على مقربة من ملامسة حدود الجنون،تظهر حالة الأستاذ و هو يشرف على الذهاب إلى المدرسة.ذهاب يرفضه في دواخل نفسـه ويستنكـف عن ملاقاة تلامذتـــه الصغـار .رغم عهده المبكر بمهنـة التدريــس، فهو ليــس مقتنعــا باختيار المهنة المنوطــة بـه.إنها أشبـه بمهمـة مستحيلـة لا يقــدر على استيعابــها.فما بالك بالقبـــول باقتحـام غمــــار تجربتها التي غالبا ما يعتبرها مستنقعا يستحيل الخروج منه إن وطأت قدماه مياهـــها العكـرة .حالــة هــوس تسري في جسده فتجعل فرائص صدره تنقبض حتى توشك أن تحبس أنفاسه. دائما كان يحس على أنه ليـس سويا.
يتساءل بحذر:ومن هو السوي في هذا العالم؟
غريب في عزلته الوجودية.. نياط قلبه تتمزق عازفة آلام الروتين برتابتها . مقتنع في قرارة نفسه على أنه اقرب إلى البلاهة ا و الحمق.عالمه الشخصي يهيم في اللا معنى ,مفروشا بسائــر أشيائه الرمزيــة .كتــب مبثوثة هنا و هناك, متناثرة تناثر أفكاره.محفظته التي لازمته مدة طويلة خلق معها ألفة غير معهودة فكانت شاهدة على الرفض.ملابسه لا تلامس الماء إلا لماما .أحلامه لا تعرف حدودا , أفكاره ليست واضحة ولا تنسجم مع ما هو مألوف و معتاد.يحب الاختـــلاف و يروم أخلاقيات من نوع خاص. الغبطة و الفرح و السعادة قيمه التي لايعيشها...شعاراته التي يرفعها مع ذاته و لذاته.
يراوده شك من فرط أنانيته..فيخاطب نفسه:
أهو أناني إلى هذه الدرجة؟
غالبا ما يحس في دواخل نفسه أن حالة مرضية تكتنـف أعماقـه..إصــراره الدائــم على عــدم زيارة طبيب جعلته يستبعد الفكرة .حالته النفسية عميقة غامضة تحتاج إلى تأويـــل نفسي؟ يهيم في تهويمات أفكاره فيضحك ساخرا:
ألا يحتاج المؤول نفسه إلى تأويل ؟
هكذا يبدأ بالصراخ و العويل ..يضرب الجدران بناصية رأسه.. يكسـر كـل ما تصطــدم به يدا ه.. يرشق كل الأشياء التي تلامسه في اتجاهات متباينة ويلهث كأنه كلب مجروح خرج لتوه من معركــة ضاريــة. اقتـرح عليــه أحد أصدقائه أن يزور فقيها ربما يتمكن من اكتشاف حالته المستعصية. يسخر من الفكرة و يعتبرهــا في عـداد الطقــوس الميتافيزيقية التي لا تخضع لا لسلطة عقله و لا بإيمانه العميق.رغم هذه النوبات المتتالية فهو جعل القراءة والخمرة والحسرة رفاقه في اغترابه عن ذاته.حالة السكر تفتح جفنيه و تغمضهما حيث الإحساس بالتعب و الإنهاك قدره و, تدفئ ساقيه المشلولتين من قلة الحركة. تلك الحركة التي لا يعرف لها معنى .وإن التصقت بالزمان أصبحت مرادفة عنده اللا حياة...
صبيحة يوم كئيب كالعادة،استفاق الأستاذ بعناء كبير.لملم محفظته دون أن يرى ما يلزمه. دائمــا يكدس فيــها كتب لا علاقة لها بمهنته حتى تصير ثقيلة على الحمل.أما تحاضيره فلا ينجزها غالبا.حكاياته مع المدير عنوانها "أنا لست في الفصل "يشوبها نوع من اللامبالاة والشفقة .عندما يصل إلى قسمه حيث القاعة لا تتوفر على أدنى صـورة تزين جنباتها. رغم حبه للمشاهد الفنية الجميلة،و إلمامه بتاريخ الفن . يلمح تلامذته الذين أقبلــوا لتوهــم مــن منازلهم. أطفال يتربصون أستاذهم الأبله.نظرات خاطفة وامضة تخترقه فيقف مشدوها نحوهم .يفتح باب القسم و كأنه داخل إلى الجحيم, يتبعه التلاميذ تباعا .يرمي محفظته في أي مكان .يكتب تواريخا على السبورة لا يعيرها أي اهتمام .مفهوم الزمن لا يوجد له أثـر في حياته. وشوشــات التلاميــذ و حركاتهــم تخلق لديــه حالــة من العصـاب.قرر اليوم أن يعلمهم أشياء غير عادية تفوق مستواهم و تجعل منهم حالات استثنائية .
