خَدَعُوني ...... فَقالوا: صَوِّتْ
حَكَى لي أبو الطّيِّبِ البغداديّ، من مُثَقَّفِي العِبادِ في بلادي، أّنَّه فَتَحَ التّلفازَ يوماً؛ لِيُجلِيَ عن نفسِهِ هَمَّاً؛ فإذا بالخُطباءِ يُسَدِّدونَ أَلسِنتَهَمُ الحِداد، لنُصرةِ الرسولِ (ص) ضدّ العِداة . . . رسومٌ مُسِيئةٌ قَذِرَة، وأقوالٌ مُبتدَعَةٌ مُنكَرَة، وغيرها، غُفرانَك رَبّي؛ فَتَعَكّرَ مِزاجي، وكأنَّ في فَمِي طَعمَ الأُجاجِ، فَعَزَمتُ على الخروجِ مِن داري، لأُرَوِّحَ عن نفسي، فَأُذهِبَ سُوءَ الأفكارِ؛ فَوَصَلْتُ إلى السّوق، وفيه ما فيه من النّاس، ما يَرُوقُ وما لا يَرُوق، فَسَمِعتُ أَحَدَهم يَقولُ وقد جَهِرَ بِصَوتِه:
ـ أَساؤوا إلى الرَّسُولِ الكريم (ص)، سَيِّدِ الكائناتِ وفَخرِها، وسَيِّدِ البَشَرِيَّةِ وعِزِّها، ورَسُولِ الرّحمَةِ، ورَسُولِ رَبِّ العالَمِين.
فقلتُ في نفسي:
ـ صلى اللهُ عليكَ يا سَيِّدي ويا مولاي، لأَنتَ أَرفَعُ مقاماً وأَعلى مِن أنْ يَمَسَّكَ الأَنداسُ الأَنجاس، والأبالِسَةُ الأَرجاس، فَأَنتَ الطّاهِرُ المُطهَّرُ، وصاحِبُ الحَقّ الأَظهَر، وقائدُ الغُرِّ المُحجَّلين، ورُبَّانُ سَفينَةِ النَّجاةِ والمَنجِيين.
فلم تَمضِ مِنَ السّاعاتِ مِئون حتّى اتّفَقَ المسلمونَ المُؤمِنونَ على مُقارَعَةِ العِداة، بالفِكرِ والدَّواة، فَحُبِّرَتِ الأَوراقُ واللفائف، ونُشِرَتِ الصَّحائِف، وسُوِّدَتِ الشّاشاتُ والبَرامِج، وبِها ـ تَبَرّكاً ـ طُلِبَتِ الحَوائج.
ثُمَّ صاحَ صائحٌ في إحدى رسائِلِهِ إلَيّ، وقد عّرَّفَ عن نفسهِ بـ (الأجرَد النَّجديّ):
ـ الوَيْل الوَيل . . . لِمَنْ لا يَصدُّ السَّيل؛ والعار العار . . . لِمَنْ لا يَحمي الدّار؛ والنّار النّار لمن يَرضى بالعار. هذا رسول الله (ص) يُعتَدى عليه، وما مِن ناصرٍ، وما مِنْ ساعٍ إليه ؟ !!!
فَكَتَبْتُ إليه:
ـ باللهِ عليكَ ... هوِّن ما عليكَ، أَراكَ تَندِبُ وتَنُوح، وتُوَلْوِلُ وتَصيح، وفي كلامِكِ تحذيرٌ ووَعيد، فَما الذي جَرَى وصَار؟ أَ لَمْ نَكتُبْ ونَنْشُرْ ؟! ونُقاطِعْ ونُشْهِر؟! أَ لَمْ نُهَدِّد ونَتَوَعَّد ؟! فما الذي بعدَ ذلك جَرى ؟!
لم يتَأخَّرْ عليَّ جوابُهُ، فإذا بِهِ يُجيب:
ـ أَتَرضى بِسَبِّ النبيّ الأكرم (ص) ولَعنِهِ (حاشاه) في غُرَفِ الشّاتِ والدّردَشات ؟! إنَّهُ ـ واللهِ ـ البلاءُ الأكبر.
