك... فتعود إلى غرفتها منهوكة مشلولة الأطراف في انتظار ليلة أخرى ... حتى ادخرت ما يكفيها لمواجهة برودة الشتاء وإفلاس تجارة الرقيق الأبيض وتراجع استهلاكه، لذلك كانت تتوجه كلما شحت جيوب زبنائها إلى الاشتغال في معامل النسيج والتعليب، مما يسمح لها بالخروج يوميا أمام أنظار الجيران لممارسة أنشطتها الرسمية تحت غطاء العمل الموسمي، ويعطيها فرصة التعارف على سماسرة عقود العمل المزيفة والسليمة في الدول العربية والغربية ...عقود تباع مقابل أثمنة لا يمكن لحليمة تسديدها، إلا إذا باعت المزرعة التي ورثتها عن أبيها، فلم يبق لها في" كتامة" غير قبر أبويها وذكريات الطفولة.
8- دعاء الغفران
غالبا ما يستغل الحراس فرصة انكباب السجناء على صحون العدس لتوزيع الرسائل على المرسل إليهم دون عناء التنقل إلى الزنازن... ويعتبر سعيدا من يتوصل برسالة لا ينتظرها، والأسعد منهم من تصله رسالة ينتظرها من حبيب أو حميم، كما هو حال أمنوس ذلك اليوم... فرسالة حليمة كانت بمثابة ميلاد طفل بعد عقم طويل ... انسحب من القاعة للتخلص من ضجيج الملاعق وهي تقرع الصحون، بعدما تنازل عن وجبته لزميله. يبدو أن الرسالة أنسته شهية معدته... فتح الرسالة وقرأ :
" حبيبي وحبيب قلبي!
رسالتك الجميلة وصلتني، غمرتني بالسعادة والشوق إليك يا عمري، أنت حبي وأملي الوحيد ...وكل ما يؤخر زياراتي لك هو مرض خالتي التي اقطن معها لمساعدتها على تجاوز ظروفها العصيبة...فأنا لن أنساك أبدا وقلبي لا يتسع لأكثر من حبك ...فأنا لك مهما طال الزمن، وسأنتظرك لأهديك نور عيوني ودم شراييني... سأنتظرك، فأنت تختصر كل رجال الدنيا ولا تختصر.
احترق الليل في جفوني، فلم أعرف طعم النوم منذ اعتقالك،فلا شيء يملأ علي فراغك، سوى كلماتك الحلوة ورسائلك الجميلة، فلا تبخل علي بمشاعرك، واعذرني إن كنت لا أستطيع أن أعبر لك عن حبي كتابة مثل ما تفعل ...أتمنى أن يطلق سراحك عاجلا لنجتمع تحت سقف واحد، ونعيش بقلب واحد من أجل سعادة واحدة....
حليمتك إلى الأبد
قبل الرسالة ووضعها تحت وسادته ثم تنهد... فبدت له أيام القرح أطول من سنين الفرح....
تبا لك أيتها الحياة ، بل تبا لك يا حياتي... !
فلماذا كانت السعادة من حظ الآخرين، والشقاء كله كان من نصيبي وحدي... فلماذا يطاردني النحس في كل شئ... !؟
لماذا لم تحتفظ بي أمي في أحشائها لتحملني معها إلى ظلمات الأرض..؟
فأنا مستاء من هذا الجحيم يا رب... !
اللهم لا تنساني كما نسيتك..
اللهم إني أعود بك من شر نفسي وغيري...
اللهم اجعل لي من لدنك مخرجا وخلاصا....
اللهم أني أسألك أن تجعل من كل قضاء لي خيرا....
يارب أني اخجل منك، وأنا أتوجه إليك اليوم بصادق دعائي ،لأني تجاهلتك طول حياتي ولم أنتبه لعظيم جلالك، إلا بعد أن ضاقت بي الدنيا... !
يا رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري إني إليك تائب.
إني أتوب توبة السارق الذي لم يختلس غير لحظات سعادة زائلة…
وتوبة القاتل الذي لم يقتل سوى نعومة أحلام زائفة.. !
أنت ولي أمري ، عليك توكلت، فحسبي الله ونعم الوكيل.
9- خبر حليمة وأخواتها
لم يدم اعتصام حليمة طويلا أمام الباب الحديدي الكبير بالحي الصناعي ، حتى سافرت إلى " كتامة"، فباعت مزرعة أبيها والبيت العتيق الشاهد على ميلادها ووفاة والديها.... عادت والحزن يثقل خطاها، شعرت وكأنها خانت أباها واصلها ونسبها ...فهي الآن، مبتورة الهوية بعدما قطعت الحبل السري الذي يربطها بالأرض...هي لقيطة مجهولة بعدما باعت رفات أجدادها ودفنت ماضيهم و حاضرهم و مستقبلهم...فهي لا تعرف أن أباها هاجر شرقا إلى الجزائر للكدح في مزارع المستعمر، وشمالا إلى كورسيكا من اجل تلك المزرعة.... وانه لم يخطر بباله أن يتنازل عن شبر واحد من أرضها، رغم سنوات القحط والجفاف والمجاعة....
قضت شهورا وهي تجوب شوارع المدينة بحثا عن عمل شريف يقيها تقلبات الزمن ، وكان كلما استقبلها رئيس معمل أو رب مصنع ،إلا وقرأت في عينيه حركة وبريق و تلميح يشبه التصريح المباشر...لأنهم يضعونها تحت مجهر النزوة، فتتراءى لهم عبر ضعفها أنوثتها المهزومة القريبة من الاستسلام، كطريدة جريحة أخذ منها العياء والإرهاق كل قواها، فوجدت نفسها وجها لوجه أمام أنياب وحش كاسر، يجفف مخالبه من دماء ضحاياه في انتظار فريسة طرية.
خرجت حليمة من المكتب مبتسمة، متصنعة الموافقة على بنود العمل، بما في ذلك شرط إزاحة الستار عن كرامتها، وإهداء شرفها للسيد المدير الذي يجوب حديقة حريمه ليقطف أحلى وردة و أزهى زهرة ، حين يريد ، وكيف يريد ،وأين يريد.... كان ذلك بندا أساسيا من بنود عقد العمل الذي تنتهي صلاحيته بذبول الزهرة وزوال الحلاوة...
وكل مرة يحظى السيد المدير بباقة ملونة تشمل ياسمين ونرجس وكاميليا….انه فنان يعشق الألوان.
ذبلت حليمة في عيني صاحبها ، فشرع كالمعتاد يبحث عن الفرصة المناسبة لتسريحها و التخلص من وجهها الذي كان يقبله مرددا أحلى عبارات الإعجاب… يريد الاستغناء عن أناملها التي صنعت نجاح مشاريعه….
فهمت حليمة أنها ليست الأولى ولا الأخيرة ، وان الكلام المعسول الذي سمعته كان مجرد أقراص منومة، تناولتها قبلها أخريات حسناوات ، لكنهن شقيات بنعمة الحسن و الجمال...بل بنقمة الجمال.
فما ذنب حليمة إن كانت جميلة و فاتنة.. !؟
و لماذا لم يكن حظها أسعد وأجمل من خصرها الذي جر عليها نقمة المعاكسة والغزوات الجنسية في المعمل و الشارع والأسواق بل حتى مشارف نافذة غرفتها...
سئمت الحياة وعيون المارة وهمسات الجيران ،واقتنعت أكثر من أي وقت مضى بالهجرة بعيدا، مهما يكلفها الأمر...
أخرجت أمعاء رصيدها البنكي، وباعت مجوهراتها النفيسة لشراء عقد عمل موسمي بإسبانيا ، طالما حلمت به رغم البرودة و العنصرية والغربة والأعمال الشاقة هناك.
10- حقائب تجهش بالبكاء
أخذت حليمة ذيل الطابور الطويل أمام القنصلية الإسبانية التي اقتحمتها جحافل الشقاء المتعطشة للجحيم الآخر...أجساد منهوكة تتطلع إلى الشبابيك هناك، حيث يقف شخص ببذلته الرسمية وهو ينهر و يزمجر ويصخب و يصرخ ساخطا ، كأنه يوزع صكوك الغفران لولوج الفردوس... !
وفي المساء أخذت جواز سفرها وهي تبتسم وتبكي في آن واحد، فلم يعرف المصطفون أمام الشباك إن كانت دموع الفرح أم الحزن....لقد حظي طلبها بالموافقة، وعليها الالتحاق بمستخدمها في ظرف أسبوع على الأكثر، لأن الطماطم لا تتحمل الانتظار، لقد أينعت بما فيه الكفاية، وكل تأخر قد يجر الإفلاس على رب المزرعة ، الذي ينتظر وجوه الشقاء في الضفة الأخرى.
وفي اليوم الموالي أعدت حقائبها وهي تجهش بالبكاء، فلا أب يدعو لها بالتوفيق، ولا أم تعد لها كعكا أو رغيفا أو "زميطة" ، ولا حبيبا يجفف دموعها مقبلا أناملها... فوحده" أمنوس"، الذي قاسمها بعض جنونها وأحلامها، هو في السجن يتأمل صور الأمس ... مستمنيا ذاكرته، عسى الصبح يصحصح في نافذته، وعسى الحرية تبتسم لظلمة زنزانته متحدية خطوات الزمن الثقيلة....
توقفت الحافلة المتوجهة إلى" الميريا "عند حاجز الجمارك الإسبانية، وبعد المراقبة الروتينية للأمتعة المشبوهة، واصلت المسير ملتهمة المسافات كقطعة زبدة على صفيحة ملتهبة... الطريق السيار يشق المروج الخضراء المسيجة بانتظام كأنها لوحة فنية بألوان راقصة... الرياح تداعب الخمائل المتجانسة الشكل ، والأبعاد تنزلق إلى الخلف بسرعة الشلال الجارف الذي ينقطع سيله، حين تلتهم الجبال الشماء الحافلة عبر الأنفاق الهادئة...وبعد ظلمة قصيرة ترتمي الحافلة من جديد بين أحضان المزارع الفيحاء المزينة بأسراب الأبقار المكتنزة، كأنها وصلات إشهارية أو بطاقات بريدية لضيعات هولندية....
ساد العياء والسكون فضاء الحافلة...المحرك يزأر متحديا المنعرجات... المسافرون يسبحون بخيالهم بين عالمين، الأول أمامهم مليء بالأحلام والتخوفات والأوهام، والثاني خلفهم حافل بالدموع والأحزان والانتظارات...الأب يتأمل بسمة عصفورته الوحيدة ، والشاب يتحسس صورة الأم الحنون، وحليمة تتفقد حقيبة أوراقها فهي آمالها وهويتها وسر طموحاتها، متسائلة في قرار نفسها عن مصيرها عند نقطة الوصول .
- أين ستستقر.......؟.
- ومن يستقبلها، فهي لا تعرف أحد هنالك......؟ !
- ومن يمسح دموعها حين تنهزم أمام العزلة و الغربة....؟
- ومن يشاطرها كسكس" الجمعة"، وشاي المساء وقهوة الصباح ؟ ووحدة عطلة نهاية الأسبوع ؟
- ومن يزورها في فراش المرض؟
- ومن يعصر الليمون على جبينها المحموم؟
- ولمن تحكي قصص الرجال الذين يراودونها؟
- ومن يزخرف الحناء على ظهر يمناها؟
- ومن يترجم لها همهمات جارتها العنصرية؟!......
- ...؟؟
فرملت الحافلة قليلا فاستيقظت حليمة من أحلام اليقظة طالبة السلامة بصيغة الجماعة مع باقي المهاجرين .
وبعد يوم كامل وصلت حافلة التعساء ليلا إلى" الميريا" ......المدينة غاصة بالحافلات الجاثمة كأسراب اللقالق المنهوكة ...إنه منتصف الليل بالتوقيت الإسباني....وبعد التوقف النهائي، هرول المسافرون في اتجاه مخارج المحطة، كعقد عقيق هوى من أعلى، فانتشرت حباته في وجهات متباينة، وبقيت حليمة حيث وضعت رجليها أول مرة ...
مكبرات الصوت تبث رسائل صوتية بالإسبانية...اليافطات المزركشة مكتوبة بالإسبانية، وألواح الإرشادات مصلوبة على الواجهات المضيئة، المسافرون الأجانب يجرون حقائبهم مسرعين في اتجاهات مختلفة، كأن فيضانا سيأتي على المحطة ...وفجأة اقترب منها شابان سحنتهما عربية متوسطية وهيئتهما أوربية، بادرها أحدهما :
- لا شك أنك وحيدة... أتريدين مساعدة ؟
تنفست الصعداء وابتسمت لهما رغم أنها لا تعرفهما، لقد أحست كأنها في محطة "أولاد زيان" بالبيضاء أو" القامرة" بالرباط أو" بوجلود" بفاس.... الوضع يكاد يتشابه غير أن باعة السجائر بالتقسيط وماسحي الأحذية وبائع النقانق و"المعقودة" لا وجود لهم هناك ...ثم ردت بلطف غير معتاد :
+ "شكرا أولاد لبلاد لهلا يخطيكم " .. !إني في انتظار أحد أقاربي ويبدو أنه تأخر كثيرا......"
قاطعها الآخر :
- كيف تركت المغرب ؟
+ الحمد لله ! الفول و"البقولة" اكتسحت الحقول....وكرة القدم والمونديال نشطت العقول.... !
يقاطعها ضاحكا:
- لا..لا أقصد ...بل أريد أن اعرف هل تغيرت الأوضاع هناك؟ الحكومة ؟ البرلمان؟ مستوى المعيشة...؟
- أين وصلت حقوق الطبقة العاملة هناك...؟
- هل انخفضت البطالة ؟وهل ارتفعت "الزرواطة" في الجامعات؟ وهل.....
+ عفوا... ماذا تفعلان هنا ؟
- في المحطة؟
+ لا، في إسبانيا طبعا؟!.. (مبتسمة)
- أنا اسمي الحقيقي" عمر" ولكن الكل يناديني" روماريو" حصلت على الإجازة في الحقوق من جامعة فاس ...سئمت البطالة فجئت هنا للعمل .أما صديقي ميمون فهو من "تازة " رغم أقدميته في إسبانيا لم يجد بعد " شي سبنيولية شارفة" ...تضمن له الإقامة الدائمة هنا ... !!!
ضحكا... ثم ضحكت لضحكهما ...
الساعة الإليكترونية في قلب المحطة تشير إلى الواحدة صباحا... شدة البرودة والمخاوف أرغمتها على مرافقة الشابين إلى غرفتهما ... قاسمتهما عشاء البطاطس المسلوقة، وصلصة الطماطم الباردة، وحديث عابر في انتظار لحظة النوم... انفرد الشابان جانبا فتهامسا في أمرها، وحليمة فهمت البقية من غير أن تسمع شيئا...
- ميمون :...لكن "أخاف أن تقول أنها نامت بين أحضان رجلين باردين ولم يستطيعا أن يأكلا لحمها الطري... ولم يطفئا حرارة جسدها الملتهب...فأنا لا أحب إهانة من هذا النوع، خاصة من هذا النوع.. !"
يقاطعه"روماريو" معارضا.
* "أرجوك ... لا أحب أن تقول كذلك أن شابين استغلا ظروفها القاسية فاغتصباها بالقوة…. "حشومة "! وأنت تعرف البقية ! فأنا لا أحب فضيحة من هذا النوع ،وخاصة من هذا النوع ... لندعها بسلام، فنحن لا نعرف نيتها ...فالمروءة وأدب الضيافة يقتضيان ترجيح كفة النية الحسنة ....! أليس كذلك ؟..."
- ميمون : "حسنا ! سأترك لها سريري ...وننام في سريرك على شاكلة 69(رأسك عند رجلي ورأسي عند رجليك) المألوفة في الحياة الطلابية ألا تتذكر ذلك يا رفيق.....؟ "
* "بلى...إنها أجمل تجربة في حياتي... كيف أنسى الحي الجامعي... !
فتحية للحياة الطلابية ،ولصحون "البصارة" في الهواء الطلق،و"لعيون قطتي في ليلة لا تنتهي"...ونعم للاختلاف ولا للخلاف داخل الحرم الجامعي...
ضحكا مطولا ثم عادا إليها يبتسمان لطمأنتها بخصوص نتيجة المداولة. ...فانفردت بسرير في زاوية الغرفة، بينما أخذا سريرا مشتركا في الزاوية الأخرى، وكل ما يفصل السريرين هو شبران أو ثلاثة، وحاجز سميك من الاحترام والعفة ... تجاوزه أصعب من تجاوز حدود دولتين متناحرتين.
سرها كرمهما وتفهمهما لوضعيتها، فنامت نوم المرأة التي تقاسم الخلوة مع رجلين غريبين وفي ظرف غريب ... هذا الوضع لا يطمئن المرأة حتى وإن لم يكن لديها ما تضيع !!!!! فالمسألة مسألة ثقة واحترام ...
11- سلطة الجنس الآخر
استيقظوا صباحا على وقع خطى العمال المتوجهين جماعات وفرادى إلى الضيعات الفلاحية في الضواحي، وهم يتبادلون التحايا الصباحية بصوت مرتفع بالدارجة المغربية تارة، وتارة أخرى بإسبانية مهترئة و عرجاء...
قامت حليمة فلبست سروال "دجين" وجاكيط جلدي، فبدت أجمل من الأمس، حين كانت ملفوفة في جلبابها المغربي... تأملها الشابان وهما يرشفان قهوة سوداء دافئة ولسان حالهما يقول :
"إنها جميلة حقا ...حرام أن يلوث عرق المزارع عطرها، وتفسد رطوبة الصباح وحرارة البيوت البلاستيكية بشرتها الساحرة ...فتبا لحظها وحظنا التعس "...!
احتست قهوتها واقفة، وطلبت من مضيفيها مرافقتها إلى ضيعة السيد "خوصي شانشيرو" ،الذي سيستخدمها لمدة ثلاثة أشهر، حسب العقد بين يديها، وأضافت :
" ...في الحقيقة سألتحق بمقر العمل لأول وآخر مرة، فأنا لا أستطيع العمل في المزارع... وكل ما يهمني من هذا العقد، هو الدخول إلى إسبانيا بصفة مشروعة. سأبحث عن عمل في مطعم أو فندق أو أي عمل آخر يناسبني كامرأة، حتى وإن اضطررت للعمل في البيوت كخادمة وهذا حظي في الحياة..."
وافق "روماريو" على مرافقتها لأن طلبات الحسناوات لا ترد، خاصة حين يكون المخاطب شابا يافعا، ضجر من مطاردات الشقراوات آلائي غالبا ما لا تسلم معاشرتهن....
وصلت حليمة للمدخل الرئيسي للضيعة، فوجدت حارسا في انتظرها وعيناه تتحركان كطائرين أخضرين، صاحبها إلى مكتب السيد "خوصي شانشرو"، الذي يلقبه العمال ب" الغوردو"...كان رجلا في عقده الخامس أحمر الوجه واسع الكتفين، بطنه منتفخ يحجب الجزء الأعلى من فخديه...يداه السمينتان تقلبان أوراقا وهو يتفحص ملفات على المكتب....
رفع عينيه الزرقاوين وراء نظاراته كسمكة في حوض زجاجي، ثم ابتسم في وجه حليمة مشيرا لها بالجلوس بلباقة اوروبية، واصطنع اللامبالاة وعدم الاهتمام لثوان معدودة، وعاد اليها متسائلا
+ لاشك انك.. .اليمة....مرويكوس.. !
- نعم حليمة من المغرب...
+ مرحبا بك في "الميريا" فأنت ضيفتنا اليوم...الأمر يستحق الاحتفال...فضحك حتى بدت لثته في حلقه كحبة مشمش ناضجة.
-" موتشاس كراسياس...شكرا سيدي هذا لطف منك.. !"
استوى" الغوردو" فى مقعده وأمامه قهوة وامرأة دافئتان....تارة يصطنع البحث عن شيء لا يجده، وتارة اخرى يسترق النظر الى عينيها السوداوين وبشرتها السمراء و شفتيها و صدرها وخصرها وووو..ثم اكتفى بمسح عابر دون اطالة النظر حتى لا تكشف أنه تحت تأثير مغناطيس مفاتنها و رشاقتها الساحرة.
قضت حليمة اليوم الأول في المزرعة مع "الغوردو"، وهو يتفقد خطوط شجيرات الطماطم غير المتناهية، ويصدر تعليماته للعمال الساجدين داخل البيوت البلاستيكية كأنهم عبيد القرون الغابرة.
وبعد معاينة عملية شحن صناديق الطماطم، بادر حليمة بسؤال مجاني حتى لا يأخذ منها الضجر مأخذه.
- ليست لديكم في المغرب طماطم مثل طماطمي.. ! هذا أكيد ، لكن رغم ذلك، فإن طماطمكم شبح يخيفني ويهددني دوما...؟
ابتسمت حليمة لاعترافه هذا... وعقبت قائلة :
+ لكن سيدي، ظروف العمل هنا قاسية جدا.
هز" الغوردو" رأسه شبه متفقا، كأنه فهم مرادها فطمأنها :
- لا تخافي عزيزتي، لن تشتغلي في المزرعة، سأعينك في السكرتارية
بالإدارة...
+ حقا . ..؟ أنت رائع سيدي.. !
12- حب بعد إصرار و ترصد
انتهت مدة العقد وتم تمديد صلاحيته لسنة كاملة قابلة للتجديد، بشروط يعرفها "الغوردو" ، الذي أينعت عواطفه وارتفعت حرارته...خاصة وان حليمة عرفت كيف تحتفظ به قريبا منها وبعيدا عنها في آن واحد...فتنازلت له على بعض القبلات المغتصبة، ثم أكبحت جماح مشاعرها في الوقت المناسب، أليس ذلك من اختصاص مناورات النساء...فتراهن يمتنعن وهن راغبات، في انتظار أن تتحول حرارة الرجال إلى حريق لا يقاوم، فالحب عند المرأة يأتي حين لا يرتجى ولا ينتظر، وعند الرجل يحيى من جديد حين ينسج له الكفن....
حليمة تعرف هذه القواعد الذهبية، لذا بادرت مبكرا لرسم الحدود أمام "الغوردو"، وأرغمت خيوله على التراجع، فانقطع الصهيل و سحب جنوده على خصرها، واكتفيا بالقبل بموجب معاهدة أبرمتها مع نفسها، حتى تنزع منه تأشيرة حب حقيقي في مرحلة أولى، قبل استدراجه بلطف إلى ميثاق الزواج في مرحلة ثانية ثم بنين وحفدة في الأخير، على الطريقة المغربية تماما.. !!!
