رواية " سندباد فى بلاد الخرس "

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    رواية " سندباد فى بلاد الخرس "

    سندباد في بلاد الخرس

    1 ) قارب النجاة

    كان " سندباد " يتساند إلى سياج السفينة يطالع المسافة بمنظاره الخاص ، يحدد بدقه الوقت و المسافة ، الطريق وعرة ، و الأمواج لا أمان لها ، و اليابسة هناك ما تزال بعيدة 00 بعيدة خلف السحب ، بعد قليل رفع سندباد وجهه لأعلى ، و شد قامته ، ومن خلال منظاره أيضا ، راح يتابع النجم السيار ، وحيدا كان يتحرك معه ، ومع رجاله ، يتابع صورا 00 صورا بديعة ، شكلتها السحب ، سرعان ما تفككت ، و ذابت ثم اكفهرت السماء ، ها هي ذي سحب كثيفة ، ترخى ظلها ، فيشحب الكون ، و يصفر لونه . أفزع " سندباد " ما رأى ، و انقبض صدره ، و تأكد له وقوع الكارثة ، فالجو ينذر بعاصفة شديدة ، ربما كانت بعيدة المدى ، ماذا يفعل ؟ دار حول نفسه ، و لف هنا و هناك و شفتاه تتمتمان :" سترك يارب السماء" أشفق سندباد على أهل بلاده ، هناك ينتظرون على أحر من الجمر ، ينتظرون عودته ، هم في حاجة ماسة إلى الدواء ، فمنذ شهور عدة ، و هو يدور و يطوف فى أرجاء المعمورة ، بحثا عنه ، و هم ينتظرون ، وهو يدور ، و ها هو عائد إليهم بالفرحة و الفرج ، استفحل الداء يا سندباد ، كان يسمع أصواتهم ترن في أذنه ، هنا تذكر شيئا ، فضغط على الحزام المشدود إلى وسطه ، و أخرج من بين ثناياه البنورة المسحورة ، حدق في زجاجها ، و لسانه يردد : " بنورة 00 يا بنورة 00 يا أميرة يا مسحورة 00 بحق علام الغيوب .. و اللوح المكتوب ، و رافع الكروب 00 اكشفي ما خلف الغمام 00 و ما بين السهوب 00 هاتى المطلوب ، في الحال يا أميرة " ، ثم سكت ، انتظر رد الأميرة ، لم يظهر شيء على زجاجها ، فعاد مرة أخرى يردد ما سبق قوله ، لكنه لم ير شيئا 0 الجو من حوله يصفر ، و صوت الريح يتردد ، و يعلو شيئا فشيئا ، تذكر سندباد الزهرة السوداء ، البنورة لا تعمل إلا بعد فركها بالزهرة السوداء ، هكذا قالت نقوش تاج الملك " امنمحتب "، والزهرة السوداء أصبحت معه ، في خرجه ، بعد بحثه عنها ، منحة إياها الملك النعمان سلطان جزيرة المرج ، كما أعطاه الدواء ، بعد مغامرات و متاعب لا حصر لها ، الناس فى بلاده ينتظرون عودته سالما ، و لابد من عودته بالدواء 00 لابد .
    أعطى " سندباد " آخر تعليماته لمساعده ، و ناشد البحارة بأخذ الحذر و الحيطة ، و مراقبة ما يطرأ ، فالحال غير مطمئنة بالمرة ، ثم أسرع بالنزول إلى قاع السفينة ، و حين أصبح في قمرته ، أخر خرجا كبيرا ، منتفخا ، عليه نقوش الملك النعمان ، و فك رباط الخرج ، و التقط من داخله زهرة سوداء ، ثم أعاد إحكام الرباط ، و بحرص كان يفرك البنورة بالزهرة ببطء يفرك ، و شفتاه تتمتان : " بنورة 00 يا بنورة 00 يا أميرة 00 يا مسحورة ، بحق علام الغيوب و اللوح المكتوب 00 و رافع الكروب 00 اكشفي ما خلف الغمام 00 و ما بين السهوب 00 هاتى المطلوب 00 في الحال يا أميرة " 00 ثم سكت سندباد ، و انتظر قليلا ، و ظهرت الصور على زجاج البنورة ، استجابت الأميرة ، فحملت ما يريد ، رأى غريقا يقاوم الأمواج ، ها هو أمامه يطلب النجدة ، يكاد يغرق 00 يغرق ، بجانبه كان قرد ، يشبه القرد " رعد " قرده هو فجأة تسلق الغريق القارب المقلوب ، و راح في سبات عميق ، إلى هنا و انقطعت الصورة تماما ، عاد يفرك البنورة ببقية الزهرة ، و يردد نفس الكلمات السابقة ، يطلب منها رؤية وطنه و أهل بلاده ، هاهم أمامه ، هاهم يئنون من الداء اللعين ، هاهم ينادون باسمه " سندباد 00 أسرع يا سندباد " لأول مرة يكره سندباد كلمة السلام .. إنه يحبها ، كان يحبها ، لكنه ما عاد منذ وقع السلطان عقد الصلح مع الروم ، و بلاده لم تر يوما سعيدا ، ظهرت الأمراض و الأوبئة ، بشكل مرعب ، لكنه عاد يقول السلام أعظم كلمة في الوجود 00 و الإنسان في شره يبدل معنى الجمال 0 حين نزل سندباد بوادي الملوك كما قالت العرافة ، و عس بين توابيت الموتى ، و نبش في الحجارة ، و جد البنورة ، في تابوت الملك ، كما رأى نقوشا على صولجان الملك 00 تقول باستطاعة البنورة رؤية المستقبل ، لو فركت بنوع من الزهور السوداء ، وهذا النوع نادر الوجود ، و في رحلة البحث عن الدواء تصادف وجود هذا النوع من الزهور في بلاد الملك النعمان ملك جزيرة المرج كان يفكر كثيرا لو قامت العاصفة كما رأى ، ضاع الرجال ، و ضاعت السفينة ، وضاع الدواء ، سجد سندباد على الأرض فجأة ، و رفع وجهه نحو السماء ، مد ذراعيه ، بالله يستعيذ من الشر القادم ، و يطلب العون ، ثم مسح على وجهه براحتيه ، و اعتدل واقفا ، فجأة كان القرد " رعد " فوق كتفه ، ثم نط هنا و هناك ، و أدى وثبات من شأنها إثارة ضحك السندباد ، و لم يتوقف " رعد " حتى استقبله سندباد ببسمة كبيرة ، و أخذه بين ذراعيه .. تمايلت السفينة ، و بدأ صوت الرياح يعوى ، فخرج سندباد مسرعا ، يتفقد الأحوال ، ها هي العاصفة أقبلت ، و ها هم البحارة يقاومون ، يعملون على منع الكارثة ، نشيطون هم يجدفون بقوة و استماتة ، الأمواج تعلو 00 تعلو ، تحطم سياج السفينة ، تملأ سطح السفينة بالماء ، تتدحرج الأشياء ، يسحبها الموج إلى البحر ، تتمايل السفينة ، بقوة تتمايل ، يخوض سندباد معركة أخيرة مع الأمواج ، و لكن الموج يعلو ، السفينة على وشك الغرق ، فينط سندباد عائدا إلى قمرته ، و يفض الخرج ، يضع البنورة بين الزهور ، ثم يحمله ، و يتقدم إلى الخارج ، بصعوبة كان يتحرك ، يطلب من الرجال مغادرة السفينة ، السفينة تغرق ، يتشدد فى إلقاء الأمر : " غادروا السفينة 00 هيا بسرعة " نادى سندباد على رعد ، فأقبل عليه ، و حط فوق كتفه ، و بسرعه كان يبحث عن قارب نجاة 0
    أصبحت مقدمة السفينة تحت الماء ، تناثر الرجال ، تساقطوا بين الأمواج المتلاطمة ، واحدا وراء الآخر ، الصيحات تعلو ، طالبة الإغاثة ، مازال سندباد يدور ، فك رباط القارب ، ثم ألقى بنفسه في القارب وهو يحمل على كتفه الخرج – خرج الدواء – و على الكتف الثانية رعد ، و اندفع القارب كقشة في مهب الرياح ، يرتفع عاليا ، ثم يسقط ، و الأمواج تصفعه هنا و هناك ، بلا رحمة ، و فجأة انقلب القارب ، أصبح سندباد تحته ، و القرد رعد يصرخ ، و يصرخ ، و سندباد يقاوم 00 يقاوم و يقبض بأظافره على الخرج ، وعلى رعد ، تعلق" سندباد " بالقارب ، رفع القرد " رعد " على ظهرالقارب ، ووضع أمامه الخرج ، و ظل معلقا هكذا ، القارب يلاطم الموج ، يندفع بأقصى سرعة ، ثم فجأة انقشع الغبار ، و توقفت العاصفة ، هدأت الأمواج تماما ، و ظهرت الشمس 00 ظهرت قوية 00 فاتكة ، و القارب يحمل على ظهره قردا 00 و خرجا 00 و سندباد يتعلق به ، أحس سندباد بالضعف يمتد في كل جسده و أن قوته تخور ، تخور ، فتسلق القارب 00 مرة 00 مرتين ، حتى أفلح في الصعود ، ثم غاب عن وعيه 00 القارب يتقدم من بقعة إلى أخرى ، ارتعد جسد سندباد ، و ارتفعت حرارته ، و القرد " رعد " ينط و يحط كأنما أصيب بضربة شمس ، وهو يلهث من العطش و الجوع ، و القارب يتقدم ، فأت يوم 00 يومان دون أن يتوقف ، سندباد غائب عن الوعي .
    في مساء اليوم الثالث ، و القمر قرص فى صفحة السماء و النجوم تحيط به كيوم عيد 0 اقترب من قارب سندباد قارب يحمل شبحين ، أحدهما لرجل كهل ، و الآخر لفتاة دون العشرين .قالت الفتاة لأبيها : " غريق يا أبى " 00 فرد عليها الوالد " هيا 00 هيا أسرعي 00 لنقترب منه " ، راحت الفتاة التي كان اسمها " ضحى " تجدف بقوة ، و المجداف يكاد ينكسر بين يديها ، الوالد يدفعها إلى المزيد من الجهد : " لابد أنهم في حاجة ماسة إلى العون 00 هيا يا ضحى " راحت ضحى تقلب في سندباد ، و تضع أذنها على صدره ، ثم بفرح تقول : " ما زال حيا 00 ما زال حيا " ، قال الوالد " اتركيه لي 00 و انظري ما بجانبه " تقلب ضحى في الأشياء ، كان القرد " رعد " مريضا هو الآخر ، و كانت حروق كثيرة فى جسمه 00 " إنه مريض هو الآخر 00 يا أبى " .
    حين وصلوا إلى الشاطئ ، نقل الوالد و الفتاة التي اسمها ضحى سندباد و القرد " رعد " و خرج الدواء إلى الدار ، و كم تكلف هذا من عناء و تعب .
    sigpic
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    ااااااااااااااااااالله

