السِّرداب
كانَ الشَّارعُ غاصَّاً بالسياراتِ المتراصَّة في أشكالٍ مرتبكةٍ … تعطلت إشارات المرور … وانتَشَر الضَّجيجُ بلا رحمةٍ …
لم يَحتمل… أخَذَ يتلفت حَوله بَاحثاً عن سَببِ ما يَحدُث … رَأى مَوكِباً من النَّاس ، يسير بالخُطواتِ الجنائزيةِ خَلف سيَّارة تقل نَعشَ ميتٍ … بينما المصورون يَنقلون الأحداث على الهواء …
اسْتبدّ به حُبّ الاستطلاعِ … اندسّ بين السَّائرين … وانسَجَم معهم في السَّيرِ الحزِين … حتّى تسَللتِ إليه مَشاعر المللِ … مَالَ عن يَمينهِ… سَأل أحَد المُشيعين :
- مَنْ مَات ؟!
رَمَقَه الرجلُ بطرفِ العينِ … أشَاح نَظارته برفقٍ … ثم … رفعَ حَاجبه وسَأله بِدهشةٍ :
- ألا تعرف مَن مات ؟
- كلا …
قال الرجلُ باستِخفاف :
- إنَّه الحَاكم …
صَدَمه الخَبَر المشؤوم … نَزلَ على رأسهِ كالصَّاعقةِ … تَململ وتحَوقَل … ثم أطرَق لشيء في نفسهِ … هَمسَ :
- هذه سُنَّة الحياة !
مَالَ عليه شَخصُُ يسير عن يسارهِ … قَال بصوتٍ خفيضٍ :
- سَمعت أن الحَاكم تَرك كنزاً في وصيتهِ …
- أي كنز ؟
- لا أعلم …
ثم سَكتَ فجأة ، وهو يتلفت حَوله بتوترٍ … وتركه غارقاً في بَحرٍ من الظنونِ …
***
وعند المقبرةِ الفَخمة ؛ توقف الموكب … وشَرعَ المسئولون في إقامةِ مَراسم الدَّفن …
اعترته رغبةُُ في متابعةِ الأحداثِ … تسلَّق سُوراً قَريباً ، وانهمك في المُشاهدةِ …
كانت أرملةُ الحَاكم تبكي في حدودِ اللياقةِ … يلتفّ بها المسئولون في ثيابهم الأنيقةِ …
ثم دويَّ صَوتُُ فجأة بالنداء الوطني … فانتصبَ المشيعون … وارتفعتِ موسيقى السَّلام الوطني …
تَقدمتِ السيّدةُ بخطواتٍ ملتزمةٍ … توقفتِ في مواجهةِ حَارس الشَّرف … أخذَ الحَارس يُحرِّك سيفه … ثم أطلقَ صَيحةً عاليةً … وأفسح الطريق … دنت فتاة ترتدي ثوب الحُزن … أهدتِ إكليل الزهورِ إلى السيدةِ … وتَراجعتِ …
اتجهتِ السيدةُ إلى العَربةِ المقلة للنعشِ … قَبَّلتِ الإكليل … وضعته فوق التابوتِ … وتراجعتِ خطوتينِ …
اتخذَ المشيعون وضع الثباتِ… وأعلنَ الحِداد … بينما الموسيقى النحاسية تعزف أنشودة الوداعِ …
ثم تَقدَّم الحَمَلةُ … وحملوا التابوت إلى داخل الضريحِ …
لم تمضِ سوى بضع دقائق حين انهوا مهمتهم … وخَرَجوا …
فتوقفت الموسيقى عن العويل … وشَرع المسئولون يُصافحون السيدةَ آسفين …
***
- هل نَعود لقراءة الوصيةِ ؟
فأدرك أن ما سَمعه لم يكن مَحض خيالٍ …
***
مَضَى من الوقتِ غير قليل … حتَّى مَلَّ الناسُ … وأرَّقهم طُولِ الانتظارِ …
ثمَّ خَرَجَ حَارسُُ في عَجالةٍ من أمرهِ … حَدَّث المصورين … وأصطحبهم إلى داخل القَصرِ …
***
- كَفى ضَجة !
رَمقهُ بعضهم باستنكارٍ … حَاول تحاشي نظراتهم … ابتسَم آسِفَاً ، قال مُفسِّراً :
- وصية الحاكم !