اشتعلت مشاعره وصار أمامها كالدمية، يقوم بكل ما في وسعه لإسعادها، هدايا، فنادق، مطاعم، ورحلات... فلون بشرتها تبعثره، وجغرافية جسدها تشرده وتغتال كلامه، هي كالصاعقة، كاللهيب، كالحلم الخرافي... فاجأه حبها كنوبة عطس، كالزيادة في ثمن بذور الطماطم، كالحب وكفى !!! فهو جبار ومستبد وقدر لا يقهر.. !
وبعد موسم جني الطماطم، قام "الغوردو" برحلة على متن سيارته الفاخرة،وحليمة تتصابى في المقعد جانبه، تلهو بخصلات شعرها الأسود الداكن كطفلة مدللة...زارا مدريد وبرشلونة والمدن الأثرية العتيقة كغرناطة و اشبيلية وسرقسطة وغيرها.
- الغوردو : هل أعجبك جمال بلادي وحضارة أجدادي؟
+ حليمة : لاشك أنك كنت ضعيفا في مادة التاريخ.. !!
- الغوردو : لا . لا بالعكس، نحن الإسبان نمجد تاريخ أجدادنا.
+ حليمة : تريد أن تقول أجدادي... أتعلم أن حضارتكم بنيت على إرث العرب أجدادي؟ انظر إلى هذه الأسوار، وتلك القلع فزخرفتها تكاد تنطق بالعربية... جهلك هذا يذكرني بشاعر عربي قال منذ سنين :
في مدخل الحمراء كان لــقاؤنا
سارت معي والشعر يلهث خلفها
يتألق القرط الطويل بجـــيدها
ومشيت مثل الطفل خلف دليلتـي
الزخرفات أكاد اسمع نبضـــها
قالت هنا الحمـراء زهـو جدودنا
امجادها ومسحت جــرحا نازفا
يا ليت وارثني الجميــلة ادركت
عانقت فيـها عنـدما ودعــتها ***
***
***
***
***
***
***
***
*** ما أطـيب اللقــيا بلا ميـعاد
كسنابل تركـت بغير حــصاد
مثل الشموع بليــلة المـيـلاد
وورائي التاريـخ كوم رمــاد
والزركشات على السقوف تنادي
فاقرأ على جدرانـها امــجادي
ومسـحت جرحا ثانيا بفـؤادي
أن الذين عنـتهم اجــــدادي
رجلا يسمــى طارق بن زياد
- الغوردو : جميل... !! ما أسم الأبله شاعركم هذا ؟
+ حليمة :" راجل أمك يا ولد ال... ! "
- الغوردو : عفوا حبيبتي لم أفهم شيئا. !!.
+ حليمة : كنت أقول إنه الشاعر الكبير نزار قباني... كل نساء الدنيا صرن يتيمات بعد موته... !!!
- الغوردو : إني أحسده على هذا الشرف رغم بلاهته ... !!
- حسنا، حسنا أدعوك لنستريح في هذا المطعم.مار أيك حبيبتي؟
تناول قهوة سوداء،، وفضلت عصير ليمون بارد... بينهما طاولة مزخرفة بباقة ورد بنفسجية، إنها لحظة رومانسية جديرة بتبادل العواطف... أخذ بطاقة فرسم عليها قلبا كبيرا، ووضعها بهدوء أمامها كمدخل لحصة الغزل...
رفعت رأسها وبحركة بديعة، أزالت خصلة ثائرة تحجب سواد عينيها... تناولت القلم وكتبت على القلب المرسوم أمامها كلمة "طوماطوس" (طماطم) ودفعت بها في اتجاهه، وهي تغتال بسمة حلوة على شفتيها الورديتين.
- الغوردو : ماذا تقصدين بهذا حبيبتي؟
+ حليمة : أنت قلبك مليء بالطماطم، وليس فيه متسع لحب امرأة... فالطماطم تكفيك. !!
- الغوردو : يبدو أنك حساسة للغاية ،اعذريني حبيبتي إن أزعجت شاعرك المفضل في قبره، فأنا لم أقصد الإساءة مطلقا.. !
وضع يده المنتفخة على أناملها الرقيقة متحسسا نعومة بشرتها بلطف، فرفعت رموشها المثقلين بالكحل، وهي تختزل في بسمتها الساحرة التجاوب والصفح وشيئا من الحب...
غمرته السعادة فأخد يدها الهادئة كالطريدة وقبلها تقبيلا، حتى علا الخجل وجنتيها، فسحبتها بليونة حتى لا تحرج خليلها الولهان ،كما تسحب الأم الثدي من فم رضيعها مخافة ايقاضه أو انتشاله من حلمه الجميل...
أشتدت جاذبيتهما، فقاما وتعانقا إلى درجة الانصهار، وراقصها مقبلا من حين لآخر أصابعها العطرة ،كالجندي الذي يلثم زناد بندقيته بعد حرب طويلة.
مددا عطلتهما لأسبوع، لأسبوعين بل لمدة أطول، شملت شهر العسل، حتى صارا كالأخوين في الرضاعة ،ثم توجا حبهما بالزواج في فندق (اندلوسيا) بالعاصمة مدريد نزولا عند رغبة العروس وتكريما للوجود العربي في الأندلس...
انطلقت الاحتفالات بالألوان والأضواء والموسيقى، كانت الليالي ملتهبة.. وعلى إيقاع جرات الكمنجة، أخذت حليمة ترقص في فستان الزفاف رقصة شرقية كحمامة بيضاء أرخت جناحيها تحت شلال من الأنوار الزاهية ،بينما العريس المتصابى جالس على حافة السرير، ويمناه تفرغ ليسراه خمرا تنزل كسبائك الذهب الخالص... يتأمل خصرها يغازل الجاذبية وهو يحاور مفاتنها وجها لوجه كأنه يريد أن يأخذ لها صورة في الذاكرة.. !
انتهى شهر العسل، وعاد الزوجان الى حياة الجد و الكد،عادا من جديد الى بدور الطماطم ،عادا الى الأرض... !!!
13-ضيف خاص
هذه هي سنة الحياة، فرح وقرح، نار ونور،اشواك وورود....والفرق بينهما مسالة حظ،وسخرية أقدار، ففي الوقت الذي كانت فيه العروس تحتسي القبل خمرا في ولائم العرى، وتحكي سر حلاوتها على ضياء الشموع الكطلانية الدامعة، كان أمنوس في العالم المظلم يضمد جروحه بوعود هي مجرد أضغاث أحلام ...ويغرق أحزان السنين المتبقية في سواد زنزانته التي يسكنها و تسكنه كالهوية غير المرغوب فيها.
كتب لحليمة رسالة ثانية، ثالثة ورابعة، كان مصيرها الرجوع إلى ظلمة السجن بعدما ختمت بعبارة "ترجع للمرسل لغياب المرسل إليه أو لتغيير عنوانه"...كان يستردها )أمنوس( خائب الضن مكسور الجناح، فشعر أن خيط الأمل الذي يجمعه بالحياة، بات كخيط العنكبوت الذي يعارك العاصفة الهوجاء.
اطلق العنان لفرضيات الأمل والترجي وهو ينتظر كلما يثلج الصدر، ولو كان كذبا أو حلما أو إشاعة أو تخمينا... لكن لأسفه، تضاءل الأمل، حتى صار صمتا مميتا... يبدو أن حليمة باتت من ذكريات الماضي،وكل كلام يدور في فلكها يعد هذيانا وجنونا... اغتصبت أمانيهما، وكل ما بقي في الرصيد المشترك هو زوبعة كلام ووعود وقبل وصور..! فلم يعد له لا ماض يحن له ،ولا مستقبل يتطلع إليه ولا حاضر مشرف ينعم به، فقرر أن ينتحر متأبطا ما تبقى من الأحلام، فهي أجمل كفن لعواطفه و أدفأ سكن لخواطره... قرر أن يرحل بعيدا حيث لا حب ولا قبيلة ولا وطن... ويحرق كل مذكراته وكل الصور، ويراجع كل المحن ويطبع جواز السفر بلون الكفن.
طفح كأسه بالأحزان والوساوس، وتناول حفنة من العقاقير المنومة في جرعات متتالية، قضى بعدها أسبوعا في ضيافة وزارة الصحة بمستشفى المدينة، تحت الحراسة المشددة، والعناية المركزة... حيث نجح الأطباء في إفراغ معدته، ولم ينجحوا في غسل دماغه من رواسب الماضي المشؤوم.. !
استيقظ من غيبوبته فوجد نفسه في زنزانة أخرى مضيئة ومريحة لا يبدد هدوءها إلا كعب تلك الممرضة الحسناء...وقع خطواتها يرن رشيقا حين تبتعد أو تقترب، فيسمع نقر كعبها وهي تأتي من بعيد كدقات "الدربوكة" في مدخل إيقاع معزوفة موسيقية، مما يثير فيه أحاسيس ومشاعر غريبة... كان يترقب بشغف قدومها ببدلتها البيضاء وهي تمزج السير بالرقص و تبتسم بسخاء لتقدم له الدواء أو الغذاء، بعدما تفاتحه بكلام جميل وساحر...إنها حقا من ملائكة الأرض...
- الممرضة: أنت اليوم أفضل من الأمس وضعك تحسن .. !
+ امنوس: شكرا سيدتي لكن أشعر ببعض الدوران...
- الممرضة: أمر طبيعي، فالغيبوبة ليست بنزهة، لقد أشرفت على الموت، لولا الألطاف الإلهية ...
+ أمنوس: الحمد لله لكن الظروف سيدتي.. !
- الممرضة: لا.لا... لا أعرف لماذا تخفون حماقاتكم وراء الظروف... عموما أتمنى أن تعود لرشدك، فأنت تجاوزت سن الأخطاء.
+ أمنوس: المشكلة أني لم أتجاوز بعد أخطاء السنين الماضية... قضيت خمسة عشرة سنة في السجن والخمسة الأخرى المتبقية هي الأطول.
- الممرضة: هذا مؤسف حقا.. !!
استدارت مبتسمة للشرطي في مدخل الغرفة... يبدو حزينا هو الآخر، فلولا بذلته لما استطاع أحد معرفة أي الإثنين هو السجين الحقيقي ... إنه لا يفارقه في نومه ويقضته وكلامه وصمته وحركته وهدوءه... فهو في حالة طوارئ دائمة.
انتهت فترة النقاهة البدنية، وتفاقمت الأعراض النفسية بإرجاعه لزنزانته السوداء بعدما تمتع، للحظات خارج الأسوار، بالواجهة الأخرى للعالم، واجهة الشمس الدافئة ،واجهة الحياة العادية التي يعيشها الأحرار خارج حواجز الإسمنت المسلح ورتابة الدهاليز والوجوه البائسة.
14- لطفا يا حب.. !
لم تمض مدة طويلة حتى كشرت الحرية على أسنانها البيضاء مبتسمة لأمنوس، لقد ورد اسمه ضمن لائحة المستفيدين من العفو بمناسبة عيد رسمي، فأفرج عليه قبل إنهاء عقوبته لتردي حالته الصحية،حيث أصبح مهددا بالموت أو الانتحار في كل لحظة...
وقع أوراقا واسترجع خاتمه النفيس ووثائقه من إدارة السجن،وودع النزلاء والحراس والطباخين، فقصد الباب الحديدي الكبير كالهارب من الحريق...لم يجد أحدا في انتظاره ، فما أقسى تلك اللحظة التي وجد فيها نفسه وحيدا من غير أب، أو أم، أو أخ، أو حبيبة، أو زوجة، أو مال، أو حظ، ، أو شباب، أو علم، أو طموح، أو... !! في الحقيقة كان مخرج السجن مدخلا لسجن آخر بدون قضبان أو حرس أو عدس...
الغريب في السجن الجديد هو الإسمنت الذي اكتسح البساط الأخضر، وكثرة الألوان والحركة من غير بركة...كل المؤشرات توحي بالطمانينة غير أن الواقع على كف عفريت في حقيقة الأمر.
انطلق في غير اتجاه معين، ودون هدف مقصود، حتى ولج دوامة الشارع الرئيسي، فاكتشف عالما جديدا ومخيفا: سيارات كاللعب ، فتيات جميلات لامعات كالدمى، عاريات الأثداء والبطون، مكشوفات الحواجب، وقصيرات التنورات...
"لقد تحسن النسل لدى البشر والبقر.. !" هكذا علق في عجالة، وسار في الشارع الكبير، وهو يقرأ اللوحات الاشهارية...وجهه أبيض تعلوه الصفرة كسائح صيني يبحث عن مطعم أسيوي ... وجهه لم ير الشمس كالعشب البري الذي ينمو تحت الصخر فيبدو مصفرا كالتبن... يطالع وجوه النساء من تارة الى أخرى، بحثا عن ملامح حليمة الحسناء، كمن يبحث عن سمكة نادرة في موج المحيط...
بحث عنها في مقصورات القطار القادم إلى الشمال ، وفي أثر القدمين على وجه الرمال ، بحث عنها في صور النساء المشهود لهن بالجمال وفي صورة البدر تمام الكمال...سأل عنها شمس الغروب، وركن المتغيبين، وأسراب الخفافيش في الدروب المعتمة، وماسحي الأحذية والأطفال المشردين.. !
وصفها لديمومة الشرطة، ولمصلحة المستعجلات، ولعابري السبيل... لقد جاء حبه متأخرا، ثم استيقظت حواسه ليعلن عن ولائه لحب غير منتظر، لقد تجمدت أجراسه ثم ذابت في حب محتمل.
15-ذاكرة موشومة بالقضبان
عاش أمنوس شهورا على بقايا المطاعم وهو يقاسم الفضلات مع المتسولين والمشردين، حتى التقى يوما مع ثلة من السواح، فاقتنى منه أحدهم خاتمه النفيس بباب الفندق...
اشترى لباسا وحلق ذقنه، وهذب شاربه فتأمل نفسه في المرآة، كمن استيقظ من غيبوبة طويلة... أسره هندامه ثم ابتسم للحظة وعاد لعبوسه المعتاد، أقسم ألا يدفن في موطن لم يلق منه إلا الجحود والتهميش...
تحسس بطاقة هويته وجواز سفره، ثم قصد وكالة أسفار دولية، واقتنى تذكرة سفر (الدار البيضاء – اسطمبول )عبر مدريد ذهابا وإيابا.
جلس في قاعة المطار وهو يتفحص عبر نظاراته السوداء الوافدين على القاعة، متفاديا كل ما من شأنه إثارة الانتباه رغم أن وضعه قانوني... فمن لسعته الحية يخاف من الحبل.
تأخرت الطائرة لثوان طويلة، ثم صدح إعلان رخيم في مكبر الصوت داعيا المسافرين المتوجهين إلى اسطمبول عبر مدريد للاستعداد...
ما هي إلا دقائق حتى أخذ المسافرون مقاعدهم تحت أنظار المضيفات التركيات اللائي يوزعن بسماتهن بسخاء... ثم تحركت الطائرة بهدوء وانطلقت بسرعة في اتجاه الأفق في خط تصاعدي. وبعد لحظة، بدت المدينة في الأسفل كمجسم بلاستيكي، تقزمت الشوارع والطرقات فسارت كالشرايين، وبدت الغابات كأحواض الجزر، وتواضعت الجبال فأصبحت كأكوام الرمل...
ارتفع الاختراع العجيب في الفضاء، فاضمحلت معالم الأرض، وحلت محلها كتل السحب كالقطن المتناثر في جمود وهدوء.
تناول أمنوس وجبته الباردة دون أن يحفل بالشقراء جانبه، والتي اكتفت بقنينة جعة باردة... ساد الصمت قليلا ثم لاح مكبر الصوت كلاما لم يفهم منه أمنوس شيئا غير كلمة مدريد، فهم أنه موعد الوصول إلى مطار مدريد.
تذبذبت مؤخرة الطائرة، وانخفظ جناحها يمنة ثم يسرة، فشعر أمنوس كأن سيلا حطه من عل، وعبر النافدة شبه الدائرية تراءت له مدريد المدينة العملاقة بسطوح حمراء وشوارع مرسومة بانتظام وأحياء مرتبة كمكعبات الرخام...
سمع احتكاك ثم جثمت الطائرة في ممر خاص... نزل أمنوس مع بقية المسافرين إلى مصالح المطار، قبل إعادة إقلاعها بعد ساعة في اتجاه المحطة الأخيرة بتركيا... لكن أمنوس استغل فرصة الاستراحة بمطار مدريد، ليختفي بالمراحيض ويمزق هويته وجواز سفره نهائيا والقذف بهما في دورة المياه.
مضت ساعة الاستراحة وأقلعت الطائرة، فخرج أمنوس من منفاه الاختياري للبحث عن مخرج ... الجمارك والشرطة في كل المنافذ، إنها لحظات عصيبة حقا، قضى أمنوس يوما كاملا داخل المطار كفأر في صندوق زجاجي أو كذبابة داخل قنينة... لم يجد حلا للخلاص غير ادعائه المرض، فانبطح أرضا في انتظار الإسعاف.
أحضر رجال الشرطة وحدة الإسعاف، فاستفسروه بكل لغات العالم عن هويته...ثم قيست حرارته وضغط دمه، فوجدوه سالما إلا من الكذب والتحايل والوهم، فانتهى به المطاف في السجن مجددا لمدة ثلاثة أشهر لوجوده غير القانوني بأسبانيا.... حكم لم يفاجئ أمنوس لأن السجن أحب إليه من الموت جوعا في الخلاء وافتراش الرصيف في الصيف و الشتاء...
هكذا كان السيناريو متوقعا، فهو من إخراج وإبداع (الحراكة) عبر الجو، "امنوس" يعرف أنه سيتم القبض عليه ثم يفرج عنه بعد تمتيعه ببطاقة إقامة لمدة سنة كاملة بأسبانيا.
كان استنجاد "امنوس" بالسجن فرصة ذهبية للحصول على الإقامة الشرعية، وتعلم الإسبانية داخل الأسوار، والالتقاء بسجناء من جنسيات مختلفة قادتهم الأقدار للتعارف وراء القضبان.
16- مقهى الغربة يا وطني.. !
خرج "أمنوس" من السجن فوجد نفسه وسط مدريد الصاخبة، سافر جنوبا إلى "مورسيا" ومكث هناك عدة أسابيع دون أن يحظى بفرصة عمل ولا بالضيافة عند أبناء وطنه التعساء مثله...فكان يسكن هيكل سيارة قديمة جاثمة وسط عشب بري كثيف كسلحفاة جريحة، قضى فيها عدة ليال باردة، يفترش التبن بعد قضاء اليوم كله في البحث عن عمل في المطاعم والضيعات الفلاحية وأوراش البناء...
عاد ذات مساء منهوكا محطما كالجندي العائد من حرب طاحنة فوجد سلحفاته تحترق، تأملها على بعد أمتار ثم تراجع متخليا عن حقيبته المتفحمة، مخافة أن يحرق حيا هو الآخر... مسح دموعه وعرقه فاتجه نحو" الميريا" جنوبا لعل حقدها أقل شراسة وفرص العمل أوفر، فهو يحن دوما للجنوب حيث البسطاء والفقراءو الكرماء، على خلاف الشمال المتميز دوما بشحه رغم غناه.
وصل ظهيرة إلى مقهى الغربة في" الميريا"، فشعر بنوع من الطمأنينة وهو يرشف شايا منعنعا على إيقاع نواح كمنجة الأطلس المتوسط ، شعر" أمنوس" بسعادة غريبة، فلأول مرة يرى وجوه ويسمع ألفاظ وكلمات ويشم روائح توحي بالحرارة الإنسانية، إنها يقضة الحواس وانبعاثها من جديد.
النادل "لمعلم كافيطو" يمازح الزبناء وهو يسقيهم الشاي في كؤوس كبيرة محشوة بالنعناع الأخضر ... لاعبو الورق يصرخون هناك ويخبطون أوراقا على طاولة مستديرة تتأرجح يمنة ويسرة ، فلا تستقر على حال.
لقد تخلص أمنوس نسبيا من وحش الغربة، حيث التحق بالغرباء التعساء، فأحس برغبة جامحة في مخاطبتهم ومشاطرتهم الحديث حتى وإن كان مجرد كلام، فنادى على" كافيطو".
أمنوس :" ألمعلم "... من فضلك سيجارة
كافيطو : تفضل الشقراء أم السمراء.. ! (مبتسما)
امنوس : أحلاهما مر... الله يقيك شرهما يا أخي.. !
كافيطو : نعم ... ولكن شر لابد منه... لم أرك من قبل، هل أنت جديد
في الميريا؟
امنوس : كنت في" مورسيا" لكن الظروف... فجئت هنا للبحث عن
عمل، قيل لي أن "الميريا" منطقة فلاحية بامتياز، أليس كذلك؟
كافيطو : هنا فرص العمل نادرة في الحقيقة، خاصة إن كنت لا تتوفر
على بطاقة إقامة... الشرطة تداهم المزارع أحيانا للقبض
على المهاجرين السريين.
أمنوس : لا. لا ، لدي بطاقة إقامة.
كافيطو : إذن لا بأس، هناك السيد" خوصي الغوردو" إنه يتعاطف مع
المغاربة أحيانا، بإمكانك مرافقة العمال غدا إلى ضيعته، فهي في
ضواحي المدينة.
أمنوس : شكرا "ألمعلم كافيطو" الله يحفظك.
17-سخرية الأقدار
قضى" أمنوس" الليلة في ضيافة " كافيطو"، وفي الصباح الباكر صاحب العمال إلى المزرعة، وقدموه لرئيس الأشغال لمنحه عمل، وبعد لقاء قصير وافق "الغوردو" على تشغيله بالمزرعة لتوفره على بطاقة الإقامة ولقبوله العمل موسميا دون شروط.
واعتبارا لسنه، كلفه" الغوردو" بمهمة الحراسة ليلا ومساعدة العمال عند الضرورة نهارا، فأعد له كوخا متواضعا بصفائح القصدير في قلب المزرعة، كان أمنوس سعيدا بذلك، فهو على الأقل لن يحرق هناك كسلحفاته الشقية.
توالت الشهور، وحضي أمنوس بمزيد من الثقة حتى صار أقرب العمال إلى" الغوردو"...صار معروفا لدى طارق وماريا والكلب (طوطو)... يزوره الجميع خلال عطل نهاية الأسبوع، وغالبا ما يأتونه ببعض الأطباق الشهية إلى كوخه...