يردد:ههههه حالات استثنائية... أليس الحالات الاستثنائية سوى أكذوبات تاريخية؟
ربما هو نفسه حالة مستعصية على الفهم و الاستيعاب.فكيف سيتمكن من تحويل تلامذته إلى تلك الرغبة الغامضة التي تغمره؟.
أراد أن يستهل يومه الدرامي،لكن بماذا؟هو يجهل تفاصيل دروسه.يجوب صفوف التلاميذ ذهابا و إيابا و كأنه يبحث عن شيء ما .يقصد السبورة،يمسح محتواها الخاص بالأيام الماضية.في لحظة خاطفة يرسم بطبشور خطوطا متداخلة خالقا منها خربشات لا معنى لها. و يضيف إليها ألوانا أخرى جاعلا منها فضاء استرعى انتباه التلاميذ.دهشوا و تاهوا في محاولة يائسة لتفسير الخربشات و لفهم سلوك الأستاذ المباغث لتلقائيتهم ورغبتهم .نظراتهم الممتزجة بالذهول و الدهشة جعلته يصرخ بأعلى صوته طالبا منهم:
انظروا أعزائي إلى هذه الخطوط المتشابكة.إنها أفكاري صورتها لكم. إنها ليست خربشات بل مجرد إيحاءات لمعنى ما .حاولــوا أن تشرحــوا معنــى بعضــا من إيماءاتهـا .لا تفزعـوا .أنـا أريـد أن أخلـق منكم كائنات تقرا ما وراء الخطوط.أما ما وراء الكلمات فقد ولى زمانهــا . كلمات خادعة و ملتبسة تجعلكم أسرى لها. أطلقوا العنان لمخيلتكم و أنصتوا لنداءات أستاذكم .لاحظوا تداخل الألوان المختلفة ألم ترقكم اللوحة؟
لاحظ التردد و الفزع في ملامحهم.ولكن استماتته في السؤال حتى بح صوته:
ما رأيكم..هيه أجيبوا
لحسن الحظ,نبس تلميذ بكلمات متقطعة فأنقذ الموقف:
أستاذ ما رسمته يشبه رسومات أخي الصغير. أستطيع بدوري أن أرسم مثلها .
هذا الكلام خلق في نفسه الحنين للنكوص للطفولة, تلك المرحلة التي لا يتذكر منها شيئا يذكر. علقت تلميذة أخرى بعد أن فارقتها الدهشة قائلة بصوت عال:
أستاذي.علمتنا مرارا أن بإمكاننا أن نرسم أشياء جميلة انطلاقا من مخيلتنا.تريدنا أن نرسم إبداعاتنا كيفما رغبنا.لكن رسمك هنا عبارة عن خطوط متداخلة يغيب فيها الانسجام.يمكنني بدوري أن افعل ذلك.
لم يتمالك الأستاذ الأبله أعصابه.انهيار حاد ومفاجئ يسري في نسوغ عظامه.جرأة التلميذان على رسم رسوم مماثلة لنموذجه على السبورة أثار حفيظته وغيضه.تمتم بحنق:
يا الهي..هذه جرأة تحدي..لابأس..لابأس..
ذرع الصفوف بعد ان طالبهم بالصمت..كان يردد:س س س س سكوت.عاد الى السبورة في مواجهتهم وخاطبهم هذه المرة بنبرة حنونة:
اخرجوا دفاتركم.وارسموا خربشات كيفما شئتم.أبدعوا كل أفكاركم كما ترونها ,لا كما علمتكم إياها.إياكم أن ترسموا مثلي.ضعوا رسومكم في قوالب فنية متميزة.لكم كامل الحرية في أن تخربشوا.فاليوم يوم الخربشة بامتياز...
