الخطيئة النبيلة
فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت
ترجمةُ الشِّعر عملٌ ينطوي على لون منالمغامرة والجرأة. لهذا يشبّهها ويليس بارنستون، شاعر ومترجم أميركي، بخطيئة حوّاءالجسور في تذوّق شجرة المعرفة. أما أنا فأميلُ إلى تشبيهها بخطيئة بروميثيوسالنبيلة، حين سرق شعلة النار من السماء، متحديًّا زيوس رب الأرباب الذي أعلن أنالنور/المعرفة مُلكٌ للآلهة وحدهم، لا يجوز للبشر التمتع بها. فما كان من بروميثيوسالمغامر إلا أن اغتصبَ من الشمس شعاعًاً ثم ومنحه لأهل الأرض، ثم نال عقابهالأبديَّ الأشهر، إلى آخر الأسطورة الإغريقية.
هكذا يوسَمُ المترجمُ دومًا بأنهالخائن، أو اللص، أو الوسيط، أو السمسار، أو المفتئت على الأصل. بل إن اللصوص فيمابينهم، أقصد المترجمين، نراهم يتهمُ بعضُهم بعضا إما بعدم الأمانة نتيجة تجنّبالنقل الحَرفيّ، أو بالركاكة نتيجة فرط الأمانة الحَرفيّة؛ لأن كلاًّ يحكم من خلالمفهومه الخاص عن الترجمة ومن خلال مدرسته الخاصة التي تبناها في رحلته بين الألسن. فالمترجم إذاً هو ذاك المجرم الذي تطارده العدالة، ويطارده، أيضًا، المجرمونالآخرون.
لكن الشاهدَ أن الترجمة هي فن الكشف. أو العصا السحرية التي تزيلالحُجُبَ عن المتلقي الأجنبيّ لتضعَ ثقافاتِ العالم بين أصابعه. والمترجمُ هو ذلكالفنان الذي يؤرقه ولعُ الكشف والتنقيب عن النفائس، فيبذل الجهدَ والوقتَ من أجلاكتشاف واستكشاف عمل فنان آخر، ليعيدَ خلقه في عباءة جديدة.
وأيًّا ما كانت شهرةالقطعة الأدبية المنقولة في موطنها الأصل، فإنها ستولد في موطن اللغة المستضيفة لهاكطفل يتيم مغترب بلا تاريخٍ أو مرجعيّة راسخة لدى قارئها الجديد. تشبه غربتُهاغربةَ دون كيخوته دي لامانتشا الإسبانيّ حين وجد نفسه وقد نقله حصانه فجأة إلىشيكاغو. فتأتي القصيدة في عباءة غموض دراماتيكية سوداء، تحمل تاريخ مجتمع بعيدبتراثه ومحمّلاته الثقافية، ثم يأتي فعلُ الترجمة ليلعب لُعبته فيخلق كائناً فارقاًمتميزاً ذا جيناتٍ وراثية جديدة، تحمل ملامح حضارتيْن.
فالترجمةُ تخلقُ طفلاقُدِّر له أن يحيا إلى الأبد بين موطنيْن: الموطن الأم والموطن الجديد، سوى أنهبمجرد أن يعبرَ نهاية الجسر في ثوبه الجديد سوف يسعى للحياة ككائن مستقل. ربمايتذكر، أو يمحو من ذاكرته، مدينته القديمة، لكنه سينجح أن يحيا كمواطن مستقل يحملجوازَيْ سفر.
والترجمةُ، بوصفها فنَّ السفر عبر الألسن يلزمها، شأنَ كلّ سفرٍ،شيءٌ من التكيّف والمرونة والذكاء كذلك. لأن ترجمة الشعر لا تعني بحال إيجادَمقابلٍ معجميّ لكل كلمة في القصيدة، لكن المترجم، إذا كان شاعرًا، سوف يعي أنالقصيدة الآن تحاول الارتحال من منظومة إلى أخرى، تتباين معها كلَّ التباين فيالميزان الصرفي والصوتيّ والنحويّ والدلاليّ والزمانيّ والمجازيّ والبلاغيّوالتراثي والمعرفيّ الخ. ومن ثم لا يمكن بحال أن يزعم مترجمُ الشعر أنه بصدد ترجمةالقصيدة انطلاقًا من حرصه على إيصال معانيها لسببين:
أولاً: الشعر في ذاته لغةٌغير إيصالية أو إبلاغية، أي أن الشاعر لا يرمي إلى توصيل معلوماتٍ أو أفكار إلىالقارئ من خلال قصيدته أو إبلاغه بشيء محدد، بل إن القصيدةَ ذاتها لابد ألا تفصحَعن مضمونها على نحو واضح، فالشاعر يعمد إلى تشفير القول أو إعمال ما نسميه طاقةالمسكوت عنه من أجل استقطار روح الشعر، ومن أجل فتح النص على دلالاته. وإلا غدتالقصيدةُ مقالا صحافيًّا هدفه طرح بعض المعلومات والبيانات.
ثانيًا: بناء على ماسبق فالمترجم الذي يزعم أنه يترجم عينَ ما قصد الشاعر هو مبالغٌ وغيرُ صادقٍبالضرورة. لأن أحدًا لا يمكنه الزعم بمعرفة ما يقصده الشاعر تحديدا في قصيدته، ولوكان مقصدُ الشاعرِ واضحًا مبذولاً في النص ما كان هذا شعرا، أو كان من الشعر الضعيفالذي لا يستحق عناءَ القراءة فضلاً عن عناء الترجمة.
في المرة المقبلة سأحدثكمعن «كارثية» الترجمة الحَرفية للشعر، خصوصاً، وللترجمة عموماً.
تعليق