دون أن يدرك أمنوس أن السيدة الجميلة التي تزوره كل يوم أحد في المزرعة برفقة الغوردو هي.. !
دون أن يعلم أن المرأة الجميلة أم الطفلين طارق وماريا اللذين يدعوانه "العم المروكي" هي.. !
دون أن يعرف أن الأطباق الشهية التي تصله هي عبارة عن رسائل إخلاص من التي.. !
ودون أن يكتشف أن الحسناء ذات النظارات السوداء، صاحبة السيارة الفخمة هي.. ! هي حليمة، نعم حليمة بنت كتامة !!!!!
شاءت دوامة الأقدار أن يلتقي أمنوس وحليمة من جديد، بعد سنين من الصمت واليأس، لكن هذه المرة في ظروف أخرى، بعدما تغير مسارهما كلية...فأصبحا يعيشان قريبين وبعيدين عن بعضهما البعض، فهي تعرفت على ملامحه، لكن استحال اقترابها منه اعتبارا لوضعها الجديد، ولعدم جدوى النبش في الماضي، بعدما حسم مصيرها بمعزل عن مصيره... فهي الوحيدة التي تعرف هذا المنحى الغريب في حياة اثنين، أوهمهما جنون الحب أنهما جزء من الأبدية، غير أن حكمة القدر أقوى، فهي تقهر العمالقة وتبدد سلطة الاستحالة وتجعل من الصدفة قرارا غير قابل للطعن و الاستئناف، لأنها مشيئة السماء الخالدة.
18- سيدة القلب و المزرعة
وذات صيف جهنمي توفي السيد " خوصي شانشرو" على إثر جلطة دماغية، رغم إسعافه ونقله على جناح السرعة إلى برشلونة... واضطرت حليمة التي عاشت عشر سنوات في الظل إلى مواجهة أعباء الحياة.
لقد ورثت مزرعة في أوج ازدهارها، وأطفالا هم في حاجة إلى تكوين قبل تقلد إدارة شؤون مزرعة أبيهم الراحل، فخرجت إلى المزرعة لتباشر الأعمال اليومية وفق البرنامج المعتاد، فهي لا تقوى على إجراء أي تعديل أو تغيير مخافة إثارة مشاكل أخرى، قد تشكل جبهة إضافية مستنزفة للتركيز والوقت والمال.
إن وضعها الجديد جعلها تشتغل عن قرب من" أمنوس" الذي راكم تجربة محترمة في التعامل مع العمال وهموم المزرعة، دون أن يدرك أن رئيسته التي منحته صلاحيات جديدة واسعة هي حليمة الأمس... فهي تشفق عليه وتثق في أدائه، وكثيرا ما قررت مصارحته، لكن ترددت وتراجعت عن ذلك مخافة أن تفقد التوازن، وتضطرب علاقاتهما، ويختل نظام المزرعة أمام أنظار أبنائها وعمالها ومنافسيها... فباتت تفضل القناع الذي يفرض الإحترام على المكاشفة التي قد يتولد عنها التهاون والتطاول والتلاسن وكثير من الحسابات غير المجدية...فهي تعرف أن الأعمال والمشاعر لا تلتقي، يجب دائما التضحية بإحداهما لاستمرار الأخرى.
تحسنت إدارة حليمة موسم بعد موسم بفضل مراقبتها المستمرة لأوضاع المزرعة، وأسواق الطماطم، وعصرنة الإنتاج، وعقلنته وفق إكراهات المحاسبة وقانون المنافسة في الميدان.
لقد اعتاد الطفلان طارق وماريا زيارة المزرعة خلال كل أسبوع، وغالبا ما كانا يستغلان انكباب أمهما على العمل في المكتب للإقتراب من" أمنوس" أو(العم مروكي)، فهو بهندامه الغريب وبإسبانيته المتهالكة، صار يبدو وكأنه لص من لصوص "علي بابا" أو شخصية من شخصيات الرسوم المتحركة... فهو يحكي حكايات غريبة وقصصا مشوقة تجمع بين الدراما والكوميديا.... بل استفسراه عن حياته، فاستعرض تفاصيل مثيرة شدت الطفلين وألزمتهما عالمه الفريد... فاستطرد حلقات حياته البئيسة والمتقلبة، بدءا من ميلاده التعس وطفولته المغتصبة، وقصة أول حب لامرأة حسناء لم يعد لها وجود سوى في قلبه وذاكرته هو لوحده. ثم حدثهم عن اعتقاله وظروف هجرته الى إسبانيا، وحكايات المزرعة... حتى صار في عيون الطفلين بطلا وظاهرة إنسانية خارقة للعادة، فلا شيء يقوى على انتشالهما من عالمه سوى مناداة أمهما، التي يقلقها ابتعادهما عنها، ومع ذلك لا يلتحقان بها إلا بعد طول إصرار وكثرة إلحاح... لقد أصبحا مدمنين على مجالسة "العم مروكي" والإستمتاع بحكاياته المثيرة.
19- هي عاشقة والبحر شاهد..!
وبعد سنين قليلة أصبح طارق وماريا شابين يافعين، عملت أمهما على تكوينهما وتربيتهما... طارق يتابع دراسته في الهندسة الفلاحية وتقنيات الزراعة بمدريد، وماريا اختارت كلية الطب والصيدلة ببرشلونة...
تقدم أمنوس في السن شيئا فشيئا ووفر أموالا لا يعرف كيف يدخرها أو يستثمرها، كدس رواتبه تباعا في صندوق خشبي في كوخه المتواضع بعيدا عن أنظار الفضوليين من العمال... لقد غزته الوساوس وسيطرت عليه المخاوف فأصبح يشك في كل شيء حوله، تردد كثيرا... وفي الأخير قرر الاقتراب من السيدة " شانشرو" من أجل فتح حساب بنكي لفائدته بمصرف المدينة أو الاحتفاظ عندها بما ادخره تحسبا لأي طارئ غير سار.
أخذت منه رزمات الأموال ثم سألته في تجاهل عن اسمه الكامل وعمره وقيمة ودائعه... فكيف لا يبادلها الثقة، وهي التي تدفع له الراتب مضاعفا مقابل حضوره ليس إلا ... فهو يقيم بالمزرعة وتأتيه بالأطعمة والألبسة والأدوية وكل حاجياته الضرورية... حاول مرارا أن يجد تفسيرا لهذه العناية الخاصة، وهذا الاهتمام المتزايد الذي يحظى به، فلا يمكن أن يكون مقابل عمله البسيط، وحضوره الشكلي الممكن الاستغناء عنه دون حرج.
على كل حال، لقد حسب الأمر هدية من السماء، وفي الواقع هو كذلك، وإلا من قاده الى حيث هو الآن، أليست مشيئة الأقدار؟
وبعد طول تفكير، قررت السيدة " شانشرو" استثمار ما أودعه لديها أمنوس من أموال في المزرعة لحاجة في نفسها من غير الالتجاء إلى البنك... فهي تعرف أنه لن يسحب شيئا ولا داعي له للسحب، ما دامت توفر له كل ما يحتاج إليه، بل يستفيد كذلك من عطله الأسبوعية والسنوية، فيجدهما فرصة للخروج من المزرعة قصد الترفيه والالتقاء بأصدقائه بأسواق العرب ومقهى الغربة... فتجده يجالس زبناء المقهى ويمازحهم، بل يشاركهم أفراحهم وأقراحهم كذلك... لقد سئم العزلة والغربة والتقوقع داخل المزرعة كجرار متقادم انعدمت قطع غياره، لذا كان يبحث عن أية فرصة مناسبة أو غير مناسبة للتعرف على أبناء وطنه الذين يسألونه عن عائلته وعمله، فيثور رماد ماضيه، وتتأجج مشاعره من جديد تجاه الوحيدة في قلبه، فجرحه لم يندمل، ولن يندمل لأنها أول وآخر امرأة في حياته، فهي- في نظره- وحدها امرأة والأخريات مجرد إناث.. !
لقد فصلهما القدر، وجمعهما بسخرية عجيبة، فهو قريب منها لكنه بعيد جدا، هما مجتمعان في أغرب المشاهد، فهو يبحث عنها وهي تحت نعليه، كمن ركب حماره وسار يستفسر المارة عنه... أما هي، لقد عرفته لكن استحال عليها تحدي سلطة القدر.
تبخرت الأحلام، وحلت محلها يد رتبت وهيأت الظروف على النحو الذي لا يتصوره أحد... فكم من حبيب في الأصل بعيد وهو للقلب قريب، وكم من حبيب للعين قريب وهو على القلب بعيد... تلك هي طقوس الحب وجنونه وبدونها ما يسمى الحب حبا.
20- بقايا أحلام نرجسية
دفنت حليمة الحب القديم وجلست على قبره تسقيه بدموعها، وتضمد جراحها سرا، كأنها أصيبت بورم خبيث تخفيه ويخفيها عن الأنظار...لكن رغم ذلك كانت تتعهده بأزهار النرجس وفاء وإخلاصا لمشاعر الحب الأول، لم يخمد حبها بعد كل ما وقع، فغيرتها تتأجج كلما رأت"امنوس" يلاطف العاملات المغربيات في المزرعة، ويقاسمهن النكت والرغيف المتحجر... فتحن مجددا لأيام طواها الزمن للأبد...هي عاشقة والبحر والليل والسماء تعرف ذلك.
ففي الوقت الذي كانت تقول فيه العاملات التعسات :
"ما أسعدها من امرأة، لقد جمعت الثروة و الجمال و الحظ السعيد.. !"
كانت هي تردد في قرار نفسها:
"ليتني كنت مثلهن فما أسعدهن، ينعمن بالسعادة وهن يتقاسمن الخبز الحافي ببهجة لا تضاهى، و يفرحن بالراتب المتواضع غير مباليات بتقلبات أسواق الطماطم، هن يحن لوسائدهن مساء مطمئنات كالأطفال...في حين تجبرني العقاقير المنومة على الإواء الى سرير عطر و فاخر، لكنه لا يصنع نوما مريحا ولا يهدي حلما جميلا...فما أتعسني من امرأة، لقد أورثني جمالي ما يشغلني عن تذوق الحياة البسيطة، فتبا لي، كانت نفسي طليقة فسجنتها وحرة فقيدتها بأغلال السعادة الفانية..."
هكذا حدثت نفسها وفكرت بصوت عال، رغم أن شفتيها مطبقتان، وأحيانا كانت تهوي في شرود غريب، فتنبس بكلام مبهم وأشباه كلمات عارية يكتنفها الصمت، فتسمع كوقع الحجر الذي يرتطم بلوحة الماء في قعر البئر، أو كقرقعة مفتاح غير مناسب في قفل الباب في منتصف الليل.
حليمة شدها الحنين الى الأمس، فصارت تقضي ساعات حقيقية تتأمل أجزاء ثوان موؤودة داخل الإطار الضيق لصور تذكارية منهوكة، وتضمد بتأملاتها جراحا قديمة، و مع ذلك لم يتوقف النزيف.. !
لزمت البيت لأشهر طويلة، وتولى ابنها طارق تسيير المزرعة بعد حصوله على دبلوم الهندسة الفلاحية.
21-الرئيس الجديد
كان الرئيس الجديد متحمسا ونشيطا، وظف تقنيات حديثة لتجويد المحصول و الرفع من الإنتاج وإعادة توزيع المهام داخل المزرعة، حيث تعززت مكانة "العم مروكي" من جديد، واتسعت دائرة اختصاصاته باعتباره الذاكرة الحية للمزرعة، مما جعله يحظى بعناية الرئيس واحترامه على خلاف باقي العمال الذين رمت بهم أمواج المتوسط ، فوجدوا أنفسهم قابعين في الحفر كالعبيد.
كان" امنوس" يحكي ويصف لرئيسه أحوال المزرعة تحت إشراف والده وبعده والدته، وعن زياراتهما هو وأخته للمزرعة حين كانا طفلين...فيستحضرا مستملحات ووقائع سارة، وأخرى محزنة، تلتقي كلها في آهات التأسف عن جميل السنين الماضية...
امنوس : " يا طارق...إن اسمك جميل، فهل تعرف من هو طارق...طارق ابن زياد ؟ "
طارق : "لا شك انه هو أول مهاجر سري عبر البحر الأبيض المتوسط...(ضاحكا)...أمي تقول انه احرق سفنه ليمنع جنوده من التراجع...أهذا صحيح...؟ !
امنوس : " نعم...لو كان يعرف انه سيأتي جيل سيهتم بالطماطم اكثر من التاريخ، لأحرق نفسه قبل أن يحرق سفنه...لا شك انه نادم الآن، وغير فخور بحفدة مثلك...يا...طارق ابن شانشرو ! "
طارق : " لا داعي للقلق يا "عمو مروكي " ...فأنا فخور بهذا التذكار الذي يربطني بهذا القائد البربري الشجاع... لقد قرأت عنه وأعرف عنه -ربما- أكثر مما يعرفه بعض العرب... لأنني جزء من ذاكرة مشتركة لتاريخ عريق...اطمئن يا عمي الحزين، سيبقى طارق ابن زياد شامخا وثابتا في وجه عواصف الزمن كجبل طارق... "
اشتد الضحك حتى دمعت عيونهما، ثم عادا الى أقداحهما التي تعلوها الرغوة .. !
كثرت جلساتهما وطالت لقاءاتهما... تحدثا عن ذكريات الحب والموت و الحياة والطفولة والسعادة والشقاء، عبر حلقات يمتزج فيها الضحك بالبكاء... صار الاثنان منسجمين، رغم انتمائهما لأجيال متنافرة، حتى تبددت التراتبية بينهما، لكن دون إخلال أحدهما بواجبه تجاه الآخر، وهو أمر غير معهود في علاقة الرئيس بمرؤوسيه...لكن امنوس يشكل استثناء لاعتبار تعرفه السيدة " شانشرو" وحدها.
22-اجتماع استثنائي
استولى العتاب الداخلي على المناعة النفسية للسيدة " شانشيرو"، فحاكمت نفسها أمام محكمة الضمير، عبر جلسات مطولة، أسفرت على اقتناعها بعدالة وحكمة الاعتراف بالحقيقة التي تسكن كيانها منذ أزيد من ربع قرن. لقد صارت تخجل من ثيابها اللصيقة بها، ومن صورها القديمة، ومن مرآتها التي تعكس ملامحها المقنعة، وتستحيي من شجرة هويتها التي لم تتعهدها بالصيانة و السقي، فقررت أن تعقد اجتماعا استثنائيا، دعت له كل من:
السيدز " رودركيز" محام الشركة والقائم بالأعمال القانونية
السيد " بافلو" طبيب العائلة
السيد" طارق شانشيرو" المدير العام للشركة
والسيد " امنوس" حارس المزرعة
حضر الجميع في الوقت المعين للإجتماع على غير العادة بغرفة نوم السيدة " شانشيرو" الممددة على ظهرها فوق فراش المرض، تبتسم وتئن من حين لآخر وهي تحاول الاستواء في سريرها الفاخر، وعلى جانبها الأيمن عقاقير وأدوية مختلفة الألوان والأحجام، وعلى يسراها وصدرها مستندات وأوراق ووثائق مبعثرة دون انتظام.
جلس المجتمعون وهم يتبادلون الأنظار في محاولة اكتشاف موضوع الاجتماع، خاصة وأن تركيبته غريبة وتشكيلته فريدة إلى حد بعيد، الكل يبدو مستغربا من حضور السيد " أمنوس"، الذي يبدو ببذلته الزرقاء كأنه انتشل من حطام زلزال.
أخذ مقعده وانزوى قليلا مدركا أن وجوده ودوره ثانويان، وأن اختصاصه لا يكمن أن يكون موضوع اجتماع مع الطبيب والمحامي والمدير العام...فصار يقلب بصره في زوايا الغرفة... ذلك براد منقوش على صحن نحاسي، وتلك صورة عائلية، وذلك تذكار مغربي عبارة عن قبعة مزركشة بألوان من منطقة " جبالة " بالمغرب ووو... لم تعده من شروده سوى نحنحة السيدة "شانشرو"، وهي تتأهب لتقول شيئا لا يمكن إلا أن يكون على قدر من الأهمية، لأن الظرف استثنائي وحالة السيدة تتذبذب بين العافية والسقم.
ابتسمت مجددا، واضمحلت أعراض الإرهاق عن وجهها، فبدت معالم جمالها، كمربعات الفسيفساء النادر على واجهة موقع أثري قديم.
ثم قالت :
" بويناس دياس" (صباح الخير) … !
" أشكركم على حضوركم وإخلاصكم جميعا...
كما ترون إن وضعي الصحي تردى كثيرا هذه الأيام، والتقرير الطبي الأخير أكد عدم قدرتي على العمل بنسبة عجز تتجاوز 90 % ، وفي هذه الحالة فإن القانون الداخلي يعفيني من مهمتي... فبدون إطالة سوف أتناول نقطتين أساسيتين تهمان مستقبل الشركة :
* اعتبارا لظروفي الصحية، فقد قررت إسناد مهمة تسيير أعمالي لطارق شانشيرو، يبدو أن التكوين الذي تلقاه بمدريد كان مثمرا ،حيث ارتفع المحصول بشكل ملحوظ خلال فترة التجربة التي أشرف خلالها على إدارة المزرعة.
* النقطة الثانية تهم شخصا قدم خدمات كثيرة للمزرعة، سواء مع المرحوم زوجي أو معي، والآن مع ابني طارق، و يتعلق الأمر بالسيد" أمنوس"، الذي اشتغل بالمزرعة لمدة إجمالية تتجاوز عشرين سنة، لم يتلق خلالها رواتبه الشهرية وتعويضاته العامة، حيث قمت بتحويلها في حينها إلى حساب الشركة، وتم استثمارها مع الرأسمال العام... وابتداء من اليوم، يعتبر السيد"مسعود امنوس" شريكا قانونيا في رأسمال الشركة بنسبة الربع، وبالتالي سيساهم بتجربته في تسيير وتدبير المزرعة....ويسرني كثيرا أن أكون أول من يهنئه عن وضعه الجديد و مسؤوليته الجديدة...
انتهى الاجتماع، بإمكانكم التفضل إلى القاعة المجاورة لتناول ما يروق لكم احتفالا بالسيد مسعود أمنوس... وشكرا."
قام المجتمعون بتهنئة أمنوس في جو يسوده الاستغراب، وانصرفوا تباعا بعد الاستئذان من السيدة الرئيسة، التي نادت على أمنوس للقاء به على انفراد.
23-حقيقة لا تصدق
اقترب" أمنوس" من سرير السيدة " شانشيرو" حتى بدا له سرب الخانان السوداء يغزو بياض جيدها الجميل، كعقد عنبر في صوان مرمر.. ! ثم ألحت عليه أن يقترب أكثر كي يصير في متناول يدها... جلس على حافة السرير الفاخر مستنفرا حواسه كاملة لاستيعاب أمر لا شك أنه ذات أهمية... طارق هو الآخر فوجئ بهذا التقارب السريالي بين والدته وحارس المزرعة في مشهد غالبا ما يكون عائليا أو حميميا حتى النخاع... يد "أمنوس" الخشنة تحتضنها السيدة بدفء يديها الناعمتين كعصفور جريح تخلف عن سرب الطيور، عيناه الوجلتان في عينيها الدامعتين، وبينهما قصائد بلا عنوان وصحارى بلا فرسان... تصارع القلب واللسان فساد الصمت وانهزم الكلام، فلم تجد السيدة " شانشيرو" الكلمة المناسبة لمقدمة موضوعها، فاستنجدت بندى عينيها لترجمة مشاعرها الأسيرة، في حين استمرت دوامة الأسئلة في ابتلاع" أمنوس" الذي اكتفى بنقل البصر بين السيدة وابنها طارق محاولا استكشاف أغوار دامسة.
مسحت عينيها بيمناها ثم أرجعتها مبللة لتحتضن أصابع أمنوس من جديد... ارتجفت شفتاها متأهبة لفض بكارة الصمت، وقالت بصوت متقطع :
" أخي مسعود .. !
سأصارحك بعدما فشلت في دفن الحقيقة، فاعذرني إن أخفيت عنك هويتي... فأنا حليمة... نعم حليمة " كتامة"، فأنت جزء من حياتي، ولا أستطيع أن أعيش بمعزل عنك.. ! وأنت..."
بمجرد ما سمع" أمنوس " هذا الكلام هوى عليها...تعانقا بشدة وامتزج دمعها بدموعه والتقى مصيرها بمصيره من جديد، لكن هذه المرة على مسمع ومرأى من ابنها الذي لم يفهم شيئا.. !
استمر العناق ثم انفصلا لهنيهة تبادلا خلالها نظرة وجيزة معبرة، ثم عادا والتصقا مجددا كأنها لم يصدقا أنهما التقيا من جديد، أو أنهما يخافان أن تأتي عليهما زوبعة القدر فتفصلهما إلى الأبد.. !
التحما فصارا ظلا واحدا ومشهدا صامتا، ولم يعد للمقام مقال... اكتفت بمسح شعره وعيناها مغمضتان كأنها تتحسس جمال الأحلام الماضية، وتستحضر خضرة روابي كتامة المتموجة، ورائحة التربة المتطايرة بطرقاتها المنهوكة ذهابا وإيابا.
تنهد أمنوس ومسح بعينيه وجه حليمة... وفجأة سقط في غيبوبة، نقل على إثرها إلى مصحة خاصة… أغمي عليه لمدة يوم كامل، ثم استيقظ بعد أن حظي بعناية مركزة، فوجد بجانبه شابة حسناء تمسح عرق جبينه وتتأمله بعينيها الزرقاوين، اللذين شكلا مع سحنتها العربية لوحة جميلة غريبة الملامح، فصارت تبدو كخطأ في الطبيعة.
تنهدت وارتج صدرها كأنها تخلصت من ثقل عظيم ثم بادرته بكلمات تشبه لون شفتيها الورديتين، لتبدد استغرابه وتخلصه من ارتباكه.
ماريا : " على سلامتك يا "عمو" أنت في المصحة، أنت الآن بخير. !."
نسي أمنوس سقمه وسألها في عجالة :
امنوس : "... ولكن من تكونين أنت...؟ "
ماريا : " ماريا... أنا ماريا يا "عم أمنوس" لقد كلفتني ماما بالسهر عليك،
ستحضر بعد قليل لتطمئن عليك.. !"
