كتاب أدونيس ( الكتاب: أمس، المكان، الآن ) .... رؤية نقدية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وليد زين العابدين
    أديب وكاتب
    • 12-05-2009
    • 313

    كتاب أدونيس ( الكتاب: أمس، المكان، الآن ) .... رؤية نقدية

    "كتاب" أدونيس ـ الكتاب : أمس، المكان، الآن ـ
    الاستغراب القبيح وسقوط الشعر
    1 ـ مدخل:‏
    عن دار الساقي ببيروت صدر للشاعر المعروف أدونيس /علي أحمد سعيد/ عام 1995 كتابٌ شعريٌ بعنوان:‏
    (الكتاب ـ أمس، المكان، الآن ـ مخطوطة شعرية يحققها وينشرها أدونيس)، وهو آخر ما صدر لأدونيس من أعمال شعرية أو نثرية حتى تاريخ كتابة هذه المقالة في حدود ما أعلم.‏
    ولأدونيس أكثر من اثنتي عشرة مجموعة شعرية، ونحو من ذلك من الدراسات: في الشعر، والشعرية العربية، وفي الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام، وله مجموعة مختارات كبيرة من الشعر والنثر العربيين قديماً وحديثاً، مع مقدمات لكل كتاب من هذه المختارات، يضاف إلى ذلك عدد من الترجمات في مجال الشعر والمسرح عن الفرنسية.‏
    وتثير شخصية أدونيس جملة من التساؤلات الشكية والاعتراضات الحادة: سواء على مستوى مواقفه، وتقلباتها وانتقالاتها، أم على مستوى تجربته الشعرية وأبعادها الحداثية وسماتها الفنية، ومرجعيتها وغاياتها الفكرية والأيديولوجية، أم على مستوى آرائه في مجمل إنتاجه الثقافي على حد سواء. ويلاحظ تضافر دلالات أعماله الشعرية مع آرائه الفكرية تلك لتشكل نسيجاً متكاملاً مع مواقفه السياسية والثقافية يتسم ("تصوفية متعقلنة ظاهرياً، وبميل واضح للانتقائية المتعمَّدة في فهم التاريخ العربي) حيث يقوده ذلك إلى إدانة للسيكولوجية الحضارية العربية، وإلى انتقاص فظ من القيمة التمدينية والفكرية للحضارة العربية، وإلى تغليب لنزعة الفردانية على الإبداع العربي الذي يكاد ينحصر في الشعر… الخ، مما يمكن وصفه بأنه محصلة موقف "استغرابي" (في مقابل كلمة: استشراقي، بمعناها السيء) في فكر هذا الرجل وإبداعاته ومواقفه.‏
    ويعرض لنا (الكتاب) ـ أو العمل الشعري الذي نحن في صدد التعرض له بالمناقشة هنا ـ صورة مختزلة عما يمكن أن نسميه (الأدونيسية) كنزوع استغرابي مبطن في الصياغة، والانتقاء التاريخي، وتصنيع البنية الفنية المعقلنة قصدياً، والدلالات الفرعية والكلية المترتبة على ذلك.‏
    وباختصار، يبدو نص ـ أو نصوص ـ هذا الكاتب (مفبركاً) عن سابق تعمد وإصرار كي يبلغ المتلقي معطىً فكرياً محدداً هو حصيلة (الأدونيسية) كنهج أيديولوجي متكامل وخارجي.

    2 ـ توصيف الكتاب:‏
    يقع (الكتاب) في ثلاثمائة وثمانين صفحة، ويتألف من عشرة أقسام، السبعة الأولى منها جعلت لها عنوانات من أشطر أبيات للمتنبي وجاءت كالتالي:‏
    1 ـ ومنزلٍ ليس لنا بمنزل.‏
    2 ـ لا تلقَ دهركَ إلاَّ غير مكترثِ.‏
    3 ـ إن النفيس غريب حيثما كانا.‏
    4 ـ كأني عجيب في عيون العجائب.‏
    5 ـ شيم الليالي أن تشكك ناقتي؛ صدري بها أفضى أم البيداء.‏
    6 ـ وجِبتُ هجيراً يترك الماء صاديا.‏
    7 ـ يضمه المسك ضَم المستهام به.‏
    ثم تلي هذه الفصول:‏
    8 ـ (أوراق عثر عليها في أوقات متباعدة، ألحقت بالمخطوطة). 9 ـ الفوات في ما سبق من الصفحات.‏
    10 ـ توقيعات.‏
    والفصول السبعة الأولى هي أساس (الكتاب) وكل منها يتألف من متون شعرية عددها /24/ أربعة وعشرون متناً مرتبة على أحرف الأبجدية (أبجد، هوز….الخ)، ولكل متن هامش تاريخي على يمينه مأخوذ من أحداث التاريخ العربي الإسلامي تحت عنوان: (قال الراوي) أو (حدث الراوية). وما إلى ذلك، وهامش يساري نثري يشير إلى مصدر المعلومة التاريخية أو صاحبها… وفي أسفل كل متن شعري تعليق مسبوق بخط يفصل بينهما، وبنجمة تدل على هذا التعليق.‏
    ويلحق بكل فصل (هوامش) غالباً ما تعنون بأسماء شعراء جاهليين وإسلاميين من الأعصر المختلفة. والهوامش منظومة كمقطوعات شعرية: مناخها يدور في إطار أبرز سماتِ (عنوانها). وفي أكثر من فصل كانت هناك (فاصلة استباق) للهوامش المذكورة. وفاصلة الاستباق هي نص نثري (أودنيسي!) ـ أي أنه أقرب إلى الإبهام السريالي ـ لكنه يكمل الجو الدلالي للفصل الواحد الذي له روح سائر الفصول المذكورة.‏
    والفصل الثامن هو نوع من الإكمال للمتن أو التنويع عليه، أما الفصل التاسع فهو استدراك لما فات ذكره في الهامش التاريخي الحدثي، مع هامش يساري بالمراجع وأصحاب الأحداث… أما الفصل العاشر، أي فصل (التوقيعات) فيضم ثلاث مقطوعات يمكن إضافتها إلى المتون الشعرية وهي: توقيع مفرد ـ صوت بتوقيع ثلاثي ـ أصوات بتوقيعات متعددة.‏
    وإذا كان اللعب الشكلاني واضحاً بقوة في هذا التوزيع غير المألوف ـ واللعب الشكلاني عموماً هو سمة رئيسة من سمات الإبداع الأدونيسي ـ ويحقق إبهاراً فريداً للقارئ العادي فإن ذلك يتبدى لنا وكأنه ضرورة في تقدير أدونيس من أجل التغطية على جملة من الأمور التي يحسن أن نقررها هنا، ولو كان ذلك تقريراً استباقياً:‏
    1 ـ الانتقائية الفظة للأحداث التاريخية.‏
    2 ـ تدني الشعرية إلى درجة فظيعة في المتون وملحقاتها.‏
    3 ـ الإساءة الفظيعة إلى الكائن الشعري الذي يتقمصه أدونيس في المتون تحت اسم (المتنبي) كي يظهر عدمية رؤياه الشخصية، مسندةً إلى أحد أهم الرموز الشعرية العربية ـ المتنبي ـ الذي شغله الهم القومي بقدر ما شغله الهم الشخصي الذي كان متداخلاً في القومي وفي الاجتماعي/ السياسي على حد سواء، ومن قلب حركة الحياة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري بكامل معطياتها وأحداثها وظواهرها.‏
    وكاستكمال لهذا التوصيف لـ(كتاب) أدونيس لابد من الإشارة إلى الهامش التاريخي للمتون الشعرية التي تخص رؤيا ورؤية الكائن الشعري ـ المتنبي ـ الذي يتقمصه أدونيس، إنما هو هامش يستند عليه المتن، أو مجموع المتون، نظراً لكونه (الذاكرة) التي يؤسس عليها الكائن الأدونيسي فلسفته في رؤية عالمه، وفي تحديد (ذاته) كموجود في هذا العالم المتخيل الذي يتبدى لنا لو أنه محاولة مدروسة بإتقان، لا لتسويغ الموقف الأدونيسي الشخصي (الاستغرابي) من الواقع والتاريخ العربي والحضارة العربية وحسب، بل أيضاً لإقناع المتلقي بوجوب تبني مثل هذا الموقف اعتماداً على معاناته الفعلية في الراهن العربي المتردي تردياً أقرب إلى الكارثي. ولكن عبر تحويل أدونيس مسؤولية هذا التردي إلى ما ينتقيه هو من سوءات التاريخ العربي، وبإغفال تام لفعالية الغرب: التاريخية والراهنة في صياغة هذا التردي المفجع في كيفيات معرفة غالبية العرب بذلك التاريخ.‏
    يقول أدونيس مبيناً للقارئ وجوب اعتبار منتقياته التاريخية ذاكرة يستند عليها وجود كائِنِه الشعري:‏
    (أتفيأ ـ أخرج من هذه الذاكرة/ من مداراتها ودواليبها الدائرة ـ /أتفيأُ أسلافي الآخرين/ الذين يضيئون أعلى وأبعد من ظلمة القتل، من حمأة القاتلين) ـ أول الهوامش بعد الفصل 1 ـ فلننظر الآن إذاً في أمر هذه الذاكرة التي يقدمها أدونيس كخلاصة شاملة للتاريخ العربي الإسلامي منذ أن قبض النبي العربي عليه الصلاة والسلام.‏
