"كتاب" أدونيس ـ الكتاب : أمس، المكان، الآن ـ
الاستغراب القبيح وسقوط الشعر
1 ـ مدخل:
عن دار الساقي ببيروت صدر للشاعر المعروف أدونيس /علي أحمد سعيد/ عام 1995 كتابٌ شعريٌ بعنوان:
(الكتاب ـ أمس، المكان، الآن ـ مخطوطة شعرية يحققها وينشرها أدونيس)، وهو آخر ما صدر لأدونيس من أعمال شعرية أو نثرية حتى تاريخ كتابة هذه المقالة في حدود ما أعلم.
ولأدونيس أكثر من اثنتي عشرة مجموعة شعرية، ونحو من ذلك من الدراسات: في الشعر، والشعرية العربية، وفي الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام، وله مجموعة مختارات كبيرة من الشعر والنثر العربيين قديماً وحديثاً، مع مقدمات لكل كتاب من هذه المختارات، يضاف إلى ذلك عدد من الترجمات في مجال الشعر والمسرح عن الفرنسية.
وتثير شخصية أدونيس جملة من التساؤلات الشكية والاعتراضات الحادة: سواء على مستوى مواقفه، وتقلباتها وانتقالاتها، أم على مستوى تجربته الشعرية وأبعادها الحداثية وسماتها الفنية، ومرجعيتها وغاياتها الفكرية والأيديولوجية، أم على مستوى آرائه في مجمل إنتاجه الثقافي على حد سواء. ويلاحظ تضافر دلالات أعماله الشعرية مع آرائه الفكرية تلك لتشكل نسيجاً متكاملاً مع مواقفه السياسية والثقافية يتسم ("تصوفية متعقلنة ظاهرياً، وبميل واضح للانتقائية المتعمَّدة في فهم التاريخ العربي) حيث يقوده ذلك إلى إدانة للسيكولوجية الحضارية العربية، وإلى انتقاص فظ من القيمة التمدينية والفكرية للحضارة العربية، وإلى تغليب لنزعة الفردانية على الإبداع العربي الذي يكاد ينحصر في الشعر… الخ، مما يمكن وصفه بأنه محصلة موقف "استغرابي" (في مقابل كلمة: استشراقي، بمعناها السيء) في فكر هذا الرجل وإبداعاته ومواقفه.
ويعرض لنا (الكتاب) ـ أو العمل الشعري الذي نحن في صدد التعرض له بالمناقشة هنا ـ صورة مختزلة عما يمكن أن نسميه (الأدونيسية) كنزوع استغرابي مبطن في الصياغة، والانتقاء التاريخي، وتصنيع البنية الفنية المعقلنة قصدياً، والدلالات الفرعية والكلية المترتبة على ذلك.
وباختصار، يبدو نص ـ أو نصوص ـ هذا الكاتب (مفبركاً) عن سابق تعمد وإصرار كي يبلغ المتلقي معطىً فكرياً محدداً هو حصيلة (الأدونيسية) كنهج أيديولوجي متكامل وخارجي.
2 ـ توصيف الكتاب:
يقع (الكتاب) في ثلاثمائة وثمانين صفحة، ويتألف من عشرة أقسام، السبعة الأولى منها جعلت لها عنوانات من أشطر أبيات للمتنبي وجاءت كالتالي:
1 ـ ومنزلٍ ليس لنا بمنزل.
2 ـ لا تلقَ دهركَ إلاَّ غير مكترثِ.
3 ـ إن النفيس غريب حيثما كانا.
4 ـ كأني عجيب في عيون العجائب.
5 ـ شيم الليالي أن تشكك ناقتي؛ صدري بها أفضى أم البيداء.
6 ـ وجِبتُ هجيراً يترك الماء صاديا.
7 ـ يضمه المسك ضَم المستهام به.
ثم تلي هذه الفصول:
8 ـ (أوراق عثر عليها في أوقات متباعدة، ألحقت بالمخطوطة). 9 ـ الفوات في ما سبق من الصفحات.
10 ـ توقيعات.
والفصول السبعة الأولى هي أساس (الكتاب) وكل منها يتألف من متون شعرية عددها /24/ أربعة وعشرون متناً مرتبة على أحرف الأبجدية (أبجد، هوز….الخ)، ولكل متن هامش تاريخي على يمينه مأخوذ من أحداث التاريخ العربي الإسلامي تحت عنوان: (قال الراوي) أو (حدث الراوية). وما إلى ذلك، وهامش يساري نثري يشير إلى مصدر المعلومة التاريخية أو صاحبها… وفي أسفل كل متن شعري تعليق مسبوق بخط يفصل بينهما، وبنجمة تدل على هذا التعليق.
ويلحق بكل فصل (هوامش) غالباً ما تعنون بأسماء شعراء جاهليين وإسلاميين من الأعصر المختلفة. والهوامش منظومة كمقطوعات شعرية: مناخها يدور في إطار أبرز سماتِ (عنوانها). وفي أكثر من فصل كانت هناك (فاصلة استباق) للهوامش المذكورة. وفاصلة الاستباق هي نص نثري (أودنيسي!) ـ أي أنه أقرب إلى الإبهام السريالي ـ لكنه يكمل الجو الدلالي للفصل الواحد الذي له روح سائر الفصول المذكورة.
والفصل الثامن هو نوع من الإكمال للمتن أو التنويع عليه، أما الفصل التاسع فهو استدراك لما فات ذكره في الهامش التاريخي الحدثي، مع هامش يساري بالمراجع وأصحاب الأحداث… أما الفصل العاشر، أي فصل (التوقيعات) فيضم ثلاث مقطوعات يمكن إضافتها إلى المتون الشعرية وهي: توقيع مفرد ـ صوت بتوقيع ثلاثي ـ أصوات بتوقيعات متعددة.
وإذا كان اللعب الشكلاني واضحاً بقوة في هذا التوزيع غير المألوف ـ واللعب الشكلاني عموماً هو سمة رئيسة من سمات الإبداع الأدونيسي ـ ويحقق إبهاراً فريداً للقارئ العادي فإن ذلك يتبدى لنا وكأنه ضرورة في تقدير أدونيس من أجل التغطية على جملة من الأمور التي يحسن أن نقررها هنا، ولو كان ذلك تقريراً استباقياً:
1 ـ الانتقائية الفظة للأحداث التاريخية.
2 ـ تدني الشعرية إلى درجة فظيعة في المتون وملحقاتها.
3 ـ الإساءة الفظيعة إلى الكائن الشعري الذي يتقمصه أدونيس في المتون تحت اسم (المتنبي) كي يظهر عدمية رؤياه الشخصية، مسندةً إلى أحد أهم الرموز الشعرية العربية ـ المتنبي ـ الذي شغله الهم القومي بقدر ما شغله الهم الشخصي الذي كان متداخلاً في القومي وفي الاجتماعي/ السياسي على حد سواء، ومن قلب حركة الحياة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري بكامل معطياتها وأحداثها وظواهرها.
وكاستكمال لهذا التوصيف لـ(كتاب) أدونيس لابد من الإشارة إلى الهامش التاريخي للمتون الشعرية التي تخص رؤيا ورؤية الكائن الشعري ـ المتنبي ـ الذي يتقمصه أدونيس، إنما هو هامش يستند عليه المتن، أو مجموع المتون، نظراً لكونه (الذاكرة) التي يؤسس عليها الكائن الأدونيسي فلسفته في رؤية عالمه، وفي تحديد (ذاته) كموجود في هذا العالم المتخيل الذي يتبدى لنا لو أنه محاولة مدروسة بإتقان، لا لتسويغ الموقف الأدونيسي الشخصي (الاستغرابي) من الواقع والتاريخ العربي والحضارة العربية وحسب، بل أيضاً لإقناع المتلقي بوجوب تبني مثل هذا الموقف اعتماداً على معاناته الفعلية في الراهن العربي المتردي تردياً أقرب إلى الكارثي. ولكن عبر تحويل أدونيس مسؤولية هذا التردي إلى ما ينتقيه هو من سوءات التاريخ العربي، وبإغفال تام لفعالية الغرب: التاريخية والراهنة في صياغة هذا التردي المفجع في كيفيات معرفة غالبية العرب بذلك التاريخ.
يقول أدونيس مبيناً للقارئ وجوب اعتبار منتقياته التاريخية ذاكرة يستند عليها وجود كائِنِه الشعري:
(أتفيأ ـ أخرج من هذه الذاكرة/ من مداراتها ودواليبها الدائرة ـ /أتفيأُ أسلافي الآخرين/ الذين يضيئون أعلى وأبعد من ظلمة القتل، من حمأة القاتلين) ـ أول الهوامش بعد الفصل 1 ـ فلننظر الآن إذاً في أمر هذه الذاكرة التي يقدمها أدونيس كخلاصة شاملة للتاريخ العربي الإسلامي منذ أن قبض النبي العربي عليه الصلاة والسلام.
3 ـ التاريخ العربي في المنظور الأدونيسي، أو:
ما هو الأمس الأدونيسي؟…
يقول أدونيس في الفصل العاشر (التوقيعات)، فقرة (توقيع منفرد):
(هل ضاع النظرُ، اختنق الصوت؟… /أفّ، ما هذا التاريخ ـ ألميّتُ يقتلُ فيه حتى بعد الموت؟)..