    تصدق بالله

    أنا رجعت معاك لمراحل كانت تروحي بتهفهف عليها

    ربنا يعطيك الصحة يا شيخ و يفضل قلمك يخوض في رحلات السندباد

    *****

    أحب قلمك سيدي بمختلف مراحله ,,

    سلم يرعاك و سلم القلم ,,
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #3
      أخذتني سيدي لما أحب أن أقرأ
      و أحب ان أكتب ... "البحر"

      يا لها من كلمة أغرقتني و أكلت من قريتي الكثير ..

      البحر سيدي موضوع عميق لن يترك أي كاتب ,, وهذا ما سأعرض جزء منه في قصتي القادمة ربما بعد يومين حسب مشيئة الرحمن ..

      أحب هذه المنطقة ربيعي و أحب أن أبحر فيها كما كنت من فترة ليست ببعيدة مع والدي صبحه الله بالخير و لذا سأهديه عملي القادم اعترافاً بالجميل ,, كم أحبه ربيعي و دائماً أجده معي .. في يقظي و منامي و لهذا ربما سيصبح بطلي في الأيام القادمة ,,
      حبيبي العم ابراهيم
      حبيبي ربيع الغالي ..
      لكما مني أجمل السلامات و أرق القبلات لجبينكم الطاهر ,,

      تلمس لي العذر سيدي للولوج ثانية بهذا الشكل ,, فهي لحظة دنت فيها روحي لما أشتاق و انحرمت منه .. لكن سندبادك و بحرك ربيعي هما السبب ,, جددا اشتياقي ..
      محبتي و أعتذر ..
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      • ريمه الخاني
        مستشار أدبي
        • 16-05-2007
        • 4807

        #4
        انت تبحر بنا لعالم المدينة الفاضلة شبة المنقرضة...
        عالم خيالي رائع
        تحيتي لقلمك الباذخ السخي

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
          ااااااااااااااااااالله

          تصدق بالله

          أنا رجعت معاك لمراحل كانت تروحي بتهفهف عليها

          ربنا يعطيك الصحة يا شيخ و يفضل قلمك يخوض في رحلات السندباد

          *****

          أحب قلمك سيدي بمختلف مراحله ,,

          سلم يرعاك و سلم القلم ,,
          هم سبع رحلات محمد تم نشرها بالكامل فى مجلة ماجد الإماراتية .. و لكن للأسف حذفوا من على الجهاز ، و أنا الآن أقوم بنسخها من المجلة نفسها ، تمنيت لو الأصل موجود لكان أفضل بكثير ، فأنت تعرف أن كل مجلة لها رونق و توجه

          هى رحلات مبتكرة ومؤلفة ، لا تحمل من السندباد فى ألف ليلة وليلة إلا الاسم و البحر !!

          محبتى محمد .. أنا مثلك أحاول حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
            أخذتني سيدي لما أحب أن أقرأ
            و أحب ان أكتب ... "البحر"

            يا لها من كلمة أغرقتني و أكلت من قريتي الكثير ..

            البحر سيدي موضوع عميق لن يترك أي كاتب ,, وهذا ما سأعرض جزء منه في قصتي القادمة ربما بعد يومين حسب مشيئة الرحمن ..

            أحب هذه المنطقة ربيعي و أحب أن أبحر فيها كما كنت من فترة ليست ببعيدة مع والدي صبحه الله بالخير و لذا سأهديه عملي القادم اعترافاً بالجميل ,, كم أحبه ربيعي و دائماً أجده معي .. في يقظي و منامي و لهذا ربما سيصبح بطلي في الأيام القادمة ,,
            حبيبي العم ابراهيم
            حبيبي ربيع الغالي ..
            لكما مني أجمل السلامات و أرق القبلات لجبينكم الطاهر ,,

            تلمس لي العذر سيدي للولوج ثانية بهذا الشكل ,, فهي لحظة دنت فيها روحي لما أشتاق و انحرمت منه .. لكن سندبادك و بحرك ربيعي هما السبب ,, جددا اشتياقي ..
            محبتي و أعتذر ..
            و أنا أحبك كولد لى لم تلده زوجى
            و أحب ابراهيم لأنه أبوك محمد !!
            سررت بما قلت حبيبى
            معك حتى آخر الرحلات و البحر الذى نحب و نخاف !

            خالص محبتى
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ريمه الخاني مشاهدة المشاركة
              انت تبحر بنا لعالم المدينة الفاضلة شبة المنقرضة...
              عالم خيالي رائع
              تحيتي لقلمك الباذخ السخي
              ليس من مدينة فاضلة سيدتى ريما ، إننى على تخوم بلاد الخرس
              و هو السندباد يعالج أمراضا عصرية كانت نتيجة السلام و الصلح مع العدو
              الأزلى !!

              سررت بمرورك أستاذة ريمة

              خالص احترامى
              sigpic

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                ( 2 ) سبحان الله