فأَجرَيتُ الحروفَ للأجردِ النّجديّ قائلاً:
ـ إيْ واللهِ، لا فُضَّ فوكَ، ولا عُدِمَ لَكَ أخوكَ . . . فهل هناك من سبيل إلى نُصرَةِ الرسولِ الحبيب ذي الدين الرشيد ؟.
فأجاب:
ـ علينا إقفالُ غُرفَةِ الشّاتِ بحسب الفتاوى والاجتهادات، في جميع البلدان والولايات؛ ولا تُناقِشْ ولا تُمارِ، فاللعنةُ الدّائمةُ على مُخالِفِ الأئمَّة.
فَطَلَبْتُ منهُ ـ وجهاً لوَجهٍ ـ اللّقاء؛ لأستزيدَ من نُصحِهِ في رَدِّ الأسى والبأساء، ولأستفيدَ من آرائه السّديدة، وطرائِقِهِ المُفيدَة؛ فكانَ اللقاءُ كما أَرَدتُ وأَراد؛ فقلتُ له:
ـ ما أسهلَ هذا الغَلق ! ! نَبعَثُ إلى الشِركةِ لِغَلْقِها، أو نَسعى إليها لِخَرقِها !.
فقال:
ـ هيهات هيهات؛ لن تَصِلَ إلى ما أرَدت، وإنمّا نحن بحاجة إلى خمسة ملايين تَصويتٍ أو توقيع، لِغلقِ هذا الشات الرّقيع.
فقلتُ:
ـ أيضاً، ما أَسهَله ! ! فنحنُ بمئات الملايين إنْ لم نكن آلاف الملايين، وإذا ما أردنا الغزو أو التحرير فُقنا فيه الاستعمارَ والتدمير.
فقال:
ـ أَرى كما يرى الحصيف، أنّها لا تكون إلا بالتآلف والتأليف، بين جميع المسلمين والمؤمنين .. على جمع التّوقيعات والتّصويتات بالبريد والمسجات، وبالشات والماسنجرات، وبكل أنواع الترغيب، وإذا اقتضى الأمر ـ كما أفتى الفقهاء ـ بالتّرهيب !!
فعجِبتُ لِقولِه الأخير، وأَومَأتُ بحاجبيَّ مُستَغرِباً، وتمنّيتُ أن يكونَ للأمرِ مُعرِباً، فَفَهِمَ المقصَد، وشرح المطلب قائلاً:
ـ أَفتى الفقهاءُ ـ أَعَزَّهُم الله ـ بأنّ مَنْ لَم يَنصرِ الرسولَ الكريم (ص) بتوقيعِهِ وتصويته في السّلم، كَمَنْ تَقاعَسَ عن نصرتهِ في الحَرب، فاغتَنمِ الفرصَة، وادخلِ الغُرفَة؛ لِتنالَ في الجنّة غُرفَة، وقد تَعاضدتِ الأحاديثُ الشَّريفة، وأقوالُ الصَّالحينَ المُنيفَة.
فقلتُ:
ـ لَبَّيكَ يا رَسولَ الله (ص)، فإنّي إنْ لم أَفعلْ ـ من قَبْلُ ـ الحسناتِ، فأرجو أن تُضافَ هذه النُّصرة إلى ميزان أعمالِي، فالجنّةُ ذروةُ آمالي، تُنقِصَ من السيئاتِ، وتَزيدَ درجاتِي، وتزيدَ رزقي بركاتٍ وبركاتِ.
فقال:
ـ باركَ اللهُ فيكَ، ولِمثلِ هذا فلِيَعمَلِ العاملون، ويَتَسارع إليها العبادُ المؤمنون؛ ولا تَنسَ مقاطعة الأجبان والمشروبات، والملابس والمأكولات؛ فاضرِبْ ـ ولا تُبالِ ـ في الاقتصاد، ضَرْبَ كَرٍّ وفِرارِ، أَ لَيسُوا أَصحابَ السّنتِ والدّولارِ ؟!!