إن هذه الفكرة المنظومة شعراً، فكرة أن، التاريخ العربي ماهو إلا ركام من أحداث القتل المرعبة المستمرة ـ وشبه المجانية وفق دلالات مسروديتها في الكتاب ـ هي فكرة يمكن وصفها بأنها بؤرة البنينة المفهومية لنمط التأريخ المعروض في النص، أو لنمط الأمس، وفقاً لانتقاءات أدونيس.
وقد قدَّم أدونيس لذلك بنصين شعريين أوليين، على يمين المتنين، ("أ،ب")ـ من الفصل، يهيئان القارئ لتبني تلك الصيغة من البنينة، ولإسقاط فكرة كون التاريخ سياقاً حافلاً بجدل متناقضاته وقائماً على تصارع عناصره وقواه المتضادة… وبعبارة أخرى: يهيؤه لتقبل إعدام ما لا يريدهُ أدونيس من التاريخ. فهو مثلاً يقول في النص الشعري الأول تحت عنوان "ذاكرة الراوي":
(في صحراء لغاتٍ ولد الشاعر*/ عاش؛ ولكن في ما يشبه تابوتاً/ سافر لكن في ما يشبه مقبرة/ في طقس لا تخلو سنة منه/ طقس للقتل ـ وقد لا يخلو يومٌ منه ـ عاش الشاعر.).
ويقول في النص الثاني تحت عنوان "قال الراوي":
(لا نعرف من نحن الآن، ومن سنكون إذا لم نعرف من كنا./ ولذا سأقص عليكم من كنا).
وبالطبع فإن النص الأول يفسر الثاني بدقة. وأدونيس يكمل على لسان الراوي رابطاً ما يختار أننا "كنا"هُ بالإرادة الإلهية ـ في إشارة منه للسمة الجبرية الطاغية على الذهنية العربية حسب منظوره؛ وإلى المصدر الإلهي للسلطة في تلك الذهنية ـ فيقول:
(وثنى الراوي:/ دحضاً للشيطان/ قال اللهُ:الأرض مهادٌ للإنسان/ وسأجعل منها عرشاً، ويكون التاج خليفةْ/ وثنى الراوي:/ هو ذا العرش يهيأ تحت سقيفة).
بصرف النظر عن اللعب الساخر بجذورٍ مفهوميةٍ: دينية ودنيوية إسلامية، وعن الافتعال، وعن الخلط الفكري المتعمد، وعن الابتداء بانتقاء التاريخ من ابتذال فكرة التاريخ ذاتها، فإن أدونيس يعيدنا في الهامش الثالث الذي على يمين المتن "ج" من الفصل الأول إلى التشديد على وجوب فهم أن ما سيرد من (تاريخ أدونيسي) هو الإطار الكلي والنهائي لموجودية كائنه الشعري، وأن هذا الإطار كان مبدوءاً من: (تلك السنة التأسيسية:/ إحدى عشرة هجرية) حيث جرى ما جرى من وفاة الرسول (ص) ومن واقعة السقيفة، سقيفة بني ساعدة، التي تمت فيها مبايعة أبي بكر الصديق خليفة، ثم امتناع علي بن أبي طالب عن مبايعته لفترة. ولن يفوتنا هنا أن نشير إلى أمرين مهمين في (انتقاءات) أدونيس: أولهما، القفز مباشرة من الخلق الإلهي إلى واقعة السقيفة حيث يتم هنا إلغاء أزمنة عربية طويلة سابقة، وثانيهما، هو إثباته لقولة عمر بن الخطاب يوم السقيفة عن (قتل سعد بن عبادة)، الذي سيقتل فعلاً سنة 15 هـ فكأنما واقعة قتله هي تنفيذ لتلك القولة، وكأنما التاريخ (عمل مسرحي) مسبق الصنع لا سياقٌ لصراع الأضداد والقوى بما لذلك الصراع من محصلات سلبية وإيجابية… وفي الحالين نحن أمام صيغة من صيغ (نفي التاريخ) وإسقاط الأوهام الشخصية عليه.
إذاً، بدء التاريخ العربي الإسلامي في نظر أدونيس هو بدء الصراع الطويل على السلطة المجردة من أية أبعادٍ أو مضمونات. ومن هنا يؤسَّس عنده (لتاريخ القتل)، بمختلف أشكاله الوحشية، وبما هو قتل يوميٌّ مقصودٌ لذاته، كأنما هو طبع خاص وخالص للعرب المسلمين، وسيكتفي أدونيس بالقرنين الهجريّين الأوّلين، يختارهما مثالاً جامعاً ونهائياً، وينتقي منهما: ما بين قتل المرتدين أيام خلافة أبي بكر ومقتل يوسف البرم الذي خرج على الخليفة العباسي المهدي سنة /160/ هـ مع ما يرافق القتل من أعمال تخريب ونهب وتمثيل… إلى آخره من مظاهر الوحشية..!
ويطيب لأدونيس أن يجمع وقائع القتل تلك معزولة عن سياقاتها ومُشفّاة من معانيها وخلفياتها الدينية أو الدنيوية، فيُظهر العرب والمسلمين ـ كل العرب والمسلمين! ـ فتاكاً أو وحوشاً أو خونة غدارين، هائمين بسفكِ الدماءِ من أجل عرش السلطة سواء كانوا حكاماً أم معارضين!…
إن الأمر دائماً في هذا (التاريخ الأدونيسي)، الذي هو "الأمس" ـ حسب عنوان الكتاب ـ هو أمر:
(عرش يتنقّل، والقتلى/ عرباتٌ حيناً، وجسورٌ حيناً)، (لا يومَ لدفن الموتى/ كل الأيام قبورْ)، ص32 و33 على التوالي ـ وما الأيام إلاَّ: (أفراس تائهة تتراكض بين رؤوس القتلى) ص121.
وما الزمن العربي إلاَّ: (بيت مرفوع برؤوس القتلى) ص 142 الخ، الخ...
وبالطبع لابد لنا من الاعتذار عن عدم متابعة سائر التفاصيل التي ينتقيها أدونيس وينسلها نسلاً من التاريخ العربي العام لينشئها مثل ذاك الإنشاء على امتداد ثلاثمائة صفحة تقريباً عدا فصل (الفوات) لكن أقل مايمكن أن يقال في هذه الصيغة من الانتقاء المتعمد: إنها صيغة تتواطأ مع أسوأ النظرات التجريمية الغربية إلى التاريخ العربي الإسلامي، سواء شاء لها صاحبها ذلك أم لا.. وهي صيغة (بحث في التاريخ) ـ رغم النظم الشعري ـ تجافي مجافاة شنيعة أبسط مقتضيات الإنصاف وأدنى حدود الموضوعية في البحث، حتى لتبدو كأنما هي عملية ثأر معرفي من العرب على مالا نعرف مما يخبئه أدونيس في عقله وكيانه اللذين أصبحت لهما هذه السمة من (الاستغراب) العجيب القبيح.
إن هذا (الأمس التاريخي الأدونيسي)، هو أيضاً (الآن) أو الراهن، عربياً وإسلامياً، حسب أدونيس.
لنقرأ ما يقوله في الفقرة "ج" من (أصوات بتوقيعات متعددة) في فصل (توقيعات) وهو يقصد ذاته تحت لقب "الشاعر":
(هل يكون لأشواقه زمنٌ آخرٌ، لهبٌ آخرُ؟/ الرؤوس تجدد أقفاصها والزمان كراتٌ/ تتدحرج مسحورة).
الزمان العربي إذاً زمان مغلق عند أدونيس. حاضره دائر أبداً في دائرة القتل المتأسسة في (الأمس الأدونيسي) المنتقى، تتناسل الدورة من الأخرى منسوخة عنها كما الكرات المسحورة!… وعليه فالأمس هو ذاته الآن في منظور كائنه الشعري. وما ذاك (الأمس) و(الآن) إلا جناحا (المكان) الذي يصنعهما مرة بعد مرة دون أي تغيير، باعتباره ـ أي المكان ـ مجرد فضاء لثقافة القتل، ولجنون القتل، ولغريزة القتل التي هي (طبع عربي!)، له كل هذه الوحشية الخالصة!…
4 ـ في الكائن الشعري الأدونيسي:
لأسباب سيجلوها سياق هذه المقالة، نحن نميل بقوة إلى المطابقة مابين (المتنبي الأدونيسي) والذات الأدونيسية. ولعله يتعين علينا أن نُلمِّح إلى حقيقة المكان في نظر أدونيس، كي نتمكن من تحديد صيغة الموجودية. للكائن الشعري المرسوم في المتون وتوابعها.
إن (المكان) الذي يقصده أدونيس نصياً هو الوطن العربي والعالم الإسلامي إجمالاً. وإن اقتصاره، لضرورات الصياغة السردية في تلك المتون ـ ونحن نلح هنا على كلمة سردية ـ على أسماء أمكنة ذات صلة بشخصية المتنبي الحقيقي، مثل: الكوفة، سواد العراق، بادية السماوة، اللاذقية، حمص، بعلبك، أنطاكية، طبريا… وسواها… وفي الأصل، الوطن العربي هو ـ شأنه شأن كل الأوطان الحضارية العريقة ـ فضاء حضاري/ ثقافي متوارث عبر تأصله في جغرافيته، وسماته ترتسم في حركة بشره وعلاقاتهم كما تحدد نظام تلك الحركة، وحدود تلك العلاقات، عبر مركب تفاعلات ذاتية داخلية وموضوعية خارجية مستمرة، ومتغيرة بتغير الشروط التاريخية المتعاقبة والطارئة.
