تحليل لمقال : " لغز الهوية المصرية " / رنا خطيب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رنا خطيب
    أديب وكاتب
    • 03-11-2008
    • 4025

    تحليل لمقال : " لغز الهوية المصرية " / رنا خطيب

    الهوية المصرية‏:‏ ذلك اللغز المحير‏,‏ والسر المغلق‏!‏


    إفريقية فرعونية قبطية بحر متوسطية عربية إسلامية‏,‏ كل ذلك في آن معا‏,‏ في خليط عجيب‏,‏ متماسك متزن‏,‏ ولكن في غير خمول‏.‏
    مهما حاولت أن تعبر عنها‏,‏ أو أن تحلل عناصرها ومكوناتها‏,‏ فإن شيئا ما في تلك الهوية الفريدة يظل دائما مستعصيا علي التحليل‏.

    علي أني أريد في هذا المجال أن ألمح إلي بعض المفردات والتراكيب السائدة في مجال الحديث عن عناصر الهوية المصرية‏,‏ مما قد تستخدم أحيانا مطلقه في سياق بعيد عن مضمونها الحقيقي‏,‏ ومن ثم فانه يترتب خلط ينحو بنا عن الصواب‏.‏
    من ذلك‏:‏ الظن بان الثقافة العربية والإسلامية شأن واحد‏,‏ ومزيج واحد لايمكن فصل مكوناته‏.‏

    والأمر علي خلاف ذلك‏ تماماً.‏ نعم‏:‏ نزل القرآن بلسان عربي مبين‏,‏ وفي أمة ذات أرومة عربية أصيلة‏,‏ غير أنه في الوقت ذاته كان يستهدف الناس كافة لافرق في ذلك بين عربي وعجمي‏,‏ وكانت الدعوة بهذه المساواة غريبة كل الغرابة علي البيئة العربية المعتزة بأصولها كل الاعتزاز‏,‏ فاذا كان الاسلام عربي النشأة‏,‏ فانه بلاشك إنساني التوجه‏.‏
    ترتيبا علي ذلك فانه يكون من قبيل التعسف الخلط في الحديث بين الثقافتين العربية والاسلامية واعتبارهما ثقافة واحدة‏,‏ أو وجهين لعملة واحدة في أفضل الاحوال‏,‏ وهو أمر لا اراه صوابا كما لا أراه يتفق مع المصلحة العليا للوطن‏.‏

    كانت للعرب ثقافتهم الاولي قبل ظهور الاسلام‏,‏ وكانت تتحكم في حياتهم منظومة متنوعة من القيم والأعراف والتقاليد التي لم يقدر لها أن تنتظم جميعا في كيان واحد متماسك حتي ظهر الاسلام‏,‏ فوجد العرب امامهم دستوراً جديداً آمنوا به وأنزلوه في قلوبهم موضع التقديس‏,‏ فنشأت من جراء ذلك ثقافة عربية جديدة‏.‏
    هذه الثقافة الجديدة لم تنشأ من فراغ‏,‏ وإنما كان لها أصولها وروافدها القديمة التي يتفق بعضها مع روح الدعوة الجديدة‏,‏ ويختلف بعضها الآخر‏..‏ ومن هنا تتكون خصوصية للثقافة العربية الإسلامية تميزها عن غيرها من الثقافات الإسلامية التي شهدها التاريخ بعد ذلك‏,‏ وبصفة خاصة عندما أسهمت الثقافات القديمة في مصر وفارس إسهاما لايمكن تجاهله في الثقافتين الاسلامية والعربية‏.‏ ونحن نعرف خصوصية الثقافة الاسلامية المصرية التي نشأت من خلال الثقافة الاسلامية بأحفاد أصحاب اول دعوة للتوحيد في التاريخ‏,‏ وأصحاب اول تفسير متكامل الأركان لنشأة الحياة والهدف من الوجود‏,‏ وربما كان الامر أقرب الي المنطق منه الي الغرابة أن يقبل المصريون عبر عشرات السنين علي الدين الجديد وأن يؤمنوا به‏,‏ اذا أنهم وجدوا فيه دستوراً فريداً يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم علي أساس من العدل والحدود الفاصلة القاطعة بين الحقوق‏,‏ ربما لاول مرة في تاريخهم التليد‏.‏