اخرج التلاميذ دفاترهم وهم في حركة دائبة.يجوبون أروقة الصفوف.كل يريد أن يطلع على إنتاج أصدقائه.حشرجة الأوراق مع الأقلام خلقت سكينة ما في دواخل نفسه.استراح وراح يقول في دروب أعماقه:
ما أجمل الخربشة فهي وجود من نوع خاص...
دريسي مولاي عبد الرحمان
المغرب
يتساءل بحذر:ومن هو السوي في هذا العالم؟
غريب في عزلته الوجودية.. نياط قلبه تتمزق عازفة آلام الروتين برتابتها . مقتنع في قرارة نفسه على أنه اقرب إلى البلاهة ا و الحمق.عالمه الشخصي يهيم في اللا معنى ,مفروشا بسائــر أشيائه الرمزيــة .كتــب مبثوثة هنا و هناك, متناثرة تناثر أفكاره.محفظته التي لازمته مدة طويلة خلق معها ألفة غير معهودة فكانت شاهدة على الرفض.ملابسه لا تلامس الماء إلا لماما .أحلامه لا تعرف حدودا , أفكاره ليست واضحة ولا تنسجم مع ما هو مألوف و معتاد.يحب الاختـــلاف و يروم أخلاقيات من نوع خاص. الغبطة و الفرح و السعادة قيمه التي لايعيشها...شعاراته التي يرفعها مع ذاته و لذاته.
يراوده شك من فرط أنانيته..فيخاطب نفسه:
أهو أناني إلى هذه الدرجة؟
غالبا ما يحس في دواخل نفسه أن حالة مرضية تكتنـف أعماقـه..إصــراره الدائــم على عــدم زيارة طبيب جعلته يستبعد الفكرة .حالته النفسية عميقة غامضة تحتاج إلى تأويـــل نفسي؟ يهيم في تهويمات أفكاره فيضحك ساخرا:
ألا يحتاج المؤول نفسه إلى تأويل ؟
هكذا يبدأ بالصراخ و العويل ..يضرب الجدران بناصية رأسه.. يكسـر كـل ما تصطــدم به يدا ه.. يرشق كل الأشياء التي تلامسه في اتجاهات متباينة ويلهث كأنه كلب مجروح خرج لتوه من معركــة ضاريــة. اقتـرح عليــه أحد أصدقائه أن يزور فقيها ربما يتمكن من اكتشاف حالته المستعصية. يسخر من الفكرة و يعتبرهــا في عـداد الطقــوس الميتافيزيقية التي لا تخضع لا لسلطة عقله و لا بإيمانه العميق.رغم هذه النوبات المتتالية فهو جعل القراءة والخمرة والحسرة رفاقه في اغترابه عن ذاته.حالة السكر تفتح جفنيه و تغمضهما حيث الإحساس بالتعب و الإنهاك قدره و, تدفئ ساقيه المشلولتين من قلة الحركة. تلك الحركة التي لا يعرف لها معنى .وإن التصقت بالزمان أصبحت مرادفة عنده اللا حياة...
صبيحة يوم كئيب كالعادة،استفاق الأستاذ بعناء كبير.لملم محفظته دون أن يرى ما يلزمه. دائمــا يكدس فيــها كتب لا علاقة لها بمهنته حتى تصير ثقيلة على الحمل.أما تحاضيره فلا ينجزها غالبا.حكاياته مع المدير عنوانها "أنا لست في الفصل "يشوبها نوع من اللامبالاة والشفقة .عندما يصل إلى قسمه حيث القاعة لا تتوفر على أدنى صـورة تزين جنباتها. رغم حبه للمشاهد الفنية الجميلة،و إلمامه بتاريخ الفن . يلمح تلامذته الذين أقبلــوا لتوهــم مــن منازلهم. أطفال يتربصون أستاذهم الأبله.نظرات خاطفة وامضة تخترقه فيقف مشدوها نحوهم .يفتح باب القسم و كأنه داخل إلى الجحيم, يتبعه التلاميذ تباعا .يرمي محفظته في أي مكان .يكتب تواريخا على السبورة لا يعيرها أي اهتمام .مفهوم الزمن لا يوجد له أثـر في حياته. وشوشــات التلاميــذ و حركاتهــم تخلق لديــه حالــة من العصـاب.قرر اليوم أن يعلمهم أشياء غير عادية تفوق مستواهم و تجعل منهم حالات استثنائية .