ورُحتُ أَمضي السّاعات لأدخلَ الصّفحَةَ المعلومة، لِهَدمِ الغرفةَ الملعونة، بضمّ صَوتي إلى أَصواتِ المؤمنينَ من الشّرفاءِ والفضَلاء؛ فَتَكونَ كالصّواعقِ المُحرِقة للمُلحدينَ والزنادقة، وكالسّهامِ الخارِقة للمَرَدَةِ المارِقة.
فَنَهَضتُ مَزهُوّاً بالانتصارِ، وكأنّي ضَرَبتُ هاماتِ الكفّارِ بِسيفِ ذي الفقارِ، وكأنّي اعتَلَيتُ رَبوَةَ النّاجي من الكُفرِ والنّارِ؛ ولكنّي تَذَكَّرتُ فيما تذكَّرتُ أنَّهم قالوا: ولا تَحسَبَنَّ عَمَلَكَ فضلاً، ولا تَزْهَوَنَّ بنفسِكَ، فإنَّما هُوَ واجِبِ الإيمانِ، يُمليهِ الشّرعُ على عبادِ الرحمنِ؛ فَحَمَدتُ اللهَ العزيزَ الحكيمَ، وأَثنَيْتُ وسلّمتُ على النَّبِيِّ الأكرَمِ محمّدٍ وصَلَّيْتُ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ المُنتَجِبينَ ثَنَّيتُ.
وأَرَدتُ أنْ يَعرِفَ الدّاني والقاصي بخبر الغُرفَةِ وما أَجريتُ، فَنَستَكمِل العددَ فيى يومٍ أو ـ في الأكثَرِ ـ يَومَيْنِ. فَوَجَدتُ صاحِبي ـ الأجرد النّجديّ ـ المُتَفَضِّلِ علَيَّ بنُصرَةِ الدِّينِ الحنيف، فأظهَرتُ لَهُ البَشاشة، لأحكي لهُ بُطولاتي على الشّاشة، فَرَأَيتُهُ وقد تَحجَّرَ وجهُهُ، وجفَّتْ فيه ينابيعُ الصّفاء، واصفرّتْ عروقُ النّقاء، فأشارَ بإصبَعِهِ نحوي، ليُنزِلَ على هامَتي كلَّ صَواعِقي المُحرِقَة، وسِهامي الخارِقَة، وكلَّ سُيوفي المُسَلَّطَة على المَرَدَةِ المارِقَة، حتى انفَلقَتْ هامَتي فَورَ سَماعي ما قَذَفَهُ لِسانُهُ إلى أَسماعي:
ـ ((خَدَعوكَ ... فَقالوا: صَوِّتْ !!))
فانعَقَدَ لِساني، وشُلَّتْ حَرَكاتي، وما استَطَعتُ قَذفَ كلماتي، سوى قولي له:
ـ وَيْحَكَ . . . وَيْحَكَ . . . ماذا تَقول؟!
فرَدَّ عليَّ بِكُلِّ وَداعة، وهدوءٍ ورَقاعة:
ـ اسمَعْ فَتاوى الفقهاء ـ أَعزَّهم الله ـ: تَصويتُكَ حرامٌ، حرامٌ . . . حرام، فأنت أَكسَبْتَهم المالَ الحرام، بِتَرويجِكَ المجّانيّ لموقعِهِم الألكترونيّ، لأولئكَ بني الحرام. فَتُبْ إلى اللهِ، قابلِ التَّوْبِ، وتَهَجَّدْ وتَعَبَّدْ، فَلعَلَّكَ تكونُ من التّائِبين المؤمنينَ !!!
فَلَمْلَمتُ بعضي وكلّي، مُنْكِسَرا، ذليلا، وأُتَمْتِمُ مع نفسي:
ـ خَدَعُونِي ! ! . . . خَدَعُونِي ! !
فلمَّا انتهى أبو الطيّب البغدادي من حكايتِهِ المؤسِفَة، أَسِفتُ لأسَفهِ، وقلتُ في نفسي:
ـ هنيئاً لك أيُّها الأجردُ النَّجديّ على ما أُوتِيتَ من الرُّشْدِ !!.
تعليق