ومن حيث المبدأ يظل الأمس الحضاري فاعلاً في صياغة الحاضر المجتمعي والقومي وحاملاً من حوامل الآفاق الممكنة للمستقبل، ومن حيث المبدأ أيضاً، تظل الشخصية البشرية محكومة بمجموع الحقائق الفعالة للفضاء الحضاري العام، وهي تكاد تعكس ذلك الفضاء عكساً شبه مرآتي عندما تصبح مرفوعة إلى حيز التنميط في الأعمال الفنية التي تطمح إلى أن تكون ذات طابع كلي أو شمولي.
إن الكائن الشعري الأدونيسي المتقنع باسم المتنبي هو كائن مهمته إيضاح الفكرة الأدونيسية عن المكان ـ الوطن العربي ـ بقدر ما فكرة المكان هذه ستقدم التسويغ لطبيعة شخصية هذا الكائن الشعري، وآفاق رؤيتها لذاتها وللعالم.
ولأن أدونيس يفرغ "المكان/ الفضاء الحضاري/ العربي" من كل معطياته، باستثناء حلقات القتل الوحشية المتواترة فيه، فإنه يُعدِمه ببساطة! وفي هذا الوضع من "الإعدام" سيعوم كائنه الشعري ليتحول إلى كومة من كلام!..
ويبدو تركيب هذا الكائن الأدونيسي، من المتون الشعرية للفصول السبعة التي سبق لنا تعدادها، تركيباً متأسساً ومنجزاً (ككومة كلام) منذ الدفقة النصية الأولى. وهو مصنوع بصرامة عقلية بالغة التنميق في الصياغة القولية لتلك المتون.
وهذه الصرامة العقلية هي صرامة غائيّة تم إنشاؤها وفق رأي مقرر قبلياً.. وبذلك أبعد الإنشاء القولي أو الخطاب النصي إبعاداً كافياً عن براءة الشعر التي تمنح القارئ آفاقاً دلالية متسعة؛ فألحق القول المنظوم هنا بتلك الصرامة إلحاقاً فظاً سنعود إلى معالجته بعد قليل.. وتدنت الشعرية إلى أن تصير مجرد تشكيل قولي/ عقلي لغايةٍ نفعيةٍ مستهدفةٍ قبل الصياغة النصية، وبهذا صار أدونيس اشبه "بالحرفيّ" الذي يريد إخراج "سلعة" هناك الكثير من مثيلاتها، وليس المبدع الذي لا نظير لإبداعه من قبل، وذلك مع سبق الإصرار، وليلاحظ القارئ أننا هنا نتكلم على فحوى النص لا على ترتيبات أجزائه شكلانياً..
وتبدو المتون سرداً حكائياً تشاعرياً لنشوء كائن أدونيس: /المتنبي/ وإبلاغاً عن وجوب صيرورته إلى (كومة كلام) وحتمية ذلك.
إن المتن "أ" من الفصل الأول قدم إخباراً سردياً بسيطاً ملخصه أنه عند ولادة هذا (المتنبي!) هوى شيء فمسح التجاعيد عن وجه أمه، فاختلف الناس فيه بين أنه ملاك أو شيطان، و(بعضهم آثر الصمت خوفاً وتقوى/ وكانت الكوفة الأليفة تدخل في غربةٍ)…
ويفسر الهامش التاريخي لهذا المتن كل شيء سلفاً: (في ذاكرة تلد الكلمات وتولد فيها.. وفي صحراء لغاتٍ ولد الشاعرْ… وفي ما يشبه مقبرة… في طقسٍ للقتلْ.. لا يخلو منه يومٌ، عاش الشاعر).
إن إعدام المكان/ الفضاء ـ حيث الكوفة مجرد اسم بلا دلالة ـ بتحويله إلى صحراء لغات، وذاكرة تلد الكلمات وتولد فيها، وبما يقع خلف ذلك من قتل لا نهائي، قد جعل إمكانية حركة الكائن الشعري خارج حدود اللعب بالكلام معدومة، فلا عجب إن كان هذا البدء هو ذاته النهاية وما بينهما!…
وإذا كانت المتون "ب،ج،د" من الفصل ذاته مخصصة لوصف أسرة (المتنبي الأدونيسي) ـ الأب، والأم، وهذه الأسرة ستختفي لاحقاً لنكتشف أن الحديث عنها كان مجرد زركشة في السرد ـ فإن الهوامش المنجَّمة في أسفل تلك المتون ستكرر ما سيتكرر لاحقاً دون كلل عن (الكلام) و(طقس القتل)، و(هبائية المكان) أو انعدامه. يقول الهامش المنجّم في أسفل المتن "ب": (جسدي غابة من رموز/ وخطاي كما رسمتها ظنوني/ درج صاعد وتهاويل كشفٍ)، ويقول الهامش في أسفل "ج":
(إنَّه العرش يصقل مرآته صورةً للسماءْ/ ويزين كرسيه بشظايا الرؤوس ورقش الدماءْ).
ولعل المتن "د" ذاته يكشف كينونة الكائن الشعري الأدونيسي كشفاً أفضل إذ يقول:
(أبوايَ انشطارٌ، دمٌ للمؤمل والمنتظرْ/ هبطا من أعالي القبائل، من رأسها، يسرجان خيول السهرْ/ أخذا الأبجدية في راحة والقصيدة في راحة، ثم قالا: /سوف نقرأ في ضوء سرهما أحمدا).
وأحمد هو اسم المتنبي الحقيقي، لكن المهم هنا هو تقرير صياغة هذا الكائن الأدونيسي: من الكلام المؤسَّس في الدم!!
وستغرينا المتون: "ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ص،" بالتفكير في أن أدونيس قد ينشئ مكاناً مليئاً بجدل ما يحدث فيه، وبأن (متنبيه) سيكون شيئاً غير كومة الكلام، لكن، لننظر في الهامش المنجم أسفل المتن "ز" إنه يقول:
إن سواد العراق: (نايات كسرت وبقايا أكواخْ/ في كل مكان سيافون وجند). ولنعد هنا من جديد إلى تنبيه القارئ إلى أن أي اسم مكان لا يعني ذاته وحده بل يعني العالم العربي والإسلامي جملةً وذلك حسب المنطوق النهائي للكتاب كله.
أما المتن "م" فيقول عن الكوفة على لسان متنبي أدونيس: (لم تزدني هذي المدينة إلا شكوكاً/ لم تزدني إلا نكوصاً عن مداراتها/ لم تزدني غير التمزق "تنكر نفسيَ نفسي"، وغير الدوار /لم تزدني إلا هبوطاً في جحيمي إلى لا قرارْ/ المساء مليء برؤوس مقطعةٍ والصباح قبورٌ: تلك أيامها/ ما الذي كان فيها السماءْ؟!… هو ذا نتدثر أوجاعنا ونخوّض في مهمةٍ من دماءْ). لكن الهامش المنجم في أسفل المتن "ف" سيلخص ذلك باختصار محكم: (غيب الكوفة يزهر في ألفاظ بنيها ولكن لا يثمر إلا موتاً).
ويخرج هذا الكائن من الكوفة مكتفياً بذاته، ذاهباً إلى ذاته، وسط طقوس القتل في نهاية الفصل الأول:
(سيف يدخل في بيعة رمحٍ، رمحٌ مخلوعٌ/ كلٌّ يهذي/ وأنا تيهٌ أمشي فيَّ ونحوي). وهذا ما يقوله، أول المتن "ظ" فهل سيكون حظه في "السماوة" مختلفاً، أو هل سيختلف مصيره ككائن من الكلام في مكان تم إعدامه مسبقاً كما كان حال الكوفة والسواد؟!…
إن الفصل الثاني الذي خصصت متونة (للسماوة) سيفصح في المتن "ع" عن سقوط هذا (التنويع المكاني/ التاريخي) في أحابيل الإحالات الأدونيسية للأمكنة والأزمنة العربية إلى أكوام كلام فارغ، وعن سقوط كل معنى للوجود التاريخي العربي في شرك الإعدام. يقول مطلع ذلك المتن:
(الخيامُ الخيامْ/ غابة تتقلب أغصانها في رياح الكلامْ). وسيفسر لنا المتن "ف" حقيقة هذه الإحالة في المنظور الأدونيسي إذ يقول:
(كلُّ شيءٍ هنا، في السماوة، في أرضنا، لفظة خائفة/ لا غذاءٌ لها، لا كساءْ/ غير ما يتقطر من دمعها. من تباريحها، وجراحاتها النازفةْ).
وسيُفهم هذا التفسير بصورة أفضل عندما ينظر القارئ إليه في ضوء الهامش اليميني الذي يعلق فيه الراوية على التواريخ المنتقاة بالقول:
(زمن بحرٌ/ للرؤوسٍ عائمةٍ/ في سفن من ألفاظ)…
إن "السماوة" هي في نهاية الأمر صورة من كوفة أدونيس أو نسخة عنها، مثلما هي بغداد وطبريا واللاذقية وأنطاكية وسواها من مفردات (المكان) العربي. وفي بغداد أو عنها يقول أدونيس في المتن "و" من الفصل الثالث: (شهواتي تشرع أبوابها/ نحو بغداد "هل قلت بغدادُ مكسورةً بتباريحها؟" /ليكن بيننا التباسْ/ أتراها رُسِمتْ في كتاب الخليفة مشطورة ً بين نار ونارْ؟ /الخَرابُ يجرُّ على أرضها خطاهُ/ وخطاها لا تقود إلى أي ضوءْ).