    3 ـ التاريخ العربي في المنظور الأدونيسي، أو:‏
    ما هو الأمس الأدونيسي؟…‏
    يقول أدونيس في الفصل العاشر (التوقيعات)، فقرة (توقيع منفرد):‏
    (هل ضاع النظرُ، اختنق الصوت؟… /أفّ، ما هذا التاريخ ـ ألميّتُ يقتلُ فيه حتى بعد الموت؟)..‏
    إن هذه الفكرة المنظومة شعراً، فكرة أن، التاريخ العربي ماهو إلا ركام من أحداث القتل المرعبة المستمرة ـ وشبه المجانية وفق دلالات مسروديتها في الكتاب ـ هي فكرة يمكن وصفها بأنها بؤرة البنينة المفهومية لنمط التأريخ المعروض في النص، أو لنمط الأمس، وفقاً لانتقاءات أدونيس.‏
    وقد قدَّم أدونيس لذلك بنصين شعريين أوليين، على يمين المتنين، ("أ،ب")ـ من الفصل، يهيئان القارئ لتبني تلك الصيغة من البنينة، ولإسقاط فكرة كون التاريخ سياقاً حافلاً بجدل متناقضاته وقائماً على تصارع عناصره وقواه المتضادة… وبعبارة أخرى: يهيؤه لتقبل إعدام ما لا يريدهُ أدونيس من التاريخ. فهو مثلاً يقول في النص الشعري الأول تحت عنوان "ذاكرة الراوي":‏
    (في صحراء لغاتٍ ولد الشاعر*/ عاش؛ ولكن في ما يشبه تابوتاً/ سافر لكن في ما يشبه مقبرة/ في طقس لا تخلو سنة منه/ طقس للقتل ـ وقد لا يخلو يومٌ منه ـ عاش الشاعر.).‏
    ويقول في النص الثاني تحت عنوان "قال الراوي":‏
    (لا نعرف من نحن الآن، ومن سنكون إذا لم نعرف من كنا./ ولذا سأقص عليكم من كنا).‏
    وبالطبع فإن النص الأول يفسر الثاني بدقة. وأدونيس يكمل على لسان الراوي رابطاً ما يختار أننا "كنا"هُ بالإرادة الإلهية ـ في إشارة منه للسمة الجبرية الطاغية على الذهنية العربية حسب منظوره؛ وإلى المصدر الإلهي للسلطة في تلك الذهنية ـ فيقول:‏
    (وثنى الراوي:/ دحضاً للشيطان/ قال اللهُ:الأرض مهادٌ للإنسان/ وسأجعل منها عرشاً، ويكون التاج خليفةْ/ وثنى الراوي:/ هو ذا العرش يهيأ تحت سقيفة).‏
    بصرف النظر عن اللعب الساخر بجذورٍ مفهوميةٍ: دينية ودنيوية إسلامية، وعن الافتعال، وعن الخلط الفكري المتعمد، وعن الابتداء بانتقاء التاريخ من ابتذال فكرة التاريخ ذاتها، فإن أدونيس يعيدنا في الهامش الثالث الذي على يمين المتن "ج" من الفصل الأول إلى التشديد على وجوب فهم أن ما سيرد من (تاريخ أدونيسي) هو الإطار الكلي والنهائي لموجودية كائنه الشعري، وأن هذا الإطار كان مبدوءاً من: (تلك السنة التأسيسية:/ إحدى عشرة هجرية) حيث جرى ما جرى من وفاة الرسول (ص) ومن واقعة السقيفة، سقيفة بني ساعدة، التي تمت فيها مبايعة أبي بكر الصديق خليفة، ثم امتناع علي بن أبي طالب عن مبايعته لفترة. ولن يفوتنا هنا أن نشير إلى أمرين مهمين في (انتقاءات) أدونيس: أولهما، القفز مباشرة من الخلق الإلهي إلى واقعة السقيفة حيث يتم هنا إلغاء أزمنة عربية طويلة سابقة، وثانيهما، هو إثباته لقولة عمر بن الخطاب يوم السقيفة عن (قتل سعد بن عبادة)، الذي سيقتل فعلاً سنة 15 هـ فكأنما واقعة قتله هي تنفيذ لتلك القولة، وكأنما التاريخ (عمل مسرحي) مسبق الصنع لا سياقٌ لصراع الأضداد والقوى بما لذلك الصراع من محصلات سلبية وإيجابية… وفي الحالين نحن أمام صيغة من صيغ (نفي التاريخ) وإسقاط الأوهام الشخصية عليه.‏
    إذاً، بدء التاريخ العربي الإسلامي في نظر أدونيس هو بدء الصراع الطويل على السلطة المجردة من أية أبعادٍ أو مضمونات. ومن هنا يؤسَّس عنده (لتاريخ القتل)، بمختلف أشكاله الوحشية، وبما هو قتل يوميٌّ مقصودٌ لذاته، كأنما هو طبع خاص وخالص للعرب المسلمين، وسيكتفي أدونيس بالقرنين الهجريّين الأوّلين، يختارهما مثالاً جامعاً ونهائياً، وينتقي منهما: ما بين قتل المرتدين أيام خلافة أبي بكر ومقتل يوسف البرم الذي خرج على الخليفة العباسي المهدي سنة /160/ هـ مع ما يرافق القتل من أعمال تخريب ونهب وتمثيل… إلى آخره من مظاهر الوحشية..!‏
    ويطيب لأدونيس أن يجمع وقائع القتل تلك معزولة عن سياقاتها ومُشفّاة من معانيها وخلفياتها الدينية أو الدنيوية، فيُظهر العرب والمسلمين ـ كل العرب والمسلمين! ـ فتاكاً أو وحوشاً أو خونة غدارين، هائمين بسفكِ الدماءِ من أجل عرش السلطة سواء كانوا حكاماً أم معارضين!…‏
    إن الأمر دائماً في هذا (التاريخ الأدونيسي)، الذي هو "الأمس" ـ حسب عنوان الكتاب ـ هو أمر:‏
    (عرش يتنقّل، والقتلى/ عرباتٌ حيناً، وجسورٌ حيناً)، (لا يومَ لدفن الموتى/ كل الأيام قبورْ)، ص32 و33 على التوالي ـ وما الأيام إلاَّ: (أفراس تائهة تتراكض بين رؤوس القتلى) ص121.‏
    وما الزمن العربي إلاَّ: (بيت مرفوع برؤوس القتلى) ص 142 الخ، الخ...‏
    وبالطبع لابد لنا من الاعتذار عن عدم متابعة سائر التفاصيل التي ينتقيها أدونيس وينسلها نسلاً من التاريخ العربي العام لينشئها مثل ذاك الإنشاء على امتداد ثلاثمائة صفحة تقريباً عدا فصل (الفوات) لكن أقل مايمكن أن يقال في هذه الصيغة من الانتقاء المتعمد: إنها صيغة تتواطأ مع أسوأ النظرات التجريمية الغربية إلى التاريخ العربي الإسلامي، سواء شاء لها صاحبها ذلك أم لا.. وهي صيغة (بحث في التاريخ) ـ رغم النظم الشعري ـ تجافي مجافاة شنيعة أبسط مقتضيات الإنصاف وأدنى حدود الموضوعية في البحث، حتى لتبدو كأنما هي عملية ثأر معرفي من العرب على مالا نعرف مما يخبئه أدونيس في عقله وكيانه اللذين أصبحت لهما هذه السمة من (الاستغراب) العجيب القبيح.‏
    إن هذا (الأمس التاريخي الأدونيسي)، هو أيضاً (الآن) أو الراهن، عربياً وإسلامياً، حسب أدونيس.‏
    لنقرأ ما يقوله في الفقرة "ج" من (أصوات بتوقيعات متعددة) في فصل (توقيعات) وهو يقصد ذاته تحت لقب "الشاعر":‏
    (هل يكون لأشواقه زمنٌ آخرٌ، لهبٌ آخرُ؟/ الرؤوس تجدد أقفاصها والزمان كراتٌ/ تتدحرج مسحورة).‏
    الزمان العربي إذاً زمان مغلق عند أدونيس. حاضره دائر أبداً في دائرة القتل المتأسسة في (الأمس الأدونيسي) المنتقى، تتناسل الدورة من الأخرى منسوخة عنها كما الكرات المسحورة!… وعليه فالأمس هو ذاته الآن في منظور كائنه الشعري. وما ذاك (الأمس) و(الآن) إلا جناحا (المكان) الذي يصنعهما مرة بعد مرة دون أي تغيير، باعتباره ـ أي المكان ـ مجرد فضاء لثقافة القتل، ولجنون القتل، ولغريزة القتل التي هي (طبع عربي!)، له كل هذه الوحشية الخالصة!…‏
    4 ـ في الكائن الشعري الأدونيسي:‏
    لأسباب سيجلوها سياق هذه المقالة، نحن نميل بقوة إلى المطابقة مابين (المتنبي الأدونيسي) والذات الأدونيسية. ولعله يتعين علينا أن نُلمِّح إلى حقيقة المكان في نظر أدونيس، كي نتمكن من تحديد صيغة الموجودية. للكائن الشعري المرسوم في المتون وتوابعها.‏