                كان الشيخ الكبير اسمه " فاضل " ، و هو صياد طيب يحب الناس ، و معروف عنه الكرم ، و الجود ، و المروءة و هكذا نجد أن سندباد وقع فى أيدى أمينة ، فلم يقصر الشيخ و ابنته فى رعايته ، فور عودتهم ، بل سعى الشيخ فى ظلام الليل صوب دار طبيب البلدة ، و سهر حتى الفجر ، إلى أن انتهى الطبيب من إسعافه و فحصه ، و لم يشعر بتعب إلا عندما فاجأهما الطبيب بأن سندباد مصاب بنوع خطير من الحمى و لو لم يتناول الدواء فورا ، أصبح عرضة لمضاعفات خطيرة ، قد تؤدى إلى هلاكه ، أشفق الشيخ على سندباد ، و امتلأ وجهه بالحزن ، لعدم استطاعته عمل شيء ، حيث يتطلب علاجه الخوض أسفل جرف المدينة ، عبر مستنقعات و برك ، تعد مرتعا لنوع من الحيات السامة ، حيث يبلغ طول الواحدة ثلاثين ذراعا ، و لكل حية سبع رؤوس ، كما تظلل سماء الجرف مئات من الخفافيش كبيرة الحجم ..احتار الشيخ ، و أحس بالعجز ، فهذه رحلة تتطلب قوة و شبابا ، و هو لم يعد شابا ، لقد كان فى شبابه كتلة من الحيوية و النشاط ، و ها هو عاجز ، و أمامه مريض موشك على الموت ، و لابد من إنقاذه .
                فجأة وقفت ضحى أمامه ، كانت ترتدى ملابس الرجال ، وحزام والدها مشدود إلى وسطها ، تتدلى منه مخلاة من أقمشة الخيام ، و سيف لامع ، و مصباح مملوء بالزيت ، و فى قدميها حذاء برقبة عالية ، كرحالة محنكة وقفت أمام والدها
                قالت ضحى " لابد من إنقاذه ياأبى 00 سوف تتألم كثيرا لو وقع له مكروه "
                خفض الوالد رأسه أسفا ، و قال : و لكنك ! إني خائف عليك يا ضحى "
                ردت ضحى بثقة : " الحارس الله 00 لا تخف يا أبى 00 ادع لي " ، كان خوفه عليها ينبع من كونها فتاة فقط ، و ليس لضعف فيها ، فدائما ما كانت تخرج للصيد ، وحدها تجدف ، وترمى الشباك ، و تسحبها مملوءة بالخير 0
                و أمام إصرارها العجيب سلم الشيخ بالأمر ، وودعها وهو يربت على كتفها حانيا ، ثم زودها ببعض التعاويذ و الأوراد ، و تركها تمضى .
                مضت ضحى فى ظلام الليل ، و النهار على وشك الإصباح ، غير خائفة تقدمت ، قوية انحدرت ، انحدرت أسفل المدينة 00 إلى الجرف الوطىء ..ساعة وصلت أسفل الجرف ، قابلتها أعداد هائلة من البعوض ، هاجمت ضحى ، فتراجعت قليلا ، و التقطت أنفاسها ، كان الأزيز عاليا عاليا جدا ، و مع ذلك تقدمت .لم يكن أمامها وقت للتراجع ، تقدمت ، خاضت فى البرك و المستنقعات ، الأزيز يعلو ، هاجمتها جيوش البعوض ، بكفيها أخذت تبعدها ، تبعد بقدر ما بطاقتها ، لقد نسيت تماما أمر هذا البعوض ، كان يجب دهان الأجزاء المكشوفة بمادة دهنية ، و لكن فى غمرة إحساسها بالواجب غفلت هذا الأمر ، تكاثرت أعداد البعوض ، هرولت ضحى 00 جرت هنا و هناك ، و البعوض يلاحقها كوحوش مجنحة ، قرصات و لدغات البعوض تتزايد ، كأنها طعنات خنجر ، قلت أعداد البعوض 00 قلت ، تلاشت ، حمدت ضحى الله ، الوخز يمتد فى كل جسدها ، و لكنها تتقدم ، تتقدم ، ثم اكتشفت أنها محاصرة ، و امتلأت الأرض بالحيات ، شيء رهيب ، حيات كثيرات ، لا أول لها ولا آخر ، كل حية بسبع رؤوس ، رؤوس كثيرة تمتد إليها ، تتحين الفرصة لتنال منها ، بثبات قرأت ضحى بعض ما ردد أبوها من تعاويذ و أوراد ثم باغتتها ، و امتطت ظهرها ، و قد قبضت على جمجمتها بقوة وزحفت بها الحية إلى حيث واحة الزهور الطبية ، و صليل الحيات يعلو من حولها ، و فحيحها يدوى ، يكاد يصم الآذان ، أخرجت ضحى سيف والدها اللامع ، و لوحت به ، وراحت تحركه فى الهواء ، فأفسحت لها الحيات الطريق ، تقدمت على ظهر الحية الكبرى ، وكلما استعصت عليها ، و مكرت ، قرأت المزيد من الأدعية و لوحت بالسيف ، فجأة انتشرت أعداد من الخفافيش ، تحوم حول رأسها ، تشاكسها ، و تحاول خطف السيف منها ، تسحب ضحى المصباح من حزامها ، تشعله ، يضىء ، تسطع أنواره ، تخاف الخفافيش ، تبتعد ، لم تعد ترى شيئا ، ها هى تتخبط فى بعضها البعض .
                كانت ضحى على يقين ، لن يخذلها الله سبحانه ، و الحية تتقدم بها ، إلى واحة الزهور ، تحاول الحية الالتفاف حول ضحى ، كانت ضحى حريصة تماما ، تسدد السيف إلى رقبتها ، تهددها ، تعود الحية إلى طبيعتها ، تعتدل ، و بسرعة كانت ضحى تملأ المخلاة بالزهور ، بينما الحية ترتخى تحتها ، كأنها حبل طويل. تقطف ضحى و هى تردد " للخير 00 لا للشر ، جئت أطلب المساعدة " تتحرك الأشجار ، و تتمايل طربا ، و تسمع ضحى صوتا يردد : " خذى ما شئت يا ضحى ، خذي كفايتك ، و ارحلي بسرعة " .
                تجمع ضحى الزهور تعبىء المخلاة ، تتقدم بالشكر للأشجار الطيبة ، و حين همت بالعودة من حيث جاءت تسمع صوتا آخر يحادثها : " خذي منى ، سوف تحتاجين زهوري كي تنفذى من بين الحيات 00 بدون زهوري لن تعبري " تبتسم ضحى تحية و تنعطف تجاه الشجرة ، و تقطف من زهورها ، تتمايل الشجرة ، و تقول : " انثرى أوراق الزهور على الجانبين ، فسوف تنام الحيات في الحال ، أما هذه فقد نامت " وهى تشير تجاه الحية الكبرى تحتها ، كانت فعلا راقدة ، ارتخى جسدها ، و راحت في سبات عميق .
                تكتفي ضحى ، و تتقدم ، فإذا صوت ينادى عليها : " أنا أطهر الجروح و مواضع القرص و القروح ، فلا تنسى يا ضحى يا ابنة الشيخ فاضل " .
                تتهلل ضحى فرحا ، هذا الجمال المنقطع في وسط الجرف ، سبحان الله . تقطف ضحى ، و تكتفي ، تتقدم لتلحق بالمريض المحموم ، تنطلق بين الحيات ، وهى تنثر أوراق الزهور هنا و هناك ، فترتمي الشريرات على الجانبين ، بلا حراك ، ولا تصدر فحيحا ولا صليلا ، و المصباح يبعد الخفافيش ، يطيرها 00 بعيدا ، و كلما شعرت ضحى بنور المصباح يخفت 00 و يخبو تسرع ، تهرول قبل أن ينفد الزيت .
                كان الشيخ " فاضل " ينتظر ضحى أمام كوخه ، يروح و يغدو ، يبتعد قليلا ، ثم يعود إلى موضعه ، كان في صلاة لا تنتهي ، و دعاء توسل و تضرع على الله ، فضحى ابنته الوحيدة ، و هي سنده في الدنيا ، و الجرف يشبه المتاهة ، النازل إليه مفقود ، و الطالع منه مولود
                حين أبصرها الشيخ مقبلة من بعيد ، هلل و كبر ، و اندفع بكل قوته ، و احتضنها ، ثم تقدم بها إلى الداخل ، و بسرعة كان يعد الدواء للمقرور المبتلى ، و من بعد يسقى سندباد ، وبنفس الدواء و بنفس الحب يعطى القرد ( رعد ) ، و ضحى تحكى له ما تعرضت له من مصاعب و أهوال ، ثم تذكرت زهرة القروح ، فشعرت بجسدها كله ، أوجاع هنا و هناك ، قامت على الفور ، و راحت تطحن الزهور و تخلطها ببعض الزيت ، و تعجنها جيدا ، ثم تطيب موضع القرصات ، تحركت إلى موضع نومها ، و نامت .
                ظل الشيخ لأيام يقدم الدواء لـ " سندباد " و القرد " رعد " ، حتى كتب الله لهما الشفاء .. ساعة أفاق سندباد طلب ماء ، ثم طلب طعاما ، ناولته ضحى الماء و الطعام ، فأكل بشراهة ، قدمت له آخر ، فأكله ، وهى تبتسم سعيدة بنجاته ، ها هى الدماء تورد وجهه ، وتدبدب فى بدنه العافية .
                كان ينظر إلى ضحى و أبيها فى استغراب و دهشة 0 حاول معرفة أين هو ؟ وفى أي البلاد يكون ؟ و من هما ؟ و لكنه لم يجد ردا منهما ، كانت ردودهما إشارات لا معنى لها ، لم يفهم مغزاها ، و فى اليوم التالي ، كان يحاول جر الشيخ فى الكلام ، لكن الشيخ لم يرد ، لم يجب سوى بإشارات ، و بلسان أبكم ، فتأكد له تماما أنه يعيش فى دار خرساء .
                حزن سندباد كثيرا 00 كثيرا ، فضحى بجمالها القاهر خرساء ، و الشيخ بطيبته و كرمه 00 لكنه بمرور الوقت تعود ذلك ، و كم أبهجه وجوده فى هذه الدار ، أصبح فردا من هذه الأسرة الصغيرة 0 يخرج للصيد مع ضحى ، ويرد بعض الجميل ، لقد نسى تماما أمر مأموريته ، التى خرج من أجلها ، و كأنها انمحت من ذاكرته ، ولم تعد تخطر له ، على بال ، و القرد " رعد " يراقبه ، و لا يبتعد عنه ، وحين أبصر الصيادين و ذويهم ، حاول مخاطبتهم ، لكنه لم يتلق ردا من أحد ، لم يجد سوى إشارات ، و ألسنة بكماء ، البلدة كلها خرساء 00 خرساء .
                حزن سندباد كثيرا ، و بدأت وحدته ، كثيرا ما يرى وحيدا ، و بجواره القرد " رعد " يحدق فى البحر الأعظم ، إلى أن عاودته ذاكرته ، فتذكر رحلة الدواء ، تذكر حاله و حال البحارة ، و كيف غرق الجميع ، و نجاته هو والقرد . دار و لف فى البلدة ، حاول مخاطبتهم ، لكنهم ؛ و هذا ما أثار دهشة سندباد ، كانوا يبتعدون عنه ، خائفين كانوا يسمعون ما يلقيه من كلمات ، كأنهم خائفون من شيء ما ، و فى الليل يختلي بنفسه ، و يفكر 00 يفكر ، و يدعو الله كثيرا ، أن يثبت عقله في رأسه ، ثم يفكر فى ضحى ، تلك الفتاة الجميلة الطيبة ، حيوية لا تكل ، و حركة دائمة ، و نشاط لا يفتر ، فجأة نادى على " رعد " و أسر في أذنه ببعض كلمات ، و ما انتهى حتى قفز " رعد " ، و اختفى خلال الدار ، و بعد هنيهة كان صوت كتغريد البلبل ينادى بفزع : " سندباد 00 سندباد " كان صوت ضحى .
                sigpic