وباختصار، إن المكان العربي قد قرر له أدونيس سلفاً أنه ليس إلا (نطعاً) فظيعاً فسيحاً تملؤه الرؤوس المقطوعة كي يظل من هم (طغاة وجلادون) ـ وفقاً لما قرره أيضاً! ـ فوق العرش!…
يقول على لسان كائنه الشعري في مطلع المتن "م" من الفصل الثالث:
(لا أرى غير رأس يُرَجَّلُ في عاره، غير رأس تدحرج عن كتفيهِ/ الرؤوس كراتٌ/ في مدار العروشِ وساحاتها)…
وعلى هذا فإن التاريخ العربي ـ أو الزمان الذي تملأ حركته هذا المكان ـ هو وفقاً للحتميات الأدونيسية المسبقة الصنع:
(تاريخٌ ـ ألأشياء خرافٌ فيه، والكلمات ذئابٌ، والظلمات المعنى) ـ
ص 110.
إنه ببساطة (تاريخ سقوطٍ) كامل مكتمل لكل مفردات الفضاء الحضاري العربي الإسلامي.. وهو بالطبع محصلة للرؤية الاستغرابية ومتطلباتها، حيث لا يمكنها أن تقبل للوجود العربي والإسلامي بكليته أقلَّ من هذا الإعدام. وهذا بالضبط ما رمى إليه الاستشراق طوال زمان إنشائه وتوظيفه!.
إن كائن أدونيس الشعري ـ أو متنّبيّه ـ لا يمكنه، انطلاقاً من هذه الرؤية، أن يكون أكثر من (كومة كلام) لتصوير تلك الفعلة الشنيعة بحق العرب وحضارتهم وحقائق وجودهم العام، وذلك عبر صياغة نظمية توهم بما يمكن أن يُظنّ أنه حركة كشفٍ للتاريخ العربي الإسلامي الحقيقي من داخله باستعمال اسم لهذا الكائن هو اسمٌ لأحد أهم الرموز الثقافية والشعرية العربية.
إن متنبي أدونيس ماهو إلا مجموعة الأفكار الاستغرابية الأدونيسية التي يحاول أدونيس ـ بكلِّ ما لديه من حذق الصنعة ـ أن يلبسها لبوس الفن، فهي في نهاية المطاف (أفكار جاهزة) مسبقة ومنتجة بمنتهى الصرامة العقلية، ونظراً لتعارضها الحدي القطعي مع الحقائق التاريخية الحضارية الفعلية، ومع شروط البحث المنصف والموضوعي، فإنها أفكار لا تستطيع أن ترى إلا "ذاتها" التي هي "ذات" أدونيس وقد بلغت أقصى ما يمكنها من تورم!.. يقول أدونيس في المتن "ف" من الفصل الخامس مكرراً ماكان قد ذكره في الفصل الأول بهذا الخصوص:
(فسحة في مدائن حلمي ـ أتقدم فيها، أتشرد فيها/ لا رفيقٌ ولا عابرٌ غير ما يتموج في ناظري/ لأقلْ: إنني أتمرأى/ ومرايايَ عنيَ منّي إليّ).
(في الطريق إلى تدمر وإلى بعلبكَّ وحمصٍ تقريت يونانها/ وتقريت رومانها/ وتقريتُ ما تفعل الأبجدية في حبرها ـ أسكرتني أيقونةٌ).
ولنضع ما يكفي من الخطوط تحت الجملة الأخيرة فإنها مفتاح هذا الفكر الأدونيسي الغريب بكامله!…
وإذا كان أدونيس في المتن "هـ" من الفصل السابع يكرر دون كلل تلخيص رؤيته للزمان والمكان العربيين في (صورة دمشق)، إذ يقول:
(درهمٌ ـ بيرقٌ فوق رأس دمشق/ توجتْهُ بعرشٍ له شكل سيفٍ/ حوله الأرض بركان ظلمٍ وحقدٍ/ حوله الدهر طوفان قتلٍ/ وله الناس جبّانةٌ)…
فإنه لا ينسى، عبر سياق متون هذا الفصل، أن يجعل الصياغة توحي بأن الماضي هو ذاته الحاضر، وكلاهما فارغ إلا من رعب الطغيان ووحشية القتل.. إلى آخره، إلى آخره!…
وبالطبع، لا جدوى من محاولة تلمِّسِ الجديد في رؤية أدونيس للشعراء السبعة والخمسين الذين أفرد لكل منهم متناً مرقماً تحت عنوان (هوامش) حسبما سبق ذكره في توصيف هذا الكتاب، فهل يمكن لهؤلاء أن يكون أحد منهم ـ حسب المنظور الأدونيسي ـ إلا نباتَ الفضاء الحضاري العربي الذي أعدمه أدونيس بكل صفاقة بتلك الروح الاستغرابية الفتاكة؟!…
5 ـ في سقوط شعرية "الكتاب":
كنا نود أن نعرض بتفصيل للبنية الفنية في هذا (الكتاب) فنحلل كيفيات الأداء اللغوي وأساليب التصوير والترميز والمستويات الدلالية للمتون وعلاقاتها التكاملية.. وغير ذلك مما يهم "نقد الشعر" من أمور… غير أن كون هذا العمل الأدونيسي هو "(بياناً منظوماً) لآراء عقلية أيديولوجية، وظيفتها إدانة الوجود والتاريخ العربيين الإسلاميين بصورة متعمدة ومنهجية، فإننا لا نستطيع اعتبار نص هذا (الكتاب) ـ أو نصوصه ـ شعراً رغم تقنعها بأقنعته.
إن الصياغة النظمية هنا في لعب تزييني يتعمد الإبهار لغاية تضييع القارئ، المتلقي، عن طبيعة هذا (البيان المنظوم) ووظيفته الاستغرابية في إطار ما تصطنعه (المركزية الأوربية) لنفسها من تجديدات في الأساليب وأنماط الفاعلية… فالصياغة هنا لها هدف ثابت هو إقرار الفكرة الواحدة/ الإجمالية عن إعدام العرب والمسلمين والعروبة والإسلام: إعداماً ثقافياً وحضارياً بصورة قطعية، وفي سياق أداء وظيفة استغرابية محددة.
وبناء على هذا فإن اللغة الأدونيسية هنا تماثل لغة الشعر ولكنها ليست هي. إن كون القول الموقع يعطي فكرة محددة وثابتة هو أمر لا يبيح تشكيل (أحوال) أو (واقع فني) شعري تصبح فيه الرموز والصور غنية وعميقة ومفتوحة على آماد فسيحة من الدلالات التفصيلية والمجملة. إن الرموز هنا مصنوعة لغاية الإبهار، والصور تنزاح بذلك إلى إحالات مغلقة في إبهامها، فتبدو خالية من الروح إذ قد ضربت نحو الاستحالة.
لنقرا مثلاً هذا الهامش المنجم على المتن "ت" من الفصل الثالث ص 118، فإنه يقول:
(يلبسُ الضوءُ في الغيم ثوباً، ويلبس في الصحو ثوباً/ هكذا يفعل اللهُ، والشعرُ في بعض أوقاته).
ولنقارن بما سيعود أدونيس ليقوله في الضوء في ص 159هامش المتن "ش" من الفصل الرابع:
(يخرج الضوء من نفسهِ / كي يلاقيَ أطيافه).
إن اللعب التزييني بهذه الصور المصنوعة صناعة فيها استحالة دلالةٍ مترابطةٍ وذاتِ صلةٍ بروحية المتلقي، هو لعب يميت روح الكلام إذ هو قد أفقده طاقة الاتصال والإيصال رغم تنميقه وتزويقه!
إن الهوامش المنجمة التي هي تعليقات على المتون تكاد تكون جميعاً من هذا النمط التعبيري الغريب، حيث التزويق يبدو مبهراً لكن روح التعبير ميتة. أما المتون فهي كثيراً ما تميل إلى نظم ماهو عادي مثلما في المتن "ق" من الفصل الثاني، حيث يقول:
(قل ـ لماذا تخاف من القرمطيّْ؟/ أهو السيفُ؟ لكن سيف الخليفة أمضى/ أهو البطش؟ لكن بطش الخليفة أدهى/ أم تخاف من الموت؟ أنظرْ/ هاهو الموت حولك ـ في الماء، في الخبز ـ خيرٌ وأولى/ أن تخاف من الفقر، وافرحْ/ لأبابيل حمدانَ قرمط في عصفها البهيّْ). وعلى هذه الطريقة تسقط الشعرية في (الكتاب) وتتلاشى روح الفن بصورة نهائية.