    إن (المكان) الذي يقصده أدونيس نصياً هو الوطن العربي والعالم الإسلامي إجمالاً. وإن اقتصاره، لضرورات الصياغة السردية في تلك المتون ـ ونحن نلح هنا على كلمة سردية ـ على أسماء أمكنة ذات صلة بشخصية المتنبي الحقيقي، مثل: الكوفة، سواد العراق، بادية السماوة، اللاذقية، حمص، بعلبك، أنطاكية، طبريا… وسواها… وفي الأصل، الوطن العربي هو ـ شأنه شأن كل الأوطان الحضارية العريقة ـ فضاء حضاري/ ثقافي متوارث عبر تأصله في جغرافيته، وسماته ترتسم في حركة بشره وعلاقاتهم كما تحدد نظام تلك الحركة، وحدود تلك العلاقات، عبر مركب تفاعلات ذاتية داخلية وموضوعية خارجية مستمرة، ومتغيرة بتغير الشروط التاريخية المتعاقبة والطارئة.‏
    ومن حيث المبدأ يظل الأمس الحضاري فاعلاً في صياغة الحاضر المجتمعي والقومي وحاملاً من حوامل الآفاق الممكنة للمستقبل، ومن حيث المبدأ أيضاً، تظل الشخصية البشرية محكومة بمجموع الحقائق الفعالة للفضاء الحضاري العام، وهي تكاد تعكس ذلك الفضاء عكساً شبه مرآتي عندما تصبح مرفوعة إلى حيز التنميط في الأعمال الفنية التي تطمح إلى أن تكون ذات طابع كلي أو شمولي.‏
    إن الكائن الشعري الأدونيسي المتقنع باسم المتنبي هو كائن مهمته إيضاح الفكرة الأدونيسية عن المكان ـ الوطن العربي ـ بقدر ما فكرة المكان هذه ستقدم التسويغ لطبيعة شخصية هذا الكائن الشعري، وآفاق رؤيتها لذاتها وللعالم.‏
    ولأن أدونيس يفرغ "المكان/ الفضاء الحضاري/ العربي" من كل معطياته، باستثناء حلقات القتل الوحشية المتواترة فيه، فإنه يُعدِمه ببساطة! وفي هذا الوضع من "الإعدام" سيعوم كائنه الشعري ليتحول إلى كومة من كلام!..‏
    ويبدو تركيب هذا الكائن الأدونيسي، من المتون الشعرية للفصول السبعة التي سبق لنا تعدادها، تركيباً متأسساً ومنجزاً (ككومة كلام) منذ الدفقة النصية الأولى. وهو مصنوع بصرامة عقلية بالغة التنميق في الصياغة القولية لتلك المتون.‏
    وهذه الصرامة العقلية هي صرامة غائيّة تم إنشاؤها وفق رأي مقرر قبلياً.. وبذلك أبعد الإنشاء القولي أو الخطاب النصي إبعاداً كافياً عن براءة الشعر التي تمنح القارئ آفاقاً دلالية متسعة؛ فألحق القول المنظوم هنا بتلك الصرامة إلحاقاً فظاً سنعود إلى معالجته بعد قليل.. وتدنت الشعرية إلى أن تصير مجرد تشكيل قولي/ عقلي لغايةٍ نفعيةٍ مستهدفةٍ قبل الصياغة النصية، وبهذا صار أدونيس اشبه "بالحرفيّ" الذي يريد إخراج "سلعة" هناك الكثير من مثيلاتها، وليس المبدع الذي لا نظير لإبداعه من قبل، وذلك مع سبق الإصرار، وليلاحظ القارئ أننا هنا نتكلم على فحوى النص لا على ترتيبات أجزائه شكلانياً..‏
    وتبدو المتون سرداً حكائياً تشاعرياً لنشوء كائن أدونيس: /المتنبي/ وإبلاغاً عن وجوب صيرورته إلى (كومة كلام) وحتمية ذلك.‏
    إن المتن "أ" من الفصل الأول قدم إخباراً سردياً بسيطاً ملخصه أنه عند ولادة هذا (المتنبي!) هوى شيء فمسح التجاعيد عن وجه أمه، فاختلف الناس فيه بين أنه ملاك أو شيطان، و(بعضهم آثر الصمت خوفاً وتقوى/ وكانت الكوفة الأليفة تدخل في غربةٍ)…‏
    ويفسر الهامش التاريخي لهذا المتن كل شيء سلفاً: (في ذاكرة تلد الكلمات وتولد فيها.. وفي صحراء لغاتٍ ولد الشاعرْ… وفي ما يشبه مقبرة… في طقسٍ للقتلْ.. لا يخلو منه يومٌ، عاش الشاعر).‏
    إن إعدام المكان/ الفضاء ـ حيث الكوفة مجرد اسم بلا دلالة ـ بتحويله إلى صحراء لغات، وذاكرة تلد الكلمات وتولد فيها، وبما يقع خلف ذلك من قتل لا نهائي، قد جعل إمكانية حركة الكائن الشعري خارج حدود اللعب بالكلام معدومة، فلا عجب إن كان هذا البدء هو ذاته النهاية وما بينهما!…‏
    وإذا كانت المتون "ب،ج،د" من الفصل ذاته مخصصة لوصف أسرة (المتنبي الأدونيسي) ـ الأب، والأم، وهذه الأسرة ستختفي لاحقاً لنكتشف أن الحديث عنها كان مجرد زركشة في السرد ـ فإن الهوامش المنجَّمة في أسفل تلك المتون ستكرر ما سيتكرر لاحقاً دون كلل عن (الكلام) و(طقس القتل)، و(هبائية المكان) أو انعدامه. يقول الهامش المنجّم في أسفل المتن "ب": (جسدي غابة من رموز/ وخطاي كما رسمتها ظنوني/ درج صاعد وتهاويل كشفٍ)، ويقول الهامش في أسفل "ج":‏
    (إنَّه العرش يصقل مرآته صورةً للسماءْ/ ويزين كرسيه بشظايا الرؤوس ورقش الدماءْ).‏
    ولعل المتن "د" ذاته يكشف كينونة الكائن الشعري الأدونيسي كشفاً أفضل إذ يقول:‏
    (أبوايَ انشطارٌ، دمٌ للمؤمل والمنتظرْ/ هبطا من أعالي القبائل، من رأسها، يسرجان خيول السهرْ/ أخذا الأبجدية في راحة والقصيدة في راحة، ثم قالا: /سوف نقرأ في ضوء سرهما أحمدا).‏
    وأحمد هو اسم المتنبي الحقيقي، لكن المهم هنا هو تقرير صياغة هذا الكائن الأدونيسي: من الكلام المؤسَّس في الدم!!‏
    وستغرينا المتون: "ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ص،" بالتفكير في أن أدونيس قد ينشئ مكاناً مليئاً بجدل ما يحدث فيه، وبأن (متنبيه) سيكون شيئاً غير كومة الكلام، لكن، لننظر في الهامش المنجم أسفل المتن "ز" إنه يقول:‏
    إن سواد العراق: (نايات كسرت وبقايا أكواخْ/ في كل مكان سيافون وجند). ولنعد هنا من جديد إلى تنبيه القارئ إلى أن أي اسم مكان لا يعني ذاته وحده بل يعني العالم العربي والإسلامي جملةً وذلك حسب المنطوق النهائي للكتاب كله.‏
    أما المتن "م" فيقول عن الكوفة على لسان متنبي أدونيس: (لم تزدني هذي المدينة إلا شكوكاً/ لم تزدني إلا نكوصاً عن مداراتها/ لم تزدني غير التمزق "تنكر نفسيَ نفسي"، وغير الدوار /لم تزدني إلا هبوطاً في جحيمي إلى لا قرارْ/ المساء مليء برؤوس مقطعةٍ والصباح قبورٌ: تلك أيامها/ ما الذي كان فيها السماءْ؟!… هو ذا نتدثر أوجاعنا ونخوّض في مهمةٍ من دماءْ). لكن الهامش المنجم في أسفل المتن "ف" سيلخص ذلك باختصار محكم: (غيب الكوفة يزهر في ألفاظ بنيها ولكن لا يثمر إلا موتاً).‏
    ويخرج هذا الكائن من الكوفة مكتفياً بذاته، ذاهباً إلى ذاته، وسط طقوس القتل في نهاية الفصل الأول:‏
    (سيف يدخل في بيعة رمحٍ، رمحٌ مخلوعٌ/ كلٌّ يهذي/ وأنا تيهٌ أمشي فيَّ ونحوي). وهذا ما يقوله، أول المتن "ظ" فهل سيكون حظه في "السماوة" مختلفاً، أو هل سيختلف مصيره ككائن من الكلام في مكان تم إعدامه مسبقاً كما كان حال الكوفة والسواد؟!…‏
    إن الفصل الثاني الذي خصصت متونة (للسماوة) سيفصح في المتن "ع" عن سقوط هذا (التنويع المكاني/ التاريخي) في أحابيل الإحالات الأدونيسية للأمكنة والأزمنة العربية إلى أكوام كلام فارغ، وعن سقوط كل معنى للوجود التاريخي العربي في شرك الإعدام. يقول مطلع ذلك المتن:‏
    (الخيامُ الخيامْ/ غابة تتقلب أغصانها في رياح الكلامْ). وسيفسر لنا المتن "ف" حقيقة هذه الإحالة في المنظور الأدونيسي إذ يقول:‏
    (كلُّ شيءٍ هنا، في السماوة، في أرضنا، لفظة خائفة/ لا غذاءٌ لها، لا كساءْ/ غير ما يتقطر من دمعها. من تباريحها، وجراحاتها النازفةْ).‏
    وسيُفهم هذا التفسير بصورة أفضل عندما ينظر القارئ إليه في ضوء الهامش اليميني الذي يعلق فيه الراوية على التواريخ المنتقاة بالقول:‏
    (زمن بحرٌ/ للرؤوسٍ عائمةٍ/ في سفن من ألفاظ)…‏
