شكوى
استوقفته زوجته، عند الباب وهو يهمُّ بالخروج، قائلة له:
انتظر لحظة، أرى شعرة بيضاء براسك!
جفُل وقال في نفسه:
تفتيش كل يوم ، كأنني على الحاجز، وعين صيّادة، ثمّ مد يده وتحسس شعر رأسه ، ثم عاد إلى المرآة يسألها:
قالت له المرآة :
- لا بأس، بدأت بالعدِّ التنازلي!
- حتى أنتِ يا …
- سامحك الله، أتتهمني بالخيانة!؟
- لم أتوقّع منكِ التّشفّي!
- كيف أتشفّى بكَ، وأنت أنا، وأنا أنت!؟
- تقولينها بلهجة المؤنبة.
- خوفا مني عليكّ
- تفضحينني كلما وقفت أمامكِ، وتدّعين أنكِ تخافين عليّ!؟؟
- أنا وجهكَ الحقيقي، أصارحك بالحقيقة مهما كانت..
- أنت تتحالفين مع زوجتي!
قالت له زوجته:
حتى المرآة تتهمها،ولا تصدقها وتكذِّب نفسك!!؟؟
قال حلف بغداد كان مصيره الفشل، وعكا لا يهمها هدير الحرّ
ثمّ خرج مسرعا، لا يلتفت إلى الوراء، ينظر إلى ساعته في يده.. ثم دخل المقهى الوحيد في الشارع، واتخذ مجلسه في زاوية يلفها ظلام شفاف، جلس يبدو عليه القلق والتوتر، ينظر بين الحين والآخر إلى الساعة الكبيرة على الحائط المقابل له، وعندما لم يجد الراحة عند الساعة الكبيرة، أخذ ينظر إلى الساعة في يده.. ثم طلب مشروبا باردا، يطفئ به النار التي تحرق أعصابه، وعندما طال انتظاره ولم يسعفه المشروب البارد، وازدادت اعصابه احتراقا، طلب زجاجة بيرة باردة، والتهمها بعصبية، ثم التهم الثانية والثالثة، حتى غرق في بحر أفكاره، ونسي ما كان ينتظر، ودخل في حوار مع نفسه، فقال لها:
- سأشتري ورقة يا نصيب!
- حظّك واضح من أول النهار!
- سأربح الجائزة الأولى، وسأشتري سيارة مرسيدس حمراء، وتذكرة سفر إلى القمر، وقطعة أرض تطل على
الشمس، وعلى الجنة وقريبة من الله!
- مثلنا يسلبونه أرضه !
- في الجنة كلنا سواسية!
- التذاكر إلى القمر من نصيب العالم الأول، ونحن بيننا وبين العالم الأول ما بيننا وبين أبعد الكواكب في
المجموعة الشمسية!
- اتوجه إلى مجلي الأمن .
- مجلس الأمن لا أحد يعيره اهتماما غيرُنا!
-ارفع وجهي إلى الله وأشكو له أمري!
- ستلقى مقاومة ممن يعتبرون أنفسهم مكانه على الأرض!
- ليس بين الله وعباده وسطاء أو أوصياء! وإذا أدرت وجهك نحو الله، فممن ستشكو؟؟
- سأشكو زوجتي التي لا تتقيد بدوام، فتفتشني كلما عبرت الباب، وحبيبتي التي انتظرها أكثر من نصف قرن، وسأشكو الآباء الذين يتناولون فطورهم على أجساد بناتهم، القاصرات، والرجال الذين يتاجرون بجسد المرأة لإطفاء الحرائق، وتجار المخدرات الذين يغتالون أبناءنا في غفلة من عيوننا، وممثلينا الذين يتنكرون وينكرون أصلهم ، ويرافقون المعتدي على مقدساتنا، ويسبون شعبهم ليرضوا حكامهم ورؤساؤنا أنصاف الأميين منهم،
الذين يتمتعون بضياعنا، ورئيس البلدية الذي وظّف أبناءه وزوجاتهم وبناته وأزواجهن، ثم وظّف بيوتهم والساحات الواسعة أمامها، ومدير عملي الذي كان يكتب التقارير المزورة ضدي، ومدارسنا التي لا تتقن لغة الأم، وترفع مقولات لمتهمين بجرائم حرب، والعلوم التي كان آباؤنا يحركون دفّتها، فانقلبت عليهم مع الريح ورمتهم في بحور الجهل، والمياه التي كانت في بطون جبالنا،فاستغفلتنا، وتسربت إلى حيث لا نعلم أين استقرت .
وسأشكو أرضنا التي تسللت من تحت رؤوسنا، وانتقلت تحت أقدام غيرنا، وأقدّم عرضا طويلا بقرارات مجلس الأمن ، خلال ستة عقود ، والتي كانت لصالحنا، وتحوّلت لصالح غيرناّّ .
وعندما ذكر مجلس الأمن ضحكت نفسه، وارتفع ضحكها، وتحوّل إلى قهقهة هستيرية، لفتت نظر الناس حوله، فتجمعوا، وتكاثروا، ولم تتوقّف نفسه عن الضحك، إلاّ عندما وصلت زوجته ونهرته فسكت.
وعندما أحس بالصمت، استفاق من أحلامه، وعاد مع زوجته التي أمرته بالنهوض، فمشى معها كطفل تقوده أمه من يده إلى السوق لتشتري له بذلة العيدّّّ
تعليق