(1) هذه المقالة تخص الجزء الأول من (الكتاب)، إذ أصدر أدونيس لاحقاً جزءاً ثانياً له، دون أن تكون ثمة إشارة إليه في الجزء الأول، ودون أن يشار إلى ما عرضنا له بأنه (جزء أول)… وبالطبع، ما اللاحق هنا بخيرٍ من سابقه!…
الكاتب : أحمد يوسف داود - منشورات اتحاد الكتاب العرب
الاستغراب القبيح وسقوط الشعر
1 ـ مدخل:
عن دار الساقي ببيروت صدر للشاعر المعروف أدونيس /علي أحمد سعيد/ عام 1995 كتابٌ شعريٌ بعنوان:
(الكتاب ـ أمس، المكان، الآن ـ مخطوطة شعرية يحققها وينشرها أدونيس)، وهو آخر ما صدر لأدونيس من أعمال شعرية أو نثرية حتى تاريخ كتابة هذه المقالة في حدود ما أعلم.
ولأدونيس أكثر من اثنتي عشرة مجموعة شعرية، ونحو من ذلك من الدراسات: في الشعر، والشعرية العربية، وفي الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام، وله مجموعة مختارات كبيرة من الشعر والنثر العربيين قديماً وحديثاً، مع مقدمات لكل كتاب من هذه المختارات، يضاف إلى ذلك عدد من الترجمات في مجال الشعر والمسرح عن الفرنسية.
وتثير شخصية أدونيس جملة من التساؤلات الشكية والاعتراضات الحادة: سواء على مستوى مواقفه، وتقلباتها وانتقالاتها، أم على مستوى تجربته الشعرية وأبعادها الحداثية وسماتها الفنية، ومرجعيتها وغاياتها الفكرية والأيديولوجية، أم على مستوى آرائه في مجمل إنتاجه الثقافي على حد سواء. ويلاحظ تضافر دلالات أعماله الشعرية مع آرائه الفكرية تلك لتشكل نسيجاً متكاملاً مع مواقفه السياسية والثقافية يتسم ("تصوفية متعقلنة ظاهرياً، وبميل واضح للانتقائية المتعمَّدة في فهم التاريخ العربي) حيث يقوده ذلك إلى إدانة للسيكولوجية الحضارية العربية، وإلى انتقاص فظ من القيمة التمدينية والفكرية للحضارة العربية، وإلى تغليب لنزعة الفردانية على الإبداع العربي الذي يكاد ينحصر في الشعر… الخ، مما يمكن وصفه بأنه محصلة موقف "استغرابي" (في مقابل كلمة: استشراقي، بمعناها السيء) في فكر هذا الرجل وإبداعاته ومواقفه.
ويعرض لنا (الكتاب) ـ أو العمل الشعري الذي نحن في صدد التعرض له بالمناقشة هنا ـ صورة مختزلة عما يمكن أن نسميه (الأدونيسية) كنزوع استغرابي مبطن في الصياغة، والانتقاء التاريخي، وتصنيع البنية الفنية المعقلنة قصدياً، والدلالات الفرعية والكلية المترتبة على ذلك.
وباختصار، يبدو نص ـ أو نصوص ـ هذا الكاتب (مفبركاً) عن سابق تعمد وإصرار كي يبلغ المتلقي معطىً فكرياً محدداً هو حصيلة (الأدونيسية) كنهج أيديولوجي متكامل وخارجي.
2 ـ توصيف الكتاب:
يقع (الكتاب) في ثلاثمائة وثمانين صفحة، ويتألف من عشرة أقسام، السبعة الأولى منها جعلت لها عنوانات من أشطر أبيات للمتنبي وجاءت كالتالي:
1 ـ ومنزلٍ ليس لنا بمنزل.
2 ـ لا تلقَ دهركَ إلاَّ غير مكترثِ.
3 ـ إن النفيس غريب حيثما كانا.
4 ـ كأني عجيب في عيون العجائب.
5 ـ شيم الليالي أن تشكك ناقتي؛ صدري بها أفضى أم البيداء.
6 ـ وجِبتُ هجيراً يترك الماء صاديا.
7 ـ يضمه المسك ضَم المستهام به.
ثم تلي هذه الفصول:
8 ـ (أوراق عثر عليها في أوقات متباعدة، ألحقت بالمخطوطة). 9 ـ الفوات في ما سبق من الصفحات.
10 ـ توقيعات.
والفصول السبعة الأولى هي أساس (الكتاب) وكل منها يتألف من متون شعرية عددها /24/ أربعة وعشرون متناً مرتبة على أحرف الأبجدية (أبجد، هوز….الخ)، ولكل متن هامش تاريخي على يمينه مأخوذ من أحداث التاريخ العربي الإسلامي تحت عنوان: (قال الراوي) أو (حدث الراوية). وما إلى ذلك، وهامش يساري نثري يشير إلى مصدر المعلومة التاريخية أو صاحبها… وفي أسفل كل متن شعري تعليق مسبوق بخط يفصل بينهما، وبنجمة تدل على هذا التعليق.
ويلحق بكل فصل (هوامش) غالباً ما تعنون بأسماء شعراء جاهليين وإسلاميين من الأعصر المختلفة. والهوامش منظومة كمقطوعات شعرية: مناخها يدور في إطار أبرز سماتِ (عنوانها). وفي أكثر من فصل كانت هناك (فاصلة استباق) للهوامش المذكورة. وفاصلة الاستباق هي نص نثري (أودنيسي!) ـ أي أنه أقرب إلى الإبهام السريالي ـ لكنه يكمل الجو الدلالي للفصل الواحد الذي له روح سائر الفصول المذكورة.
والفصل الثامن هو نوع من الإكمال للمتن أو التنويع عليه، أما الفصل التاسع فهو استدراك لما فات ذكره في الهامش التاريخي الحدثي، مع هامش يساري بالمراجع وأصحاب الأحداث… أما الفصل العاشر، أي فصل (التوقيعات) فيضم ثلاث مقطوعات يمكن إضافتها إلى المتون الشعرية وهي: توقيع مفرد ـ صوت بتوقيع ثلاثي ـ أصوات بتوقيعات متعددة.
وإذا كان اللعب الشكلاني واضحاً بقوة في هذا التوزيع غير المألوف ـ واللعب الشكلاني عموماً هو سمة رئيسة من سمات الإبداع الأدونيسي ـ ويحقق إبهاراً فريداً للقارئ العادي فإن ذلك يتبدى لنا وكأنه ضرورة في تقدير أدونيس من أجل التغطية على جملة من الأمور التي يحسن أن نقررها هنا، ولو كان ذلك تقريراً استباقياً:
1 ـ الانتقائية الفظة للأحداث التاريخية.
2 ـ تدني الشعرية إلى درجة فظيعة في المتون وملحقاتها.
3 ـ الإساءة الفظيعة إلى الكائن الشعري الذي يتقمصه أدونيس في المتون تحت اسم (المتنبي) كي يظهر عدمية رؤياه الشخصية، مسندةً إلى أحد أهم الرموز الشعرية العربية ـ المتنبي ـ الذي شغله الهم القومي بقدر ما شغله الهم الشخصي الذي كان متداخلاً في القومي وفي الاجتماعي/ السياسي على حد سواء، ومن قلب حركة الحياة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري بكامل معطياتها وأحداثها وظواهرها.
وكاستكمال لهذا التوصيف لـ(كتاب) أدونيس لابد من الإشارة إلى الهامش التاريخي للمتون الشعرية التي تخص رؤيا ورؤية الكائن الشعري ـ المتنبي ـ الذي يتقمصه أدونيس، إنما هو هامش يستند عليه المتن، أو مجموع المتون، نظراً لكونه (الذاكرة) التي يؤسس عليها الكائن الأدونيسي فلسفته في رؤية عالمه، وفي تحديد (ذاته) كموجود في هذا العالم المتخيل الذي يتبدى لنا لو أنه محاولة مدروسة بإتقان، لا لتسويغ الموقف الأدونيسي الشخصي (الاستغرابي) من الواقع والتاريخ العربي والحضارة العربية وحسب، بل أيضاً لإقناع المتلقي بوجوب تبني مثل هذا الموقف اعتماداً على معاناته الفعلية في الراهن العربي المتردي تردياً أقرب إلى الكارثي. ولكن عبر تحويل أدونيس مسؤولية هذا التردي إلى ما ينتقيه هو من سوءات التاريخ العربي، وبإغفال تام لفعالية الغرب: التاريخية والراهنة في صياغة هذا التردي المفجع في كيفيات معرفة غالبية العرب بذلك التاريخ.
يقول أدونيس مبيناً للقارئ وجوب اعتبار منتقياته التاريخية ذاكرة يستند عليها وجود كائِنِه الشعري:
(أتفيأ ـ أخرج من هذه الذاكرة/ من مداراتها ودواليبها الدائرة ـ /أتفيأُ أسلافي الآخرين/ الذين يضيئون أعلى وأبعد من ظلمة القتل، من حمأة القاتلين) ـ أول الهوامش بعد الفصل 1 ـ فلننظر الآن إذاً في أمر هذه الذاكرة التي يقدمها أدونيس كخلاصة شاملة للتاريخ العربي الإسلامي منذ أن قبض النبي العربي عليه الصلاة والسلام.
3 ـ التاريخ العربي في المنظور الأدونيسي، أو:
ما هو الأمس الأدونيسي؟…
يقول أدونيس في الفصل العاشر (التوقيعات)، فقرة (توقيع منفرد):
(هل ضاع النظرُ، اختنق الصوت؟… /أفّ، ما هذا التاريخ ـ ألميّتُ يقتلُ فيه حتى بعد الموت؟)..