    إن "السماوة" هي في نهاية الأمر صورة من كوفة أدونيس أو نسخة عنها، مثلما هي بغداد وطبريا واللاذقية وأنطاكية وسواها من مفردات (المكان) العربي. وفي بغداد أو عنها يقول أدونيس في المتن "و" من الفصل الثالث: (شهواتي تشرع أبوابها/ نحو بغداد "هل قلت بغدادُ مكسورةً بتباريحها؟" /ليكن بيننا التباسْ/ أتراها رُسِمتْ في كتاب الخليفة مشطورة ً بين نار ونارْ؟ /الخَرابُ يجرُّ على أرضها خطاهُ/ وخطاها لا تقود إلى أي ضوءْ).‏
    وباختصار، إن المكان العربي قد قرر له أدونيس سلفاً أنه ليس إلا (نطعاً) فظيعاً فسيحاً تملؤه الرؤوس المقطوعة كي يظل من هم (طغاة وجلادون) ـ وفقاً لما قرره أيضاً! ـ فوق العرش!…‏
    يقول على لسان كائنه الشعري في مطلع المتن "م" من الفصل الثالث:‏
    (لا أرى غير رأس يُرَجَّلُ في عاره، غير رأس تدحرج عن كتفيهِ/ الرؤوس كراتٌ/ في مدار العروشِ وساحاتها)…‏
    وعلى هذا فإن التاريخ العربي ـ أو الزمان الذي تملأ حركته هذا المكان ـ هو وفقاً للحتميات الأدونيسية المسبقة الصنع:‏
    (تاريخٌ ـ ألأشياء خرافٌ فيه، والكلمات ذئابٌ، والظلمات المعنى) ـ‏
    ص 110.‏
    إنه ببساطة (تاريخ سقوطٍ) كامل مكتمل لكل مفردات الفضاء الحضاري العربي الإسلامي.. وهو بالطبع محصلة للرؤية الاستغرابية ومتطلباتها، حيث لا يمكنها أن تقبل للوجود العربي والإسلامي بكليته أقلَّ من هذا الإعدام. وهذا بالضبط ما رمى إليه الاستشراق طوال زمان إنشائه وتوظيفه!.‏
    إن كائن أدونيس الشعري ـ أو متنّبيّه ـ لا يمكنه، انطلاقاً من هذه الرؤية، أن يكون أكثر من (كومة كلام) لتصوير تلك الفعلة الشنيعة بحق العرب وحضارتهم وحقائق وجودهم العام، وذلك عبر صياغة نظمية توهم بما يمكن أن يُظنّ أنه حركة كشفٍ للتاريخ العربي الإسلامي الحقيقي من داخله باستعمال اسم لهذا الكائن هو اسمٌ لأحد أهم الرموز الثقافية والشعرية العربية.‏
    إن متنبي أدونيس ماهو إلا مجموعة الأفكار الاستغرابية الأدونيسية التي يحاول أدونيس ـ بكلِّ ما لديه من حذق الصنعة ـ أن يلبسها لبوس الفن، فهي في نهاية المطاف (أفكار جاهزة) مسبقة ومنتجة بمنتهى الصرامة العقلية، ونظراً لتعارضها الحدي القطعي مع الحقائق التاريخية الحضارية الفعلية، ومع شروط البحث المنصف والموضوعي، فإنها أفكار لا تستطيع أن ترى إلا "ذاتها" التي هي "ذات" أدونيس وقد بلغت أقصى ما يمكنها من تورم!.. يقول أدونيس في المتن "ف" من الفصل الخامس مكرراً ماكان قد ذكره في الفصل الأول بهذا الخصوص:‏
    (فسحة في مدائن حلمي ـ أتقدم فيها، أتشرد فيها/ لا رفيقٌ ولا عابرٌ غير ما يتموج في ناظري/ لأقلْ: إنني أتمرأى/ ومرايايَ عنيَ منّي إليّ).‏
    (في الطريق إلى تدمر وإلى بعلبكَّ وحمصٍ تقريت يونانها/ وتقريت رومانها/ وتقريتُ ما تفعل الأبجدية في حبرها ـ أسكرتني أيقونةٌ).‏
    ولنضع ما يكفي من الخطوط تحت الجملة الأخيرة فإنها مفتاح هذا الفكر الأدونيسي الغريب بكامله!…‏
    وإذا كان أدونيس في المتن "هـ" من الفصل السابع يكرر دون كلل تلخيص رؤيته للزمان والمكان العربيين في (صورة دمشق)، إذ يقول:‏
    (درهمٌ ـ بيرقٌ فوق رأس دمشق/ توجتْهُ بعرشٍ له شكل سيفٍ/ حوله الأرض بركان ظلمٍ وحقدٍ/ حوله الدهر طوفان قتلٍ/ وله الناس جبّانةٌ)…‏
    فإنه لا ينسى، عبر سياق متون هذا الفصل، أن يجعل الصياغة توحي بأن الماضي هو ذاته الحاضر، وكلاهما فارغ إلا من رعب الطغيان ووحشية القتل.. إلى آخره، إلى آخره!…‏
    وبالطبع، لا جدوى من محاولة تلمِّسِ الجديد في رؤية أدونيس للشعراء السبعة والخمسين الذين أفرد لكل منهم متناً مرقماً تحت عنوان (هوامش) حسبما سبق ذكره في توصيف هذا الكتاب، فهل يمكن لهؤلاء أن يكون أحد منهم ـ حسب المنظور الأدونيسي ـ إلا نباتَ الفضاء الحضاري العربي الذي أعدمه أدونيس بكل صفاقة بتلك الروح الاستغرابية الفتاكة؟!…‏
    5 ـ في سقوط شعرية "الكتاب":‏
    كنا نود أن نعرض بتفصيل للبنية الفنية في هذا (الكتاب) فنحلل كيفيات الأداء اللغوي وأساليب التصوير والترميز والمستويات الدلالية للمتون وعلاقاتها التكاملية.. وغير ذلك مما يهم "نقد الشعر" من أمور… غير أن كون هذا العمل الأدونيسي هو "(بياناً منظوماً) لآراء عقلية أيديولوجية، وظيفتها إدانة الوجود والتاريخ العربيين الإسلاميين بصورة متعمدة ومنهجية، فإننا لا نستطيع اعتبار نص هذا (الكتاب) ـ أو نصوصه ـ شعراً رغم تقنعها بأقنعته.‏
    إن الصياغة النظمية هنا في لعب تزييني يتعمد الإبهار لغاية تضييع القارئ، المتلقي، عن طبيعة هذا (البيان المنظوم) ووظيفته الاستغرابية في إطار ما تصطنعه (المركزية الأوربية) لنفسها من تجديدات في الأساليب وأنماط الفاعلية… فالصياغة هنا لها هدف ثابت هو إقرار الفكرة الواحدة/ الإجمالية عن إعدام العرب والمسلمين والعروبة والإسلام: إعداماً ثقافياً وحضارياً بصورة قطعية، وفي سياق أداء وظيفة استغرابية محددة.‏
    وبناء على هذا فإن اللغة الأدونيسية هنا تماثل لغة الشعر ولكنها ليست هي. إن كون القول الموقع يعطي فكرة محددة وثابتة هو أمر لا يبيح تشكيل (أحوال) أو (واقع فني) شعري تصبح فيه الرموز والصور غنية وعميقة ومفتوحة على آماد فسيحة من الدلالات التفصيلية والمجملة. إن الرموز هنا مصنوعة لغاية الإبهار، والصور تنزاح بذلك إلى إحالات مغلقة في إبهامها، فتبدو خالية من الروح إذ قد ضربت نحو الاستحالة.‏
    لنقرا مثلاً هذا الهامش المنجم على المتن "ت" من الفصل الثالث ص 118، فإنه يقول:‏
    (يلبسُ الضوءُ في الغيم ثوباً، ويلبس في الصحو ثوباً/ هكذا يفعل اللهُ، والشعرُ في بعض أوقاته).‏
    ولنقارن بما سيعود أدونيس ليقوله في الضوء في ص 159هامش المتن "ش" من الفصل الرابع:‏
    (يخرج الضوء من نفسهِ / كي يلاقيَ أطيافه).‏
    إن اللعب التزييني بهذه الصور المصنوعة صناعة فيها استحالة دلالةٍ مترابطةٍ وذاتِ صلةٍ بروحية المتلقي، هو لعب يميت روح الكلام إذ هو قد أفقده طاقة الاتصال والإيصال رغم تنميقه وتزويقه!‏
    إن الهوامش المنجمة التي هي تعليقات على المتون تكاد تكون جميعاً من هذا النمط التعبيري الغريب، حيث التزويق يبدو مبهراً لكن روح التعبير ميتة. أما المتون فهي كثيراً ما تميل إلى نظم ماهو عادي مثلما في المتن "ق" من الفصل الثاني، حيث يقول:‏
    (قل ـ لماذا تخاف من القرمطيّْ؟/ أهو السيفُ؟ لكن سيف الخليفة أمضى/ أهو البطش؟ لكن بطش الخليفة أدهى/ أم تخاف من الموت؟ أنظرْ/ هاهو الموت حولك ـ في الماء، في الخبز ـ خيرٌ وأولى/ أن تخاف من الفقر، وافرحْ/ لأبابيل حمدانَ قرمط في عصفها البهيّْ). وعلى هذه الطريقة تسقط الشعرية في (الكتاب) وتتلاشى روح الفن بصورة نهائية.‏
    (1) هذه المقالة تخص الجزء الأول من (الكتاب)، إذ أصدر أدونيس لاحقاً جزءاً ثانياً له، دون أن تكون ثمة إشارة إليه في الجزء الأول، ودون أن يشار إلى ما عرضنا له بأنه (جزء أول)… وبالطبع، ما اللاحق هنا بخيرٍ من سابقه!…‏

    الكاتب : أحمد يوسف داود - منشورات اتحاد الكتاب العرب
    التعديل الأخير تم بواسطة وليد زين العابدين; الساعة 16-10-2009, 16:03. سبب آخر: تصحيح خطأ إملائي