يردد:ههههه حالات استثنائية... أليس الحالات الاستثنائية سوى أكذوبات تاريخية؟
ربما هو نفسه حالة مستعصية على الفهم و الاستيعاب.فكيف سيتمكن من تحويل تلامذته إلى تلك الرغبة الغامضة التي تغمره؟.
أراد أن يستهل يومه الدرامي،لكن بماذا؟هو يجهل تفاصيل دروسه.يجوب صفوف التلاميذ ذهابا و إيابا و كأنه يبحث عن شيء ما .يقصد السبورة،يمسح محتواها الخاص بالأيام الماضية.في لحظة خاطفة يرسم بطبشور خطوطا متداخلة خالقا منها خربشات لا معنى لها. و يضيف إليها ألوانا أخرى جاعلا منها فضاء استرعى انتباه التلاميذ.دهشوا و تاهوا في محاولة يائسة لتفسير الخربشات و لفهم سلوك الأستاذ المباغث لتلقائيتهم ورغبتهم .نظراتهم الممتزجة بالذهول و الدهشة جعلته يصرخ بأعلى صوته طالبا منهم:
انظروا أعزائي إلى هذه الخطوط المتشابكة.إنها أفكاري صورتها لكم. إنها ليست خربشات بل مجرد إيحاءات لمعنى ما .حاولــوا أن تشرحــوا معنــى بعضــا من إيماءاتهـا .لا تفزعـوا .أنـا أريـد أن أخلـق منكم كائنات تقرا ما وراء الخطوط.أما ما وراء الكلمات فقد ولى زمانهــا . كلمات خادعة و ملتبسة تجعلكم أسرى لها. أطلقوا العنان لمخيلتكم و أنصتوا لنداءات أستاذكم .لاحظوا تداخل الألوان المختلفة ألم ترقكم اللوحة؟
لاحظ التردد و الفزع في ملامحهم.ولكن استماتته في السؤال حتى بح صوته:
ما رأيكم..هيه أجيبوا
لحسن الحظ,نبس تلميذ بكلمات متقطعة فأنقذ الموقف:
أستاذ ما رسمته يشبه رسومات أخي الصغير. أستطيع بدوري أن أرسم مثلها .
هذا الكلام خلق في نفسه الحنين للنكوص للطفولة, تلك المرحلة التي لا يتذكر منها شيئا يذكر. علقت تلميذة أخرى بعد أن فارقتها الدهشة قائلة بصوت عال:
أستاذي.علمتنا مرارا أن بإمكاننا أن نرسم أشياء جميلة انطلاقا من مخيلتنا.تريدنا أن نرسم إبداعاتنا كيفما رغبنا.لكن رسمك هنا عبارة عن خطوط متداخلة يغيب فيها الانسجام.يمكنني بدوري أن افعل ذلك.
لم يتمالك الأستاذ الأبله أعصابه.انهيار حاد ومفاجئ يسري في نسوغ عظامه.جرأة التلميذان على رسم رسوم مماثلة لنموذجه على السبورة أثار حفيظته وغيضه.تمتم بحنق:
يا الهي..هذه جرأة تحدي..لابأس..لابأس..
ذرع الصفوف بعد ان طالبهم بالصمت..كان يردد:س س س س سكوت.عاد الى السبورة في مواجهتهم وخاطبهم هذه المرة بنبرة حنونة:
اخرجوا دفاتركم.وارسموا خربشات كيفما شئتم.أبدعوا كل أفكاركم كما ترونها ,لا كما علمتكم إياها.إياكم أن ترسموا مثلي.ضعوا رسومكم في قوالب فنية متميزة.لكم كامل الحرية في أن تخربشوا.فاليوم يوم الخربشة بامتياز...
اخرج التلاميذ دفاترهم وهم في حركة دائبة.يجوبون أروقة الصفوف.كل يريد أن يطلع على إنتاج أصدقائه.حشرجة الأوراق مع الأقلام خلقت سكينة ما في دواخل نفسه.استراح وراح يقول في دروب أعماقه:
ما أجمل الخربشة فهي وجود من نوع خاص...
دريسي مولاي عبد الرحمان
المغرب
تعليق