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  3 ) القبض على سندباد

                  يدور سندباد ، و ينط فرحا ، ليست خرساء ، ير قص و يحجل ، و يندفع إلى الداخل ، يهلل فى وجه " رعد " و يحط عليه ، يقبله ، و يبعده عن ضحى ، فقد انتهت مهمة " رعد " العظيمة ، تحاول ضحى العودة إلى خرسها ، لكنه يحبط كل محاولاتها ، يدفعها إلى الكلام ، يدفعها ، يحثها بكلامه العذب الرقيق ، فيقابل بالخرس ، فيأمر " رعد " أن يفك عقدة لسانها ، وينط " رعد " و يتفنن ، و لكن هيهات ، هنا بكى سندباد كطفل ، وبلسان ممرور قال : ما عاد أمامي سوى الرحيل 00 إني راحل ".
                  يرق قلب ضحى ، وتبكى هي الأخرى ، و تقول بصوت كتغريد بلبل : " لا 00 لا ترحل " . ينط سندباد كرعد ، فيثير ضحك ضحى ، و يشرق وجهه الجميل : " تكلمى 00 تكلمى يا ضحى "
                  تتكلم 00 و تتكلم ، فيزغرد طائر القلب 00 و يعلو السحاب ، يحوم هنا و هناك ، و لم ينزل على الأرض إلا عندما قالت : " لا يهم أن أموت بعد ذلك 00 لايهم " .
                  كيف لا يهم يا ضحى ؟ و يعود يلح عليها ، يطالبها بتفسير الأمر ، و هنا تنهدت ضحى بحزن ، و من فورها كانت تحكى له : منذ شهور أصدر الوالي مرسوما ، بتجريم الكلام ، و حكم على أهل البلاد بالخرس ، فالبلدة محاطة بالجواسيس ، والأعداء يتربصون بنا ، و يجب أن تظل أخبارنا سرا لا يعلمه أحد ، و لن يتحقق هذا إلا بالخرس ، قلنا حبا و كرامة ، خاصة و نحن نشهد منشآت حربية تقام هنا ، أسطولا يتم بناؤه ، ليس أحب من مصلحة الوطن .. قال الوالي : إنه أمر ضروري حتى ننتهى من بناء الجيش و الأسطول ، و الاستعداد لمعركة فاصلة مع هؤلاء الأعداء ، فهللت البلدة ، و فرحت ، ولا سيما أن الوالى قد أعلن عقوبة مخالفة المرسوم ، و هو الإعدام فى الساحة الكبيرة 00 وفى ليلة من الليالى و كنا فى رحلة صيد ، أبصرت أنا و أبى سفينة ضخمة ، ترسو فى الميناء ، و ينزل منها مائة جمل ، و مائة إناء فخارى كبير 00 كبير جدا ، يكاد يسع الواحد وجود إنسان بداخله ، دهشنا ، خاصة و أن الوزير " شمروخ " كان فى انتظار القافلة ، نعم أبصرناه و معه بعض الحاشية قلنا نحن الصيادون : الله 00 الاستعدادات على قدم و ساق و دعونا للوطن و للوالى بالتوفيق ، و لكن حدث ما أثار حزننا ، و جعلنا فى شك من الأمر كله ، فمنذ رست السفينة التى حملت الجمال و الآنية الفخارية ، و كل ليلة نسمع إنفجارات هنا ، و نشهد نارا هناك ، و كل البيانات تقول : تسلل العدو ، و فعل كيت و كيت. سكتت ضحى عن الكلام ، و انتابتها نوبة بكاء حاد ، و سندباد فى عجب ، الدهشة تكاد تأكل وجهه ، و الألم يمتد فى بدنه ، يهم واقفا يدور هنا و هناك ، ينظر تارة فى الفراغ ، و تارة أخرى فى ضحى ، و يصمم بينه و بين نفسه على فعل شيء لأهل هذه البلدة ، إنه يدين لهم ، لقد أنقذوا حياته من الموت مرة ، و من المرض مرة أخرى 0 الأمر فيه خدعة حتما 00 الوالى يصدق على مرسوم يجعل أهل البلدة خرساء !
                  كان يحاول فك اللغز 00 بل الألغاز ، يتحرك بعصبية ، و حين عاد الشيخ من سوق البلدة ، كان سندباد يسلم بعدم علم الوالى بأمر هذه القافلة و من ثم يتوصل إلى حقيقة المرسوم الدسيسة ، حتى و إن وقع عليه الوالى 00 العيون التى ترى و تسمع ولا تتكلم 00 لا تتكلم لصالح من ؟ فض سندباد همومه للشيخ ، و رجع يسأل ضحى : ما حجم الإناء يا ضحى ؟ و هل تشبه الآنية بعضها البعض ؟ و تعود ضحى لتقول : فى وسعها احتواء رجل ضخم و زيادة، و كلها متشابهة ، و لها فوهات ، يصل قطر الواحد حوالى نصف المتر .
                  خاف الشيخ على سندباد ، فقد أحبه كولد له ، و لابد أن صاحب المؤامرة ، سوف يدافع عنها ، مهما كلفه هذا .حاول تهدئة مزاج سندباد ، و طالبه بإعادة التفكير قبل الإقدام على أى شىء ، و هو لا يقل عن سندباد غيظا و دهشا ، فقد تلمس مدى الخطر المحيق ببلاده ، و الأمر يعنيه هو قبل هذا الغريب ، لكن ابنته وحيدة ، ليس لها أحد ، لا أقارب و لا عائلة ، إنه كل عائلتها ، فكيف يكون حالها لو حدث له مكروه ، كم تمنى فى هذه اللحظة ، لو كانت ولدا ، صبيا .
                  اندفع سندباد إلى الدور ، دخلها دارا بعد أخرى ، حاول استنطاق الجميع بشتى الطرق ، حكى على مسامعهم حدود المؤامرة ، أنذرهم بعاقبة التغابي و الاستمرار فى طاعة المرسوم ، و فشلت كل محاولاته ، فشلت ، لكنه لم يصب باليأس بل كان ينتقل ، و يعاود الكرة ، مرة 00 مرات ، و لم يجد ردا ، و انشغل عن نفسه بهم ، حتى أنه غفل عن رصد العيون ، التى كانت تراقب تحركاته ، و ترصد كل خطوة يخطوها 0 و تنقل أخباره إلى الوزير " شمروخ " الذى أصدر أمرا باعتقاله .. و قبضوا عليه ، و اقتادوه إلى حيث رئيس الشرطة
                  حين وقف سندباد ، بين يدى رئيس الشرطة ، ابتدره قائلا : من أنت ؟
                  رد سندباد بجرأة : أنا سندباد .
                  ترك الرئيس مقعده و سلم عليه ، وهو يرسم على وجهه ابتسامة ، و أكمل ما بدأ : من أى البلاد أنت ؟
                  و بنفس الثقة قال سندباد : من جزيرة العرب أعلى المحيط الأعظم عاد رئيس الشرطة يبتسم فى وجهه ، و قال : و ما سبب وجودك بيننا يا سندباد ؟
                  إن الرئيس يناور لاستدراجه بعيدا عن الموضوع الرئيسي ، فراوغه سندباد ، و قال بإهمال : أبدأ 00 غرقت سفينتي ، و قذفنى الموج إلى الشاطىء 00 و أنقذ الصيادون حياتى .
                  قال رئيس الشرطة : و ما الذى كنت تفعله فى دور الصيادين ؟
                  قال سندباد بحسم : " أبدا 00 كنت أودع أهل البلدة 00 فقد قررت الرحيل حيث ينتظرنى سلطان بلادى "
                  يقول الرئيس : هذا نعم العقل يا سيد سندباد ، و حتى لا تدخل نفسك فى مشاكل لا تهمك من قريب أو بعيد .
                  دنا أحد الجنود من رئيس الشرطة ، و أعطاه بعض الأوراق و القصاصات ، و أسر فى أذنه : " وجدنا هذه القصاصات مع الصيادين الذين قام بزيارتهم ".
                  أسود وجه رئيس الشرطة ، و تفحص الأوراق ، فهاجت ثائرته ، و نفخ فى الهواء نفسا قويا : " تضحك على 00 سوف أريك النجوم فى الظهر الأحمر "
                  نادى الرئيس على جنوده ، فأتوا مسرعين ، و أحاطوا بسندباد ، بينما ظهر بيد الرئيس كرباج مجدول ، و طلب منهم تعريته ، و بغيظ عجيب كان يجلده و لم يكتف الرئيس ، بل لم يعد يرى . غاب سندباد عن وعيه ، فأمرهم بسحبه إلى زنزانة خاصة ، و هو يلتقط أنفاسه ، مسح عرقه ، و جلس على كرسيه ، وهو يفكر بصوت عال : هذا الولد يعرف الكثير 00 نعم يعرف الكثير ، و يجب أن يموت 00 نعم 00 لو تركناه يمضى ، افتضح أمرنا 00 فكر يا زهوان 00 فكر نعم 00 نعم 00 أحرق هذه القصاصات 00 و أقدمه للمحاكمة بتهمة الجاسوسية 00 نعم سوف أسود قصاصات جديدة و أضع فيها أسرارا خطيرة 00 و رسائل إلى الأعداء 00 سوف يحاكم كجاسوس ، و يذهب فى داهية ".
                  استدعى رئيس الشرطة بعض مرؤسيه ، و راح يملى عليهم ، و لكنه عاد يمزق ما كتب ، فقد تذكر شيئا ، صرف الجميع ، و استدعى واحدا بعينه ، كانت له قدرة على تقليد الخطوط ، و رسمها كما هى ، لدرجة أن أحدا لا يستطيع التفريق بينها و بين الأصل .
                  لما حضر الكاتب ، وضع الرئيس أمامه قصاصات سندباد ، و طالبه برسم ما يمليه عليه بنفس النسب ، و راح يملى، و الكاتب يكتب ، وحين انتهى من مهمته كان يضاهى الخطوط فاكتشف براعة المؤدى ، فصرفه ، و هندم ملابسه ، و خرج قاصدا قصر الوالى .
                  sigpic