إن هذه الفكرة المنظومة شعراً، فكرة أن، التاريخ العربي ماهو إلا ركام من أحداث القتل المرعبة المستمرة ـ وشبه المجانية وفق دلالات مسروديتها في الكتاب ـ هي فكرة يمكن وصفها بأنها بؤرة البنينة المفهومية لنمط التأريخ المعروض في النص، أو لنمط الأمس، وفقاً لانتقاءات أدونيس.
وقد قدَّم أدونيس لذلك بنصين شعريين أوليين، على يمين المتنين، ("أ،ب")ـ من الفصل، يهيئان القارئ لتبني تلك الصيغة من البنينة، ولإسقاط فكرة كون التاريخ سياقاً حافلاً بجدل متناقضاته وقائماً على تصارع عناصره وقواه المتضادة… وبعبارة أخرى: يهيؤه لتقبل إعدام ما لا يريدهُ أدونيس من التاريخ. فهو مثلاً يقول في النص الشعري الأول تحت عنوان "ذاكرة الراوي":
(في صحراء لغاتٍ ولد الشاعر*/ عاش؛ ولكن في ما يشبه تابوتاً/ سافر لكن في ما يشبه مقبرة/ في طقس لا تخلو سنة منه/ طقس للقتل ـ وقد لا يخلو يومٌ منه ـ عاش الشاعر.).
ويقول في النص الثاني تحت عنوان "قال الراوي":
(لا نعرف من نحن الآن، ومن سنكون إذا لم نعرف من كنا./ ولذا سأقص عليكم من كنا).
وبالطبع فإن النص الأول يفسر الثاني بدقة. وأدونيس يكمل على لسان الراوي رابطاً ما يختار أننا "كنا"هُ بالإرادة الإلهية ـ في إشارة منه للسمة الجبرية الطاغية على الذهنية العربية حسب منظوره؛ وإلى المصدر الإلهي للسلطة في تلك الذهنية ـ فيقول:
(وثنى الراوي:/ دحضاً للشيطان/ قال اللهُ:الأرض مهادٌ للإنسان/ وسأجعل منها عرشاً، ويكون التاج خليفةْ/ وثنى الراوي:/ هو ذا العرش يهيأ تحت سقيفة).
بصرف النظر عن اللعب الساخر بجذورٍ مفهوميةٍ: دينية ودنيوية إسلامية، وعن الافتعال، وعن الخلط الفكري المتعمد، وعن الابتداء بانتقاء التاريخ من ابتذال فكرة التاريخ ذاتها، فإن أدونيس يعيدنا في الهامش الثالث الذي على يمين المتن "ج" من الفصل الأول إلى التشديد على وجوب فهم أن ما سيرد من (تاريخ أدونيسي) هو الإطار الكلي والنهائي لموجودية كائنه الشعري، وأن هذا الإطار كان مبدوءاً من: (تلك السنة التأسيسية:/ إحدى عشرة هجرية) حيث جرى ما جرى من وفاة الرسول (ص) ومن واقعة السقيفة، سقيفة بني ساعدة، التي تمت فيها مبايعة أبي بكر الصديق خليفة، ثم امتناع علي بن أبي طالب عن مبايعته لفترة. ولن يفوتنا هنا أن نشير إلى أمرين مهمين في (انتقاءات) أدونيس: أولهما، القفز مباشرة من الخلق الإلهي إلى واقعة السقيفة حيث يتم هنا إلغاء أزمنة عربية طويلة سابقة، وثانيهما، هو إثباته لقولة عمر بن الخطاب يوم السقيفة عن (قتل سعد بن عبادة)، الذي سيقتل فعلاً سنة 15 هـ فكأنما واقعة قتله هي تنفيذ لتلك القولة، وكأنما التاريخ (عمل مسرحي) مسبق الصنع لا سياقٌ لصراع الأضداد والقوى بما لذلك الصراع من محصلات سلبية وإيجابية… وفي الحالين نحن أمام صيغة من صيغ (نفي التاريخ) وإسقاط الأوهام الشخصية عليه.
إذاً، بدء التاريخ العربي الإسلامي في نظر أدونيس هو بدء الصراع الطويل على السلطة المجردة من أية أبعادٍ أو مضمونات. ومن هنا يؤسَّس عنده (لتاريخ القتل)، بمختلف أشكاله الوحشية، وبما هو قتل يوميٌّ مقصودٌ لذاته، كأنما هو طبع خاص وخالص للعرب المسلمين، وسيكتفي أدونيس بالقرنين الهجريّين الأوّلين، يختارهما مثالاً جامعاً ونهائياً، وينتقي منهما: ما بين قتل المرتدين أيام خلافة أبي بكر ومقتل يوسف البرم الذي خرج على الخليفة العباسي المهدي سنة /160/ هـ مع ما يرافق القتل من أعمال تخريب ونهب وتمثيل… إلى آخره من مظاهر الوحشية..!
ويطيب لأدونيس أن يجمع وقائع القتل تلك معزولة عن سياقاتها ومُشفّاة من معانيها وخلفياتها الدينية أو الدنيوية، فيُظهر العرب والمسلمين ـ كل العرب والمسلمين! ـ فتاكاً أو وحوشاً أو خونة غدارين، هائمين بسفكِ الدماءِ من أجل عرش السلطة سواء كانوا حكاماً أم معارضين!…
إن الأمر دائماً في هذا (التاريخ الأدونيسي)، الذي هو "الأمس" ـ حسب عنوان الكتاب ـ هو أمر:
(عرش يتنقّل، والقتلى/ عرباتٌ حيناً، وجسورٌ حيناً)، (لا يومَ لدفن الموتى/ كل الأيام قبورْ)، ص32 و33 على التوالي ـ وما الأيام إلاَّ: (أفراس تائهة تتراكض بين رؤوس القتلى) ص121.
وما الزمن العربي إلاَّ: (بيت مرفوع برؤوس القتلى) ص 142 الخ، الخ...
وبالطبع لابد لنا من الاعتذار عن عدم متابعة سائر التفاصيل التي ينتقيها أدونيس وينسلها نسلاً من التاريخ العربي العام لينشئها مثل ذاك الإنشاء على امتداد ثلاثمائة صفحة تقريباً عدا فصل (الفوات) لكن أقل مايمكن أن يقال في هذه الصيغة من الانتقاء المتعمد: إنها صيغة تتواطأ مع أسوأ النظرات التجريمية الغربية إلى التاريخ العربي الإسلامي، سواء شاء لها صاحبها ذلك أم لا.. وهي صيغة (بحث في التاريخ) ـ رغم النظم الشعري ـ تجافي مجافاة شنيعة أبسط مقتضيات الإنصاف وأدنى حدود الموضوعية في البحث، حتى لتبدو كأنما هي عملية ثأر معرفي من العرب على مالا نعرف مما يخبئه أدونيس في عقله وكيانه اللذين أصبحت لهما هذه السمة من (الاستغراب) العجيب القبيح.
إن هذا (الأمس التاريخي الأدونيسي)، هو أيضاً (الآن) أو الراهن، عربياً وإسلامياً، حسب أدونيس.
لنقرأ ما يقوله في الفقرة "ج" من (أصوات بتوقيعات متعددة) في فصل (توقيعات) وهو يقصد ذاته تحت لقب "الشاعر":
(هل يكون لأشواقه زمنٌ آخرٌ، لهبٌ آخرُ؟/ الرؤوس تجدد أقفاصها والزمان كراتٌ/ تتدحرج مسحورة).
الزمان العربي إذاً زمان مغلق عند أدونيس. حاضره دائر أبداً في دائرة القتل المتأسسة في (الأمس الأدونيسي) المنتقى، تتناسل الدورة من الأخرى منسوخة عنها كما الكرات المسحورة!… وعليه فالأمس هو ذاته الآن في منظور كائنه الشعري. وما ذاك (الأمس) و(الآن) إلا جناحا (المكان) الذي يصنعهما مرة بعد مرة دون أي تغيير، باعتباره ـ أي المكان ـ مجرد فضاء لثقافة القتل، ولجنون القتل، ولغريزة القتل التي هي (طبع عربي!)، له كل هذه الوحشية الخالصة!…
4 ـ في الكائن الشعري الأدونيسي:
لأسباب سيجلوها سياق هذه المقالة، نحن نميل بقوة إلى المطابقة مابين (المتنبي الأدونيسي) والذات الأدونيسية. ولعله يتعين علينا أن نُلمِّح إلى حقيقة المكان في نظر أدونيس، كي نتمكن من تحديد صيغة الموجودية. للكائن الشعري المرسوم في المتون وتوابعها.
إن (المكان) الذي يقصده أدونيس نصياً هو الوطن العربي والعالم الإسلامي إجمالاً. وإن اقتصاره، لضرورات الصياغة السردية في تلك المتون ـ ونحن نلح هنا على كلمة سردية ـ على أسماء أمكنة ذات صلة بشخصية المتنبي الحقيقي، مثل: الكوفة، سواد العراق، بادية السماوة، اللاذقية، حمص، بعلبك، أنطاكية، طبريا… وسواها… وفي الأصل، الوطن العربي هو ـ شأنه شأن كل الأوطان الحضارية العريقة ـ فضاء حضاري/ ثقافي متوارث عبر تأصله في جغرافيته، وسماته ترتسم في حركة بشره وعلاقاتهم كما تحدد نظام تلك الحركة، وحدود تلك العلاقات، عبر مركب تفاعلات ذاتية داخلية وموضوعية خارجية مستمرة، ومتغيرة بتغير الشروط التاريخية المتعاقبة والطارئة.