امنوس : " آه ، إنك تشبهين أمك حين كانت شابة ، لقد حملتني في رحلة إلى
الماضي الذهبي يا بنيتي... إنها كانت رائعة، أنيقة ونشيطة حقا مثلك
تماما..."[/align][/align][/align]
[align=right]شكرته على انطباعه شاهرة في وجهه ابتسامة سخية، ثم ألحت عليه بصمتها للمزيد من السرد و التفاصيل، كأنها فتحت كتابا أسطوريا امتص فضولها إلى غير نهاية.
ماريا : "أنت مثير ورائع يا" عمو" كما تعهدتك وأنا طفلة..."
24-جنازة اندلسية
عاد الجميع إلى الإقامة الفاخرة بعد ضم أمنوس إلى العائلة، لقد صار فردا كامل العضوية، غير أنه رفض حياة الترف، وفضل الانزواء في كوخه الموحش، فهو خلق ليكون تعسا بائسا ووحيدا... وصمم ليجسد فيه القدر صور الشقاء، وقد لا يشعر بمعنى الحياة بعيدا عن وحشة كوخه الدافئة وخلوته المؤنسة... لقد اعتاد سكة البساطة وألف سكينة الهامش، لقد صار مثل طائر بري يفضل الغذاء على الحشرات وديدان الأرض عن العيش داخل قفص أعد من سبائك الذهب، لأن الأقفاص الذهبية تحجب عنه- لا محالة- شمس الحرية التي تدفئ الروح وتغذيها.
مرت أعوام، وشاخ الحب في عيونهما المرهقة، وهما يعيشان على إيقاع ذكريات الماضي كمحاربين تقاعدا بعد حرب عصيبة ... يستعرضان الصور القديمة متنهدين، كأم تتأمل صورة طفلها الوحيد الذي مات غرقا.
طالت لياليهما البيضاء، و تقزمت أحلامهما وتقلصت المساحة أمامهما كالمحكومين بالإعدام، فخططا للتمتع ببقية العمر سوية يدا في يد وهما يجوبان المزرعة أو يسترجعان أحلام الأمس، فيبتسمان ويضحكان ويبكيان ثم يضحكان من جديد... بل قررا زيارة بلدة " كتامة" لمراقصة الصبايا كالغجريات في المزارع، ولمجالسة الرعاة في الجبال الشامخة،ومعانقة الأطلال، والتبضع في الأسواق التقليدية والتذوق من سلال التين والعنب، وترديد المواويل خلال موسم الحصاد على الروابي المصفرة، وشم رائحة الماعز والأعشاب البرية، ونشر الغسيل على الصخور الدافئة في الأودية، والتمتع بنعمة النسيان، نسيان أن للعالم بقية... بقية كلها ضجر وصخب وحروب ومجاعة.. !
لكن للأسف لم يفعلا، ولن يفعلا، لأنهما ناما، ناما طويلا ولم يستيقظا. ماتا متعانقين في الكوخ المتواضع، كأنهما تعمدا السفر بعيدا عن حيرة التنقل بين الضفتين، لقد شعرا أنهما غريبان هنا وهنالك، ففضلا الهجرة خارج حدود الزمن والمكان.. !
وبقي طارق وماريا . !! والأندلس هنالك.. !!
هنالك حيث ترغو الأوهام
هنالك حيث تنام الأحلام
وبين هنا وهنالك احترقت السفن شوقا
وبين الضفتين مات الموج الأزرق في عينيها
ومات البحر غرقا.. غرقا...غرقا !!![/align]
(انتهى بحلول شتاء2007)
ملاحظة : يمكن تقديم ملاحظاتكم وانطباعاتكم واقتراحاتكم على :
Seddiki-art.skyblog.com
Seddiki007@hotmail.fr
قراءة نقدية للرواية
بقلم الدكتور عبد السلام رياح
أحس وأنا أعالج هذه السطور بأنني أتأرجح بين موقعين اثنين، بقدر ما يكسبني أحدهما تشريفا يكسبني رديفه تكليفا، ذلك، لأنه إذا كان يشرفني أن أسهم بشيء مما أفاء الله به في هذا العمل الكريم، فانه يطوقني أمانة أن يكون إسهامي في مستوى المسؤولية التي وضعني أمامها أخي الكريم عمر الصديقي. ومع إحساسي بان بضاعتي مزجاة، فإنني سأقتحم هذه العقبة الكؤود، وأسهم بكلمة متواضعة أرجو لها أن تتقبل قبولا حسنا، إيمانا مني بان ما لا يدرك جلة لا يترك كله.
إن هذا العمل الأدبي الذي أتحف به أخي العزيز عمر المكتبة العربية، أعده من أجل الأعمال التي يعز على المرء أن يجدها في كثير مما شاع من الإبداع في أيام الله هاته، ولعله من نافلة القول أن أنبه هنا الى ما كنت قد ذكرته لصاحب العمل، بخصوص قيمة ما جاء به، فالرواية تستحق الفوز بالمراتب العليا في مسابقة من المسابقات التي تعقد هنا وهناك.
إن هذه القيمة تعلو كثيرا حينما نعلم أن صاحب العمل ليس ممن اتخذوا الأدب حرفة، ذلك لأنه هاو من الهواة، وطالما بز الهاوي المحترف وعلا كعبه عليه. بل إن الأمر لا يقف عند هذه الحدود، وإنما يتجاوزه ليخبرك أن المبدع قد من الله عليه بعبقرية متميزة مكنته من أن يحقق بهذا العمل مبتغاه الراشد الى حد بعيد، فخدش المشاعر الذي يثقل "الفن" السائد ويغزو مواده من كل جانب، ينأى هذا العمل بنفسه عنه كثيرا، نظرا لأنه يعتمد الظلال الدلالية والإيحاءات التعبيرية التي تفسح المجال أمام الذاكرة لكي تستحضر كل ما يجود به اللفظ من قوة استدعائية ، ولذلك فهو يمثل السهل الممتنع الذي يتفاوت الأدباء و المبدعون في الوصول إليه.
لقد قام أمر الكتابة بهذا الخصوص على قضية من أخطر القضايا التي غدت تتسرب الى كثير من الأسر لتمسها في وجود معيليها، أو حياة من يعقد عليه الأمل في أن ينتشلها من براثن الفقر المادي والمعنوي.
كما قام على علاقة الذات بالآخر، فاسترجع كثيرا من ملامح الماضي مقارنة بملامح الحاضر، في عرض يمدك التصوير الفني فيه بمتعة تكسبك مردودا نفسيا، وتعرض بين يديك الوقائع المعيشة، فتجعلك تحس وكأنك تراها رأي العين، ذلك لأن العبقرية الفياضة التي يتمتع بها صاحب العمل في الفن التشكيلي تجد لنفسها موقعا/مواقع في التصوير الفني الممتطي صهوة العبارات والتراكيب.
إن الفن لكي يكون بانيا ليس شرطا فيه أن يكون مجموعة مواعظ، وإنما الشرط فيه أن ينأى بنفسه عن إثارة ما ليس مثارا، وأن يزج بنفسه في المعابر التي ترمم الثلوم، وتقيم الدعائم لما صار مهددا بالسقوط والضياع من القيم، فتلك وظيفته البانية، وذاك مساره الذي ينبغي له أن يلزم عبور معالمه، وهو الأمر الذي يرسم هذا العمل بعض ملامحه بوضوح.
إن هذا القول تتفاعل فيه مجموعة عناصر، كل منها يحث خطاه من أجل الإسهام في إخراج النص السردي،أخيرا،مخرجا حسنا،وإكسابه رونقا طيبا لا يتأتى لكثير من الأقوال التي انخرطت في هذا الطريق، وشقت هذا المسار. وهو ما يجعل ملامح الفن الراقي تطل من خلال ثناياه التي نرجو لها أن تستوي على سوقها في يوم من الأيام، وتتربع على كرسي الفن الخادم للبلاد والعباد في المستقبل القريب، وما ذلك على الله بعزيز.
وفقك الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبد السلام رياح
تازة الجمعة 30/03/2007
كلمة الغلاف
(هي عاشقة والبحر شاهد) رواية ريفية كما يبدو لأول وهلة.
فضاءاتها ريفية، شخصياتها ريفية،وحتى موضوعاتها
(الهجرة والغبرة) هي موضوعات ريفية بالأساس.
غير أننا نحس ونحن نتقدم في قراءة الرواية أن الشخصيات
والموضوعات ترتفع الى مستوى إنساني فوق الجغرافيا وفوق
الأجناس والأعراق، وتغوص الى مستوى عاطفي ووجداني عميق
يلامس الألم البشري الواحد تحت مظاهر الاختلاف.
وبذلك تجمع ( هي عاشقة و البحر شاهد ) بين الخاصيتين الكبيرتين
لهذا الجنس الأدبي الفريد ; الرواية :
- خاصية المحلية، من خلال التفاصيل الشديدة الخصوصية
- وخاصية الإنسانية، من خلال العواطف العميقة والعلاقات المتشابكة
والمصائر المضطربة.
وفي ذلك كله إمتاع للقارئ من جهة، وإرهاص من جهة بمولد روائي مغربي متميز.
احمد بوزفور
الدار البيضاء
-----------------------------------------
25 درهما
photo
عمر الصديقي
من مواليد تازة سنة 1969
إطار إداري بالقطاع العام
فنان تشكيلي
1988 أول معرض تشكيلي جماعي
بدار الشباب أنوال تازة
1989 باكلوريا شعبة الآداب
1991 دبلوم الدراسات الجامعية العامة في الحقوق
1993 إجازة قي القانون العام شعبة العلوم السياسية
1996 معرض فردي بقاعة كليلة و دمنة بالرباط
1997 المشاركة في مهرجان الموسيقى
والفنون الشعبية بتازة
1999 معرض بقاعة التكوين المهني بفاس
2005 المشاركة في الأيام الثقافية الامازيغية الأولى
بالكلية المتعددة التخصصات بتازة.
2005 المشاركة في دورة تكوينية في علم المتاحف
بباريس فرنسا
- نشر مقالات ونصوص شعرية بالعربية والفرنسية
والأمازيغية بمختلف الجرائد الوطنية
لوحة الغلاف للفنان : عمر الصديقي
هي عاشقة والبحر شاهد
بقلم : عمر الصديقي
تقديم : الأستاذ احمد بوزفور
بسم الله الرحمان الرحيم
باقة شكر
ما كان لهذا العمل الإبداعي أن يصل الى القراء لولا مقترحات وملاحظات مجموعة من الأساتذة والأصدقاء الذين شجعوني على الكتابة والنشر، وأخص بالذكر :
القصاص المغربي المتميز الأستاذ احمد بوزفور
الأستاذ عبد السلام رياح ( دكتوراه في اللغة العربية)
المبدع الشاب عبد الغني علو شي
الدكتور توفيق ادركان
*****
إهداء خاص
لروحي الغائبين أمي وأبي
لزوجتي وأبنائي شكري أميمة ياسين أمين
لشهداء مجزرة قانا (لبنان2006)
لضحايا قوارب الموت
لشمس الحرية التي تبدد ظلمة السجون
لطيور الغربة في المهجر
لحليمة وأخواتها
ولكل من يسكنه عشق لغة الضاد
رسالة تقديم
الدار البيضاء 18/3/2007
آخي العزيز الأستاذ عمر الصديقي
تحية طيبة
أشكرك أولا على ثقتك الكريمة وظنك الجميل، وأشكرك ثانيا على المتعة التي أحسست بها وأنا أقرأ روايتك الجميلة.أكرر لك رأيي في صلاحيتها للسينما، وآمل أن يتاح لك تحويلها الى سيناريو أو تقديمها الى مخرج يتكلف هو بتحويلها.
أبعث إليك صحبته بكلمة قصيرة يمكن إذا راقتك أن تضعها على ظهر غلاف الرواية.
مع اعتزازي بصداقتنا الوليدة
ومع متمنياتي بالخصوبة في الكتابة و التشكيل.
احمد بوزفور
الدار البيضاء
[align=right][align=right][align=right]1- الميلاد التعس
كان الفصل شتاء، والزمن مساء في إحدى القرى الريفية الموحشة، لذا عاد يومذاك ، الرعاة على غير عادتهم مبكرا إلى المداشر القابعة في قعر الأودية عند قدم جبال الريف الشامخة... هدأ كل شئ ذي حركة أو صوت، إلا نباح الكلاب على السطوح المنحنية، معلنة نزوح الذئاب والثعالب إلى الهضبة المجاورة بحثا عن أي كائن حي شارد، لم يهتد إلى جحره أو خمه قبل سدول الظلام.
وفي بيت منزو، كان يسمع من تارة إلى أخرى، أنين امرأة مشوب بأدعية متقطعة وتراتيل مبهمة... كانت وحيدة بين الحياة و الموت، تصارع مخاضها العسير وليلها الطويل، دون مبالاة قطتها "مينوش"، التي احتلت دفئ كانون لم يكنس رماده منذ أسبوع أو أكثر.
طال الليل، وطال النزيف، فماتت المسكينة دون أن تبتسم في وجه وليدها الذي كانت تنوي تسميته" مسعود"، آملة بذلك أن تكون حياته أوفر حظ من حياتها البائسة.
حل الصباح المبلل، فسمع الخوار والصياح والثغاء في الزريبة...إنها الدواجن والبهائم تحتج على التي تأتي كل صباح، وتأخرت ذاك اليوم من غير عادتها... و"مينوش" التي اعتادت تفقد جحور الخم عند مطلع كل يوم، هي الأخرى، سجل غيابها بقلق شديد لأن حضورها رهين بقدوم سيدتها.
تصاعد الاحتجاج من غير استجابة سارة.... وبعد طول انتظار، هاهي العجوز "عيشة لبارود" أو "عائشة الحرب" (لأنها عاصرت حرب عبد الكريم الخطابي في الريف) والملقبة بالأم " عيشة"، قادمة بخطاها المتثاقلة كأنها تجر الزمن خلفها... فحصت الباب الخشبي الخشن دون أي استنتاج، فقصدت كوة تشبه النافدة، وعبر شقوقها، تراءى لها ما يشبه أنقاض زلزال، فتنامى فضولها ففكرت في الأسوء والمحتمل والمستحيل.
وبعد حيرة واستفهام وبكاء، وري الجثمان الثرى، فتصاعد النواح على مصير الرضيع، الذي شاءت الأقدار أن يلقب ب " أمنوس" * لتزامن ميلاده التعس مع وفاة والدته في وضع درامي، توارثته الأجيال عبر قرى الريف.
* أمنوس : تعني بلغة الريف هما وهموما
2- تعب كلها الحياة
عاش" أمنوس" طفولته مع الأم "عيشة" التي تبنته بمعية القطة "مينوش" حتى صار شابا... امتهن، بعدما طرد من الدراسة ، عدة أشباه مهن وحرف موسمية لم يجد منها غير معارف عقيمة، لم تفده في شيء يملئ فراغ بطنه.
وذات صيف حار، بينما "أمنوس" يشتغل في مزارع الكيف بكتامة*، أسلمت الأم " عيشة" الروح للخالق محتضنة مؤنستها الوفية "مينوش"، بعدما استعصى عليها استشفاء الشيخوخة.... كانت المرحومة حفرية حية وتحفة آدمية، أمهلها الدهر أكثر من قرن ،ربما لإتمام مهمة تنال بها أجر وثواب الآخرة.
وبحلول الخريف تساقطت لبنات بيت " الأم عيشة" لبنة بعد أخرى، وتطايرت صفائح قصديرها واحدة تلو الأخرى، فلم يبق منه غير حفنات تراب وبقايا أسمال يتحاشى العابرون النظر إليها مخافة أن ينتصب فوقها شبح الموت ، فيخطف نور عيونهم إلى الأبد....
وحده "أمنوس" ، العائد بعد طول غياب ، تجرأ على تقبيل ثنايا الطلل المتهالك حسرة على طيبوبة" ألام عيشة"، تغمدها الله بوشاح رحماته .وبذلك تيتم "أمنوس" ثانية بعدما فقد صدرا حنونا تعهده بالإخلاص والوفاء.
هكذا عصفت زوابع القدر بكل آماله، و سحبت الأيام البساط تحت قواعد أمانيه، فانبطحت عزائمه أرضا، وطارت أنفاسه هباء منثورا....عاد إلى كتامة قبل الأوان ، لإغراق بقية أيامه في أقداح الخمرة الإسبانية، وينصب نفسه ملكا على أحزانه في مزارع الكيف النائية على الأنظار...
استمرت الحياة على إيقاع الإحباط و الضجر، وتوالت مواسم الحصاد حتى حظي بثقة مشغله صاحب المزرعة ، وفاز بقلب ابنته حليمة الحسناء... التي كانت تأتيه كل ظهيرة بالزاد في سلة قصبية مغطاة بمنديل أحمر، وببضع سجائر ملفوفة داخل صدريتها المزخرفة...لأنه تعود على صناعة" صواريخه السحرية" التي تحمله بعيدا عن محن المزارع، وتحول دون مراجعة ماضيه المشؤوم... ومع ذلك لاشيء يقوى على الإطاحة بعرش أحزانه ، سوى استظلاله بقد حليمة الجميل ، وهي ترقص كوشاح في مهب الريح، بينما دخان لفافته يتصاعد بكثافة محجبا عليه شفتين لامعتين وصدرا مكتنزا، فيضطر من حين لآخر إلى تبديد كتل الدخان بيده ليحاور بشفافية مفاتن ثائرة، تكاد تنطق شغفا وشوقا.
وعند شمس كل أصيل، كانت تتطاول ظلالهما المتعانقة،فيعودان من المزرعة الذهبية وفي رصيدهما أحلام ووعود وقبل مغتصبة...وهكذا تطورت أواصر الحب والثقة ،حتى صار "أمنوس" يدير شؤون المزرعة ،ويدبر أوراش سبائك الذهب الأخضر ، وتسويقها وتنويع أساليب شحنها برا وبحرا وجوا في اتجاه امستردام، دوسلدورف، وبروكسيل وغيرها من عواصم الغبار الأسود والأبيض النفيسين.
* كتامة : بلدة في شمال المغرب) إقليم الحسيمة)
3- " حدو طنجة "!
لسنين قليلة راكم "أمنوس" ثروة طائلة، وتجربة مهمة في تجاوز الحواجز، وتضليل المراقبة الرسمية وغير الرسمية، فعاش وخليلته مغامرات سعيدة ....قاما برحلات سياحية متوالية، قادتهما إلى اسطمبول وبرلين ومدريد وأثينا وروما بإسراف جنوني شبه متعمد ، وكأنهما يتوقعان نهاية درامية أو تقهقرا جديدا إلى الحضيض... !. فعلا ، لقد أمهلته سخرية الأقدار مدة ادخار غلة حصادين متتاليين، قبل أن تناديه النهاية المحتومة في ميناء طنجة، وهو يجر خلفه حمولة "الحشيش" المخزونة بإحكام في براميل زيت الزيتون الموجهة للتصدير...
فما لعمل؟.. البحر أمامه والجمارك خلفه، اصطكت أسنانه، وانصب عرقه رغم برودة البوغاز...نزل من الشاحنة مستحضرا جميع قواه ليلتحق برجال المراقبة الذين يتفحصون مؤخرة الحمولة في صمت ، مادام الحال لا يستدعي إبداء ملاحظة أو إصدار تعليق، فبادره رئيسهم بيقين يضاهي اليقين المطلق :
- أرى البراميل السفلى غير متجانسة مع البراميل العليا نوعا وجودة ... على كل حال انتظرناك منذ أمس، فأين تأخرت..؟ ! لعل المانع خيرا ..؟ !
فهم" أمنوس" بحدسه الحاد، أنه لم يضبط في نقطة المراقبة، بل عند نقطة الانطلاق حيث ترصدته العيون غير الرسمية، فلم يبد أي نية للدفاع أو الهجوم، بل اكتفى بإلقاء نظرة أخيرة على البراميل الملعونة، وهو محفوف بمختلف الهيئات المدججة بالسلاح .
وفي مساء اليوم نفسه، كان الملف جاهزا، من غير مطاردة أو تحقيق أو استنطاق، وبعد مداولة منتصف الليل، حكمت المحكمة حضوريا على المدعو مسعود أمنوس بعشرين سنة سجنا نافدة وغرامة مالية تقدر ب ....
حينذاك انهارت قواه، وانخفض تنفسه، واستدار في قفصه دون الاستماع لبقية الحكم ولا لمبلغ الغرامة، فهو يعلم أنه لم يترك خارج السجن أما أو أبا أو أخا يتولى الأداء لتحريره.
فباستثناء الشرطيين اللذين لازماه، والملف الذي فتح له، لم يرافقه أحد إلى مثواه قبل الأخير.... فاستبدلت ثيابه ببذلة " الحمار الوحشي"، واسمه برقم ترتيبي يختزل هويته، بعد أن سحب منه تعريفه، وعطلت وظائفه كمعروضة قديمة في متحف أثري... فتح باب وأغلق باب ثم فتحت أبواب وأغلقت أخرى، حتى وصل إلى جوف دهليز وهو يتأبط لحافا هزيلا ووسادة تحمل الحروف الأولى لسجناء سابقين، ورموز شعاراتهم وأسماء عشيقا تهم... فدخل غرفة شبه عمياء لا تتسع لحركة حرة دون اصطدام.
وبعد وهلة وجيزة ،تبينت له أسرة حديدية متراكبة ووسائد وبطانيات متنوعة الألوان شكلت، في فضاء الزنزانة الضيق، مشهدا تشكيليا شبيه بتكعيبات الفنان "بيكاسو"...!
نال منه الإرهاق حدا لا يطاق، فتحسس بيده هامش السرير وجلس ليتفحص واقعا سرياليا يضم أشياء غريبة غير متجانسة ، أرغمتها ظروف المكان على التجاوب و التعايش....فاستأنس هو الآخر بالمكان، و استأنس المكان به. وشيئا فشيئا، شرع النزلاء يقتربون من السجين الجديد...مسحوا دموعه وقاسموه خبزه وشاطروه أحزانه ، واستفسروه عن سبب اعتقاله، والحكم الصادر في حقه، وعن ماضيه وعن حاضره، حتى صار مثلهم بل واحدا منهم تماما ... !
