الهوية المصرية: ذلك اللغز المحير, والسر المغلق!
إفريقية فرعونية قبطية بحر متوسطية عربية إسلامية, كل ذلك في آن معا, في خليط عجيب, متماسك متزن, ولكن في غير خمول.
مهما حاولت أن تعبر عنها, أو أن تحلل عناصرها ومكوناتها, فإن شيئا ما في تلك الهوية الفريدة يظل دائما مستعصيا علي التحليل.
مهما حاولت أن تعبر عنها, أو أن تحلل عناصرها ومكوناتها, فإن شيئا ما في تلك الهوية الفريدة يظل دائما مستعصيا علي التحليل.
علي أني أريد في هذا المجال أن ألمح إلي بعض المفردات والتراكيب السائدة في مجال الحديث عن عناصر الهوية المصرية, مما قد تستخدم أحيانا مطلقه في سياق بعيد عن مضمونها الحقيقي, ومن ثم فانه يترتب خلط ينحو بنا عن الصواب.
من ذلك: الظن بان الثقافة العربية والإسلامية شأن واحد, ومزيج واحد لايمكن فصل مكوناته.
من ذلك: الظن بان الثقافة العربية والإسلامية شأن واحد, ومزيج واحد لايمكن فصل مكوناته.
والأمر علي خلاف ذلك تماماً. نعم: نزل القرآن بلسان عربي مبين, وفي أمة ذات أرومة عربية أصيلة, غير أنه في الوقت ذاته كان يستهدف الناس كافة لافرق في ذلك بين عربي وعجمي, وكانت الدعوة بهذه المساواة غريبة كل الغرابة علي البيئة العربية المعتزة بأصولها كل الاعتزاز, فاذا كان الاسلام عربي النشأة, فانه بلاشك إنساني التوجه.
ترتيبا علي ذلك فانه يكون من قبيل التعسف الخلط في الحديث بين الثقافتين العربية والاسلامية واعتبارهما ثقافة واحدة, أو وجهين لعملة واحدة في أفضل الاحوال, وهو أمر لا اراه صوابا كما لا أراه يتفق مع المصلحة العليا للوطن.
ترتيبا علي ذلك فانه يكون من قبيل التعسف الخلط في الحديث بين الثقافتين العربية والاسلامية واعتبارهما ثقافة واحدة, أو وجهين لعملة واحدة في أفضل الاحوال, وهو أمر لا اراه صوابا كما لا أراه يتفق مع المصلحة العليا للوطن.
كانت للعرب ثقافتهم الاولي قبل ظهور الاسلام, وكانت تتحكم في حياتهم منظومة متنوعة من القيم والأعراف والتقاليد التي لم يقدر لها أن تنتظم جميعا في كيان واحد متماسك حتي ظهر الاسلام, فوجد العرب امامهم دستوراً جديداً آمنوا به وأنزلوه في قلوبهم موضع التقديس, فنشأت من جراء ذلك ثقافة عربية جديدة.
هذه الثقافة الجديدة لم تنشأ من فراغ, وإنما كان لها أصولها وروافدها القديمة التي يتفق بعضها مع روح الدعوة الجديدة, ويختلف بعضها الآخر.. ومن هنا تتكون خصوصية للثقافة العربية الإسلامية تميزها عن غيرها من الثقافات الإسلامية التي شهدها التاريخ بعد ذلك, وبصفة خاصة عندما أسهمت الثقافات القديمة في مصر وفارس إسهاما لايمكن تجاهله في الثقافتين الاسلامية والعربية. ونحن نعرف خصوصية الثقافة الاسلامية المصرية التي نشأت من خلال الثقافة الاسلامية بأحفاد أصحاب اول دعوة للتوحيد في التاريخ, وأصحاب اول تفسير متكامل الأركان لنشأة الحياة والهدف من الوجود, وربما كان الامر أقرب الي المنطق منه الي الغرابة أن يقبل المصريون عبر عشرات السنين علي الدين الجديد وأن يؤمنوا به, اذا أنهم وجدوا فيه دستوراً فريداً يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم علي أساس من العدل والحدود الفاصلة القاطعة بين الحقوق, ربما لاول مرة في تاريخهم التليد.
هذه الثقافة الجديدة لم تنشأ من فراغ, وإنما كان لها أصولها وروافدها القديمة التي يتفق بعضها مع روح الدعوة الجديدة, ويختلف بعضها الآخر.. ومن هنا تتكون خصوصية للثقافة العربية الإسلامية تميزها عن غيرها من الثقافات الإسلامية التي شهدها التاريخ بعد ذلك, وبصفة خاصة عندما أسهمت الثقافات القديمة في مصر وفارس إسهاما لايمكن تجاهله في الثقافتين الاسلامية والعربية. ونحن نعرف خصوصية الثقافة الاسلامية المصرية التي نشأت من خلال الثقافة الاسلامية بأحفاد أصحاب اول دعوة للتوحيد في التاريخ, وأصحاب اول تفسير متكامل الأركان لنشأة الحياة والهدف من الوجود, وربما كان الامر أقرب الي المنطق منه الي الغرابة أن يقبل المصريون عبر عشرات السنين علي الدين الجديد وأن يؤمنوا به, اذا أنهم وجدوا فيه دستوراً فريداً يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم علي أساس من العدل والحدود الفاصلة القاطعة بين الحقوق, ربما لاول مرة في تاريخهم التليد.
هنا قد يقول أحد: وهل حقق لهم الاسلام ذلك فعلا ؟!
أقول: هنا يكون الخلط: الخلط بين ما هو إسلامي وما هو عربي, وما بين إحدي مراحل التاريخ, والتاريخ كله.