ومن حيث المبدأ يظل الأمس الحضاري فاعلاً في صياغة الحاضر المجتمعي والقومي وحاملاً من حوامل الآفاق الممكنة للمستقبل، ومن حيث المبدأ أيضاً، تظل الشخصية البشرية محكومة بمجموع الحقائق الفعالة للفضاء الحضاري العام، وهي تكاد تعكس ذلك الفضاء عكساً شبه مرآتي عندما تصبح مرفوعة إلى حيز التنميط في الأعمال الفنية التي تطمح إلى أن تكون ذات طابع كلي أو شمولي.
إن الكائن الشعري الأدونيسي المتقنع باسم المتنبي هو كائن مهمته إيضاح الفكرة الأدونيسية عن المكان ـ الوطن العربي ـ بقدر ما فكرة المكان هذه ستقدم التسويغ لطبيعة شخصية هذا الكائن الشعري، وآفاق رؤيتها لذاتها وللعالم.
ولأن أدونيس يفرغ "المكان/ الفضاء الحضاري/ العربي" من كل معطياته، باستثناء حلقات القتل الوحشية المتواترة فيه، فإنه يُعدِمه ببساطة! وفي هذا الوضع من "الإعدام" سيعوم كائنه الشعري ليتحول إلى كومة من كلام!..
ويبدو تركيب هذا الكائن الأدونيسي، من المتون الشعرية للفصول السبعة التي سبق لنا تعدادها، تركيباً متأسساً ومنجزاً (ككومة كلام) منذ الدفقة النصية الأولى. وهو مصنوع بصرامة عقلية بالغة التنميق في الصياغة القولية لتلك المتون.
وهذه الصرامة العقلية هي صرامة غائيّة تم إنشاؤها وفق رأي مقرر قبلياً.. وبذلك أبعد الإنشاء القولي أو الخطاب النصي إبعاداً كافياً عن براءة الشعر التي تمنح القارئ آفاقاً دلالية متسعة؛ فألحق القول المنظوم هنا بتلك الصرامة إلحاقاً فظاً سنعود إلى معالجته بعد قليل.. وتدنت الشعرية إلى أن تصير مجرد تشكيل قولي/ عقلي لغايةٍ نفعيةٍ مستهدفةٍ قبل الصياغة النصية، وبهذا صار أدونيس اشبه "بالحرفيّ" الذي يريد إخراج "سلعة" هناك الكثير من مثيلاتها، وليس المبدع الذي لا نظير لإبداعه من قبل، وذلك مع سبق الإصرار، وليلاحظ القارئ أننا هنا نتكلم على فحوى النص لا على ترتيبات أجزائه شكلانياً..
وتبدو المتون سرداً حكائياً تشاعرياً لنشوء كائن أدونيس: /المتنبي/ وإبلاغاً عن وجوب صيرورته إلى (كومة كلام) وحتمية ذلك.
إن المتن "أ" من الفصل الأول قدم إخباراً سردياً بسيطاً ملخصه أنه عند ولادة هذا (المتنبي!) هوى شيء فمسح التجاعيد عن وجه أمه، فاختلف الناس فيه بين أنه ملاك أو شيطان، و(بعضهم آثر الصمت خوفاً وتقوى/ وكانت الكوفة الأليفة تدخل في غربةٍ)…
ويفسر الهامش التاريخي لهذا المتن كل شيء سلفاً: (في ذاكرة تلد الكلمات وتولد فيها.. وفي صحراء لغاتٍ ولد الشاعرْ… وفي ما يشبه مقبرة… في طقسٍ للقتلْ.. لا يخلو منه يومٌ، عاش الشاعر).
إن إعدام المكان/ الفضاء ـ حيث الكوفة مجرد اسم بلا دلالة ـ بتحويله إلى صحراء لغات، وذاكرة تلد الكلمات وتولد فيها، وبما يقع خلف ذلك من قتل لا نهائي، قد جعل إمكانية حركة الكائن الشعري خارج حدود اللعب بالكلام معدومة، فلا عجب إن كان هذا البدء هو ذاته النهاية وما بينهما!…
وإذا كانت المتون "ب،ج،د" من الفصل ذاته مخصصة لوصف أسرة (المتنبي الأدونيسي) ـ الأب، والأم، وهذه الأسرة ستختفي لاحقاً لنكتشف أن الحديث عنها كان مجرد زركشة في السرد ـ فإن الهوامش المنجَّمة في أسفل تلك المتون ستكرر ما سيتكرر لاحقاً دون كلل عن (الكلام) و(طقس القتل)، و(هبائية المكان) أو انعدامه. يقول الهامش المنجّم في أسفل المتن "ب": (جسدي غابة من رموز/ وخطاي كما رسمتها ظنوني/ درج صاعد وتهاويل كشفٍ)، ويقول الهامش في أسفل "ج":
(إنَّه العرش يصقل مرآته صورةً للسماءْ/ ويزين كرسيه بشظايا الرؤوس ورقش الدماءْ).
ولعل المتن "د" ذاته يكشف كينونة الكائن الشعري الأدونيسي كشفاً أفضل إذ يقول:
(أبوايَ انشطارٌ، دمٌ للمؤمل والمنتظرْ/ هبطا من أعالي القبائل، من رأسها، يسرجان خيول السهرْ/ أخذا الأبجدية في راحة والقصيدة في راحة، ثم قالا: /سوف نقرأ في ضوء سرهما أحمدا).
وأحمد هو اسم المتنبي الحقيقي، لكن المهم هنا هو تقرير صياغة هذا الكائن الأدونيسي: من الكلام المؤسَّس في الدم!!
وستغرينا المتون: "ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ص،" بالتفكير في أن أدونيس قد ينشئ مكاناً مليئاً بجدل ما يحدث فيه، وبأن (متنبيه) سيكون شيئاً غير كومة الكلام، لكن، لننظر في الهامش المنجم أسفل المتن "ز" إنه يقول:
إن سواد العراق: (نايات كسرت وبقايا أكواخْ/ في كل مكان سيافون وجند). ولنعد هنا من جديد إلى تنبيه القارئ إلى أن أي اسم مكان لا يعني ذاته وحده بل يعني العالم العربي والإسلامي جملةً وذلك حسب المنطوق النهائي للكتاب كله.
أما المتن "م" فيقول عن الكوفة على لسان متنبي أدونيس: (لم تزدني هذي المدينة إلا شكوكاً/ لم تزدني إلا نكوصاً عن مداراتها/ لم تزدني غير التمزق "تنكر نفسيَ نفسي"، وغير الدوار /لم تزدني إلا هبوطاً في جحيمي إلى لا قرارْ/ المساء مليء برؤوس مقطعةٍ والصباح قبورٌ: تلك أيامها/ ما الذي كان فيها السماءْ؟!… هو ذا نتدثر أوجاعنا ونخوّض في مهمةٍ من دماءْ). لكن الهامش المنجم في أسفل المتن "ف" سيلخص ذلك باختصار محكم: (غيب الكوفة يزهر في ألفاظ بنيها ولكن لا يثمر إلا موتاً).
ويخرج هذا الكائن من الكوفة مكتفياً بذاته، ذاهباً إلى ذاته، وسط طقوس القتل في نهاية الفصل الأول:
(سيف يدخل في بيعة رمحٍ، رمحٌ مخلوعٌ/ كلٌّ يهذي/ وأنا تيهٌ أمشي فيَّ ونحوي). وهذا ما يقوله، أول المتن "ظ" فهل سيكون حظه في "السماوة" مختلفاً، أو هل سيختلف مصيره ككائن من الكلام في مكان تم إعدامه مسبقاً كما كان حال الكوفة والسواد؟!…
إن الفصل الثاني الذي خصصت متونة (للسماوة) سيفصح في المتن "ع" عن سقوط هذا (التنويع المكاني/ التاريخي) في أحابيل الإحالات الأدونيسية للأمكنة والأزمنة العربية إلى أكوام كلام فارغ، وعن سقوط كل معنى للوجود التاريخي العربي في شرك الإعدام. يقول مطلع ذلك المتن:
(الخيامُ الخيامْ/ غابة تتقلب أغصانها في رياح الكلامْ). وسيفسر لنا المتن "ف" حقيقة هذه الإحالة في المنظور الأدونيسي إذ يقول:
(كلُّ شيءٍ هنا، في السماوة، في أرضنا، لفظة خائفة/ لا غذاءٌ لها، لا كساءْ/ غير ما يتقطر من دمعها. من تباريحها، وجراحاتها النازفةْ).
وسيُفهم هذا التفسير بصورة أفضل عندما ينظر القارئ إليه في ضوء الهامش اليميني الذي يعلق فيه الراوية على التواريخ المنتقاة بالقول:
(زمن بحرٌ/ للرؤوسٍ عائمةٍ/ في سفن من ألفاظ)…
إن "السماوة" هي في نهاية الأمر صورة من كوفة أدونيس أو نسخة عنها، مثلما هي بغداد وطبريا واللاذقية وأنطاكية وسواها من مفردات (المكان) العربي. وفي بغداد أو عنها يقول أدونيس في المتن "و" من الفصل الثالث: (شهواتي تشرع أبوابها/ نحو بغداد "هل قلت بغدادُ مكسورةً بتباريحها؟" /ليكن بيننا التباسْ/ أتراها رُسِمتْ في كتاب الخليفة مشطورة ً بين نار ونارْ؟ /الخَرابُ يجرُّ على أرضها خطاهُ/ وخطاها لا تقود إلى أي ضوءْ).