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    4- محاكمة علينة
                    sigpic

                    تعليق

                    • محمد سلطان
                      أديب وكاتب
                      • 18-01-2009
                      • 4442

                      #11
                      سبحان الله

                      لقد نسى تماما أمر مأموريته ، التى خرج من أجلها ، و كأنها انمحت من ذاكرته ، ولم تعد تخطر له ، على بال ، و القرد " رعد " يراقبه ، و لا يبتعد عنه ، وحين أبصر الصيادين و ذويهم ، حاول مخاطبتهم ، لكنه لم يتلق ردا من أحد ، لم يجد سوى إشارات ، و ألسنة بكماء ، البلدة كلها خرساء 00 خرساء .
                      ***
                      أنا أيضا نسيت المهم و رحت أطير و أطير و أطير بين الزهور و أمتطي الجواد بل كنت أرفرف مع البساط المفرود .. مع ضحى فوق ظهر الحية اللئيمة .. تجسدت كل الصور ببراعة و خصيصا لما استرجعته الزهور كي تأخذ منها ضحي .. كنت رائعاً و أنت تعرض صور الخرس و البكم الذى طهر عليه الشيخ فاضل و ابنته الفارسة الرحالة ضحى .. الله عليك سيدي تعيد لروحي روحي .. و ترجعني لأيام لن تذوب ..
                      أحببت هنا أيضا ثقة السندباد و قوة جرأته مع الضباط .. كنت تعلم الأطفال ربيعي .. نعم علمتهم فن الجرأة و الثقة بالله و النفس .. دروسك القويمة لابد أن تضعها الحكومات بين أيادي الصغار في المدارس كحلقات تعليمية .. أنا تخيلتها كذلك .. مادة تعليمية راقية سيستخرج منها الطفل خيال و يقلدك سيدي في رس سندباده هو أيضاً .. كما أعجبني بشدة السرد اللذيذ .. لغة الحوار و لغة السطور أجمل و أجمل .. سأظل أتابعك ربيعي , فالرحلة لم تنته و مازال السندباد حياً رفم القبض عليه لكن كما قال الضابط :
                      هذا الولد يعرف الكثير 00 نعم يعرف الكثير ، و يجب أن يموت 00 نعم 00 لو تركناه يمضى ، افتضح أمرنا 00 فكر يا زهوان 00 فكر نعم 00 نعم 00 أحرق هذه القصاصات 00 و أقدمه للمحاكمة بتهمة الجاسوسية 00 نعم سوف أسود قصاصات جديدة و أضع فيها أسرارا خطيرة 00 و رسائل إلى الأعداء 00 سوف يحاكم كجاسوس ، و يذهب فى داهية ".

                      تحياتي لك ربيعنا النضر

                      ننتظر ما سيكون في " المحاكمة العلنية "

                      محبتي و احترامي ربيع الكل ..
                      صفحتي على فيس بوك
                      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                      تعليق

                      • أحمد عيسى
                        أديب وكاتب
                        • 30-05-2008
                        • 1359

                        #12
                        هي المرة الأولى التي أقرأ لك فيها للأطفال ..
                        وصدقاً هذ هو الابداع بعينه ..
                        لكنها ليست للصغار فقط فقد تمتعت فها من أول كلمة الى آخر كلمة ..

                        أتابع معك رحلة السندباد العصرية ..

