لا بُـــــــــــذَّ
[align=right]
[/align]
[align=right]
كان وقعُ أقدامه من بداية الزقاق يفضح انحناءة الظهر التي لا يدري كيف تسللت إليه رغم سِنّهِ المتوسطة. كان يُمنّي نفسه بحياة جديدة و لكن شهادته الجامعية و دعوات أمّه و أوراق اليانصيب التي كان يقتطعها من ثمن طعامه لم تكن كافية ليرى غيْما أبيض في سمائه السوداء. كان يراقب المدينة و هي تتوسّع هنا و تضيق هناك في رقصة مجنونة بين الشرق و الغرب فينتفض فيه الإحباط و يفور فيه الغضب و يرتذّ ضاربا خيوط أمل واهية كانت شارَة لمرحلة جديدة انتظرها.
أحلام التي درست كما درس و شاركته طموح نهاره و أشواق ليله وجدت عملا جيّدا في إحدى المؤسسات الحكومية..كيف يتقدم لخطبتها و هي العاملة و هو العاطل، كيف يرفع رأسه أمام عائلتها و جيبُه فارغ و جيبها ملآن؟ حاولتْ إقناعه آلاف المرّات بأنه سيشتغل يوما ما فيردّ: "لا أريد أن تستعبدني امرأة..اِذهبي يا حلوة، فأيّ رجل يريدك زوجة له أما أنا فسأنتظر فرصتي، لن أغادر هذه المدينة كما فعل الآخرون و لن أتخفى في غطاء من الإدعاء الكاذب، لقد نشأنا معا و يعرف كلانا الآخر جيدا، لن أخترق الجدار كما يفعل الآخرون فلستُ شبحًا هواءً و لن أبيع لبن أمّي، أنا كبير و سأجد يوما فرصة كبيرة".
قُذّم للمحاكمة مرّتين بسبب نقاشات اُستُدْرِج إليها فَلم يَكتم آراءَهُ و كأنّهُ ما يزال داخل أسوار الجامعة التي اُُحتضنت جنونه و أفكاره الملتهبة التي كان يكتشفها و هو يقارع الحجة بالحجة و التجربة بالتجربة، أسئلة كان يتداولها مع رفاقه كفاكهة محرّمة و يأمل في غد تجد فيه قناعاتُهُ أرضًا تُزهر فيها و تتفتح.
قُذّم للمحاكمة مرّتين بسبب نقاشات اُستُدْرِج إليها فَلم يَكتم آراءَهُ و كأنّهُ ما يزال داخل أسوار الجامعة التي اُُحتضنت جنونه و أفكاره الملتهبة التي كان يكتشفها و هو يقارع الحجة بالحجة و التجربة بالتجربة، أسئلة كان يتداولها مع رفاقه كفاكهة محرّمة و يأمل في غد تجد فيه قناعاتُهُ أرضًا تُزهر فيها و تتفتح.
أحمد الذي كان يُقاطع التلفاز و الراديو لأنهما يخضعان لسيطرة الدولة و يمتنع عن شراء تنك الكولا، كان يتّهم مدينته بالشلل العقلي و الترهل الناتج عن العُهر و الخيانة، كان يبحث عن فضاء شاغر على مقاسه لا أكثر يحقق فيه ذاته و لكن حاضره كان كحجر تابوت تختفي تحته كل الذكريات سِراعا فلا يكاد يعيشها.. الاحساس بالضياع و الفشل يفور كمِرجَل جَبّار داخل عقله الذي حاول أن يهرب من واقع الكبت و سياسة التهميش و هواجس الاغتصاب اللغوي و التاريخي. تنازل أحمد عن أحلامه التي صارت مقبرة قاتمة للمستقبل و هو يرى أفراد جيله ينتظمون في طابور من المهن المتدنية مُقابل تكوينهم العلمي و الثقافي، هذا الجيل من المشاريع المُجهَضة ما كان ليدافع عن قضايا أفلست و حُرية أعطِيَت بمقدار ثم اُستُعيدت دون عناء... هذه المدينة التي تبدو كمهرجان فلكلوري رديء تسير فيه كائنات غريبة في اتجاهات مُتعاكسة و عيونها مشدودة إلى السراب لم تكن تَخفى فيها رائحة الأكلة السريعة و لا رائحة اللحم الحار الذي كان أحمد يتذوّقه "بالفِكْر" لأن لا شيء يجمع بين فقرهِ و صحن شِواء باهض الثمن أو أكلة سريعة باهضة الثمن بلا طعم.