كان يجب أن تمر قرون حتي يمكن التفاعل بين الثقافة المصرية بكل موروثاتها عبر التاريخ وبين الثقافة العربية من جهة, والثقافة الاسلامية من جهة اخري, وجد المصريون عربا يحملون فكرا, رأوا العرب أولا فاتحين فأحجموا, ثم اطمأنوا, فتعارفوا علي الدين الجديد, فوجدوا فيه ضالتهم, فآمنوا به, واستلهموا روح الاسلام صافية مقطرة, فلم يجدوا بأسا من أن يحافظوا علي أصيل عادتهم وتقاليدهم وافكارهم وأن تتسلل اليهم في الوقت نفسه عادات وتقاليد جديدة, وفدت اليهم من الثقافة العربية ووجدوا فيها ثراء لنسيجهم الثقافي.
أقول: هنا يكون الخلط: الخلط بين ما هو إسلامي وما هو عربي, وما بين إحدي مراحل التاريخ, والتاريخ كله.
كان يجب أن تمر قرون حتي يمكن التفاعل بين الثقافة المصرية بكل موروثاتها عبر التاريخ وبين الثقافة العربية من جهة, والثقافة الاسلامية من جهة اخري, وجد المصريون عربا يحملون فكرا, رأوا العرب أولا فاتحين فأحجموا, ثم اطمأنوا, فتعارفوا علي الدين الجديد, فوجدوا فيه ضالتهم, فآمنوا به, واستلهموا روح الاسلام صافية مقطرة, فلم يجدوا بأسا من أن يحافظوا علي أصيل عادتهم وتقاليدهم وافكارهم وأن تتسلل اليهم في الوقت نفسه عادات وتقاليد جديدة, وفدت اليهم من الثقافة العربية ووجدوا فيها ثراء لنسيجهم الثقافي.
ونشأ نموذج جديد مصري عربي اسلامي عبر بمصر ازمة كبري تتعلق بهويتها في سلام, وواصلت مسيرتها مع الزمن, فإذا بها هي نفسها التي تحمل راية الإسلام والعروبة تدافع عن دينها وتحارب من أجل العروبة في أكثر مراحل التاريخ الاسلامي دقة وخطورة.
ولايكاد يشك أحد في أن مصر تجتاز الآن احدي هذه المراحل.
ولايكاد يشك أحد في أن مصر تجتاز الآن احدي هذه المراحل.
أما الذين يصفون الثقافة العربية بالثقافة الصحراوية, بكل ما توحي به كلمة الصحراء من جدب وعقم وجفاف وحدة وقسوة فأظنهم قد وقعوا في مأزق عاطفي ـ ان صح التعبير ـ وهو صحيح.
فقد فاتهم أن يروا أن العرب كأرومة شئ وبعض العرب في زمن ما شئ آخر.
فقد فاتهم أن يروا أن العرب كأرومة شئ وبعض العرب في زمن ما شئ آخر.
وأنت إذا أردت أن تنظر إلي العروبة كوطن يجمع الامة العربية كلها فإني أحب أن اشبه الوطن ـ علي إطلاقه ـ بمجري النهر والأمة هي ماؤه المجري ثابت ، والماء عرضة لكل انواع التغير, قد يصفو أحيانا وقد يتكدر أحيانا وقد يركد احيانا ثم هو ربما يعود فيصفو من جديد, وكذلك شأن الأمة العربية قد تصفو وقد تتكدر, قد تسرع, وقد تبطئ, قد تعدو وقد تتعثر, لكنك لاتملك أن تنتقي حالة واحدة من حالاتها لكي تكون جامعة لصفاتها أنها كل حالاتها. مما لاشك فيه ان الانقلاب الاقتصادي التي شهدته المنطقة العربية مع بداية حقبة النفط قد أسهم بشكل كبير في إعادة صياغة العلاقات العربية علي أسس جديدة بل وفي إعادة ترتيب القيم لدي شعوب المنطقة العربية. ولاشك ان النخبة المصرية قد أزعجتها بعض الممارسات لبعض العرب, كما استوقفتها تلك الافكار الشاذة التي تسللت الي عقول بعض شبابنا وانتشرت في كثير من شرائح المجتمع المصري انتشارا ينذر بالخطر. هنا وقع بعض افراد النخبة المصرية في مأزق عاطفي جعلهم ينفون كل ما هو عربي, كان هذا موقف أقرب الي العاطفة منه الي العقل.
إن طمس أي مكون في الشخصية المصرية, لهو بمثابة نزع لأحد أسلحتها ولا أظن أن ذلك يمكن أن يكون مقبولا في وقت يعلم فيه القريب والبعيد أن مصر مستهدفة لذاتها, ربما كما لم تكن مستهدفة في تاريخها من قبل.
إن طمس أي مكون في الشخصية المصرية, لهو بمثابة نزع لأحد أسلحتها ولا أظن أن ذلك يمكن أن يكون مقبولا في وقت يعلم فيه القريب والبعيد أن مصر مستهدفة لذاتها, ربما كما لم تكن مستهدفة في تاريخها من قبل.
إننا مقدمون علي منعطف تاريخي حاد, وتحدثنا صفحات التاريخ أن مصر قادرة علي اجتيازه, كما اجتازت من قبل منعطفات ومنحدرات, ومن قال أن التاريخ لايكرر نفسه فقد اخطأ, إنه يعيد نفسه ولكن من خلال تفاصيل مختلفة وهو في حالتنا هذه قصة مصر عبر العصور: لاتتضح الا بعد كبوة.
الكاتب: د. توفيق حلمي
تاريح نشره : 23/11/2009
تاريح نشره : 23/11/2009
تعليق