                        كن بخير
                        ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                        [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          #13
                          4 - محاكمة علينة

                          كانت سخرية سندباد كبيرة ، من اتهام رئيس الشرطة و رغم أوجاعه إلا أنه كان يقهقه ، مما أثار قلق الرئيس ، فعاود التفكير فى الأمر ، و قلبه على كافة الجوانب ، قال سندباد : إن الجاسوس لا يترك وراءه ما يدينه ، فكيف أترك هذه القصاصات ورائى ، طبعا هذا غير معقول وبعد تفكير يقول رئيس الشرطة ضاحكا : وجدناها فى هذه و رفع بيده زوجا من الحمام الزاجل ، و عاد ليؤكد أماكن إصابتها ، و بنفس المزاج أصدر أمره بسجن سندباد بالسجن الكبير لحين محاكمته ، و سحبه الجنود ، و قيدوه بالسلاسل ، وهو ضعيف ، تكاد قدماه تخونه ، من جراء ما نال على أيديهم من ضرب وكى بالنار وقع الوالى مرسوما ، بمحاكمة علنية ل " سندباد " فورا و دون إبطاء فى الساحة الكبيرة حتى يكون عبرة لأمثاله من الخونة كان فى استطاعة رئيس الشرطة محاكمته ، و تعذيبه و قتله سرا ، و لكن الخوف تمكن منه ، و هيأ له مدى غضب الأهالى خاصة ، و هو لا يعرف ما فعله سندباد فى دور الصيادين على وجه اليقين . لكنه الآن يضحك بملء فيه ، و يسرع لتدبير أمر المحاكمة الكبرى فى الساحة الكبيرة و التى يحضرها الوالى شخصيا كانت ضحى على علم بالأمر ، فور القبض على سندباد ، حيث جرى رعد ، و جرها إلى المكان ، حيث يحتجزون سندباد ، فتأكدت بنفسها من وجوده فى الخفر ، ثم عادت حزينة .. باكية ، و حين اختلت بأبيها ، شكت له ما يحزنها ، فكان حزنه أكبر ، و تصلب فى مكانه عاجزا ، لا يفعل شيئا ، و لا يفكر فى فعل شىء ، و قال بكل بساطة : الخير لا يموت يا ضحى .. إنه باق ما بقيت الحياة .. هيا إلى مخدعك لازمها الأرق ليلة بعد أخرى ، و ضاقت الدنيا بها ، كانت فى حاجة إلى صديقة تتحدث معها ، إلى أبيها ، تعودت الكلام و لن تعود إلى خرسها مرة أخرى . كانت تقضى الساعات مع رعد ، تحادثه و تشكو له همها ، فترى دموع رعد على وجهه ، و لكن رعد لا يتكلم .. إنه يهمهم . يتحرك .. و ينط .. و لا يتكلم ، فتقطع الدار غدو و رواحا ، حزينة تتحرك ، تضيق بكل شىء . وفى أثناء رواحها و غدوها أبصرت خرجا ، خرجا مصنوعا من أقمشة الخيام ، و عليه نقوش علاها التراب و خيوط العنكبوت ، تدنو منه ، تلامسه بأصابعها الرقيقة تزيح عنه الأتربة ، ها هى تتذكر أين وجدوا هذا الخرج ، إنه خرج سندباد .. لقد أحضروه من القارب ، نعم ، و لكن سندباد ظنه ضاع منه ، غرق فى البحر ، لكن حدثها عنه ، وكم تكبد االمشاق و المتاعب لأجله ، إنه يحمل الدواء لأهل بلاده ، و به بنورة مسحورة لا تعمل إلا بالزهرة السوداء ، حكى لها كل شىء ، متاعبه ، و حروبه التى خاضها ، ها هى تتذكر الآن و يدفعتا حب التعرف ، و كذا ضيقها و ضجرها إلى فض ما فى الخرج ، إن سندباد كان حزينا لفقده ، و قد نسوا تماما أمر الخرج ، كما رضى سندباد بالأمر الواقع و لم يلح فى السؤال عنه . ها هى تقلب فى محتوياته .. مجموعات من الزهور . ألوان كثيرة و عجيبة لم تر لها مثيلا ، حتى الزهرة السوداء .. ياللعجب سوداء . هذه زهرة عجيبة .. عجيبة . نعم هى .. ما هذه ؟ .. تقبض أصابعها على التنورة المسحورة .. نعم هى . كان سندباد يحكى لها عن البنورة ..كيف وجدها ، و كيف أنها ترى من بعيد .. بعيد ز و انها فى ساعات معينة تضىء بعض جوانب المستقبل . قال سندباد : الزهرة السوداء .. تفرك البنورة بأوراق الزهرة . تخاف ضحى على الخرج ، و على ما يحمله ، فتعيد رباطه ، و تحمل البنورة و الزهرة السوداء ، و شعر بالسعادة . تفرك البنورة بالأوراق ، ثم تتذكر كلمات سندباد ، تركز جيدا ، تتحرك شفتاها : " بنورة .. يا بنورة يالأميرة يا مسحورة .. بحق علام الغيوب .. و اللوح و المكتوب .. و رافع الكروب اكشفى ما خلف الغمام .. و ما بين السهوب هاتى المطلوب .. فى الحال ياأميرة " و تفكيرها منصب حول مكان سندباد ، تنتظر ضحى الإجابة .. تنتظر فإذا الصورة تتحرك على زجاج البنورة ، و ها هو سندباد مقيد بالسلاسل .. وحيدا فى زنزانة مظلمة لها رائحة كريهة ها هو حزين ممزق الثياب ، ضعيف البدن . تنادى ضحى " سندباد ..سندباد .. رد على .. سندباد " يقوم سندباد ، و يدور حول نفسه ، باحثا عن مصدر الصوت : " من ينادى ؟
                          " تزغرد الفرحة فى قلب ضحى ، و تغرد قائلة : " أنا ضحى يا سندباد .. "
                          كان رعد يتقلب على القش حين أتاه صوت سندباد ، فنط مبتهجا ، اقترب من ضحى ، كانت تقول : " ما الذى فعلوه بك ؟ احك لى يا سندباد " ينظر رعد فى الصورة فيتشقلب فرحا و يقهقه يقول سندباد للفتاة التى كان اسمها ضحى : لا يهم ما فعلوه يا ضحى .. أريد اخبارك بأمر المحاكمة العلنية التى دبروها ، ووقع عليها الوالى .. كل ما أريده منك الآن ، الحفاظ على الخرج .. إنه يحمل الدواء لأهل بلادى كما سبق و قلت لك ، أنا فرح لعثورك عليه ، تصورت أنه فقد و ضاع فى البحر الأعظم ، كل ما عليك الآن فعله ، أن ترسلى رعد و معه قرطاسا و محبرة و ريشة لى .. بسرعة يا ضحى .. اقترب يا رعد .. حدد مكانى جيدا .. ها هى يا رعد .. شم رائحة المكان جيدا .. إنى انتظرك .. لا لعب فى الطريق .. لا معاكسات .. ولا تجعل أحدا يتبعك .. سوف تساعدك ضحى و تصل إلى السجن الكبير ، و عليك أنت بقية الأمر .. هيا يا ضحى .. هيا و انقطعت الصورة تعد ضحى المحبرة و الريشة و القرطاس . كانت هذه الأشياء فى صندوق والدها ، تحزمها فى صرة ، وتتسلل خارجة مع رعد ، تسر ببعض الكلمات ، و ما انتهت من همسها له حتى انفصل عنها ، و حاذى خطواتها بين الأشجار ، ينط و يتشقلب . هكذا كان يفعل طول الطريق ، و ضحى تجد فى سيرها ، و حين قاربت المكان اختفت بين الأشجار ، و نادت رعد ، ثم علقت الصرة فى رقبته جيدا ، و أمرته قائلة : " لقد تعرفت على المكان أليس كذلك " .. أومأ لها . فعادت تقول : " و شممت رائحته ، هيا أسرع بهذه الصرة إلى صاحبك .. و عليك الأنتظار حتى تأخذ رده " وودعته ، و رجعت من حيث أتت . أما رعد فقد تسلق الأسوار ، و قفز من شجرة إلى أخرى ، و تعلق بحديد النوافذ و الحواجز ، ثم قادته الرائحة عبر العنابر إلى زنزانة سندباد ، و غافل الحراس واحدا بعد آخر .. و أخيرا و بعد تعب و مشقة وقف أمام الباب ، همس له سندباد من خلف الباب ، و أمره بفك الصرة ، و أن يوصل له الأشياء واحدة واحدة ، و نفذ رعد ما أشار به سندباد .
                          قال سندباد : انتظر .ز و لا تجعل أحدا يراك .. اختبىء .
                          من فوره كان سندباد ، يخط رسالة إلى والى البلاد ، يكشف له فيها خافية الأمور ، ويشرح كيف دخل الأعداء البلاد ، وبعلم الوزير شمروخ ، وبعض الحاشية فى آنية فخارية ، ثم يؤكد ما يقول بذكر ما وقع من تدمير وحرق بعد ذلك .
                          و المقصود من تخريس الناس و السكان ، هو إبعادهم عنه ، ليكون لقمة طرية ، يسهل هضمها ، ثم اختتم سندباد الرسالة ، وطوى القرطاس ، ونادى على رعد . فأتاه مسرعا ، وطالبه بعدم إعطاء القرطاس إلا للوالى .. اذهب إلى ضحى أولا ، وتعرف من البنورة على شكل و هيئة الوالى ، وما عليها سوى أن تضعك أمام القصر ، وتنفذ ما تقوله لك .. كن مطيعا .. هيا فالأيام تمر ، و بلادى فى حاجة إلى ، و إلى الدواء .. رعد .. كن حذرا ".
                          فعل رعد ما أشار به سندباد ، وأوصلته ضحى إلى القصر ، وعادت حتى لا تثير الريب و الشكوك .
                          رعد يتقدم إلى الداخل ، يعس هنا وهناك ، ينط و يتشقلب بعيدا عن عيون الحرس و الجواسيس ، حتى و صل إلى مخدع الوالى من الرائحة التى شمها من خلال البنورة المسحورة .
                          فزع الوالى حين رأى رعد فى مخدعه ، لكنه تذكر أنه الوالى .. و الوالى لا يجب أن يخاف .
                          قدم له رعد القرطاس ، بينما الوالى يفض مابه مدهوشا .
                          sigpic