  • وليد زين العابدين
    أديب وكاتب
    • 12-05-2009
    • 313

    #2
    وجهة نظر أخرى منقولة من الشبكة بنفس الموضوع , أحببت إضافته لإغناء المضمون :أدونيس وديوانه الجديد (الكتاب : أمس المكان الآن)عــــرض ونــــقـــدلماذا الحديث عن الشاعر أدونيس ؟ وهل هو ضروري الآن ؟ في تقديري أن الحديث عن الشاعر أدونيس ضروري الآن لعدة أسباب منها : 1- أدونيس ليس شاعراً عادياً بل هو أحد مؤسسي مدرسة شعرية جديدة في العصر الحديث مثلتها "مجلة شعر" التي صدرت في الخمسينيات ، والتي أرادت أن تنسف قواعد التراث الشعري مضموناً وشكلاً وأن تؤسس قواعد جديدة وأن تروّج لها .2- أدونيس ليس شاعراً فحسب بل صاحب دراسة موسّعة لتاريخ الأمة ، وقد انتهى في دراسته تلك إلى فرز عوامل الثبات والتحوّل والأتباع والإبداع في كل مجالات تاريخ أمتنا . 3- أدونيس ليس شاعراً يتعاطى الشعر فقط لكنه صاحب نظرة نقدية للشعر العربي : قديمه وحديثه ، تقوم على تفضيل بعض الأساليب الشعرية ورفض بعضها الآخر ، وتقوم على الترويج لأشكال جديدة من الأدب والتنظير لها مثل "قصيدة النثر" . 4- أصدر أدونيس مؤخراً ديواناً سمّاه (الكتاب : أمس المكان الآن) وأعلن أنه سيصدر الجزء الثاني منه وسيتوقف عن الكتابة بعد ذلك ، يشكّل إذن هذا الديوان قمة تطوّره الشعري واعتزازه فلا بدّ من وقفة مع هذا الديوان . 5- أدونيس أحد المرشحين لجائزة نوبل لعدة سنوات سابقة ، ولمّا يفز بها حتى الآن ، فيستحسن أن نفهم هذا المرشح لجائزة نوبل والذي قد يفوز بها في وقت لاحق ، ونضعه تحت المجهر لنحدد ما المقبول منه وما المرفوض قبل أن يمطرنا بوابل محاضراته وأقواله بعد نيله تلك الجائزة ، فلا نستطيع أن نقوم بعملية الفرز والغربلة حينئذ . هذه بعض الأسباب التي تجعل الحديث عن أدونيس ضرورياً جداً في هذا الوقت وفي هذه المرحلة .والآن سأتناول هذا الديوان الشعري الجديد الذي أسماه "الكتاب : أمس المكان الآن" ، وأرى من أجل استيضاح صورة الديوان الشعري أنه لا بد من الحديث عن نظرة أدونيس إلى الشاعر ونظرته إلى الكتابة عند العرب .نظرة أدونيس إلى الشاعر والكتابة : يرى أدونيس أن الشاعر يجب أن يكون صاحب رؤيا ويجب أن يكون مجدداً ، ويجب أن يصوغ العالم صياغة جديدة ، ولا يكون دوره فقط في محاكاة العالم . ويرى أدونيس أن "الكتابة" تالية لمرحلة "الخطابة" عند العرب ، ويعتبر أن الثورة الكتابية الأولى التي نشأت في وجه الخطابة ، نثراً وشعراً ، هي كتابة القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم نهاية الارتجال والبداهة ، ثم ينقل أدونيس أقوالاً للقلقشندي أدان فيه الكلام القديم : الخطابة والشعر، وأدان الأساس الذي يقوم عليه وهو الأمية - الفطرة ، الارتجال - البداهة ، وفضّل النثر (الجديد الناشئ) على الشعر (القديم السابق).ويعتبر أدونيس أن هذه النصوص القرآنية تؤسس عهداً جديداً من الكتابة يقوم على النقاط التالية : 1- إذا كانت الكتابة جمعاً فإن الكلام غير المكتوب يظل مبعثراً لا ناظم له ، ولا ثقة فيه . 2- الكتابة علم : لا علم بالمعلوم وحسب ، بل بالمجهول كذلك . 3- الكتابة "صناعة روحانية" أي أنها تجسيد بالحروف للصور الباطنة . 4- الكتابة "إنشاء" أي أنها اختراع على غير مثال . 5- الكتابة عمل شاق لا يعرفه إلاّ من يمارسه .6- الكتابة لا متناهية شكلاً وموضوعاً ، لأنه تواجه عالماً لا متناهياً. والآن نعود إلى الحديث عن ديوانه الشعري "الكتاب : أمس المكان الآن" الذي يعرفه أدونيس فيقول عنه : "مخطوطة تنسب إلى المتنبي ، يحققها وينشرها أدونيس" ماذا نستفيد من هذا الكلام على ضوء ما تقدم من نظرة أدونيس إلى الشاعر والكتابة ؟ أظن أنه لأمر طبيعي أن نفترض التزام أدونيس بما طلبه من الشاعر وهو أن يكون صاحب رؤيا ويكون متنبئاً ويكون صائغاً للعالم صياغة جديدة ، وأن يكون شعره تأسيساً وتجديداً ويكون ضمن صورة "الكتابة" وليس ضمن صورة "الخطابة" ، على ضوء هذا نستطيع أن نقول إن أدونيس"النبي" اختفى وراء "أبي الطيب المتنبي" ليقول على لسانه نبوءته التي دوّنها في "الكتاب" والتي يقصد أن تكون رؤيا جديدة وصياغة جديدة للواقع ، والتي يجب أن تبتعد عن "الخطابة اللسانية" التي امتازت بها "الشعرية العربية السابقة" . فهل حقق "الكتاب" هذه الرؤيا ؟ نعم حققها لكنها رؤيا هدم في الشكل والمضمون ، ولا نستطيع أن نفهم هذا الهدم في المضمون إلا بالعودة إلى "الثابت والمتحول" والتوقف عند بعض طروحاته لأنه الخلفية الفكرية التي اعتمدها أدونيس والتي نقل منها في كل ما دوّنه في الديوان الشعري الجديد "الكتاب : أمس المكان الآن" ، فماذا جاء في "الثابت والمتحول" ؟ وماذا قال أدونيس فيه؟ الثابت والمتحول عند أدونيس :ما هو الثبات وما هو التحول ؟يعتبر أدونيس أن تاريخنا ينقسم إلى منحنيين : منحى ثبات وأتباع ومنحى تحول وإبداع . وهو يعرض بحثه في كتابين يتحدث في الأول عن أصول الأتباع والإبداع ويتحدث في الثاني عن تأصيل أصول الأتباع والإبداع . يرى أدونيس أن هناك اتباعية في الخلافة والسياسة نشأت منذ الاجتماع في سقيفة بني ساعدة تقوم على قرشية الخلافة ، ...، كما أن هناك اتباعية في الشعر والنقد تتابع النبي موقفه من الشعر الذي حافظ فيه على النواة الأساسية لدور الشعر في القبيلة ولطبيعة العلاقة بين الشاعر والقبيلة ، غير أنه أعطى لهذه النواة مظهراً جديداً وبعداً جديداً ، ينقل دور الشعر من إطار الفضائل القبلية إلى إطار الفضائل الدينية ، وحوّل العلاقة بين الشاعر والقبيلة إلى علاقة بين الشاعر والدولة . ما هو الإبداع والتحول في نظر أدونيس ؟ يرى أدونيس أن جذور الإبداع في مجال السياسة والحكم يبدأ مع مثيري فتنة عثمان رضي الله عنه ، ويضم إليهم بعد ذلك الخوارج . ويرى أنهم وضعوا أصولاً تختلف عن الأصول التي قام عليها الحكم الأموي فوضعوا نظرية خلع الإمام الجائر ، واستعاضوا عن مبدأ القرشية في الإمامة بمبدأ الجدارة.ثم يرصد أدونيس وقائع كل الثورات التي قامت مناهضة للخلافة الأموية ويعرض بعضاً من تفصيلات وقائعها كثورة التوابين عام 65هـ ، ثم ثورة المختار بن عبيد الثقفي ، وثورة مطرف بن المغيرة عام 77هـ ، ثم ثورة عبد الرحمن بن الأشقر عام 81 هـ ، ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين عام 122 هـ ، ثم ثورة أبي مسلم الخراساني عام 129 هـ . ثم يتحدث أدونيس عن الحركات الفكرية في العهد الأموي ، فيشير إلى أن الخوارج قرنوا النظر بالممارسة ، ووحّدوا بين الإيمان والعمل في حين أن حركة الإرجاء فرّقت بين الإيمان والعمل ، ويعرض إلى قول جعد بن درهم بخلق القرآن الذي يعني اعتماد العقل مصدراً أولاً للمعرفة ، ويعرض للفرقة التي قالت بالقدر أي أن الإنسان مختار حر وهو الذي يفعل أفعاله ، ويعرض لفرقة الشيعة التي قالت بالإمامة.