4- زيارة خاصة
مرت شهوره الأولى بالسجن كأنها أعوام مظلمة ، وذات صباح فوجئ بالحارس" دراكولة" يبتسم له عن غير عادته ويخبره بزيارة خاصة... اقترب من الشباك الضيق الخانات، ولاح له وجه حليمة كالبدر في حسنه وكماله، فشعر بها قريبة منه وبعيدة عنه في آن واحد...لم يتمالك، أجهش بالبكاء أسفا عن وعودهما وأحلامهما المشتركة ...فاحمرت عيناها وسال كحلهما على خدين كمزرعتي النعمان.... انتهت الزيارة بعدما تبادلا عبارات الود ، وتراشقا بالقبل عبر الشباك، وتعاهدا على الوفاء حتى الموت .
رجع إلى زنزانته كالمنتشل من حلم عظيم، وفي الممر الرئيسي ابتسم له أكثر من سجين، بل حتى الحراس، وكأنه كان في حضرة الملكة" نفرتيتي" بل لم يتردد بعضهم الأكثر فضولا في استفساره بشغف:
- لاشك أنك كنت سعيدا خارج الأسوار؟!
- يبدو أنها لطيفة معك ؟
- هل ستعيد الزيارة ؟
- كيف..؟..لماذا..؟..هل...؟.
تناسلت الأسئلة بينما كان يفكر في جواب واحد يختزل فيه الرد على وابل علامات الاستفهام والتعجب التي تقاطرت عليه كالسهام :
- كفى...كفى إنها زوجتي أظن أن أسئلتكم انتهت...دعوني الآن بسلام.
دفن وجهه في وسادته، واستحضر صورها في أوضاع مختلفة :
حليمة تبتسم عند قدم برج » إيفيل » في باريس...
ترقص في المزرعة...
تحزم رزمات الكيف الأخضر...
تغربل" الحشيش" وهي تبتسم...
تقيس مجوهرات نفيسة في روما...
تتأمل سرب الإوز يسبح في بركة بأثينا...
.......
رفع رأسه فعلق قائلا:
" دنيا يا دنيا... لن يسمح قلبي للبراميل مهما يطول العمر"..!
تنهد طويلا متأملا يومية موشومة الأرقام ، إنها أواخر أبريل، لا شك أن تلل "كتامة" قد أزهرت من جديد !
5- نداء عاشق
مرت أسابيع وشهور، وانقطعت أخبار حليمة، ولم يعد للمتيم بحبها أمل في رؤيتها ولو في الأحلام ...ساعته اليدوية معطلة، ومؤشره الوحيد على استمرار الحياة في الخارج، هو شعاع الشمس الباهت الذي يحبو إلى ساحة السجن، عبر القضبان الحديدية، ليعلن للظلام أن الأرض لم تتوقف بعد.. !
لكن صمت حليمة أصبح مقلقا، لذا قرر مكاتبتها على عنوانها القديم.
" مسعود أمنوس
رقم الاعتقال 58698/..158
الجناح ب
السجن المدني ب....
صديقتي حليمة
أناديك باسم الصداقة، متمنيا أن تصلك رسالتي.اعلمي أختي انك أملي الوحيد... فاطمئني، لن أحدثك عن الحب أو الزواج، فلا امرأة في الوجود تستطيع أن ترتبط بسجين مثلي، رغم أن الزواج وحي وليس بقرار، وقدر وليس بحكم...ولا اعرف لماذا سيج بشرائع الأرض في إطار عقود والتزامات واقتسام للممتلكات...وليكن فأنا احبك كالشمس التي تنسل إلى زنزانتي، وسأحتفظ بك كالرصاصة الوحيدة في البندقية...فأنا أحبك..أحبك..أحبك وسأعيدها باستمرار، كخدش على خد اسطوانة...فأنت مخاطبتي الوحيدة بعدما أطلق سراح جل زملائي الذين استأنست بهم ، واستبدلوا بآخرين يتأملونني من بعيد، كأنني دينصور أو مجنون.. !
فأرجوك لا تدفنيني حيا، ولا تنسجي كفني قبل الأوان..فتذكريني إذا ما حان موسم الحصاد في كتامة، وتذكري حصص الرقص والهمس عند الأصيل على الربى الذهبية، وتذكري ال... فأنا استحضر دوما أشرطة الماضي الملونة على شاشة وحدتي السوداء...
فيا حليمتي إن كان لكل واحد طائر ينقر ذاكرته، فأنت عصفوري الجميل . وإن نقشت اسمك على وسادتي فلأني لم أجد لسواد عينيك بديل...سأنتعل تراب خطاك واصلي حبك جهرا عساني أشفى من نوبات جنوني وليلي الطويل ...قد تجدي في كلامي هذا بعض الهذيان لكن قلبك الرحب يتسع لحماقاتي ....فاعذريني وزريني كل سنة ولو مرة .. !
لن أطيل عليك فربما لديك ما يغنيك عن هلوستي ...وإن بقي في فؤادك شيء من الدفء، راسليني على العنوان أعلاه.
تحياتي لك ولكل من يسأل عني.
مسعود امنوس دوما دوما دوما دوما دوما دوما.... !
6- شراع من كفن
لم تعد لحليمة صلة بكتامة، ولا برائحة الأخضر واليابس من نبتتها الملعونة..... رحلت إلى طنجة، حيث ابتلعتها الحانات والعلب الليلية، واستسلمت لغزوات الرجال حتى أخذ منها الزمن مأخذه، فاستنجدت بالمساحيق والعقاقير والطلاسم ووصفات العشابين للحفاظ على رونقها ورشاقتها المعهودة ، والاحتفاظ بزبنائها الكرام الذين طردتهم برودة الشيخوخة من الرصيف، فاصبحوا كالكلاب ينبحون ولا يعضون، أو اختاروا اللحم الطري عند أبواب الثانويات والمعاهد والمعامل، بعدما تحسنت وتطورت أساليب ممارسة هذه المهنة القديمة لدى الجيل الجديد من الهواة.. !
وبالرغم من أنها لازالت تحتفظ بشيء من الجاذبية الكافية لاستفزاز الباعة المتجولين، واستمالة المدمنين على اللحم البشري ،إلا أنها فضلت الانسحاب "بشرف" مادامت الحصيلة القذرة لا تكفي لأداء حصة كراء غرفتها.... فغيرت صديقاتها ودروبها ورقم هاتفها وعاداتها، فلم تعد تصفف شعرها وتقلم أظافرها وتقيس تنوراتها القصيرة كل مساء استعدادا لليالي الملتهبة...أدارت ظهرها للماضي وأصبحت تفكر بجدية في المستقبل وراء البحر خارج الوطن...
حدثوها عن الضفة الأخرى، فباتت تقارن عزمها مع أمواج البحر المتوسط الموحش، كأنها تختبر طموحاتها الفتية أمام صلابة واقع الهجرة السرية..
وفي ليلة مقمرة، وصفتها الأرصاد الجوية الوطنية بالهادئة، كانت حليمة على ظهر القارب الخشبي الذي يشبه النعش، ولسان حالها يقول :
" تبا للبحرية الإسبانية ولشرطتها... يحسدوننا على التعب والموت...ألا تكفيهم متاعبنا.؟.."
جلست على مقعد مبلل لا يتسع لأكثر من شخص ، بعدما أدت الواجب نقدا وعينا.... وبعد منتصف الليل تفحص قائد" الحراكة" ضحاياه وعد حصيلته ثم عدهم وفحصهم بعينين منتفختين فصاح فيهم مهددا :
"شوف العايل إلا تكلم شي واحيد ... نزلع يماكم فلبحار مكنعرفكم مكتعرفوني" .
قد تثير هذه العبارة الضحك.. ولكن ليس في من يغامر بحياته، ويتوقع الموت غرقا في كل لحظة ...تمايل القارب لثوان معدودة، واندفع تحت جناح الظلام إلى كبد البحر المتوسط الكئيب ...سمعت همهمات وأدعية وتراتيل خفية، وعقبها لم يسمع إلا تلاطم الموجات بمقدمة القارب-النعش... !
توهجت أضواء القرى في الضفة الأخرى...أخرس القائد المحرك ومسح الأفق المضبب بمنظاره واقفا ...ثم عاد وجلس ينتظر زوال الضباب على موقعه المقصود...وقبيل إعادة تشغيل المحرك للمرة الأخيرة توجه لعيون "الحراكة" البراقة بتعليمات تجمع بين النصح والوعيد :
" نحن على بعد كيلومترين بحرا فقط، فلا تستعجلوا النزول قبل إشارتي ...ولحظة وصولكم للبر، تفرقوا في اتجاهات مختلفة، ولا تقصدوا نقط الضوء، وإن ضبطتم بعد طلوع الشمس فإياكم أن تصرحوا بوقت الوصول وتفاصيل الرحلة...فذلك ليس في صالحكم... !"
دار المحرك دورة الإقلاع للمرة الأخيرة ....لكن لأسفهم، انتبهت الدورية الليلية للقارب الذي زحف متهاديا، كفأر ثمل يقصد وليمة القطط الشرسة..... اقتربت حليمة ومن معها من نقطة على دائرة، اصطفت على قطرها عناصر البحرية الإسبانية المدججة بالبنادق والمسدسات، في انتظار القارب المغفل بل قارب "المغفلين "..!
استسلم " الحراكة " كقطيع غنم تائه، وأخذت لهم الصور والبصمات في صمت، قبل القذف بهم في اتجاه الضفة الأخرى وتسليمهم لسرية الدرك بطنجة.
7-وعادت حليمة الى عادتها.. !
دخلت حليمة إلى غرفتها، بعدما رفضتها الموت وطردتها الحياة...فاستقبلتها جارتها ببسمة لها أكثر من معنى، دون أن تعرف سبب غيابها الليلة الماضية، ثم ناولتها رسالة تحمل خاتم السجن، تناقلتها الأيدي فتآكلت حواشيها المصفرة... فتحت الرسالة مستعينة بظفر طويل، اضمحل طلاؤه فصار يشبه سكة محراث ...
قرأت الرسالة دون شوق وشفتاها مطبقتان ثم علقت قائلة:
"الرجال يبدعون كلاما جميلا حين يشتهون دفء النساء...ماذا يريد مني وجه النحس، بعدما شتت ثروتي وشتت آمالي...وكل ما ينقصني الآن الحب...لعنة الله على الحب ...لعنة الله على الحب وما يليه ."
دفنت وجهها في راحتي يديها، متأسفة على المليون فرنك الذي تبخر من غير جدوى...ثم قامت واستخرجت من تبانها بطاقة الهوية وبعض أوراق الأورو الدافئة....
الرسالة أمامها كضيف غير مرغوب فيه، أخذتها وقرأتها مجددا مع احترام علامات الوقف وكأنها تريد أن تفهم أكثر.....رفعت عينيها المثقلتين بنوم مؤجل، لتبحث عن مكان تقبر فيه الرسالة من غير إتلافها، كمن يريد التخلص من جثة وجدت بغتة بين يديه، ثم أخذت القلم فكتبت لأمنوس تلاطفه حينا وتغازله أخرى...اختارت كل عبارات الغزل التي يحب الرجل أن يسمعها من المرأة، مخافة أن يجر عليها نقمة السجن، أليست طرفا كاملا في قضية البراميل؟... ألا تستحق أن تنال حظها من ظلمة تلك الزنزانة مثله؟ ...
فهي لم تزره أصلا لسواد عينيه، بل لتطمئن أن شريكها في السجن، وأن صفقة البراميل لم تثمر، وإلا طالبت بحقها في ثمن" العشبة " والزيت معا....أليس معها حق ؟
عادت حليمة لعادتها القديمة لتراقص الشباب العائد من المهجر على إيقاع الليالي الحمراء والخمرة المستوردة ... إنه شباب بين ثقافتين، فلا هو من هذه ولا من تلك .. يكدح طول السنة ليعود في الصيف شوقا إلى كسكس "الحاجة"، والبطيخ و" بنات البلاد"...فلكل واحد حكاياته ومغامراته التي لا تخلو من بعض الإضافات مع الشقراوات والغربة هنالك …
وحليمة، رغم شحمها الزائد، فهي تبدو- لهم- تحت مفعول خليط المسكرات كمراهقة في العشرين، فيتسابقون على اختطافها في السيارات الفاخرة ومساومتها تارة بالزواج الأبيض وتارة أخرى بأوراق الإقامة المزورة... كأن وجهها كتب له أن يكون للحرام وللممنوع فقط....وحين تحدثهم متنهدة عن ذكرياتها في باريس وبرلين، يتغامزون ويتهامسون بينهم:
"المسكينة تبالغ في علف أقراص" القرقوبي" فهي على حافة الجنون ... !"
فلا أحد يصدق أنها فعلا زارت أهم عواصم أوربا...
توالت الأيام، وفي كل ليلة رقص وخمر وعرق وأشياء أخرى حتى الصباح، وهكذا دواليك... فتعود إلى غرفتها منهوكة مشلولة الأطراف في انتظار ليلة أخرى ... حتى ادخرت ما يكفيها لمواجهة برودة الشتاء وإفلاس تجارة الرقيق الأبيض وتراجع استهلاكه، لذلك كانت تتوجه كلما شحت جيوب زبنائها إلى الاشتغال في معامل النسيج والتعليب، مما يسمح لها بالخروج يوميا أمام أنظار الجيران لممارسة أنشطتها الرسمية تحت غطاء العمل الموسمي، ويعطيها فرصة التعارف على سماسرة عقود العمل المزيفة والسليمة في الدول العربية والغربية ...عقود تباع مقابل أثمنة لا يمكن لحليمة تسديدها، إلا إذا باعت المزرعة التي ورثتها عن أبيها، فلم يبق لها في" كتامة" غير قبر أبويها وذكريات الطفولة.
8- دعاء الغفران
غالبا ما يستغل الحراس فرصة انكباب السجناء على صحون العدس لتوزيع الرسائل على المرسل إليهم دون عناء التنقل إلى الزنازن... ويعتبر سعيدا من يتوصل برسالة لا ينتظرها، والأسعد منهم من تصله رسالة ينتظرها من حبيب أو حميم، كما هو حال أمنوس ذلك اليوم... فرسالة حليمة كانت بمثابة ميلاد طفل بعد عقم طويل ... انسحب من القاعة للتخلص من ضجيج الملاعق وهي تقرع الصحون، بعدما تنازل عن وجبته لزميله. يبدو أن الرسالة أنسته شهية معدته... فتح الرسالة وقرأ :
" حبيبي وحبيب قلبي!
رسالتك الجميلة وصلتني، غمرتني بالسعادة والشوق إليك يا عمري، أنت حبي وأملي الوحيد ...وكل ما يؤخر زياراتي لك هو مرض خالتي التي اقطن معها لمساعدتها على تجاوز ظروفها العصيبة...فأنا لن أنساك أبدا وقلبي لا يتسع لأكثر من حبك ...فأنا لك مهما طال الزمن، وسأنتظرك لأهديك نور عيوني ودم شراييني... سأنتظرك، فأنت تختصر كل رجال الدنيا ولا تختصر.
احترق الليل في جفوني، فلم أعرف طعم النوم منذ اعتقالك،فلا شيء يملأ علي فراغك، سوى كلماتك الحلوة ورسائلك الجميلة، فلا تبخل علي بمشاعرك، واعذرني إن كنت لا أستطيع أن أعبر لك عن حبي كتابة مثل ما تفعل ...أتمنى أن يطلق سراحك عاجلا لنجتمع تحت سقف واحد، ونعيش بقلب واحد من أجل سعادة واحدة....
حليمتك إلى الأبد
قبل الرسالة ووضعها تحت وسادته ثم تنهد... فبدت له أيام القرح أطول من سنين الفرح....
تبا لك أيتها الحياة ، بل تبا لك يا حياتي... !
فلماذا كانت السعادة من حظ الآخرين، والشقاء كله كان من نصيبي وحدي... فلماذا يطاردني النحس في كل شئ... !؟
لماذا لم تحتفظ بي أمي في أحشائها لتحملني معها إلى ظلمات الأرض..؟
فأنا مستاء من هذا الجحيم يا رب... !
اللهم لا تنساني كما نسيتك..
اللهم إني أعود بك من شر نفسي وغيري...
اللهم اجعل لي من لدنك مخرجا وخلاصا....
اللهم أني أسألك أن تجعل من كل قضاء لي خيرا....
يارب أني اخجل منك، وأنا أتوجه إليك اليوم بصادق دعائي ،لأني تجاهلتك طول حياتي ولم أنتبه لعظيم جلالك، إلا بعد أن ضاقت بي الدنيا... !
يا رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري إني إليك تائب.
إني أتوب توبة السارق الذي لم يختلس غير لحظات سعادة زائلة…
وتوبة القاتل الذي لم يقتل سوى نعومة أحلام زائفة.. !
أنت ولي أمري ، عليك توكلت، فحسبي الله ونعم الوكيل.
9- خبر حليمة وأخواتها
لم يدم اعتصام حليمة طويلا أمام الباب الحديدي الكبير بالحي الصناعي ، حتى سافرت إلى " كتامة"، فباعت مزرعة أبيها والبيت العتيق الشاهد على ميلادها ووفاة والديها.... عادت والحزن يثقل خطاها، شعرت وكأنها خانت أباها واصلها ونسبها ...فهي الآن، مبتورة الهوية بعدما قطعت الحبل السري الذي يربطها بالأرض...هي لقيطة مجهولة بعدما باعت رفات أجدادها ودفنت ماضيهم و حاضرهم و مستقبلهم...فهي لا تعرف أن أباها هاجر شرقا إلى الجزائر للكدح في مزارع المستعمر، وشمالا إلى كورسيكا من اجل تلك المزرعة.... وانه لم يخطر بباله أن يتنازل عن شبر واحد من أرضها، رغم سنوات القحط والجفاف والمجاعة....
قضت شهورا وهي تجوب شوارع المدينة بحثا عن عمل شريف يقيها تقلبات الزمن ، وكان كلما استقبلها رئيس معمل أو رب مصنع ،إلا وقرأت في عينيه حركة وبريق و تلميح يشبه التصريح المباشر...لأنهم يضعونها تحت مجهر النزوة، فتتراءى لهم عبر ضعفها أنوثتها المهزومة القريبة من الاستسلام، كطريدة جريحة أخذ منها العياء والإرهاق كل قواها، فوجدت نفسها وجها لوجه أمام أنياب وحش كاسر، يجفف مخالبه من دماء ضحاياه في انتظار فريسة طرية.
خرجت حليمة من المكتب مبتسمة، متصنعة الموافقة على بنود العمل، بما في ذلك شرط إزاحة الستار عن كرامتها، وإهداء شرفها للسيد المدير الذي يجوب حديقة حريمه ليقطف أحلى وردة و أزهى زهرة ، حين يريد ، وكيف يريد ،وأين يريد.... كان ذلك بندا أساسيا من بنود عقد العمل الذي تنتهي صلاحيته بذبول الزهرة وزوال الحلاوة...
وكل مرة يحظى السيد المدير بباقة ملونة تشمل ياسمين ونرجس وكاميليا….انه فنان يعشق الألوان.
ذبلت حليمة في عيني صاحبها ، فشرع كالمعتاد يبحث عن الفرصة المناسبة لتسريحها و التخلص من وجهها الذي كان يقبله مرددا أحلى عبارات الإعجاب… يريد الاستغناء عن أناملها التي صنعت نجاح مشاريعه….
فهمت حليمة أنها ليست الأولى ولا الأخيرة ، وان الكلام المعسول الذي سمعته كان مجرد أقراص منومة، تناولتها قبلها أخريات حسناوات ، لكنهن شقيات بنعمة الحسن و الجمال...بل بنقمة الجمال.
فما ذنب حليمة إن كانت جميلة و فاتنة.. !؟
و لماذا لم يكن حظها أسعد وأجمل من خصرها الذي جر عليها نقمة المعاكسة والغزوات الجنسية في المعمل و الشارع والأسواق بل حتى مشارف نافذة غرفتها...
سئمت الحياة وعيون المارة وهمسات الجيران ،واقتنعت أكثر من أي وقت مضى بالهجرة بعيدا، مهما يكلفها الأمر...
أخرجت أمعاء رصيدها البنكي، وباعت مجوهراتها النفيسة لشراء عقد عمل موسمي بإسبانيا ، طالما حلمت به رغم البرودة و العنصرية والغربة والأعمال الشاقة هناك.
10- حقائب تجهش بالبكاء
أخذت حليمة ذيل الطابور الطويل أمام القنصلية الإسبانية التي اقتحمتها جحافل الشقاء المتعطشة للجحيم الآخر...أجساد منهوكة تتطلع إلى الشبابيك هناك، حيث يقف شخص ببذلته الرسمية وهو ينهر و يزمجر ويصخب و يصرخ ساخطا ، كأنه يوزع صكوك الغفران لولوج الفردوس... !
وفي المساء أخذت جواز سفرها وهي تبتسم وتبكي في آن واحد، فلم يعرف المصطفون أمام الشباك إن كانت دموع الفرح أم الحزن....لقد حظي طلبها بالموافقة، وعليها الالتحاق بمستخدمها في ظرف أسبوع على الأكثر، لأن الطماطم لا تتحمل الانتظار، لقد أينعت بما فيه الكفاية، وكل تأخر قد يجر الإفلاس على رب المزرعة ، الذي ينتظر وجوه الشقاء في الضفة الأخرى.
وفي اليوم الموالي أعدت حقائبها وهي تجهش بالبكاء، فلا أب يدعو لها بالتوفيق، ولا أم تعد لها كعكا أو رغيفا أو "زميطة" ، ولا حبيبا يجفف دموعها مقبلا أناملها... فوحده" أمنوس"، الذي قاسمها بعض جنونها وأحلامها، هو في السجن يتأمل صور الأمس ... مستمنيا ذاكرته، عسى الصبح يصحصح في نافذته، وعسى الحرية تبتسم لظلمة زنزانته متحدية خطوات الزمن الثقيلة....
توقفت الحافلة المتوجهة إلى" الميريا "عند حاجز الجمارك الإسبانية، وبعد المراقبة الروتينية للأمتعة المشبوهة، واصلت المسير ملتهمة المسافات كقطعة زبدة على صفيحة ملتهبة... الطريق السيار يشق المروج الخضراء المسيجة بانتظام كأنها لوحة فنية بألوان راقصة... الرياح تداعب الخمائل المتجانسة الشكل ، والأبعاد تنزلق إلى الخلف بسرعة الشلال الجارف الذي ينقطع سيله، حين تلتهم الجبال الشماء الحافلة عبر الأنفاق الهادئة...وبعد ظلمة قصيرة ترتمي الحافلة من جديد بين أحضان المزارع الفيحاء المزينة بأسراب الأبقار المكتنزة، كأنها وصلات إشهارية أو بطاقات بريدية لضيعات هولندية....