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            #14
                            5- رسول بين يديى الوالى
                            تحكم الوالى فى برودة أعصابه ، وطمأن القرد رعد على صاحبه ، ثم أمره بالانصراف ، بعد أن حمله رسالة شفوية إلى سندباد ، يشكره فيها ، ويطالبه بالانتظار حتى تظهر الحقيقة .
                            استدعى الوالى بعض الخلصاء المقربين ، وكشف لهم أمر الرسالة ، فأبدوا غضبهم ، و أسفهم من اعوجاج أمر الوزير ، وخيانته غير المتوقعة .. و أسند إليهم الأمر ، و البحث عن الآنية ، وعددها ، وارتباط وجودها بما وقع من تدمير و حرق ، خاصة فى ثكنات الجيش ، بل كلفهم بما هو أبعد من ذلك .. كلفهم بإرسال الجواسيس لرصد استعدادات العدو ، وتحديد مدى قربه أو بعده من المياه الإقليمية ، على أن يوافوه بكل هذا قبل محاكمة سندباد .
                            و انصرفوا مؤكدين ولاءهم ، وعزمهم على رفع هذا الهم عن كاهل الوالى .

                            يطول انتظار ضحى لرعد ، ويزحف القلق فى بدنها .. فتارة نراها تقعد ، وأخرى تتحرك بلا انقطاع ، والدار من حولها ساكنة ، لا حس فيها ؛ فالشيخ على غير العادة شبه معتكف داخل حجرته منذ قبضوا على سندباد ، ولا يغادر خلوته إلا فى وقت صيده فقط .
                            عقل ضحى تتلاعب به الوساوس : ما الذى أخره .. هل حدث مكروه .. هل وصل رعد بلقرطاس إلى الوالى .. أم ترااهم اكتشفوا أمره ، و قبضوا عليه ، وقتلوه ؟!

                            تتذكر الفتاة الجميلة التى اسمها ضحى البنورة فتجرى نحوها ، و تخرجها من الخرج ، و بنفس السرعة كانت تفرك أوراق الزهرة ، و هى تردد : " بنورة .. يا بنورة .. ياأميرة .. يا مسحورة .. بحق علام الغيوب .. و اللوح و المكتوب .. و رافع الكروب .. اكشفى ما خلف الغمام .ز و ما بين السهوب هاتى المطلوب .. فى الحال يا أميرة " كان تفكيرها يدور حول غياب رعد ، و سندباد السجين . استدعت سندباد ، و حين ظهرت الصورة أمامها ، قالت باسمة : " سندباد .. سندباد "كان سندباد يقف ملاصقا للنافذة ، و كأنه يدبر لأمر عبورها ، يتعلق بحديدها . و جاءه صوت ضحى ، فاستدار و بوجه مشرق ، قال : " أهلا يا ضحى .. كيف حالك ؟ و كيف حال الشيخ ؟ "تورد وجه ضحى ، و بان الخجل على ملامحها ، و قالت : " بخير نحمد الله .. لكن رعد لم يعد إلى الآن يا سندباد "طمأنها سندباد ، و أخبرها بنبأ الرسالة ، التى حملها رعد إلى عظمة الوالى ، و عودته من عنده بما يفرح ، ثم أمرها بإعادة فرك البنورة ببعض الأوراق السوداء ، بعد أن تربط الخرج ، وتردد نفس ما تردده ، و تركز تفكيرها تماما حول الآنية الفخارية ، و الوزير " شمروخ " .
                            تفعل ضحى ما أمرها به ، ثم تكرر ما قالته للبنورة مرة .. و مرات ، فتظهر الصورة . كانت القدور .. كانت مائة قدر محاطة بالجنود المسلحين فى بهو منيف ، يشبه بهو قصر الوالى ، و شمروخ يتحرك بعصبية بين رجال يلبسون ملابس القراصنة الأعداء ، يقول شمروخ بغضب : " إنه يدبر للخلاص منه .. سوف تأتون غدا من البحر مع القافلة ، و تحمل الجمال القدور ، و تعرض على الوالى ثم تكون مفاجأتنا ".
                            أبلغت ضحى ما رأت ، و ما سمعت لسندباد ، فأمرها بإبلاغ أبيها الشيخ فورا ، و عليه طلب المساعدة من شباب البلدة المقربين ، ثم أمرها باعادة البنورة إلى الخرج و إغلاقه جيدا لم يعد رجال الوالى ، فقد صادهم رجال الوزير " شمروخ " ، و انتظار الوالى لهم يطول ، ولا جديد . ماذا يفعل ؟ غاب الرجال . هل تحولوا كلهم إلى دى فى أيدى الوزير ؟ أم أن سندباد – هذا الغريب – كاذب شرير ؟ عقله تلف به الأفكار ، و تطويه الظنون ، وهو سجين لا يستطيع شيئا ، فلم يعد شىء مضمون . الوالى غارق فى همومه ، و كبير الحجاب يدخل عليه ، و يخبره بطلب الوزير شمروخ بالمثول بين يديه ، فإذن له الوالى
                            قال الوزير : " رسول من صاحب الحصون و السفن و البحور و معه رسالة لعظمتكم " .. أومأ الوالى ، و أذن للرسول بالأقتراب ، فأقبل هذا ، و أدى التحية الواجبة ، ثم قدم قرطاسا للوالى ، و بإهتمام كان الوالى يفض الرسالة و يقرأ ما تحمل : " من سلطان الحصون و السفن و البحور إلى الوالى المعظم صاحب المجد و الجاه . جاء الوقت لكى نعيش فى سلام و امان ، و يتوقف ما بيننا من حروب و فتن ، لنتفرغ للبناء ، و التعمير و لإثبات حسن نوايانا و جميل حبنا و تقديرنا أرسلنا لكم مائة ناقة تحمل مائة قدر ، فيها من الكنوز ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر ، فاقبل منا يدنا الممدودة بالحب .. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أحس الوالى بوقوعه فى دائرة عنكبوت ، لا فكاك منها ومن الحكمة أن يتصرف بحكمة ، و إلا خرج الأمر من يده و أصبح هو فى خبر كان .. و ضاع ملك الأجداد ، خاصة و رجاله المخلصون غائبون ، و لا يعرف ما الذى ألم بهم ابتسم الوالى ، و رحب مرة أخرى برسول سلطان الحصون ، و شكر لسلطانه كرمه و حبه ، ثم طلب من الوزير إكرام الضيف الكريم ، و من معه من رجال ، و ينتظر حتى يحمل رسالة منه إلى سلطانه المبجل عاد رعد إلى الدار ، فوجد ضحى وحيدة باكية ، فدنا منها ، و راح يلاطفها ، حتى ارتسمت بسمة رقيقة على شفتيها ، وهداها تفكيرها إلى كتابة رسالة إلى سندباد تنبئه فيها بما تم و كان ، و أحضرت الريشة و الحبرة و القرطاس ، و كتبت الرسالة ثم وضعت الرسالة فى طوق القرد رعد ، و رجته بالأسراع فى توصيل الرسالة ، و لكنه عاد بعد ساعتين تقريبا و الرسالة ما تزال فى طوقه ، و هو متجهم الوجه ، فتأكدت أن سندباد ليس فى مكانه المعتاد دار الشيخ العجوز ، و لف على جيرانه و أحبابه ، كشف لهم ما عنده من أسرار ، فغضبوا و ثاروا غيرة على بلادهم ووليهم ، و أقسموا أن يعطوا هؤلاء الأعداء درسا قاسيا و من فورهم حملوا أسلحتهم ، وخرجوا فى الظلام من دورهم ، فرادى صمب الميناء الرئيسى ، وهناك وجدوا القدور ، و بجوار كل قدر ناقة ، تبرك على الأرض ، انتظارا للمسير صوب قصر الوالى استطاع أحد الأهالى التخفى فى ثياب جندى من جنودهم ، و حمل صينية ملأى بالكؤوس ، بها شراب مخلوط بمخدر قوى ، ما أن شربه الشارب ، حتى يغيب عن وعيه ، ولا يفيق إلا بعد أربعة و عشرين ساعة ينطلق الرجال لإتمام الأمر ، استعدادا للمسير صوب قصر الوالى تقدم الرجال الركب ، مائة ناقة ، تحمل مائة قدر . و خرج الوزير شمروخ ، لاستقبال القافلة ، بالطبل و النقرزان ، و لم يتوقفوا إلا داخل البهو الفسيح ، فأناخوا النوق ، والوالى على كرسيه مبهور ، حائر ماذا يفعل ، لم يصل الرجال بعد ، وها هى القدور التى أخبره بها سندباد . إنه ضائع لا محالة ، يارب لا أسألك رد القضاء ، و لكن أسألك اللطف فيه رحب الوالى بسفراء سلطان الحصون و السفن و البحور ، و أكرم وفادتهم ، ثم أمر الوزير شمروخ ببدء الحفل فى التو و اللحظة ، فخرجت الراقصات و الراقصون ، و علت الموسيقى تعطر الجو بالألحان ، و فاض السحر و الجمال ، و الوالى محاصر بالوساوس و الخوف يأكل قلبه : " يا رب .. يا رب سترك الذى وعدت " فجأة علا صوت صفير ، هنا تأكد للوالى أنه ضائع ، فها هى قصة على بابا و الأربعين حرامى بحذفيرها تتم أمامه ، و هذه إشارة البدء مع الصفرة الثالثة خرج الرجال من القدور ، فاهتز الوالى و لكنه تماسك و هو يتذكر قول الشاعر العربى : إن لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانا " .. بينما الوزير شمروخ يزلزل الخوف أوصاله ، و يحاول الفرار ، فقد خرج من كل قدر رجل مدججا بالسلاح ، لم يكونوا نفس الرجال ، ولا نفس الثياب و لا الملامح ، كانوا أهل البلدة ، خرجوا من قدورهم ، و طاردوا اللئام ، و أوثقوهم ، ثم اقتربوا من الوالى كانت الدهشة تستولى على الوالى .
                            يعجز عقله عن استيعاب الأمر ، هل هو أمام رواية فاشلة أم فى حلم ردىء . كشف له الرجال حدود المؤامرة ، أحضروا له مائة رجل مقيدين بالسلاسل و الحبال ، و كشفوا له أيضا السبب وراء غياب رجاله .
                            sigpic