ويعرض أدونيس أصول الحركة الشعرية فيرصد التحول في تجربتين :الأولى التجربة الذاتية التي تغلّب عالم العواطف والرغبات والأهواء على العالم الخارجي ، والثانية هي التجربة السياسية الأيديولوجية التي توحد بين الشعر والفكر ، ويعرض لنماذج من شعراء التجربتين . ثم ينتقل في الكتاب الثاني إلى تأصيل الأصول فيرى أن الشافعي رحمه الله هو الذي أصّل الأصول الدينية - السياسية في مجال الأتباع ، ويرى أن الأصمعي والجاحظ أصّلا الأصول البيانية الشعرية في مجال الإتباع أيضاً ، ثم ينتقل إلى تأصيل الإبداع فيرى أن ثورة الزنج والحركة القرمطية أصلتا للإبداع وأنهما ألغيتا الملكية الخاصة . ويرى أدونيس أن ابن الراوندي وجابر بن حيّان ومحمد بن زكريا الرازي أصّلوا للإبداع في مجال اعتماد العقل وإبطال النبوة!!! فينقل أن ابن الراوندي انتقد المعجزة!!! وانتقد منهج النبي في الفكر والعمل!!! وانتقد إعجاز القرآن وكان يرى أن كلام أكثم بن صيفي أفصح من القرآن الكريم!!!.ثم يتحدث أدونيس عن موقف الرازي من الدين وينقل نقده للنبوة وينتهي إلى نفي النبوة كمبدأ وظاهرة والاكتفاء بالعقل!!! كما ينقل نقده لسائر الأديان وإبطاله ، ثم ينقل آراءه في نقد الكتب المقدسة وإبطالها!!! وهو يعتبر أن القرآن متناقض وينكر أن يكون القرآن معجزة أو حجّة!!! وهو يرى أن الإعجاز والحجّة يتمثلان في الكتب العلمية!!! .ثم ينقل أدونيس موقف المعتزلة الذي يقوم على تقديم العقل على الشرع ، وأدى تقديم العقل على النقل عند المعتزلة إلى التوكيد على إرادة الإنسان وحريّته ، وأدى إلى اعتقادهم أن اللغة اصطلاح ووضع وليست توقيفاً أو وحياً.ويصنّف أدونيس التصوف في مجال الإبداع!!! ويبين أن التجربة الصوفية تنطلق من القول أن الوجود باطن وظاهر ، وأن الوجود الحقيقي هو الباطن . وقد ترتبت على هذا المنطق نتائج كثيرة ، وبخاصة فيما يتعلق بالمعرفة ومنهجها ، والصلة بين الإنسان والله ، استلزمت فهم القرآن فهماً جديداً ، لم تعتمد في فهمها هذا المنطق أو العقل ، ولم تعتمد الشريعة ، إنما اعتمدت الذوق وليس في الذوق حدود ، وهو يتجاوز الأمر والنهي لأنه هو البداية التي تمحو كل أمر ونهي!!! وحين يكون بين الحقيقة والشريعة تناقض ، فإن الشريعة هي التي يجب أن تؤول بمقتضى الحقيقة . وتنتهي التجربة الصوفية بالفناء بالله: لقد نقلت الصوفية تجربة الوجود والمعرفة من إطار العقل والنقل إلى إطار القلب ، فلم يعد الوجود مفهومات ومقولات مجردة ، وبطلت المعرفة أن تكون شرحاً لمعطى قبلي أو تسليماً بقول موحى.ويمثّل أدونيس على الإبداع في الشعر بنموذجين هما : أبو نواس وأبو تمام ، ويبرز مجون أبي نواس ويبرز إصراره عل فعل الذنوب ، وانتهاك المحرّم الذي يعني خروجاً على الله ، ويبين تعلقه بالخمرة وتقديسه لها ، ويوضح كيفية ربط الخمرة بجميع الأشياء ، ويوضح أن شعر أبي نواس ينطلق من أولية التجربة ، في حين أن أبا تمام ينطلق من أولية اللغة الشعرية . تفنيد بعض وجهات نظر أدونيس في كتاب "الثابت والمتحول" :ليس من شك بأن تفنيد وجهات نظر أدونيس في كتاب "الثابت والمتحول" يحتاج إلى مجلدات ، ولا أستطيع فعل ذلك في هذه العجالة ولكنني أكتفي بتقويم بعض ما طرحه ليساعدنا على فهم مدى الأخطاء التي وقع فيها في ديوانه الشعري : 1- يفسر أدونيس في عدة مواضع من كتابه تطورات المجتمع الإسلامي تفسيراً اقتصادياً طبقياً منطلقاً من ماركسية واضحة مع أنه أوضح في البداية أنه سيتجنب ذلك في بداية مقدمته للكتاب ، وتعلل بعدم تخصصه في مجال الدراسة الاقتصادية ولعدم امتلاكه أدواتها ، ولا يمكن أن نضع إشادته بالثورتين : الزنجية والقرمطية إلاّ الخضوع لذلك التفسير الماركسي للتاريخ الإسلامي ، ولا شكّ أن هذا جهل وافتئات على التاريخ الإسلامي وتطبيق لمقاييس لم يعرفها ولا تنطبق عليه ، فالتاريخ الإسلامي لم يعرف الطبقات بالمعنى الماركسي المعهود لأنه لم يعرف الرّبا من جهة ، ولإقراره نظام الزكاة التي تؤخذ من رأس المال والتي تُحدث توازناً في المجتمع من جهة ثانية ، ولوجود تشريعات الميراث التي تفتّت الثروات المتكدسة من جهة ثالثة ، وهذا ما قاله كثير من المفكرين الغربيين الدارسين للاقتصاد الإسلامي من أمثال مكسيم رودنسون في كتاب "الإسلام والرأسمالية" وجاك أوستروي في كتاب "الإسلام والتنمية الاقتصادية". 2- يعلّل أدونيس نشوء الفرق من شيعة وخوارج ومعتزلة وغيرها , ويربطها بفتنة عثمان ، والأرجح أن نشوء هذه الفرق مرتبط بعوامل بيئية ، وبموروثات وبأفكار جلبتها هذه الفرق من الأمم السابقة تأثرت بها وتداخلت مع منهجها عن الفهم الذي علّمه الرسول لصحابته ، فالخوارج حكمت بيئتهم البدوية البسيطة فهمهم للإسلام فأخذوا بظاهر النصوص وقد نبّهتنا أحاديث الرسول فقالت : "بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم" أو "لا يجاوز حلوقهم". والشيعة تأثروا بكثير من موروثات المنطقة التي كانت تعج بالغنوص وبتقديس الرجال وبالتصوف ، والمعتزلة تأثروا بمذهب الذّرة المترجم عن الفلسفة اليونانية . 3- يرى أدونيس توحّد الثقافة والدولة في كيان واحد في فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي يقول أدونيس عن الخلافة الأموية : "أن الدين صار دين النظام وتوّحد بالواقع السياسي لهذا النظام ، وأصبح النظام ينظر إلى الواقع من حيث إنه يجب أن يتكيف وينسجم مع سياسته ودينه ، وأصبحت الثقافة انطلاقاً من ذلك لا تتعارض مع الواقع بل تتحد به ، أصبحت الثقافة والدولة شيئاً واحداً".وعندما يصدر أدونيس الحكم السابق على الدولة الإسلامية فإنما ينطلق من نظره إلى الدولة المعاصرة وسيطرتها على كل شئ ، ولكن الحقيقة أن مسار التاريخ الإسلامي يخالف نظرته تلك تمام المخالفة ، فقد كانت هناك قيادتان في تاريخنا : قيادة الأمراء وقيادة العلماء ، وقد كان الجانب الثقافي بقيادة العلماء بعيداً عن الأمراء وسيطرتهم وتدخلاتهم ، وقد حدث ذلك نتيجة إشادة الدين الإسلامي بالعلم والعلماء ، ونتيجة جدلية خاصة بالأمة الإسلامية ، ويؤكد ذلك سلسلة العلماء الطويلة التي تزخر بها أمتنا ومنهم : مالك بن أنس ، أبوحنيفة ، الشافعي ، أحمد بن حنبل ، الباقلاني ، الجويني ، ابن تيمية ، ابن حجر العسقلاني رحمهم الله أجمعين إلخ... 4- والسؤال الآن : ما هو وجه الإبداع في إلحاد ابن الراوندي والرازي ؟؟!! وهل كل إلحادهم يفرز منهجاً تجريبياً ؟ ألم يكن المنهج التجريبي موجوداً في الحضارة الإسلامية وفي الكيان الإسلامي قبل أن يطرح ابن الراوندي والرازي وغيرهما أباطيلهم ؟ 5- ما وجه الإبداع في الإرث الصوفي الذي يمثله الحلاّج والسهروردي وغيرهما؟