ثمَّ جَلَسَ ليتابع الأحداث … ولكن بعد أن سَادَ الصمتُ جَـوَّ المقَهَى …
***
- الوصية !
قَرَّب المصورون المَنْظَر … كَثَّفوا اللقطةَ على يَديهَا … وما كادتِ تقرأ حتَّى تَحولتِ العَدَساتِ إلى وجهها … فَمهَا :
- أُوصِيكم أنا حَاكم البلاد الشَّرعي بما هو آتْ : " تَركتً لكم مَعيناً لا يَنضب ، بَحراً لا يَجفّ ، كَنزاً حقيقياً … إنَّه هَديتي إلى شَعبي الكريم … لقد تعلمتُ من تَجاربي الحياتيةِ أنها أعظم ما يُهدى … فإن أحَسنتم رعايتَها فَلنْ تَغِيب عنْكُم شَمسُ السَّعادةِ الأبَديةِ إنَّها ..."
تَلاشَى الصَّوتُ فَجأة بسبب عُطلٍ فنيٍ … سَرعان ما عَادَ مرَّة أخرى … وكانت السَّيدة قد انتهتِ من القراءة … وشَرَعتِ تَطوي البَرديةَ في صَمتٍ …
اهتَزَّت الصُّورةُ على الشَّاشةِ … ثم انقَطَع الإرسَال فجأة … فاهتاج رُوَّادُ المَقهَى … حتَّى عَادَ البثُّ من جديدٍ …
تَجمع المسئولون في سِردابٍ تَحت الأرضِ … المكان موحشُُ ومخيفْ … ضَاعت معالمه بفعلِ الزَّمنِ … أمسَتِ حياته مُقفرةً … وعششتِ العناكبُ في أنحائهِ …
بَدَتِ السَّيدةُ مُشمئزةً … فآثرَت عَدم الظُّهور أمام كاميراتِ المصورينِ … لكنَّ أحَدَاً منهم قَد اختلسَ لحَظةً لإبراز ردّ فِعلهَا…
وبَعد لَحَظَاتٍ … دَنَا حَارسُُ من بَابٍ قَدِيمٍ … نَفَضَ عنه الأتربةَ الكثيفةَ … تراجَع … مُتَخِذاً وَضع الاستعدادِ … انْدَفعَ بكلِّ قوتهِ جَهةَ البَابِ … صَدَمه بكتفهِ صَدمةً قويةً … فانفتَحَ البَابَ كاشِفاً عن فَراغٍ فَسيحٍ … ليَجدُ الهَواء الفَاسِد مَنفَذاً …
دَخلَ الحَارسُ دِهليزاً مُظلماً … بينما تَبعه المُصورون بأضوائهم … فاسْتحالتِ الظُّلمة نَهَاراً..
جَلَسَ الحَارسُ مُتكئاً على قَدميهِ … أخَذَ يُفتشُ عن شَيءٍ بين الأشياءِ … حتَّى دَبَّ التعبُ بين عُروقهِ … وتفصَّدت منه حبَّاتِ العَرقِ … مَسَح العَرق … ونَهضَ … حَاملاً بين يديهِ شيئاً ما … سأله أحدُ المسئولين :
- هل وجدته ؟
- نعم …
***
***
- الإرسال ! الصُّورة !
و انْضَبط الإرسَال …
كان السِّردابُ شَاغراً …
قَرَّب المصَورون المَنظرَ … كَثفوا عَدساتهم … كانت الأرضُ تَئنُ من قِطعِ الزُّجاجِ المُتناثرةِ … فانهمكَ النَّاسُ في الضَّحكِ … وانقطَعَ الإرسَالُ … مُخلِّفاً في النفوسِ آثاراً غريبةً …
***
وفي لحَظةٍ … غابَ فيها عَقله عن واقعِهِ … تَسَلّق سَور القَصر العمومي …
صَوَّب الحَرسُ بنادقهم نحوه … لَمْ يَنتبِه إليهم … هَتَف :
- يَحيا الحَاكم ! …
فامتزجَ صَوته بِصراخِ الطلقاتِ …
تَرنحتِ به الدُّنيا وتَرنَّح بها … أنشَأ يَرقصَ فوقها على أنغامِ السَّعادةِ والألم … ويُغني بدموعِهِ غناءً صَامتاً … لم يسمعه غيره... ثم سَقـطَ مُبتسِماً …
***
تعليق