                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              #15
                              6 ) اختفاء سندباد

                              أمر الوالى بتحرير سندباد من سجنه فورا ، و قلد الرجال المخلصين المناصب الحساسة ، ثم أعلن حالة طوارىء ، فالعدو يتحين نجاح مؤامرته ، و عمت الفرحة بحسن تصرف أهل البلاد ، و حسن بلائهم ، و تدبيرهم و تأسف لهم الوالى عما نالهم ، فألغى مرسوم الخرس ، لكن الأفراح لم تدم كثيرا ، فقد عاد الرجال من السجن الرئيسى مهرولين ، مذعورين ، وهم يصرخون : " اختفى سندباد .. اختفى سندباد "
                              حزنت البنت الجميلة التى اسمها ضحى ، و من بين دموعها تفجر الأمل ، فجرت مسرعة صوب أشياء سندباد ، و أخرجت البنورة ، ثم فركتها بالزهرة السوداء ، وهى تحمحم و تزمزم : " بنورة يا بنورة .. يا أميرة يا مسحورة .. دلينى على مكان سندباد .. دلينى على مكان سندباد .. دلينى على مكان سندباد بحق جلال رب العباد " و رأته .. رأته أمامها مقيدا ، ها هو فى سرداب طويل .ز معصوب العينين ، و بجواره رجال مقيدين بالسلاسل . نادت ضحى على سندباد ، و لكنه لم يسمعها كالعادة . كررت النداء ، لكنه للم يلتفت إليها ، فجرت مسرعة نحو أبيها الشيخ ، و اخبرته بمكان سندباد ، ها هى تقدم له البنورة ، ليرى بنفسه ، فاستطاع الرجل بخبرته التعرف على المكان ، قال بدهشة " إنه نفس السرداب القديم ، الذى يقال أن به عينا مسحورة ، و غولة مغلولة ، و أميرة رومية تصنع العجائب ، تحول الحجارة إلى فئران ، و تطلقها على بلاد العرب ، بل انها تحول التراب إلى ديدان و أمراض .. و قد أخذنا هذا الكلام على محمل الخرافة ، يا إلهى .. إنه حقيقة .. حقيقة يا ضحى .. ها هى الأميرة الرومية ، حولها أقفاص لا حصر لها من الفئران و الزواحف حاملة المرض " بكت الفتاة الرقيقة التى اسمها ضحى ، و هى تستمع لحديث أبيها ، و غرابة ما يفوه به ، ثم قالت : " لابد من إنقاذ سندباد يا أبى .. لابد "
                              قال الشيخ : إنى ذاهب إلى قصر الوالى .. خذى بيدى يا ابنتى
                              قالت ضحى : انتظر يا أبى حتى أحضر زهرة البنورة
                              توكأ الشيخ على كتف ابنته ، و اندفع بكل عزم صوب القصر ، و طلب الإذن بالمثول بين يدى الوالى دهش الوالى لهرم الشيخ و قال : " لابد له حاجة " و من خلال أعوانه الجدد تعرف على الشيخ ، فزاد من ترحيبه به ، و أجلسه إلى جواره ، فقال الشيخ : " انظر يا مولاى جيدا فى هذه البنورة " و فركها الشيخ بالزهرة ، و قدمها للوالى ليرى : " هذا سرداب اليهود القديم .. إنه يمر تحت هذا القصر " قال الشيخ : " انظر ثانية يا مولاى .. و اشهد الأساطير التى لم نصدقها عن أجدادنا .. هذه الأميرة الرومية .. شف الفئران و الزواحف .. إنها تحول الديدان .. ها هى ذى إلى أوبئة و أمراض .. شف .. ها هم رجالك .. و هذا سندباد "أنظر جيدا .. ألا ترى الشمعدان على جدران السرداب ؟
                              شهد الوالى كل شىء ، فهم واقفا ، و أمر رئيس الشرطة الجديد بالتوجه فورا صوب السرداب ، ولم يكتف بهذا بل كان يسبقهم إلى الهدف اقتحم الجنود السرداب ، و بإشارة من الوالى أخرجوا سندباد و الرجال ، وعادوا من حيث أتوا ، ثم أمرهم و بسرعة ، إحضار كل أطباء البلدة فى الحال ، و إحضار الأمصال ، فقد حاولت الأميرة الرومية تجريب بعض أنواع الأوبئة فى الرجال ، و حقنتهم بها ، ثم طلب فورا تدمير السرداب تدميرا شاملا ، فقد أصبح مصدر تعاسة لأهل البلاد ، وعليه تم إخلاء لمكان فورا ، و لجأ الوالى بالقلعة الحربية لحين بناء قصر جديد لم يفق الرجال ، فالوباء يتحرك فى أبدانهم . دنت الفتاة الجميلة التى اسمها ضحى من سندباد ،وسلطت عليه البنورة المسحورة ، فتحرك لسانه . قال سندباد : العلاج فى الخرج .. أسرعى يا ضحى .. يطبخ نصف ما فى الخرج ، و يحول إلى شراب ، يشرب منه الجميع .. هيا يا ضحى
                              نفذت ضحى ما أمرها به سندباد ، و تم انقاذه ، و إنقاذ أهل البلاد جميعا .
                              عمت الأفراح فى أنحاء البلاد ، فالجيوش تتقدم لدحر الأعداء ، و سندباد يتزوج من ضحى ، و يستعد لرحلة العودة لبلاده ، فقد طال الوقت و لابد من العودة بالدواء لقومه والبحث عن مصدر الداء فربما كانت فى أرضهم أميرة ساحرة تكيد لهم , وتفتك بهم وشعار لشمعدان أو لهرم فى داخله هرم مقلوب .
                              وفى الوقت المحدد تأهبت سفينة ، أهداها الوالى لسندباد للرحيل كانت تحمل سندباد وضحى زوجته والقرد رعد وخرج الدواء متجهة نحو بلاده البعيدة .

                              مع الرواية التالية " سندباد فى بلاد نم نم "
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X