لقد كان التصوف موجوداً عند كل الأمم الوثنية الضالة ، وكان سبباً في انحطاطها ولقد كان التصوف أحد العوامل التي ساهمت في تغييب العقل الإسلامي ، وفي توريث المجتمع الإسلامي رذائل خلقية ، وفي استلاب نفسية المسلم ، وجعله أنانياً يعيش بذاته ، وجعله يعيش أوهاماً قاتلة حول الاتحاد بذات الله أو الحلول به تعالى أو اكتشاف وحدة الوجود .6- ترسيخ الشعر الجاهلي : يرى أدونيس أن ترسيخ الشعر الجاهلي كان عملاً مقصوداً من السلطة الإسلامية بدءاً من الخلافة الأموية وهو واهم في ذلك وتفسير استمراره بدعم المؤسسات الحكومية له تفسير قاصر ، فعلى العكس نجد أن الإسلام حارب كل أركان الجاهلية واستطاع تغييرها ، وكان من ضمن ذلك تغيير بعض مضامين الشعر الجاهلي ، وإن التفسير الأصوب لاستمرار الشعر الجاهلي يجب أن نتلمسه في عوامل ولادة الفنون ، والظروف التي تساعد على نشأتها ، وفي موقف الإسلام من الفنون بشكل عام . تنطلق الفنون من النفس المأزومة ، وقد استطاع الإسلام أن يحل أزمة هذا الإنسان ، فأدى هذا إلى أن الأشكال القديمة لم تعد ملائمة للتعبير عن لا أزمة الإنسان المسلم ولكن الشعر الجاهلي استمر في صورته القديمة لفنيته العالية التي فرضت نفسها على العصور التالية ، وقد كانت القصة مرشحة بالفعل لأن تكون أبرز شكل فني يناسب التعبير عن الإنسان المسلم غير المأزوم ، وممّا يؤكد ذلك استخدام القرآن الكريم لها في كثير من سوره ، لكن القصة كانت آنذاك غير ناضجة الأبعاد الفنية في العصور السابقة ، ولم تكن متداولة كشكل فني مستقل مما حال بينها وبين القيام بهذا الدور ، ومع ذلك فقد أبرز الكيان الإسلامي بعض الأشكال الفنية للتعبير عن الإنسان المسلم غير المأزوم وأبرزها الخط الذي يجمع بين الجوانب الجمالية والعملية. وبالمناسبة فإن أدونيس خلط بين ترسيخ الشعر الجاهلي وبين ترسيخ اللغة العربية والحرص عليها ، فإن الذي أكده القرآن الكريم والسنة النبوية والفقهاء هو ترسيخ اللغة العربية وليس الشعر الجاهلي نتيجة ارتباط النص القرآني وفهمه باللغة العربية.والآن بعد أن عرفنا "الثابت والمتحول" : ونقدنا جانباً من مضمونه ، ننتقل للتعرف على ديوان أدونيس الجديد "الكتاب : أمس المكان الآن" فما هي صورته ؟ صورة الديوان "الكتاب : أمس المكان الآن" : يتألف الديوان من سبعة مقاطع ، وهناك ثلاث ملاحق : الأول : تحت عنوان "أوراق عثر عليها في أوقات متباعدة ، ألحقت بالمخطوطة" .والثاني : تحت عنوان "الفوات فيما سبق من الصفحات" . والثالث : تحت عنوان "توقيعات" . والمقاطع السبعة تشكل الجسم الرئيسي للديوان ، وجاء كل مقطع من المقاطع السبعة مسلسلاً تسلسلاً أبجدياً ، وكل صفحة مقسمة إلى أربعة أقسام : هامشان على اليمين واليسار ، ووسط الصفحة مقسم إلى قسمين : الأعلى يشمل معظم الصفحة ، والأدنى يشمل مساحة أصغر من الصفحة ، ثم أتبع كل مقطع بهوامش ، واتبع بعضها بمقطع سماه فاصلة استباق . ما مضمون الديوان ؟ جاء الهامش الذي عن اليمين على لسان راو ينقل التاريخ الإسلامي بدءاً من اجتماع سقيفة بني ساعدة وينتهي في 160 للهجرة ، أما الهامش الأيسر ففيه إشارات وتوضيحات عن أزمان الروايات وأشخاصها ومصادرها بعض الأحيان ، أما وسط الصفحة فقد جاء الحديث فيها عن المتنبي ونشأته وأبويه ، وشيوخه ومعلميه ، وسفره ، وذهابه إلى بادية السماوة ، وارتباطه بالقرامطة ، وسجنه في حمص ، وزيارته لأنطاكية ، ولساحل بلاد الشام إلخ... وغير ذلك من وقائع حياته ، أما الهوامش التي تلي المقاطع فقد تناول في كل هامش شخصية تاريخية وكتب عنها عدة أبيات . وقبل أن أتجه إلى نقد الديوان سأتناول المقطع الأول وأستعرض مضمونه لكي أعطي القارئ فكرة عن مضمون الديوان ، وفي استعراض المقطع الأول سأبدأ بالهامشين ثم سأنتقل إلى وسط الصفحة ، ثم سأنتقل إلى الهوامش التي جاءت بعد المقطع الأول .عرض المقطع الأول من الديوان "الكتاب : أمس المكان الآن" : كرّس الشاعر أدونيس الهامشين للحديث عن التاريخ الإسلامي فتحدث عن سنة إحدى عشرة للهجرة وسمّاها السنة التأسيسية وهي السنة التي وقعت فيها حادثة سقيفة بني ساعدة ، والتي طلب الأنصار فيها تقاسم السلطة مع المهاجرين عندما قالوا : منا أمير ومنكم أمير. ثم يزعم أدونيس أن حواراً جرى بين عمر وعلي أن يبايع أبا بكر ، ويزعم أدونيس أن علياً رضي الله عنه قال : "وكيف أبايع من قال الله وقال رسول الله بأني أولى منه ؟" .ثم يصور حرب المرتدين وينقل جانباً من كيفية قتل المسلمين للفجاءة بن عبداليل وطليحة بن خويلد ومالك بن نويرة . و ينقل حواراً بين مسيلمة وسجاح بنت المنذر ، ويصور زواجهما ، ويوضّح أن الصداق الذي أعطاه لها هو رفع صلاتي الفجر والعشاء عن أتباعهما المرتدين .ثم ينقل حواراً بين مُجّاعة بن مُرارة وخالد بن الوليد يزعم فيه أن الأخير طلب الزواج من ابنة المرتد ، ويزعم أن قريشاً طامعة في المال فيصور كيف أنها فرضت الذهب والفضة والكراع ، ثم ينقل قولاً لعفيف الكندي أحد المرتدين يصور فيه أن المشكلة هي قريش وليس الدين الإسلامي فيقول : "تلك قريش : لا مخرج إلاّ الطاعة أو نفنى" ، ثم يوضح كيفية فوز عثمان ، ثم يصور المراحل التي مرت بها الفتنة حتى انتهت إلى مقتل عثمان ، ثم يزعم أن لعائشة رضي الله عنها دوراً في قتله , ثم يبين انتقال الخلافة إلى علي ، ثم يصور واقعة الجمل ، ثم ينقل حرب صفين ، ، ويختم المقطع الأول باجتماع الخوارج الثلاثة عبد الرحمن بن ملجم المرادي ,والبرك التميمي وعمرو التميمي للتآمر على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص أما وسط الصفحة فإن أدونيس يتحدث فيها عن ولادة أبي الطيب المتنبي ، وعن أبويه : أمه الهمذانية ووالده الجُعفي ، ويتحدث عن أمل أبويه به ، ويصور فقر أسرة أبي الطيب المتنبي ، ثم يصور الكتّاب الذي دخله المتنبي وعبثه فيه ، ثم يتحدث عن السواد الذي كانت فيه الكوفة مسقط رأس المتنبي ونشأته ، ثم يتحدث عن الأجناس التي عاشت في الكوفة وعاصرها الشاعر وتآلف معها ، ثم يصور بيت أبي الطيب المتنبي ، ثم يتحدث عن القرامطة الذين كانوا موجودين في الكوفة وفي السواد ، ثم يصور الكوفة والتيارات التي كانت تصطرع فيها، ويبيّن نبوغ المتنبي فيها ، ثم يصور تفاعل المتنبي مع الكوفة وثقافتها وقرامطتها ، ويبرز الفقر في الكوفة خاصة والسواد عامة ، كما يبرز دوره في تشكيل كيان الناس وكآبتهم ، ثم يبين جانب القوة المسيطر في المجتمع ، ثم ينتهي المقطع بذكر انتماء المتنبي إلى الشر والحصاد والرياح . أما الهوامش التي تلي المقطع الأول فقد بدأها أدونيس بالأبيات التالية : أتفيأ - أخرج من هذه الذاكرة من مداراتها ، ودواليبها الدائرة أتفيأ أسلافي الآخريْن الذين يضيئون أعلى وأبعدَمن ظلمة القتل ، من حمأةِالقاتلين . يقول الشاعر في المقطع السابق إن له صنفين من الأسلاف : صنفاً عاش في ظلمة القتل والقاتلين ، وصنفاً كان مضيئاً ، ويشير الشاعر إلى أنه سيخرج في هذه الهوامش من أسلاف الصنف الأول إلى أسلاف الصنف الثاني ، وهو قد استعرض إلخ... جانباً من أسلاف الصنف الأول وقد كانوا كما رأينا أبا بكر وعمر وعثمان وعلي أما أسلاف الصنف الثاني في الهوامش التي تلي المقطع الأول فقد كانوا : إبليس ، تميم بن مُقبل ، لبيد ، الشنفري ، عروة بن الورد ، طرفة ، امرؤ القيس ، أبو محجن الثقفي . ملاحظات حول ديوان "الكتاب : أمس المكان الآن" : 1- عرض أدونيس التاريخ الإسلامي في الهامشين من الديوان بدءاً من واقعة سقيفة بني ساعدة التي حدثت في السنة الحادية عشرة من الهجرة ، وانتهى بواقعة خروج يوسف البرم على الخليفة المهدي في خراسان سنة 160 من الهجرة ، وقد التقى أدونيس في عرضه للتاريخ في الديوان بشكل كامل مع عرضه له في "الثابت والمتحول" فهو في المكانين عرضه بصورة مغرضة ، قصد منها التشكيك والإثارة ، فقد صوره على أنه تاريخ صراع على السلطة ، وأنه تاريخ بطش وإرهاب ، وأنه تاريخ وحشي لا رحمة فيه ، وأنه تاريخ صراع طبقي يتصارع فيه الفقراء مع الأغنياء بالمفهوم الماركسي ، وأنه تاريخ قتل وموت ، وأنه تاريخ حرب وطعن وحرق إلخ...