متاهات المنتصف
لم أكنْ أرغبُ النومَ حين تذكَّرتُ
أنه ينقُصُني بعدُ حُلمَين كيما أُفيق
وتنقصُني بحّةٌ
كي أصيحَ بأعلى اشتياقي
وخوفٌ لألقيَ في اليمِّ حلمي
وأحفرَ في صفحةِ الماءِ اسمي
أعرفهُ كما يعرفُ البحرْ
فوقَ سطحِ السفينةِ أيَّ غريق
كنتُ أقطعُ أغصانَ روحي
عِصيّاً...عليها اتَّكأتُ
ليبلغَ مني الصدى أولَ الصوت
لم أستدرْ
سوى حينَ أيقَنْتُ أني لن أستطيعَ الرجوعْ..
هنا..
عندَ منتصفٍ بين عمرين
أو صحوةٍ بين سكرين
أو فوهةٍ بين منحدرين
ضحكتُ
لأني ظننتُ بأنَّ النوافيرَ تُنبِعُ ماءً جديداً
وأن العصاةَ استطاعوا الفرارَ بأشواقنا
وأنّ فوانيسَنا في النهارِ تنام
وتغمضُ أسرارَ ظلمتنا ثم تنسى
لنمضي
نشدُّ العيون التي أدمنتْ
تسمُّرها
على ثقبِ أنوائنا
وأجريَ منها وراءَ حذائي
أهربُ من انتظارهمُ شارداً
وأهرب.. حتى أضيــعَ وأجأرَ ليتهمُ امسكوني...
وحيداً
أمامي دمٌ حائرٌ واحتراقٌ أليفٌ وبين شفاهي أنامْ
ثمّ أرمي المناديلَ للصلوات
أصكُّ مسائيَ
أبحثُ عن بعضِ اسمٍ له شكل هذا المسمَّى
الذي لا يقِرُّ على أيِّ شكل،
يحدِّثُ كلَّ المسافاتِ عنّي
عن شارعٍ لا يزالُ يفرُّ بأوَّله كلّما
ركضتُ لأُمسكَ آخرَه
والنهايةُ مثلُ البدايةِ لا تبعُدُ الآنَ عني
سوى نصفِ وهمٍ و نصفِ اشتعالْ
وأيِّ اصطلاءٍ سيكوي جراحَ المسافةِ
خائفةً
من خطى العابرين
كما العاشقون إذا ما استفاقوا على موتهم ْ
قبل أن يكملوا قبلةً أوَّلتْها الحنايا وراحتْ تغيب
وغاليةً
كي نرى أمسَنا بيّناً
ونعرفَ أنّا سرينا بشوق
بما يتبقى من الموت
مثل المكاتيبِ وقتَ الحروب..
وكنا هنالكَ خوفاً يُشيد الجدارَ أمامي
لأرسم نافذةً في سماه..
وأقعي
عجوزاً أحوكُ إلى الأمسِ صوفَ الحنين
وأنسجُ حوليَ شرنقتي
ثم أطلقني برمادِ الأساطيرِ نحوي
فراشاً يقود عماه لأعرف كيف أموت بلذّة ناريَ
أسقطُ من آخري
كما الواجبِ الوطنيّ
وأسقطُ مثلَ دموعِ المعزِّين
أبكي..سعيداً لأني حزين
وأدرك كيف أُوقّت قلبي
بلا حيلةٍ
-هو الموت سيِّدُ كل النهايات
-قلتُ كما الحبّ سيدُ كلِّ البدايات
أو مثل لهوي
وغفلتِنا حين لا مسَتِ الأرض إذ أخبرتْنا
بأنا سكنّا بتلك الأعالي ببطن الطيور
* * *
هل تبقّى من الشوق ما يستحقُّ الوصول؟
أوَ اْنّ الخطى في شواطئِ حلميَ قد أنكرتْها رمالي
هل أصدّقُ ما يكتبُ الموجُ
وهو يعــودُ ليمحوَ ما قد كتبْ
هل سيبقى غدٌ كاسمه
فالزمانُ يبدّل تقويمه
والأماكنُ قد غيّرتْ رسمَها
والأماكنُ مثليَ تهربُ مني رويداً رويداً ولمّا أزلْ في مكاني
ساهماً بالمواعظ أجترّها
قانعاً حين أخفي المسافةَ تحتَ لحافِ المخاوفِ
لا أعتلي الأفقَ مُشتعلاً
كالصغارِ الذين رمَوا بالوصايا
وفي ظهرهمْ غرزوا حلمَهم ثم طاروا..
وعدت بكل الوعود القديمةِ علّقتها تمائم في صدر آخرتي
لأسألَ عنّي كل اتجاه
وأرجع من مغربي برعافٍ يدلّ عليّ الطريق
رافعاً للفناء يدي:
-ليتني بعدَ كلِّ القطافِ من العمر
أدركُ حقاً
أنّ كلَّ الذي قد تمنَّيْتُ ليس مُناي
-ليتني أعرفُ الآن ماذا أريدُ؟
ويا ليتني:
-أفهمُ الآن - يا واقفَين – لماذا..
لماذا بلا أيِّ حزنٍ بكيتْ.......... ............... ............؟؟؟ ؟؟
تعليق