ساد العياء والسكون فضاء الحافلة...المحرك يزأر متحديا المنعرجات... المسافرون يسبحون بخيالهم بين عالمين، الأول أمامهم مليء بالأحلام والتخوفات والأوهام، والثاني خلفهم حافل بالدموع والأحزان والانتظارات...الأب يتأمل بسمة عصفورته الوحيدة ، والشاب يتحسس صورة الأم الحنون، وحليمة تتفقد حقيبة أوراقها فهي آمالها وهويتها وسر طموحاتها، متسائلة في قرار نفسها عن مصيرها عند نقطة الوصول .
- أين ستستقر.......؟.
- ومن يستقبلها، فهي لا تعرف أحد هنالك......؟ !
- ومن يمسح دموعها حين تنهزم أمام العزلة و الغربة....؟
- ومن يشاطرها كسكس" الجمعة"، وشاي المساء وقهوة الصباح ؟ ووحدة عطلة نهاية الأسبوع ؟
- ومن يزورها في فراش المرض؟
- ومن يعصر الليمون على جبينها المحموم؟
- ولمن تحكي قصص الرجال الذين يراودونها؟
- ومن يزخرف الحناء على ظهر يمناها؟
- ومن يترجم لها همهمات جارتها العنصرية؟!......
- ...؟؟
فرملت الحافلة قليلا فاستيقظت حليمة من أحلام اليقظة طالبة السلامة بصيغة الجماعة مع باقي المهاجرين .
وبعد يوم كامل وصلت حافلة التعساء ليلا إلى" الميريا" ......المدينة غاصة بالحافلات الجاثمة كأسراب اللقالق المنهوكة ...إنه منتصف الليل بالتوقيت الإسباني....وبعد التوقف النهائي، هرول المسافرون في اتجاه مخارج المحطة، كعقد عقيق هوى من أعلى، فانتشرت حباته في وجهات متباينة، وبقيت حليمة حيث وضعت رجليها أول مرة ...
مكبرات الصوت تبث رسائل صوتية بالإسبانية...اليافطات المزركشة مكتوبة بالإسبانية، وألواح الإرشادات مصلوبة على الواجهات المضيئة، المسافرون الأجانب يجرون حقائبهم مسرعين في اتجاهات مختلفة، كأن فيضانا سيأتي على المحطة ...وفجأة اقترب منها شابان سحنتهما عربية متوسطية وهيئتهما أوربية، بادرها أحدهما :
- لا شك أنك وحيدة... أتريدين مساعدة ؟
تنفست الصعداء وابتسمت لهما رغم أنها لا تعرفهما، لقد أحست كأنها في محطة "أولاد زيان" بالبيضاء أو" القامرة" بالرباط أو" بوجلود" بفاس.... الوضع يكاد يتشابه غير أن باعة السجائر بالتقسيط وماسحي الأحذية وبائع النقانق و"المعقودة" لا وجود لهم هناك ...ثم ردت بلطف غير معتاد :
+ "شكرا أولاد لبلاد لهلا يخطيكم " .. !إني في انتظار أحد أقاربي ويبدو أنه تأخر كثيرا......"
قاطعها الآخر :
- كيف تركت المغرب ؟
+ الحمد لله ! الفول و"البقولة" اكتسحت الحقول....وكرة القدم والمونديال نشطت العقول.... !
يقاطعها ضاحكا:
- لا..لا أقصد ...بل أريد أن اعرف هل تغيرت الأوضاع هناك؟ الحكومة ؟ البرلمان؟ مستوى المعيشة...؟
- أين وصلت حقوق الطبقة العاملة هناك...؟
- هل انخفضت البطالة ؟وهل ارتفعت "الزرواطة" في الجامعات؟ وهل.....
+ عفوا... ماذا تفعلان هنا ؟
- في المحطة؟
+ لا، في إسبانيا طبعا؟!.. (مبتسمة)
- أنا اسمي الحقيقي" عمر" ولكن الكل يناديني" روماريو" حصلت على الإجازة في الحقوق من جامعة فاس ...سئمت البطالة فجئت هنا للعمل .أما صديقي ميمون فهو من "تازة " رغم أقدميته في إسبانيا لم يجد بعد " شي سبنيولية شارفة" ...تضمن له الإقامة الدائمة هنا ... !!!
ضحكا... ثم ضحكت لضحكهما ...
الساعة الإليكترونية في قلب المحطة تشير إلى الواحدة صباحا... شدة البرودة والمخاوف أرغمتها على مرافقة الشابين إلى غرفتهما ... قاسمتهما عشاء البطاطس المسلوقة، وصلصة الطماطم الباردة، وحديث عابر في انتظار لحظة النوم... انفرد الشابان جانبا فتهامسا في أمرها، وحليمة فهمت البقية من غير أن تسمع شيئا...
- ميمون :...لكن "أخاف أن تقول أنها نامت بين أحضان رجلين باردين ولم يستطيعا أن يأكلا لحمها الطري... ولم يطفئا حرارة جسدها الملتهب...فأنا لا أحب إهانة من هذا النوع، خاصة من هذا النوع.. !"
يقاطعه"روماريو" معارضا.
* "أرجوك ... لا أحب أن تقول كذلك أن شابين استغلا ظروفها القاسية فاغتصباها بالقوة…. "حشومة "! وأنت تعرف البقية ! فأنا لا أحب فضيحة من هذا النوع ،وخاصة من هذا النوع ... لندعها بسلام، فنحن لا نعرف نيتها ...فالمروءة وأدب الضيافة يقتضيان ترجيح كفة النية الحسنة ....! أليس كذلك ؟..."
- ميمون : "حسنا ! سأترك لها سريري ...وننام في سريرك على شاكلة 69(رأسك عند رجلي ورأسي عند رجليك) المألوفة في الحياة الطلابية ألا تتذكر ذلك يا رفيق.....؟ "
* "بلى...إنها أجمل تجربة في حياتي... كيف أنسى الحي الجامعي... !
فتحية للحياة الطلابية ،ولصحون "البصارة" في الهواء الطلق،و"لعيون قطتي في ليلة لا تنتهي"...ونعم للاختلاف ولا للخلاف داخل الحرم الجامعي...
ضحكا مطولا ثم عادا إليها يبتسمان لطمأنتها بخصوص نتيجة المداولة. ...فانفردت بسرير في زاوية الغرفة، بينما أخذا سريرا مشتركا في الزاوية الأخرى، وكل ما يفصل السريرين هو شبران أو ثلاثة، وحاجز سميك من الاحترام والعفة ... تجاوزه أصعب من تجاوز حدود دولتين متناحرتين.
سرها كرمهما وتفهمهما لوضعيتها، فنامت نوم المرأة التي تقاسم الخلوة مع رجلين غريبين وفي ظرف غريب ... هذا الوضع لا يطمئن المرأة حتى وإن لم يكن لديها ما تضيع !!!!! فالمسألة مسألة ثقة واحترام ...
11- سلطة الجنس الآخر
استيقظوا صباحا على وقع خطى العمال المتوجهين جماعات وفرادى إلى الضيعات الفلاحية في الضواحي، وهم يتبادلون التحايا الصباحية بصوت مرتفع بالدارجة المغربية تارة، وتارة أخرى بإسبانية مهترئة و عرجاء...
قامت حليمة فلبست سروال "دجين" وجاكيط جلدي، فبدت أجمل من الأمس، حين كانت ملفوفة في جلبابها المغربي... تأملها الشابان وهما يرشفان قهوة سوداء دافئة ولسان حالهما يقول :
"إنها جميلة حقا ...حرام أن يلوث عرق المزارع عطرها، وتفسد رطوبة الصباح وحرارة البيوت البلاستيكية بشرتها الساحرة ...فتبا لحظها وحظنا التعس "...!
احتست قهوتها واقفة، وطلبت من مضيفيها مرافقتها إلى ضيعة السيد "خوصي شانشيرو" ،الذي سيستخدمها لمدة ثلاثة أشهر، حسب العقد بين يديها، وأضافت :
" ...في الحقيقة سألتحق بمقر العمل لأول وآخر مرة، فأنا لا أستطيع العمل في المزارع... وكل ما يهمني من هذا العقد، هو الدخول إلى إسبانيا بصفة مشروعة. سأبحث عن عمل في مطعم أو فندق أو أي عمل آخر يناسبني كامرأة، حتى وإن اضطررت للعمل في البيوت كخادمة وهذا حظي في الحياة..."
وافق "روماريو" على مرافقتها لأن طلبات الحسناوات لا ترد، خاصة حين يكون المخاطب شابا يافعا، ضجر من مطاردات الشقراوات آلائي غالبا ما لا تسلم معاشرتهن....
وصلت حليمة للمدخل الرئيسي للضيعة، فوجدت حارسا في انتظرها وعيناه تتحركان كطائرين أخضرين، صاحبها إلى مكتب السيد "خوصي شانشرو"، الذي يلقبه العمال ب" الغوردو"...كان رجلا في عقده الخامس أحمر الوجه واسع الكتفين، بطنه منتفخ يحجب الجزء الأعلى من فخديه...يداه السمينتان تقلبان أوراقا وهو يتفحص ملفات على المكتب....
رفع عينيه الزرقاوين وراء نظاراته كسمكة في حوض زجاجي، ثم ابتسم في وجه حليمة مشيرا لها بالجلوس بلباقة اوروبية، واصطنع اللامبالاة وعدم الاهتمام لثوان معدودة، وعاد اليها متسائلا
+ لاشك انك.. .اليمة....مرويكوس.. !
- نعم حليمة من المغرب...
+ مرحبا بك في "الميريا" فأنت ضيفتنا اليوم...الأمر يستحق الاحتفال...فضحك حتى بدت لثته في حلقه كحبة مشمش ناضجة.
-" موتشاس كراسياس...شكرا سيدي هذا لطف منك.. !"
استوى" الغوردو" فى مقعده وأمامه قهوة وامرأة دافئتان....تارة يصطنع البحث عن شيء لا يجده، وتارة اخرى يسترق النظر الى عينيها السوداوين وبشرتها السمراء و شفتيها و صدرها وخصرها وووو..ثم اكتفى بمسح عابر دون اطالة النظر حتى لا تكشف أنه تحت تأثير مغناطيس مفاتنها و رشاقتها الساحرة.
قضت حليمة اليوم الأول في المزرعة مع "الغوردو"، وهو يتفقد خطوط شجيرات الطماطم غير المتناهية، ويصدر تعليماته للعمال الساجدين داخل البيوت البلاستيكية كأنهم عبيد القرون الغابرة.
وبعد معاينة عملية شحن صناديق الطماطم، بادر حليمة بسؤال مجاني حتى لا يأخذ منها الضجر مأخذه.
- ليست لديكم في المغرب طماطم مثل طماطمي.. ! هذا أكيد ، لكن رغم ذلك، فإن طماطمكم شبح يخيفني ويهددني دوما...؟
ابتسمت حليمة لاعترافه هذا... وعقبت قائلة :
+ لكن سيدي، ظروف العمل هنا قاسية جدا.
هز" الغوردو" رأسه شبه متفقا، كأنه فهم مرادها فطمأنها :
- لا تخافي عزيزتي، لن تشتغلي في المزرعة، سأعينك في السكرتارية
بالإدارة...
+ حقا . ..؟ أنت رائع سيدي.. !
12- حب بعد إصرار و ترصد
انتهت مدة العقد وتم تمديد صلاحيته لسنة كاملة قابلة للتجديد، بشروط يعرفها "الغوردو" ، الذي أينعت عواطفه وارتفعت حرارته...خاصة وان حليمة عرفت كيف تحتفظ به قريبا منها وبعيدا عنها في آن واحد...فتنازلت له على بعض القبلات المغتصبة، ثم أكبحت جماح مشاعرها في الوقت المناسب، أليس ذلك من اختصاص مناورات النساء...فتراهن يمتنعن وهن راغبات، في انتظار أن تتحول حرارة الرجال إلى حريق لا يقاوم، فالحب عند المرأة يأتي حين لا يرتجى ولا ينتظر، وعند الرجل يحيى من جديد حين ينسج له الكفن....
حليمة تعرف هذه القواعد الذهبية، لذا بادرت مبكرا لرسم الحدود أمام "الغوردو"، وأرغمت خيوله على التراجع، فانقطع الصهيل و سحب جنوده على خصرها، واكتفيا بالقبل بموجب معاهدة أبرمتها مع نفسها، حتى تنزع منه تأشيرة حب حقيقي في مرحلة أولى، قبل استدراجه بلطف إلى ميثاق الزواج في مرحلة ثانية ثم بنين وحفدة في الأخير، على الطريقة المغربية تماما.. !!!
اشتعلت مشاعره وصار أمامها كالدمية، يقوم بكل ما في وسعه لإسعادها، هدايا، فنادق، مطاعم، ورحلات... فلون بشرتها تبعثره، وجغرافية جسدها تشرده وتغتال كلامه، هي كالصاعقة، كاللهيب، كالحلم الخرافي... فاجأه حبها كنوبة عطس، كالزيادة في ثمن بذور الطماطم، كالحب وكفى !!! فهو جبار ومستبد وقدر لا يقهر.. !
وبعد موسم جني الطماطم، قام "الغوردو" برحلة على متن سيارته الفاخرة،وحليمة تتصابى في المقعد جانبه، تلهو بخصلات شعرها الأسود الداكن كطفلة مدللة...زارا مدريد وبرشلونة والمدن الأثرية العتيقة كغرناطة و اشبيلية وسرقسطة وغيرها.
- الغوردو : هل أعجبك جمال بلادي وحضارة أجدادي؟
+ حليمة : لاشك أنك كنت ضعيفا في مادة التاريخ.. !!
- الغوردو : لا . لا بالعكس، نحن الإسبان نمجد تاريخ أجدادنا.
+ حليمة : تريد أن تقول أجدادي... أتعلم أن حضارتكم بنيت على إرث العرب أجدادي؟ انظر إلى هذه الأسوار، وتلك القلع فزخرفتها تكاد تنطق بالعربية... جهلك هذا يذكرني بشاعر عربي قال منذ سنين :
في مدخل الحمراء كان لــقاؤنا
سارت معي والشعر يلهث خلفها
يتألق القرط الطويل بجـــيدها
ومشيت مثل الطفل خلف دليلتـي
الزخرفات أكاد اسمع نبضـــها
قالت هنا الحمـراء زهـو جدودنا
امجادها ومسحت جــرحا نازفا
يا ليت وارثني الجميــلة ادركت
عانقت فيـها عنـدما ودعــتها ***
***
***
***
***
***
***
***
*** ما أطـيب اللقــيا بلا ميـعاد
كسنابل تركـت بغير حــصاد
مثل الشموع بليــلة المـيـلاد
وورائي التاريـخ كوم رمــاد
والزركشات على السقوف تنادي
فاقرأ على جدرانـها امــجادي
ومسـحت جرحا ثانيا بفـؤادي
أن الذين عنـتهم اجــــدادي
رجلا يسمــى طارق بن زياد
- الغوردو : جميل... !! ما أسم الأبله شاعركم هذا ؟
+ حليمة :" راجل أمك يا ولد ال... ! "
- الغوردو : عفوا حبيبتي لم أفهم شيئا. !!.
+ حليمة : كنت أقول إنه الشاعر الكبير نزار قباني... كل نساء الدنيا صرن يتيمات بعد موته... !!!
- الغوردو : إني أحسده على هذا الشرف رغم بلاهته ... !!
- حسنا، حسنا أدعوك لنستريح في هذا المطعم.مار أيك حبيبتي؟
تناول قهوة سوداء،، وفضلت عصير ليمون بارد... بينهما طاولة مزخرفة بباقة ورد بنفسجية، إنها لحظة رومانسية جديرة بتبادل العواطف... أخذ بطاقة فرسم عليها قلبا كبيرا، ووضعها بهدوء أمامها كمدخل لحصة الغزل...
رفعت رأسها وبحركة بديعة، أزالت خصلة ثائرة تحجب سواد عينيها... تناولت القلم وكتبت على القلب المرسوم أمامها كلمة "طوماطوس" (طماطم) ودفعت بها في اتجاهه، وهي تغتال بسمة حلوة على شفتيها الورديتين.
- الغوردو : ماذا تقصدين بهذا حبيبتي؟
+ حليمة : أنت قلبك مليء بالطماطم، وليس فيه متسع لحب امرأة... فالطماطم تكفيك. !!
- الغوردو : يبدو أنك حساسة للغاية ،اعذريني حبيبتي إن أزعجت شاعرك المفضل في قبره، فأنا لم أقصد الإساءة مطلقا.. !
وضع يده المنتفخة على أناملها الرقيقة متحسسا نعومة بشرتها بلطف، فرفعت رموشها المثقلين بالكحل، وهي تختزل في بسمتها الساحرة التجاوب والصفح وشيئا من الحب...
غمرته السعادة فأخد يدها الهادئة كالطريدة وقبلها تقبيلا، حتى علا الخجل وجنتيها، فسحبتها بليونة حتى لا تحرج خليلها الولهان ،كما تسحب الأم الثدي من فم رضيعها مخافة ايقاضه أو انتشاله من حلمه الجميل...
أشتدت جاذبيتهما، فقاما وتعانقا إلى درجة الانصهار، وراقصها مقبلا من حين لآخر أصابعها العطرة ،كالجندي الذي يلثم زناد بندقيته بعد حرب طويلة.
مددا عطلتهما لأسبوع، لأسبوعين بل لمدة أطول، شملت شهر العسل، حتى صارا كالأخوين في الرضاعة ،ثم توجا حبهما بالزواج في فندق (اندلوسيا) بالعاصمة مدريد نزولا عند رغبة العروس وتكريما للوجود العربي في الأندلس...
انطلقت الاحتفالات بالألوان والأضواء والموسيقى، كانت الليالي ملتهبة.. وعلى إيقاع جرات الكمنجة، أخذت حليمة ترقص في فستان الزفاف رقصة شرقية كحمامة بيضاء أرخت جناحيها تحت شلال من الأنوار الزاهية ،بينما العريس المتصابى جالس على حافة السرير، ويمناه تفرغ ليسراه خمرا تنزل كسبائك الذهب الخالص... يتأمل خصرها يغازل الجاذبية وهو يحاور مفاتنها وجها لوجه كأنه يريد أن يأخذ لها صورة في الذاكرة.. !
انتهى شهر العسل، وعاد الزوجان الى حياة الجد و الكد،عادا من جديد الى بدور الطماطم ،عادا الى الأرض... !!!
13-ضيف خاص
هذه هي سنة الحياة، فرح وقرح، نار ونور،اشواك وورود....والفرق بينهما مسالة حظ،وسخرية أقدار، ففي الوقت الذي كانت فيه العروس تحتسي القبل خمرا في ولائم العرى، وتحكي سر حلاوتها على ضياء الشموع الكطلانية الدامعة، كان أمنوس في العالم المظلم يضمد جروحه بوعود هي مجرد أضغاث أحلام ...ويغرق أحزان السنين المتبقية في سواد زنزانته التي يسكنها و تسكنه كالهوية غير المرغوب فيها.
كتب لحليمة رسالة ثانية، ثالثة ورابعة، كان مصيرها الرجوع إلى ظلمة السجن بعدما ختمت بعبارة "ترجع للمرسل لغياب المرسل إليه أو لتغيير عنوانه"...كان يستردها )أمنوس( خائب الضن مكسور الجناح، فشعر أن خيط الأمل الذي يجمعه بالحياة، بات كخيط العنكبوت الذي يعارك العاصفة الهوجاء.
اطلق العنان لفرضيات الأمل والترجي وهو ينتظر كلما يثلج الصدر، ولو كان كذبا أو حلما أو إشاعة أو تخمينا... لكن لأسفه، تضاءل الأمل، حتى صار صمتا مميتا... يبدو أن حليمة باتت من ذكريات الماضي،وكل كلام يدور في فلكها يعد هذيانا وجنونا... اغتصبت أمانيهما، وكل ما بقي في الرصيد المشترك هو زوبعة كلام ووعود وقبل وصور..! فلم يعد له لا ماض يحن له ،ولا مستقبل يتطلع إليه ولا حاضر مشرف ينعم به، فقرر أن ينتحر متأبطا ما تبقى من الأحلام، فهي أجمل كفن لعواطفه و أدفأ سكن لخواطره... قرر أن يرحل بعيدا حيث لا حب ولا قبيلة ولا وطن... ويحرق كل مذكراته وكل الصور، ويراجع كل المحن ويطبع جواز السفر بلون الكفن.
طفح كأسه بالأحزان والوساوس، وتناول حفنة من العقاقير المنومة في جرعات متتالية، قضى بعدها أسبوعا في ضيافة وزارة الصحة بمستشفى المدينة، تحت الحراسة المشددة، والعناية المركزة... حيث نجح الأطباء في إفراغ معدته، ولم ينجحوا في غسل دماغه من رواسب الماضي المشؤوم.. !
استيقظ من غيبوبته فوجد نفسه في زنزانة أخرى مضيئة ومريحة لا يبدد هدوءها إلا كعب تلك الممرضة الحسناء...وقع خطواتها يرن رشيقا حين تبتعد أو تقترب، فيسمع نقر كعبها وهي تأتي من بعيد كدقات "الدربوكة" في مدخل إيقاع معزوفة موسيقية، مما يثير فيه أحاسيس ومشاعر غريبة... كان يترقب بشغف قدومها ببدلتها البيضاء وهي تمزج السير بالرقص و تبتسم بسخاء لتقدم له الدواء أو الغذاء، بعدما تفاتحه بكلام جميل وساحر...إنها حقا من ملائكة الأرض...
- الممرضة: أنت اليوم أفضل من الأمس وضعك تحسن .. !
+ امنوس: شكرا سيدتي لكن أشعر ببعض الدوران...
- الممرضة: أمر طبيعي، فالغيبوبة ليست بنزهة، لقد أشرفت على الموت، لولا الألطاف الإلهية ...
+ أمنوس: الحمد لله لكن الظروف سيدتي.. !
- الممرضة: لا.لا... لا أعرف لماذا تخفون حماقاتكم وراء الظروف... عموما أتمنى أن تعود لرشدك، فأنت تجاوزت سن الأخطاء.
+ أمنوس: المشكلة أني لم أتجاوز بعد أخطاء السنين الماضية... قضيت خمسة عشرة سنة في السجن والخمسة الأخرى المتبقية هي الأطول.
- الممرضة: هذا مؤسف حقا.. !!