وباختصار، إن المكان العربي قد قرر له أدونيس سلفاً أنه ليس إلا (نطعاً) فظيعاً فسيحاً تملؤه الرؤوس المقطوعة كي يظل من هم (طغاة وجلادون) ـ وفقاً لما قرره أيضاً! ـ فوق العرش!…
يقول على لسان كائنه الشعري في مطلع المتن "م" من الفصل الثالث:
(لا أرى غير رأس يُرَجَّلُ في عاره، غير رأس تدحرج عن كتفيهِ/ الرؤوس كراتٌ/ في مدار العروشِ وساحاتها)…
وعلى هذا فإن التاريخ العربي ـ أو الزمان الذي تملأ حركته هذا المكان ـ هو وفقاً للحتميات الأدونيسية المسبقة الصنع:
(تاريخٌ ـ ألأشياء خرافٌ فيه، والكلمات ذئابٌ، والظلمات المعنى) ـ
ص 110.
إنه ببساطة (تاريخ سقوطٍ) كامل مكتمل لكل مفردات الفضاء الحضاري العربي الإسلامي.. وهو بالطبع محصلة للرؤية الاستغرابية ومتطلباتها، حيث لا يمكنها أن تقبل للوجود العربي والإسلامي بكليته أقلَّ من هذا الإعدام. وهذا بالضبط ما رمى إليه الاستشراق طوال زمان إنشائه وتوظيفه!.
إن كائن أدونيس الشعري ـ أو متنّبيّه ـ لا يمكنه، انطلاقاً من هذه الرؤية، أن يكون أكثر من (كومة كلام) لتصوير تلك الفعلة الشنيعة بحق العرب وحضارتهم وحقائق وجودهم العام، وذلك عبر صياغة نظمية توهم بما يمكن أن يُظنّ أنه حركة كشفٍ للتاريخ العربي الإسلامي الحقيقي من داخله باستعمال اسم لهذا الكائن هو اسمٌ لأحد أهم الرموز الثقافية والشعرية العربية.
إن متنبي أدونيس ماهو إلا مجموعة الأفكار الاستغرابية الأدونيسية التي يحاول أدونيس ـ بكلِّ ما لديه من حذق الصنعة ـ أن يلبسها لبوس الفن، فهي في نهاية المطاف (أفكار جاهزة) مسبقة ومنتجة بمنتهى الصرامة العقلية، ونظراً لتعارضها الحدي القطعي مع الحقائق التاريخية الحضارية الفعلية، ومع شروط البحث المنصف والموضوعي، فإنها أفكار لا تستطيع أن ترى إلا "ذاتها" التي هي "ذات" أدونيس وقد بلغت أقصى ما يمكنها من تورم!.. يقول أدونيس في المتن "ف" من الفصل الخامس مكرراً ماكان قد ذكره في الفصل الأول بهذا الخصوص:
(فسحة في مدائن حلمي ـ أتقدم فيها، أتشرد فيها/ لا رفيقٌ ولا عابرٌ غير ما يتموج في ناظري/ لأقلْ: إنني أتمرأى/ ومرايايَ عنيَ منّي إليّ).
(في الطريق إلى تدمر وإلى بعلبكَّ وحمصٍ تقريت يونانها/ وتقريت رومانها/ وتقريتُ ما تفعل الأبجدية في حبرها ـ أسكرتني أيقونةٌ).
ولنضع ما يكفي من الخطوط تحت الجملة الأخيرة فإنها مفتاح هذا الفكر الأدونيسي الغريب بكامله!…
وإذا كان أدونيس في المتن "هـ" من الفصل السابع يكرر دون كلل تلخيص رؤيته للزمان والمكان العربيين في (صورة دمشق)، إذ يقول:
(درهمٌ ـ بيرقٌ فوق رأس دمشق/ توجتْهُ بعرشٍ له شكل سيفٍ/ حوله الأرض بركان ظلمٍ وحقدٍ/ حوله الدهر طوفان قتلٍ/ وله الناس جبّانةٌ)…
فإنه لا ينسى، عبر سياق متون هذا الفصل، أن يجعل الصياغة توحي بأن الماضي هو ذاته الحاضر، وكلاهما فارغ إلا من رعب الطغيان ووحشية القتل.. إلى آخره، إلى آخره!…
وبالطبع، لا جدوى من محاولة تلمِّسِ الجديد في رؤية أدونيس للشعراء السبعة والخمسين الذين أفرد لكل منهم متناً مرقماً تحت عنوان (هوامش) حسبما سبق ذكره في توصيف هذا الكتاب، فهل يمكن لهؤلاء أن يكون أحد منهم ـ حسب المنظور الأدونيسي ـ إلا نباتَ الفضاء الحضاري العربي الذي أعدمه أدونيس بكل صفاقة بتلك الروح الاستغرابية الفتاكة؟!…
5 ـ في سقوط شعرية "الكتاب":
كنا نود أن نعرض بتفصيل للبنية الفنية في هذا (الكتاب) فنحلل كيفيات الأداء اللغوي وأساليب التصوير والترميز والمستويات الدلالية للمتون وعلاقاتها التكاملية.. وغير ذلك مما يهم "نقد الشعر" من أمور… غير أن كون هذا العمل الأدونيسي هو "(بياناً منظوماً) لآراء عقلية أيديولوجية، وظيفتها إدانة الوجود والتاريخ العربيين الإسلاميين بصورة متعمدة ومنهجية، فإننا لا نستطيع اعتبار نص هذا (الكتاب) ـ أو نصوصه ـ شعراً رغم تقنعها بأقنعته.
إن الصياغة النظمية هنا في لعب تزييني يتعمد الإبهار لغاية تضييع القارئ، المتلقي، عن طبيعة هذا (البيان المنظوم) ووظيفته الاستغرابية في إطار ما تصطنعه (المركزية الأوربية) لنفسها من تجديدات في الأساليب وأنماط الفاعلية… فالصياغة هنا لها هدف ثابت هو إقرار الفكرة الواحدة/ الإجمالية عن إعدام العرب والمسلمين والعروبة والإسلام: إعداماً ثقافياً وحضارياً بصورة قطعية، وفي سياق أداء وظيفة استغرابية محددة.
وبناء على هذا فإن اللغة الأدونيسية هنا تماثل لغة الشعر ولكنها ليست هي. إن كون القول الموقع يعطي فكرة محددة وثابتة هو أمر لا يبيح تشكيل (أحوال) أو (واقع فني) شعري تصبح فيه الرموز والصور غنية وعميقة ومفتوحة على آماد فسيحة من الدلالات التفصيلية والمجملة. إن الرموز هنا مصنوعة لغاية الإبهار، والصور تنزاح بذلك إلى إحالات مغلقة في إبهامها، فتبدو خالية من الروح إذ قد ضربت نحو الاستحالة.
لنقرا مثلاً هذا الهامش المنجم على المتن "ت" من الفصل الثالث ص 118، فإنه يقول:
(يلبسُ الضوءُ في الغيم ثوباً، ويلبس في الصحو ثوباً/ هكذا يفعل اللهُ، والشعرُ في بعض أوقاته).
ولنقارن بما سيعود أدونيس ليقوله في الضوء في ص 159هامش المتن "ش" من الفصل الرابع:
(يخرج الضوء من نفسهِ / كي يلاقيَ أطيافه).
إن اللعب التزييني بهذه الصور المصنوعة صناعة فيها استحالة دلالةٍ مترابطةٍ وذاتِ صلةٍ بروحية المتلقي، هو لعب يميت روح الكلام إذ هو قد أفقده طاقة الاتصال والإيصال رغم تنميقه وتزويقه!
إن الهوامش المنجمة التي هي تعليقات على المتون تكاد تكون جميعاً من هذا النمط التعبيري الغريب، حيث التزويق يبدو مبهراً لكن روح التعبير ميتة. أما المتون فهي كثيراً ما تميل إلى نظم ماهو عادي مثلما في المتن "ق" من الفصل الثاني، حيث يقول:
(قل ـ لماذا تخاف من القرمطيّْ؟/ أهو السيفُ؟ لكن سيف الخليفة أمضى/ أهو البطش؟ لكن بطش الخليفة أدهى/ أم تخاف من الموت؟ أنظرْ/ هاهو الموت حولك ـ في الماء، في الخبز ـ خيرٌ وأولى/ أن تخاف من الفقر، وافرحْ/ لأبابيل حمدانَ قرمط في عصفها البهيّْ). وعلى هذه الطريقة تسقط الشعرية في (الكتاب) وتتلاشى روح الفن بصورة نهائية.
(1) هذه المقالة تخص الجزء الأول من (الكتاب)، إذ أصدر أدونيس لاحقاً جزءاً ثانياً له، دون أن تكون ثمة إشارة إليه في الجزء الأول، ودون أن يشار إلى ما عرضنا له بأنه (جزء أول)… وبالطبع، ما اللاحق هنا بخيرٍ من سابقه!…
الكاتب : أحمد يوسف داود - منشورات اتحاد الكتاب العرب
تعليق