تزوجت أحلام وأنجبت وَلدين و بِنْتا فيما زاد اُنحناء ظهره مع الأيام يفضحه وقع أقدامه في بداية الزقاق عند ساعة متأخرة من الليل، هو اُبن التراث و الحداثة المقلدة، جُثث مُطيّبة يتفقدها بين الحين و الآخر ليطمئنّ على آنه ما يزال على حق..
تقلبت المدينة في ثوب الحداثة و ما بعدها، و الشرق و الغرب دون أن تكون شرقية أو غربية، خان من خان و مات من مات و لكن أحمد لم يُبدّل شيئا، حتى الزقاق لم يعد كما كان فقد هُدمت المنطقة بأمر حكومي و بُنيت مكانها عمارات شاهقة و محلات تجارية تخطف الأبصار و مكاتب راقية و لكن أحمد ظل هو هو بشَعر أشْيَب و هوَس مَرَضي بالقهر، الفرصة الكبيرة التي اُنتظرها جاءتْه مرات و مرّات من نساء أرَدْنَ أن يُدير أعمالهن و يهبهنّ أولادا لكنه رفض. عاش إخوتُه في أحياء راقية و دُفِن أبَواهُ في مقبرة خارج المدينة و ظل هو هو مُفتخرا بقُدرتِه على الوقوف في وجه التحولات العاصفة التي عرفتها الضمائر الخاوية، عاش ينتظر فرصته، عاش ينتظر فرصة حقيقية لرجل حقيقي في زمن استهلاكي فيه الأنوثة و الذكورة و الطفولة و الكهولة و الريف و المدينة و الخير و الشر سوق موحدة لكائن مشوّه لا يمكن التكهن فعلا بجنسه أو عُمره أو طبيعته و مع هذا كان على أحمد أن يعيش و يأكل و يتزاوج كأقل الكائنات في سُلم الطبيعة و أن تكون له قضية في مدينته التي كانت امتدادا لأوروبا من جهة بليبراليتها و بَهرجها و دَوْسها على الرقاب و امتدادا من جهة أخرى للتراث الجغرافي الأمازيغي و التاريخي العربي بِدَوْسِهِ على الرقاب.
كان يرى عُشب الشقاء الأخضر يمتد على مساحات كبيرة حتى نهاية المدينة ترويه دماء زنخة الرائحة، أيام لا تنتهي كان يمشيها من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل لينام في دكان حقير يملكه صديق قديم لوالده، طالت لحيتُهُ و شحُبَ لونُهُ و اُنفضّ عنه الجميع فقد اُنقضى زمنُهُ و لم يعُد من النماذج التي تستسيغها الحكومة..
و لكنه كان يريد أن يأكل و يتزاوج كأقل كائنات الطبيعة و أن تكون له قضية و مع هذا كان عليه إما أن يأكل و يتزاوج أو أن تكون له قضية أما الثلاثة؟ فهذا طمع..
"نعم، لقد مارسنا الحب، كنا مُتلاشيَيْن في سماء مُلوّنة لا تعرف الكذب و الحدود، لحظة خالصة توحّدنا فيها عُدتُ خلالها شابّا، كان ذلك في المقبرة، بين قبرَيْ أبي و أمّي، المكان الوحيد الذي (أملِكُه) في هذا العالم"
عَفوا على هذا المقطع غير الواقعي...
صار أحمدُ مُخْبِرا لدى الحكومة بِلحيته الكثة التي يختفي وراءها عُمر ليس بالقليل، كان عليه أن يأكل و يتزاوج كأقل كائنات الطبيعة..بلا طمع
[/align]
كــــــوثــــر خــــلــيــل
تعليق