استدارت مبتسمة للشرطي في مدخل الغرفة... يبدو حزينا هو الآخر، فلولا بذلته لما استطاع أحد معرفة أي الإثنين هو السجين الحقيقي ... إنه لا يفارقه في نومه ويقضته وكلامه وصمته وحركته وهدوءه... فهو في حالة طوارئ دائمة.
انتهت فترة النقاهة البدنية، وتفاقمت الأعراض النفسية بإرجاعه لزنزانته السوداء بعدما تمتع، للحظات خارج الأسوار، بالواجهة الأخرى للعالم، واجهة الشمس الدافئة ،واجهة الحياة العادية التي يعيشها الأحرار خارج حواجز الإسمنت المسلح ورتابة الدهاليز والوجوه البائسة.
14- لطفا يا حب.. !
لم تمض مدة طويلة حتى كشرت الحرية على أسنانها البيضاء مبتسمة لأمنوس، لقد ورد اسمه ضمن لائحة المستفيدين من العفو بمناسبة عيد رسمي، فأفرج عليه قبل إنهاء عقوبته لتردي حالته الصحية،حيث أصبح مهددا بالموت أو الانتحار في كل لحظة...
وقع أوراقا واسترجع خاتمه النفيس ووثائقه من إدارة السجن،وودع النزلاء والحراس والطباخين، فقصد الباب الحديدي الكبير كالهارب من الحريق...لم يجد أحدا في انتظاره ، فما أقسى تلك اللحظة التي وجد فيها نفسه وحيدا من غير أب، أو أم، أو أخ، أو حبيبة، أو زوجة، أو مال، أو حظ، ، أو شباب، أو علم، أو طموح، أو... !! في الحقيقة كان مخرج السجن مدخلا لسجن آخر بدون قضبان أو حرس أو عدس...
الغريب في السجن الجديد هو الإسمنت الذي اكتسح البساط الأخضر، وكثرة الألوان والحركة من غير بركة...كل المؤشرات توحي بالطمانينة غير أن الواقع على كف عفريت في حقيقة الأمر.
انطلق في غير اتجاه معين، ودون هدف مقصود، حتى ولج دوامة الشارع الرئيسي، فاكتشف عالما جديدا ومخيفا: سيارات كاللعب ، فتيات جميلات لامعات كالدمى، عاريات الأثداء والبطون، مكشوفات الحواجب، وقصيرات التنورات...
"لقد تحسن النسل لدى البشر والبقر.. !" هكذا علق في عجالة، وسار في الشارع الكبير، وهو يقرأ اللوحات الاشهارية...وجهه أبيض تعلوه الصفرة كسائح صيني يبحث عن مطعم أسيوي ... وجهه لم ير الشمس كالعشب البري الذي ينمو تحت الصخر فيبدو مصفرا كالتبن... يطالع وجوه النساء من تارة الى أخرى، بحثا عن ملامح حليمة الحسناء، كمن يبحث عن سمكة نادرة في موج المحيط...
بحث عنها في مقصورات القطار القادم إلى الشمال ، وفي أثر القدمين على وجه الرمال ، بحث عنها في صور النساء المشهود لهن بالجمال وفي صورة البدر تمام الكمال...سأل عنها شمس الغروب، وركن المتغيبين، وأسراب الخفافيش في الدروب المعتمة، وماسحي الأحذية والأطفال المشردين.. !
وصفها لديمومة الشرطة، ولمصلحة المستعجلات، ولعابري السبيل... لقد جاء حبه متأخرا، ثم استيقظت حواسه ليعلن عن ولائه لحب غير منتظر، لقد تجمدت أجراسه ثم ذابت في حب محتمل.
15-ذاكرة موشومة بالقضبان
عاش أمنوس شهورا على بقايا المطاعم وهو يقاسم الفضلات مع المتسولين والمشردين، حتى التقى يوما مع ثلة من السواح، فاقتنى منه أحدهم خاتمه النفيس بباب الفندق...
اشترى لباسا وحلق ذقنه، وهذب شاربه فتأمل نفسه في المرآة، كمن استيقظ من غيبوبة طويلة... أسره هندامه ثم ابتسم للحظة وعاد لعبوسه المعتاد، أقسم ألا يدفن في موطن لم يلق منه إلا الجحود والتهميش...
تحسس بطاقة هويته وجواز سفره، ثم قصد وكالة أسفار دولية، واقتنى تذكرة سفر (الدار البيضاء – اسطمبول )عبر مدريد ذهابا وإيابا.
جلس في قاعة المطار وهو يتفحص عبر نظاراته السوداء الوافدين على القاعة، متفاديا كل ما من شأنه إثارة الانتباه رغم أن وضعه قانوني... فمن لسعته الحية يخاف من الحبل.
تأخرت الطائرة لثوان طويلة، ثم صدح إعلان رخيم في مكبر الصوت داعيا المسافرين المتوجهين إلى اسطمبول عبر مدريد للاستعداد...
ما هي إلا دقائق حتى أخذ المسافرون مقاعدهم تحت أنظار المضيفات التركيات اللائي يوزعن بسماتهن بسخاء... ثم تحركت الطائرة بهدوء وانطلقت بسرعة في اتجاه الأفق في خط تصاعدي. وبعد لحظة، بدت المدينة في الأسفل كمجسم بلاستيكي، تقزمت الشوارع والطرقات فسارت كالشرايين، وبدت الغابات كأحواض الجزر، وتواضعت الجبال فأصبحت كأكوام الرمل...
ارتفع الاختراع العجيب في الفضاء، فاضمحلت معالم الأرض، وحلت محلها كتل السحب كالقطن المتناثر في جمود وهدوء.
تناول أمنوس وجبته الباردة دون أن يحفل بالشقراء جانبه، والتي اكتفت بقنينة جعة باردة... ساد الصمت قليلا ثم لاح مكبر الصوت كلاما لم يفهم منه أمنوس شيئا غير كلمة مدريد، فهم أنه موعد الوصول إلى مطار مدريد.
تذبذبت مؤخرة الطائرة، وانخفظ جناحها يمنة ثم يسرة، فشعر أمنوس كأن سيلا حطه من عل، وعبر النافدة شبه الدائرية تراءت له مدريد المدينة العملاقة بسطوح حمراء وشوارع مرسومة بانتظام وأحياء مرتبة كمكعبات الرخام...
سمع احتكاك ثم جثمت الطائرة في ممر خاص... نزل أمنوس مع بقية المسافرين إلى مصالح المطار، قبل إعادة إقلاعها بعد ساعة في اتجاه المحطة الأخيرة بتركيا... لكن أمنوس استغل فرصة الاستراحة بمطار مدريد، ليختفي بالمراحيض ويمزق هويته وجواز سفره نهائيا والقذف بهما في دورة المياه.
مضت ساعة الاستراحة وأقلعت الطائرة، فخرج أمنوس من منفاه الاختياري للبحث عن مخرج ... الجمارك والشرطة في كل المنافذ، إنها لحظات عصيبة حقا، قضى أمنوس يوما كاملا داخل المطار كفأر في صندوق زجاجي أو كذبابة داخل قنينة... لم يجد حلا للخلاص غير ادعائه المرض، فانبطح أرضا في انتظار الإسعاف.
أحضر رجال الشرطة وحدة الإسعاف، فاستفسروه بكل لغات العالم عن هويته...ثم قيست حرارته وضغط دمه، فوجدوه سالما إلا من الكذب والتحايل والوهم، فانتهى به المطاف في السجن مجددا لمدة ثلاثة أشهر لوجوده غير القانوني بأسبانيا.... حكم لم يفاجئ أمنوس لأن السجن أحب إليه من الموت جوعا في الخلاء وافتراش الرصيف في الصيف و الشتاء...
هكذا كان السيناريو متوقعا، فهو من إخراج وإبداع (الحراكة) عبر الجو، "امنوس" يعرف أنه سيتم القبض عليه ثم يفرج عنه بعد تمتيعه ببطاقة إقامة لمدة سنة كاملة بأسبانيا.
كان استنجاد "امنوس" بالسجن فرصة ذهبية للحصول على الإقامة الشرعية، وتعلم الإسبانية داخل الأسوار، والالتقاء بسجناء من جنسيات مختلفة قادتهم الأقدار للتعارف وراء القضبان.
16- مقهى الغربة يا وطني.. !
خرج "أمنوس" من السجن فوجد نفسه وسط مدريد الصاخبة، سافر جنوبا إلى "مورسيا" ومكث هناك عدة أسابيع دون أن يحظى بفرصة عمل ولا بالضيافة عند أبناء وطنه التعساء مثله...فكان يسكن هيكل سيارة قديمة جاثمة وسط عشب بري كثيف كسلحفاة جريحة، قضى فيها عدة ليال باردة، يفترش التبن بعد قضاء اليوم كله في البحث عن عمل في المطاعم والضيعات الفلاحية وأوراش البناء...
عاد ذات مساء منهوكا محطما كالجندي العائد من حرب طاحنة فوجد سلحفاته تحترق، تأملها على بعد أمتار ثم تراجع متخليا عن حقيبته المتفحمة، مخافة أن يحرق حيا هو الآخر... مسح دموعه وعرقه فاتجه نحو" الميريا" جنوبا لعل حقدها أقل شراسة وفرص العمل أوفر، فهو يحن دوما للجنوب حيث البسطاء والفقراءو الكرماء، على خلاف الشمال المتميز دوما بشحه رغم غناه.
وصل ظهيرة إلى مقهى الغربة في" الميريا"، فشعر بنوع من الطمأنينة وهو يرشف شايا منعنعا على إيقاع نواح كمنجة الأطلس المتوسط ، شعر" أمنوس" بسعادة غريبة، فلأول مرة يرى وجوه ويسمع ألفاظ وكلمات ويشم روائح توحي بالحرارة الإنسانية، إنها يقضة الحواس وانبعاثها من جديد.
النادل "لمعلم كافيطو" يمازح الزبناء وهو يسقيهم الشاي في كؤوس كبيرة محشوة بالنعناع الأخضر ... لاعبو الورق يصرخون هناك ويخبطون أوراقا على طاولة مستديرة تتأرجح يمنة ويسرة ، فلا تستقر على حال.
لقد تخلص أمنوس نسبيا من وحش الغربة، حيث التحق بالغرباء التعساء، فأحس برغبة جامحة في مخاطبتهم ومشاطرتهم الحديث حتى وإن كان مجرد كلام، فنادى على" كافيطو".
أمنوس :" ألمعلم "... من فضلك سيجارة
كافيطو : تفضل الشقراء أم السمراء.. ! (مبتسما)
امنوس : أحلاهما مر... الله يقيك شرهما يا أخي.. !
كافيطو : نعم ... ولكن شر لابد منه... لم أرك من قبل، هل أنت جديد
في الميريا؟
امنوس : كنت في" مورسيا" لكن الظروف... فجئت هنا للبحث عن
عمل، قيل لي أن "الميريا" منطقة فلاحية بامتياز، أليس كذلك؟
كافيطو : هنا فرص العمل نادرة في الحقيقة، خاصة إن كنت لا تتوفر
على بطاقة إقامة... الشرطة تداهم المزارع أحيانا للقبض
على المهاجرين السريين.
أمنوس : لا. لا ، لدي بطاقة إقامة.
كافيطو : إذن لا بأس، هناك السيد" خوصي الغوردو" إنه يتعاطف مع
المغاربة أحيانا، بإمكانك مرافقة العمال غدا إلى ضيعته، فهي في
ضواحي المدينة.
أمنوس : شكرا "ألمعلم كافيطو" الله يحفظك.
17-سخرية الأقدار
قضى" أمنوس" الليلة في ضيافة " كافيطو"، وفي الصباح الباكر صاحب العمال إلى المزرعة، وقدموه لرئيس الأشغال لمنحه عمل، وبعد لقاء قصير وافق "الغوردو" على تشغيله بالمزرعة لتوفره على بطاقة الإقامة ولقبوله العمل موسميا دون شروط.
واعتبارا لسنه، كلفه" الغوردو" بمهمة الحراسة ليلا ومساعدة العمال عند الضرورة نهارا، فأعد له كوخا متواضعا بصفائح القصدير في قلب المزرعة، كان أمنوس سعيدا بذلك، فهو على الأقل لن يحرق هناك كسلحفاته الشقية.
توالت الشهور، وحضي أمنوس بمزيد من الثقة حتى صار أقرب العمال إلى" الغوردو"...صار معروفا لدى طارق وماريا والكلب (طوطو)... يزوره الجميع خلال عطل نهاية الأسبوع، وغالبا ما يأتونه ببعض الأطباق الشهية إلى كوخه...
دون أن يدرك أمنوس أن السيدة الجميلة التي تزوره كل يوم أحد في المزرعة برفقة الغوردو هي.. !
دون أن يعلم أن المرأة الجميلة أم الطفلين طارق وماريا اللذين يدعوانه "العم المروكي" هي.. !
دون أن يعرف أن الأطباق الشهية التي تصله هي عبارة عن رسائل إخلاص من التي.. !
ودون أن يكتشف أن الحسناء ذات النظارات السوداء، صاحبة السيارة الفخمة هي.. ! هي حليمة، نعم حليمة بنت كتامة !!!!!
شاءت دوامة الأقدار أن يلتقي أمنوس وحليمة من جديد، بعد سنين من الصمت واليأس، لكن هذه المرة في ظروف أخرى، بعدما تغير مسارهما كلية...فأصبحا يعيشان قريبين وبعيدين عن بعضهما البعض، فهي تعرفت على ملامحه، لكن استحال اقترابها منه اعتبارا لوضعها الجديد، ولعدم جدوى النبش في الماضي، بعدما حسم مصيرها بمعزل عن مصيره... فهي الوحيدة التي تعرف هذا المنحى الغريب في حياة اثنين، أوهمهما جنون الحب أنهما جزء من الأبدية، غير أن حكمة القدر أقوى، فهي تقهر العمالقة وتبدد سلطة الاستحالة وتجعل من الصدفة قرارا غير قابل للطعن و الاستئناف، لأنها مشيئة السماء الخالدة.
18- سيدة القلب و المزرعة
وذات صيف جهنمي توفي السيد " خوصي شانشرو" على إثر جلطة دماغية، رغم إسعافه ونقله على جناح السرعة إلى برشلونة... واضطرت حليمة التي عاشت عشر سنوات في الظل إلى مواجهة أعباء الحياة.
لقد ورثت مزرعة في أوج ازدهارها، وأطفالا هم في حاجة إلى تكوين قبل تقلد إدارة شؤون مزرعة أبيهم الراحل، فخرجت إلى المزرعة لتباشر الأعمال اليومية وفق البرنامج المعتاد، فهي لا تقوى على إجراء أي تعديل أو تغيير مخافة إثارة مشاكل أخرى، قد تشكل جبهة إضافية مستنزفة للتركيز والوقت والمال.
إن وضعها الجديد جعلها تشتغل عن قرب من" أمنوس" الذي راكم تجربة محترمة في التعامل مع العمال وهموم المزرعة، دون أن يدرك أن رئيسته التي منحته صلاحيات جديدة واسعة هي حليمة الأمس... فهي تشفق عليه وتثق في أدائه، وكثيرا ما قررت مصارحته، لكن ترددت وتراجعت عن ذلك مخافة أن تفقد التوازن، وتضطرب علاقاتهما، ويختل نظام المزرعة أمام أنظار أبنائها وعمالها ومنافسيها... فباتت تفضل القناع الذي يفرض الإحترام على المكاشفة التي قد يتولد عنها التهاون والتطاول والتلاسن وكثير من الحسابات غير المجدية...فهي تعرف أن الأعمال والمشاعر لا تلتقي، يجب دائما التضحية بإحداهما لاستمرار الأخرى.
تحسنت إدارة حليمة موسم بعد موسم بفضل مراقبتها المستمرة لأوضاع المزرعة، وأسواق الطماطم، وعصرنة الإنتاج، وعقلنته وفق إكراهات المحاسبة وقانون المنافسة في الميدان.
لقد اعتاد الطفلان طارق وماريا زيارة المزرعة خلال كل أسبوع، وغالبا ما كانا يستغلان انكباب أمهما على العمل في المكتب للإقتراب من" أمنوس" أو(العم مروكي)، فهو بهندامه الغريب وبإسبانيته المتهالكة، صار يبدو وكأنه لص من لصوص "علي بابا" أو شخصية من شخصيات الرسوم المتحركة... فهو يحكي حكايات غريبة وقصصا مشوقة تجمع بين الدراما والكوميديا.... بل استفسراه عن حياته، فاستعرض تفاصيل مثيرة شدت الطفلين وألزمتهما عالمه الفريد... فاستطرد حلقات حياته البئيسة والمتقلبة، بدءا من ميلاده التعس وطفولته المغتصبة، وقصة أول حب لامرأة حسناء لم يعد لها وجود سوى في قلبه وذاكرته هو لوحده. ثم حدثهم عن اعتقاله وظروف هجرته الى إسبانيا، وحكايات المزرعة... حتى صار في عيون الطفلين بطلا وظاهرة إنسانية خارقة للعادة، فلا شيء يقوى على انتشالهما من عالمه سوى مناداة أمهما، التي يقلقها ابتعادهما عنها، ومع ذلك لا يلتحقان بها إلا بعد طول إصرار وكثرة إلحاح... لقد أصبحا مدمنين على مجالسة "العم مروكي" والإستمتاع بحكاياته المثيرة.
19- هي عاشقة والبحر شاهد..!
وبعد سنين قليلة أصبح طارق وماريا شابين يافعين، عملت أمهما على تكوينهما وتربيتهما... طارق يتابع دراسته في الهندسة الفلاحية وتقنيات الزراعة بمدريد، وماريا اختارت كلية الطب والصيدلة ببرشلونة...
تقدم أمنوس في السن شيئا فشيئا ووفر أموالا لا يعرف كيف يدخرها أو يستثمرها، كدس رواتبه تباعا في صندوق خشبي في كوخه المتواضع بعيدا عن أنظار الفضوليين من العمال... لقد غزته الوساوس وسيطرت عليه المخاوف فأصبح يشك في كل شيء حوله، تردد كثيرا... وفي الأخير قرر الاقتراب من السيدة " شانشرو" من أجل فتح حساب بنكي لفائدته بمصرف المدينة أو الاحتفاظ عندها بما ادخره تحسبا لأي طارئ غير سار.
أخذت منه رزمات الأموال ثم سألته في تجاهل عن اسمه الكامل وعمره وقيمة ودائعه... فكيف لا يبادلها الثقة، وهي التي تدفع له الراتب مضاعفا مقابل حضوره ليس إلا ... فهو يقيم بالمزرعة وتأتيه بالأطعمة والألبسة والأدوية وكل حاجياته الضرورية... حاول مرارا أن يجد تفسيرا لهذه العناية الخاصة، وهذا الاهتمام المتزايد الذي يحظى به، فلا يمكن أن يكون مقابل عمله البسيط، وحضوره الشكلي الممكن الاستغناء عنه دون حرج.
على كل حال، لقد حسب الأمر هدية من السماء، وفي الواقع هو كذلك، وإلا من قاده الى حيث هو الآن، أليست مشيئة الأقدار؟
وبعد طول تفكير، قررت السيدة " شانشرو" استثمار ما أودعه لديها أمنوس من أموال في المزرعة لحاجة في نفسها من غير الالتجاء إلى البنك... فهي تعرف أنه لن يسحب شيئا ولا داعي له للسحب، ما دامت توفر له كل ما يحتاج إليه، بل يستفيد كذلك من عطله الأسبوعية والسنوية، فيجدهما فرصة للخروج من المزرعة قصد الترفيه والالتقاء بأصدقائه بأسواق العرب ومقهى الغربة... فتجده يجالس زبناء المقهى ويمازحهم، بل يشاركهم أفراحهم وأقراحهم كذلك... لقد سئم العزلة والغربة والتقوقع داخل المزرعة كجرار متقادم انعدمت قطع غياره، لذا كان يبحث عن أية فرصة مناسبة أو غير مناسبة للتعرف على أبناء وطنه الذين يسألونه عن عائلته وعمله، فيثور رماد ماضيه، وتتأجج مشاعره من جديد تجاه الوحيدة في قلبه، فجرحه لم يندمل، ولن يندمل لأنها أول وآخر امرأة في حياته، فهي- في نظره- وحدها امرأة والأخريات مجرد إناث.. !
لقد فصلهما القدر، وجمعهما بسخرية عجيبة، فهو قريب منها لكنه بعيد جدا، هما مجتمعان في أغرب المشاهد، فهو يبحث عنها وهي تحت نعليه، كمن ركب حماره وسار يستفسر المارة عنه... أما هي، لقد عرفته لكن استحال عليها تحدي سلطة القدر.
تبخرت الأحلام، وحلت محلها يد رتبت وهيأت الظروف على النحو الذي لا يتصوره أحد... فكم من حبيب في الأصل بعيد وهو للقلب قريب، وكم من حبيب للعين قريب وهو على القلب بعيد... تلك هي طقوس الحب وجنونه وبدونها ما يسمى الحب حبا.
20- بقايا أحلام نرجسية
دفنت حليمة الحب القديم وجلست على قبره تسقيه بدموعها، وتضمد جراحها سرا، كأنها أصيبت بورم خبيث تخفيه ويخفيها عن الأنظار...لكن رغم ذلك كانت تتعهده بأزهار النرجس وفاء وإخلاصا لمشاعر الحب الأول، لم يخمد حبها بعد كل ما وقع، فغيرتها تتأجج كلما رأت"امنوس" يلاطف العاملات المغربيات في المزرعة، ويقاسمهن النكت والرغيف المتحجر... فتحن مجددا لأيام طواها الزمن للأبد...هي عاشقة والبحر والليل والسماء تعرف ذلك.
ففي الوقت الذي كانت تقول فيه العاملات التعسات :
"ما أسعدها من امرأة، لقد جمعت الثروة و الجمال و الحظ السعيد.. !"
كانت هي تردد في قرار نفسها:
"ليتني كنت مثلهن فما أسعدهن، ينعمن بالسعادة وهن يتقاسمن الخبز الحافي ببهجة لا تضاهى، و يفرحن بالراتب المتواضع غير مباليات بتقلبات أسواق الطماطم، هن يحن لوسائدهن مساء مطمئنات كالأطفال...في حين تجبرني العقاقير المنومة على الإواء الى سرير عطر و فاخر، لكنه لا يصنع نوما مريحا ولا يهدي حلما جميلا...فما أتعسني من امرأة، لقد أورثني جمالي ما يشغلني عن تذوق الحياة البسيطة، فتبا لي، كانت نفسي طليقة فسجنتها وحرة فقيدتها بأغلال السعادة الفانية..."