ليس من شك بأن تصوير أدونيس لتاريخنا بعيد عن الموضوعية بالإضافة إلى مجانبته الصواب وهو تصوير سطحي لا يخرج إلاّ من حاقد على هذه الأمة. وقد بيّنت بعض أوجه الخطأ والابتعاد عن الحقيقة في هذا التصوير عندما تعرضت لكتاب "الثابت والمتحول" ولا حاجة للإعادة . 2- صوّر أدونيس المتنبي بالصورة التي يراها هو وليس بالصورة التي كانت عليها حقيقته ، وأخذ بالروايات التي توافق هواه ، فصوره على أنه قرمطي علماني عقلاني متشكك ، كما صور الكوفة وكأنها مدينة مطحونة متمردة لا تعرف إلا الشك والتآمر .3- لم يترك أدونيس في الهوامش التي أتبعها مقاطع الديوان ، أو في الملاحق الثلاثة التي ألحقها بالديوان ، لم يترك أدونيس فاجراً أو زنديقاً أو داعراً أو متهتكاً أو سكيراً أو ساقطاً أو حاقداً إلاّ أورد عنه عدة أبيات في ديوانه ، فلماذا ؟يقول أدونيس : إنهم مبدعون ، ويقول : إنهم أسلافه ، ويقول : إنه منحاز للهامشيين والرافضين ، فأن يعتبر أدونيس تلك الطائفة أسلافه وأن ينحاز إليهم فذلك شأنه ، لكن أن يعتبرهم مبدعين فهذا ما لا نحتمل السكوت عليه ، والحقيقة إنه ليس الإبداع الذي جمعه بهم ، ولكن دورهم التخريبي المشترك في زعزعة كيان هذه الأمة ، وهدم قيمها ، والتشكيك في موروثاتها من أجل أن يكون الطوفان الذي يحلم أدونيس وأمثاله في تحقيقه . 4- أخذ أدونيس على بعض الشعراء السابقين نظمهم لأفكار محددة ، واعتبر أشعارهم خروجاً عن حقيقة الشعر واعتبرها نظماً لتلك الأفكار ، ومثّل على ذلك بقول المتنبي :الرأي قبل شجاعة الشجعان = هي أول وهو المحل الثاني وبقول زهير بن أبي سلمى :رأيت المنايا خبط عشواء من تصب = تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم، لكنه مع الأسف وقع فيما أخذ على غيره وليس في قصيدة واحدة إنما في كثير من المواضع في ديوانه ، مما جعل هذا الديوان كتاب تاريخ وليس ديوان شعر بالمعنى الحقيقي .5- استهدف أدونيس في مسيرته الأدبية التجديد حسب زعمه ، وقد كان من ضمن أهدافه التجديدية : تدمير اللغة العربية ، التنظير لقصيدة النثر وترويجها ، ابتكار أشكال شعرية جديدة ، إيجاد لغة شعرية جديدة إلخ ... ويمكن أن نضع ديوانه الجديد "الكتاب : أمس المكان الآن" ضمن هذا الاستهداف للتجديد في الشكل والمضمون : أما التجديد في الشكل فذلك واضح من تقسيمه لصفحة الديوان ، أما التجديد في المضمون فذلك واضح من الرؤية الهادمة التي عرض فيها التاريخ الإسلامي وحياة المتنبي هذا إذا جاز لنا أن نعتبر الهدم تجديداً ، والسؤال الآن : لماذا استعرض التاريخ الإسلامي في الهوامش مع أن مادة الديوان الرئيسية حياة المتنبي ؟المقصود من ذلك هو محاصرة القارئ وزيادة إشباعه النفسي والعقلي بمعاداة تاريخه وازدرائه والتخلص من قيمه ، وإشعاره أن وقائع حياة المتنبي مستمدة من ذلك التاريخ ، وأن ذلك التاريخ الأسود لن يفرز إلاّ حياة بائسة مضطربة كحياة المتنبي وأنهما متكاملان: التاريخ والحياة .والحقيقة أن أدونيس في كل ما استهدف متأثر بالتجارب الغربية وبالشعر الغربي واللغة الغربية ويمكن أن ندلّل على ذلك بتنظيره لقصيدة النثر في الخمسينيات والذي نقله عن كتاب "قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا هذه" للكاتبة "سوزان برنار" ، ولكننا نطمئنه أنّ مصير دعاويه سيكون مصير التجارب الشعرية التي انطلقت في القرن العشرين ناقلة التجارب الغربية نقلاً كاملاً ومتأثرة بها تأثراً حرفياً كتجربة "شعراء الديوان" وتجربة "جماعة أبولّو" والتي انحسرت لتترك نهر الشعر العربي سائراً في مجراه الذي حفره منذ قرون. ليس معنى هذا أننا ضد أي محاولة للتأثر والتأثير ، الأخذ والعطاء ، بل نحن معه ، مع النمو الطبيعي شريطة أن ينبني على تراثنا الأدبي وينطلق منه ، كما فعل أبو تمام الذي جاء مذهبه المتمثّل في "التصنيع" مبنياً على مذهب "الصنعة" الذي ورثناه من الشعر الجاهلي فكان فعله بناء ، في حين أن ما يفعله أدونيس هدم لأنه ينقل تجارب من أمم أخرى يريد أن يفرضها على الأمة بعد أن يهدم كل ما بنته أمتنا .6- لقد جاءت جملته الشعرية واضحة نوعاً ما على غير عادته إذ يكتنف الغموض معظم أشعاره السابقة ، وربما جاء وضوحها من الموضوعين اللذين دار حولهما الديوان وهما : التاريخ الإسلامي والمتنبي ، كما جاءت الجملة الشعرية مركزة وقد وضع في تركيزها كل مهارته وخبرته ، وزاد من جمالها الموسيقى التي جاءت من التفعيلة التي أخذ بها في معظم الديوان ما عدا بعض المقاطع وبالذات في فواصل الاستباق فقد لجأ فيها إلى النثر . 7- لقد حفل الديوان بتجاوزات في حق الذات الإلهية ، والشرائع الدينية ، وسأورد بعضاً منها على سبيل المثال لا الاستقصاء والحصر : 1- قال أدونيس عن جبريل عليه السلام : جاء جبريل في غيمة وسقى كوفة الظامئين بأسراره جاء في كوكب ورمى وجهه في تقاطيعها جاءها في كتاب آدم من تراب ، ونوح نَواحٌ والبقية تفاحة . 2- قال أدونيس عن الله جل وعلا في مقطع آخر : قتلى ودعاة ودعاة وقتلى والناجون دماء مهدورة أُصغي لأراغن هذا النوح الطالع من أنقاض الوقت النازف من أعناق مكسورة ما أخفى فيها صوت الله كأن الله الصمت 3- قال أدونيس محاكياً القرآن الكريم : قال صوت لصوتي والضحى ، يسطرون كل مالا يرون ولا يعلمون 4- قال أدونيس ممجداً كرسي الحكم : سبحانك ، يا هذا الكرسي مصنوعاً برؤوس قطعت مصبوغاً بدم طفل حيناً ، شيخ حيناً منْسولاً ، جزءاً جزءاً من أحلام نبي ، سبحانك يا هذا الكرسي الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها هي أن أدونيس اجتهد أن يكون هذا الديوان "الكتاب : أمس المكان الآن" خاتمة أعماله ، لكنها كانت خاتمة سوء فهي قد جاءت هدماً في الشكل والمضمون ، وقد كان هناك تطابق واضح بين مضمون الديوان ومضمون كتابه السابق "الثابت والمتحول" والذي مجّد فيه حركات التمرد والزندقة والقرمطة في تاريخنا ، والذي أعلى فيه من شأن الملحدين والساقطين والمنحرفين ، وهو قد فعل كل ذلك انطلاقاً من تقديسه الكامل لقيم الحضارة الغربية ، واستخدامه المطلق لأسسها التي قامت عليها ، مما جعل أحكامه جائرة على تاريخنا ، تنافي الصواب في عمومها وتبتعد عن الحق في استكشافها لقوانين الإبداع وأصوله في أمتنا ، وانعكست صورة الأحكام على ديوانه فجاء مملوءاً بالقتل والإجرام والفتك والسفول ، وهذا ما قصده أدونيس ليجعل القارئ المسلم مشبعاً بالحقد على تاريخه وباليأس من قيمه .

    تعليق

    يعمل...
    X