هكذا حدثت نفسها وفكرت بصوت عال، رغم أن شفتيها مطبقتان، وأحيانا كانت تهوي في شرود غريب، فتنبس بكلام مبهم وأشباه كلمات عارية يكتنفها الصمت، فتسمع كوقع الحجر الذي يرتطم بلوحة الماء في قعر البئر، أو كقرقعة مفتاح غير مناسب في قفل الباب في منتصف الليل.
حليمة شدها الحنين الى الأمس، فصارت تقضي ساعات حقيقية تتأمل أجزاء ثوان موؤودة داخل الإطار الضيق لصور تذكارية منهوكة، وتضمد بتأملاتها جراحا قديمة، و مع ذلك لم يتوقف النزيف.. !
لزمت البيت لأشهر طويلة، وتولى ابنها طارق تسيير المزرعة بعد حصوله على دبلوم الهندسة الفلاحية.
21-الرئيس الجديد
كان الرئيس الجديد متحمسا ونشيطا، وظف تقنيات حديثة لتجويد المحصول و الرفع من الإنتاج وإعادة توزيع المهام داخل المزرعة، حيث تعززت مكانة "العم مروكي" من جديد، واتسعت دائرة اختصاصاته باعتباره الذاكرة الحية للمزرعة، مما جعله يحظى بعناية الرئيس واحترامه على خلاف باقي العمال الذين رمت بهم أمواج المتوسط ، فوجدوا أنفسهم قابعين في الحفر كالعبيد.
كان" امنوس" يحكي ويصف لرئيسه أحوال المزرعة تحت إشراف والده وبعده والدته، وعن زياراتهما هو وأخته للمزرعة حين كانا طفلين...فيستحضرا مستملحات ووقائع سارة، وأخرى محزنة، تلتقي كلها في آهات التأسف عن جميل السنين الماضية...
امنوس : " يا طارق...إن اسمك جميل، فهل تعرف من هو طارق...طارق ابن زياد ؟ "
طارق : "لا شك انه هو أول مهاجر سري عبر البحر الأبيض المتوسط...(ضاحكا)...أمي تقول انه احرق سفنه ليمنع جنوده من التراجع...أهذا صحيح...؟ !
امنوس : " نعم...لو كان يعرف انه سيأتي جيل سيهتم بالطماطم اكثر من التاريخ، لأحرق نفسه قبل أن يحرق سفنه...لا شك انه نادم الآن، وغير فخور بحفدة مثلك...يا...طارق ابن شانشرو ! "
طارق : " لا داعي للقلق يا "عمو مروكي " ...فأنا فخور بهذا التذكار الذي يربطني بهذا القائد البربري الشجاع... لقد قرأت عنه وأعرف عنه -ربما- أكثر مما يعرفه بعض العرب... لأنني جزء من ذاكرة مشتركة لتاريخ عريق...اطمئن يا عمي الحزين، سيبقى طارق ابن زياد شامخا وثابتا في وجه عواصف الزمن كجبل طارق... "
اشتد الضحك حتى دمعت عيونهما، ثم عادا الى أقداحهما التي تعلوها الرغوة .. !
كثرت جلساتهما وطالت لقاءاتهما... تحدثا عن ذكريات الحب والموت و الحياة والطفولة والسعادة والشقاء، عبر حلقات يمتزج فيها الضحك بالبكاء... صار الاثنان منسجمين، رغم انتمائهما لأجيال متنافرة، حتى تبددت التراتبية بينهما، لكن دون إخلال أحدهما بواجبه تجاه الآخر، وهو أمر غير معهود في علاقة الرئيس بمرؤوسيه...لكن امنوس يشكل استثناء لاعتبار تعرفه السيدة " شانشرو" وحدها.
22-اجتماع استثنائي
استولى العتاب الداخلي على المناعة النفسية للسيدة " شانشيرو"، فحاكمت نفسها أمام محكمة الضمير، عبر جلسات مطولة، أسفرت على اقتناعها بعدالة وحكمة الاعتراف بالحقيقة التي تسكن كيانها منذ أزيد من ربع قرن. لقد صارت تخجل من ثيابها اللصيقة بها، ومن صورها القديمة، ومن مرآتها التي تعكس ملامحها المقنعة، وتستحيي من شجرة هويتها التي لم تتعهدها بالصيانة و السقي، فقررت أن تعقد اجتماعا استثنائيا، دعت له كل من:
السيدز " رودركيز" محام الشركة والقائم بالأعمال القانونية
السيد " بافلو" طبيب العائلة
السيد" طارق شانشيرو" المدير العام للشركة
والسيد " امنوس" حارس المزرعة
حضر الجميع في الوقت المعين للإجتماع على غير العادة بغرفة نوم السيدة " شانشيرو" الممددة على ظهرها فوق فراش المرض، تبتسم وتئن من حين لآخر وهي تحاول الاستواء في سريرها الفاخر، وعلى جانبها الأيمن عقاقير وأدوية مختلفة الألوان والأحجام، وعلى يسراها وصدرها مستندات وأوراق ووثائق مبعثرة دون انتظام.
جلس المجتمعون وهم يتبادلون الأنظار في محاولة اكتشاف موضوع الاجتماع، خاصة وأن تركيبته غريبة وتشكيلته فريدة إلى حد بعيد، الكل يبدو مستغربا من حضور السيد " أمنوس"، الذي يبدو ببذلته الزرقاء كأنه انتشل من حطام زلزال.
أخذ مقعده وانزوى قليلا مدركا أن وجوده ودوره ثانويان، وأن اختصاصه لا يكمن أن يكون موضوع اجتماع مع الطبيب والمحامي والمدير العام...فصار يقلب بصره في زوايا الغرفة... ذلك براد منقوش على صحن نحاسي، وتلك صورة عائلية، وذلك تذكار مغربي عبارة عن قبعة مزركشة بألوان من منطقة " جبالة " بالمغرب ووو... لم تعده من شروده سوى نحنحة السيدة "شانشرو"، وهي تتأهب لتقول شيئا لا يمكن إلا أن يكون على قدر من الأهمية، لأن الظرف استثنائي وحالة السيدة تتذبذب بين العافية والسقم.
ابتسمت مجددا، واضمحلت أعراض الإرهاق عن وجهها، فبدت معالم جمالها، كمربعات الفسيفساء النادر على واجهة موقع أثري قديم.
ثم قالت :
" بويناس دياس" (صباح الخير) … !
" أشكركم على حضوركم وإخلاصكم جميعا...
كما ترون إن وضعي الصحي تردى كثيرا هذه الأيام، والتقرير الطبي الأخير أكد عدم قدرتي على العمل بنسبة عجز تتجاوز 90 % ، وفي هذه الحالة فإن القانون الداخلي يعفيني من مهمتي... فبدون إطالة سوف أتناول نقطتين أساسيتين تهمان مستقبل الشركة :
* اعتبارا لظروفي الصحية، فقد قررت إسناد مهمة تسيير أعمالي لطارق شانشيرو، يبدو أن التكوين الذي تلقاه بمدريد كان مثمرا ،حيث ارتفع المحصول بشكل ملحوظ خلال فترة التجربة التي أشرف خلالها على إدارة المزرعة.
* النقطة الثانية تهم شخصا قدم خدمات كثيرة للمزرعة، سواء مع المرحوم زوجي أو معي، والآن مع ابني طارق، و يتعلق الأمر بالسيد" أمنوس"، الذي اشتغل بالمزرعة لمدة إجمالية تتجاوز عشرين سنة، لم يتلق خلالها رواتبه الشهرية وتعويضاته العامة، حيث قمت بتحويلها في حينها إلى حساب الشركة، وتم استثمارها مع الرأسمال العام... وابتداء من اليوم، يعتبر السيد"مسعود امنوس" شريكا قانونيا في رأسمال الشركة بنسبة الربع، وبالتالي سيساهم بتجربته في تسيير وتدبير المزرعة....ويسرني كثيرا أن أكون أول من يهنئه عن وضعه الجديد و مسؤوليته الجديدة...
انتهى الاجتماع، بإمكانكم التفضل إلى القاعة المجاورة لتناول ما يروق لكم احتفالا بالسيد مسعود أمنوس... وشكرا."
قام المجتمعون بتهنئة أمنوس في جو يسوده الاستغراب، وانصرفوا تباعا بعد الاستئذان من السيدة الرئيسة، التي نادت على أمنوس للقاء به على انفراد.
23-حقيقة لا تصدق
اقترب" أمنوس" من سرير السيدة " شانشيرو" حتى بدا له سرب الخانان السوداء يغزو بياض جيدها الجميل، كعقد عنبر في صوان مرمر.. ! ثم ألحت عليه أن يقترب أكثر كي يصير في متناول يدها... جلس على حافة السرير الفاخر مستنفرا حواسه كاملة لاستيعاب أمر لا شك أنه ذات أهمية... طارق هو الآخر فوجئ بهذا التقارب السريالي بين والدته وحارس المزرعة في مشهد غالبا ما يكون عائليا أو حميميا حتى النخاع... يد "أمنوس" الخشنة تحتضنها السيدة بدفء يديها الناعمتين كعصفور جريح تخلف عن سرب الطيور، عيناه الوجلتان في عينيها الدامعتين، وبينهما قصائد بلا عنوان وصحارى بلا فرسان... تصارع القلب واللسان فساد الصمت وانهزم الكلام، فلم تجد السيدة " شانشيرو" الكلمة المناسبة لمقدمة موضوعها، فاستنجدت بندى عينيها لترجمة مشاعرها الأسيرة، في حين استمرت دوامة الأسئلة في ابتلاع" أمنوس" الذي اكتفى بنقل البصر بين السيدة وابنها طارق محاولا استكشاف أغوار دامسة.
مسحت عينيها بيمناها ثم أرجعتها مبللة لتحتضن أصابع أمنوس من جديد... ارتجفت شفتاها متأهبة لفض بكارة الصمت، وقالت بصوت متقطع :
" أخي مسعود .. !
سأصارحك بعدما فشلت في دفن الحقيقة، فاعذرني إن أخفيت عنك هويتي... فأنا حليمة... نعم حليمة " كتامة"، فأنت جزء من حياتي، ولا أستطيع أن أعيش بمعزل عنك.. ! وأنت..."
بمجرد ما سمع" أمنوس " هذا الكلام هوى عليها...تعانقا بشدة وامتزج دمعها بدموعه والتقى مصيرها بمصيره من جديد، لكن هذه المرة على مسمع ومرأى من ابنها الذي لم يفهم شيئا.. !
استمر العناق ثم انفصلا لهنيهة تبادلا خلالها نظرة وجيزة معبرة، ثم عادا والتصقا مجددا كأنها لم يصدقا أنهما التقيا من جديد، أو أنهما يخافان أن تأتي عليهما زوبعة القدر فتفصلهما إلى الأبد.. !
التحما فصارا ظلا واحدا ومشهدا صامتا، ولم يعد للمقام مقال... اكتفت بمسح شعره وعيناها مغمضتان كأنها تتحسس جمال الأحلام الماضية، وتستحضر خضرة روابي كتامة المتموجة، ورائحة التربة المتطايرة بطرقاتها المنهوكة ذهابا وإيابا.
تنهد أمنوس ومسح بعينيه وجه حليمة... وفجأة سقط في غيبوبة، نقل على إثرها إلى مصحة خاصة… أغمي عليه لمدة يوم كامل، ثم استيقظ بعد أن حظي بعناية مركزة، فوجد بجانبه شابة حسناء تمسح عرق جبينه وتتأمله بعينيها الزرقاوين، اللذين شكلا مع سحنتها العربية لوحة جميلة غريبة الملامح، فصارت تبدو كخطأ في الطبيعة.
تنهدت وارتج صدرها كأنها تخلصت من ثقل عظيم ثم بادرته بكلمات تشبه لون شفتيها الورديتين، لتبدد استغرابه وتخلصه من ارتباكه.
ماريا : " على سلامتك يا "عمو" أنت في المصحة، أنت الآن بخير. !."
نسي أمنوس سقمه وسألها في عجالة :
امنوس : "... ولكن من تكونين أنت...؟ "
ماريا : " ماريا... أنا ماريا يا "عم أمنوس" لقد كلفتني ماما بالسهر عليك،
ستحضر بعد قليل لتطمئن عليك.. !"
امنوس : " آه ، إنك تشبهين أمك حين كانت شابة ، لقد حملتني في رحلة إلى
الماضي الذهبي يا بنيتي... إنها كانت رائعة، أنيقة ونشيطة حقا مثلك
تماما..."[/align][/align][/align]
[align=right]شكرته على انطباعه شاهرة في وجهه ابتسامة سخية، ثم ألحت عليه بصمتها للمزيد من السرد و التفاصيل، كأنها فتحت كتابا أسطوريا امتص فضولها إلى غير نهاية.
ماريا : "أنت مثير ورائع يا" عمو" كما تعهدتك وأنا طفلة..."
24-جنازة اندلسية
عاد الجميع إلى الإقامة الفاخرة بعد ضم أمنوس إلى العائلة، لقد صار فردا كامل العضوية، غير أنه رفض حياة الترف، وفضل الانزواء في كوخه الموحش، فهو خلق ليكون تعسا بائسا ووحيدا... وصمم ليجسد فيه القدر صور الشقاء، وقد لا يشعر بمعنى الحياة بعيدا عن وحشة كوخه الدافئة وخلوته المؤنسة... لقد اعتاد سكة البساطة وألف سكينة الهامش، لقد صار مثل طائر بري يفضل الغذاء على الحشرات وديدان الأرض عن العيش داخل قفص أعد من سبائك الذهب، لأن الأقفاص الذهبية تحجب عنه- لا محالة- شمس الحرية التي تدفئ الروح وتغذيها.
مرت أعوام، وشاخ الحب في عيونهما المرهقة، وهما يعيشان على إيقاع ذكريات الماضي كمحاربين تقاعدا بعد حرب عصيبة ... يستعرضان الصور القديمة متنهدين، كأم تتأمل صورة طفلها الوحيد الذي مات غرقا.
طالت لياليهما البيضاء، و تقزمت أحلامهما وتقلصت المساحة أمامهما كالمحكومين بالإعدام، فخططا للتمتع ببقية العمر سوية يدا في يد وهما يجوبان المزرعة أو يسترجعان أحلام الأمس، فيبتسمان ويضحكان ويبكيان ثم يضحكان من جديد... بل قررا زيارة بلدة " كتامة" لمراقصة الصبايا كالغجريات في المزارع، ولمجالسة الرعاة في الجبال الشامخة،ومعانقة الأطلال، والتبضع في الأسواق التقليدية والتذوق من سلال التين والعنب، وترديد المواويل خلال موسم الحصاد على الروابي المصفرة، وشم رائحة الماعز والأعشاب البرية، ونشر الغسيل على الصخور الدافئة في الأودية، والتمتع بنعمة النسيان، نسيان أن للعالم بقية... بقية كلها ضجر وصخب وحروب ومجاعة.. !
لكن للأسف لم يفعلا، ولن يفعلا، لأنهما ناما، ناما طويلا ولم يستيقظا. ماتا متعانقين في الكوخ المتواضع، كأنهما تعمدا السفر بعيدا عن حيرة التنقل بين الضفتين، لقد شعرا أنهما غريبان هنا وهنالك، ففضلا الهجرة خارج حدود الزمن والمكان.. !
وبقي طارق وماريا . !! والأندلس هنالك.. !!
هنالك حيث ترغو الأوهام
هنالك حيث تنام الأحلام
وبين هنا وهنالك احترقت السفن شوقا
وبين الضفتين مات الموج الأزرق في عينيها
ومات البحر غرقا.. غرقا...غرقا !!![/align]
(انتهى بحلول شتاء2007)
ملاحظة : يمكن تقديم ملاحظاتكم وانطباعاتكم واقتراحاتكم على :
Seddiki-art.skyblog.com
Seddiki007@hotmail.fr
قراءة نقدية للرواية
بقلم الدكتور عبد السلام رياح
أحس وأنا أعالج هذه السطور بأنني أتأرجح بين موقعين اثنين، بقدر ما يكسبني أحدهما تشريفا يكسبني رديفه تكليفا، ذلك، لأنه إذا كان يشرفني أن أسهم بشيء مما أفاء الله به في هذا العمل الكريم، فانه يطوقني أمانة أن يكون إسهامي في مستوى المسؤولية التي وضعني أمامها أخي الكريم عمر الصديقي. ومع إحساسي بان بضاعتي مزجاة، فإنني سأقتحم هذه العقبة الكؤود، وأسهم بكلمة متواضعة أرجو لها أن تتقبل قبولا حسنا، إيمانا مني بان ما لا يدرك جلة لا يترك كله.
إن هذا العمل الأدبي الذي أتحف به أخي العزيز عمر المكتبة العربية، أعده من أجل الأعمال التي يعز على المرء أن يجدها في كثير مما شاع من الإبداع في أيام الله هاته، ولعله من نافلة القول أن أنبه هنا الى ما كنت قد ذكرته لصاحب العمل، بخصوص قيمة ما جاء به، فالرواية تستحق الفوز بالمراتب العليا في مسابقة من المسابقات التي تعقد هنا وهناك.
إن هذه القيمة تعلو كثيرا حينما نعلم أن صاحب العمل ليس ممن اتخذوا الأدب حرفة، ذلك لأنه هاو من الهواة، وطالما بز الهاوي المحترف وعلا كعبه عليه. بل إن الأمر لا يقف عند هذه الحدود، وإنما يتجاوزه ليخبرك أن المبدع قد من الله عليه بعبقرية متميزة مكنته من أن يحقق بهذا العمل مبتغاه الراشد الى حد بعيد، فخدش المشاعر الذي يثقل "الفن" السائد ويغزو مواده من كل جانب، ينأى هذا العمل بنفسه عنه كثيرا، نظرا لأنه يعتمد الظلال الدلالية والإيحاءات التعبيرية التي تفسح المجال أمام الذاكرة لكي تستحضر كل ما يجود به اللفظ من قوة استدعائية ، ولذلك فهو يمثل السهل الممتنع الذي يتفاوت الأدباء و المبدعون في الوصول إليه.
لقد قام أمر الكتابة بهذا الخصوص على قضية من أخطر القضايا التي غدت تتسرب الى كثير من الأسر لتمسها في وجود معيليها، أو حياة من يعقد عليه الأمل في أن ينتشلها من براثن الفقر المادي والمعنوي.
كما قام على علاقة الذات بالآخر، فاسترجع كثيرا من ملامح الماضي مقارنة بملامح الحاضر، في عرض يمدك التصوير الفني فيه بمتعة تكسبك مردودا نفسيا، وتعرض بين يديك الوقائع المعيشة، فتجعلك تحس وكأنك تراها رأي العين، ذلك لأن العبقرية الفياضة التي يتمتع بها صاحب العمل في الفن التشكيلي تجد لنفسها موقعا/مواقع في التصوير الفني الممتطي صهوة العبارات والتراكيب.
إن الفن لكي يكون بانيا ليس شرطا فيه أن يكون مجموعة مواعظ، وإنما الشرط فيه أن ينأى بنفسه عن إثارة ما ليس مثارا، وأن يزج بنفسه في المعابر التي ترمم الثلوم، وتقيم الدعائم لما صار مهددا بالسقوط والضياع من القيم، فتلك وظيفته البانية، وذاك مساره الذي ينبغي له أن يلزم عبور معالمه، وهو الأمر الذي يرسم هذا العمل بعض ملامحه بوضوح.
إن هذا القول تتفاعل فيه مجموعة عناصر، كل منها يحث خطاه من أجل الإسهام في إخراج النص السردي،أخيرا،مخرجا حسنا،وإكسابه رونقا طيبا لا يتأتى لكثير من الأقوال التي انخرطت في هذا الطريق، وشقت هذا المسار. وهو ما يجعل ملامح الفن الراقي تطل من خلال ثناياه التي نرجو لها أن تستوي على سوقها في يوم من الأيام، وتتربع على كرسي الفن الخادم للبلاد والعباد في المستقبل القريب، وما ذلك على الله بعزيز.
وفقك الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبد السلام رياح
تازة الجمعة 30/03/2007
كلمة الغلاف
(هي عاشقة والبحر شاهد) رواية ريفية كما يبدو لأول وهلة.
فضاءاتها ريفية، شخصياتها ريفية،وحتى موضوعاتها
(الهجرة والغبرة) هي موضوعات ريفية بالأساس.
غير أننا نحس ونحن نتقدم في قراءة الرواية أن الشخصيات
والموضوعات ترتفع الى مستوى إنساني فوق الجغرافيا وفوق
الأجناس والأعراق، وتغوص الى مستوى عاطفي ووجداني عميق
يلامس الألم البشري الواحد تحت مظاهر الاختلاف.
وبذلك تجمع ( هي عاشقة و البحر شاهد ) بين الخاصيتين الكبيرتين
لهذا الجنس الأدبي الفريد ; الرواية :
- خاصية المحلية، من خلال التفاصيل الشديدة الخصوصية
- وخاصية الإنسانية، من خلال العواطف العميقة والعلاقات المتشابكة
والمصائر المضطربة.
وفي ذلك كله إمتاع للقارئ من جهة، وإرهاص من جهة بمولد روائي مغربي متميز.
احمد بوزفور
الدار البيضاء
-----------------------------------------
25 درهما
photo
عمر الصديقي
من مواليد تازة سنة 1969
إطار إداري بالقطاع العام
فنان تشكيلي
1988 أول معرض تشكيلي جماعي
بدار الشباب أنوال تازة
1989 باكلوريا شعبة الآداب
1991 دبلوم الدراسات الجامعية العامة في الحقوق
1993 إجازة قي القانون العام شعبة العلوم السياسية
1996 معرض فردي بقاعة كليلة و دمنة بالرباط
1997 المشاركة في مهرجان الموسيقى
والفنون الشعبية بتازة
1999 معرض بقاعة التكوين المهني بفاس
2005 المشاركة في الأيام الثقافية الامازيغية الأولى
بالكلية المتعددة التخصصات بتازة.
2005 المشاركة في دورة تكوينية في علم المتاحف
بباريس فرنسا
- نشر مقالات ونصوص شعرية بالعربية والفرنسية
والأمازيغية بمختلف الجرائد الوطنية
لوحة الغلاف للفنان : عمر الصديقي
تعليق