    هنا قد يقول أحد‏:‏ وهل حقق لهم الاسلام ذلك فعلا ؟‏!‏
    أقول‏:‏ هنا يكون الخلط‏:‏ الخلط بين ما هو إسلامي وما هو عربي‏,‏ وما بين إحدي مراحل التاريخ‏,‏ والتاريخ كله‏.‏
    كان يجب أن تمر قرون حتي يمكن التفاعل بين الثقافة المصرية بكل موروثاتها عبر التاريخ وبين الثقافة العربية من جهة‏,‏ والثقافة الاسلامية من جهة اخري‏,‏ وجد المصريون عربا يحملون فكرا‏,‏ رأوا العرب أولا فاتحين فأحجموا‏,‏ ثم اطمأنوا‏,‏ فتعارفوا علي الدين الجديد‏,‏ فوجدوا فيه ضالتهم‏,‏ فآمنوا به‏,‏ واستلهموا روح الاسلام صافية مقطرة‏,‏ فلم يجدوا بأسا من أن يحافظوا علي أصيل عادتهم وتقاليدهم وافكارهم وأن تتسلل اليهم في الوقت نفسه عادات وتقاليد جديدة‏,‏ وفدت اليهم من الثقافة العربية ووجدوا فيها ثراء لنسيجهم الثقافي‏.‏


    ونشأ نموذج جديد مصري عربي اسلامي عبر بمصر ازمة كبري تتعلق بهويتها في سلام‏,‏ وواصلت مسيرتها مع الزمن‏,‏ فإذا بها هي نفسها التي تحمل راية الإسلام والعروبة تدافع عن دينها وتحارب من أجل العروبة في أكثر مراحل التاريخ الاسلامي دقة وخطورة‏.‏
    ولايكاد يشك أحد في أن مصر تجتاز الآن احدي هذه المراحل‏.‏

    أما الذين يصفون الثقافة العربية بالثقافة الصحراوية‏,‏ بكل ما توحي به كلمة الصحراء من جدب وعقم وجفاف وحدة وقسوة فأظنهم قد وقعوا في مأزق عاطفي ـ ان صح التعبير ـ وهو صحيح‏.‏
    فقد فاتهم أن يروا أن العرب كأرومة شئ وبعض العرب في زمن ما شئ آخر‏.‏

    وأنت إذا أردت أن تنظر إلي العروبة كوطن يجمع الامة العربية كلها فإني أحب أن اشبه الوطن ـ علي إطلاقه ـ بمجري النهر والأمة هي ماؤه المجري ثابت ، والماء عرضة لكل انواع التغير‏,‏ قد يصفو أحيانا وقد يتكدر أحيانا وقد يركد احيانا ثم هو ربما يعود فيصفو من جديد‏,‏ وكذلك شأن الأمة العربية قد تصفو وقد تتكدر‏,‏ قد تسرع‏,‏ وقد تبطئ‏,‏ قد تعدو وقد تتعثر‏,‏ لكنك لاتملك أن تنتقي حالة واحدة من حالاتها لكي تكون جامعة لصفاتها أنها كل حالاتها‏.‏ مما لاشك فيه ان الانقلاب الاقتصادي التي شهدته المنطقة العربية مع بداية حقبة النفط قد أسهم بشكل كبير في إعادة صياغة العلاقات العربية علي أسس جديدة بل وفي إعادة ترتيب القيم لدي شعوب المنطقة العربية. ولاشك ان النخبة المصرية قد أزعجتها بعض الممارسات لبعض العرب‏,‏ كما استوقفتها تلك الافكار الشاذة التي تسللت الي عقول بعض شبابنا وانتشرت في كثير من شرائح المجتمع المصري انتشارا ينذر بالخطر‏.‏ هنا وقع بعض افراد النخبة المصرية في مأزق عاطفي جعلهم ينفون كل ما هو عربي‏,‏ كان هذا موقف أقرب الي العاطفة منه الي العقل‏.‏
    إن طمس أي مكون في الشخصية المصرية‏,‏ لهو بمثابة نزع لأحد أسلحتها ولا أظن أن ذلك يمكن أن يكون مقبولا في وقت يعلم فيه القريب والبعيد أن مصر مستهدفة لذاتها‏,‏ ربما كما لم تكن مستهدفة في تاريخها من قبل‏.‏

    إننا مقدمون علي منعطف تاريخي حاد‏,‏ وتحدثنا صفحات التاريخ أن مصر قادرة علي اجتيازه‏,‏ كما اجتازت من قبل منعطفات ومنحدرات‏,‏ ومن قال أن التاريخ لايكرر نفسه فقد اخطأ‏,‏ إنه يعيد نفسه ولكن من خلال تفاصيل مختلفة وهو في حالتنا هذه قصة مصر عبر العصور‏:‏ لاتتضح الا بعد كبوة‏.‏



    الكاتب: د. توفيق حلمي
    تاريح نشره : 23/11/2009




  • رنا خطيب
    أديب وكاتب
    • 03-11-2008
    • 4025

    #2
    الأستاذ الفاضل توفيق حلمي

    أشكرك على هذا المقال القيم الذي يسلط الضوء على لغز الهوية المصرية كونها متعددة الجنسيات من ناحية التأسيس الجذري لها .

    لقد قمت بأخذ نسخة من الموضوع الأصلي " الهوية المصرية‏:‏ذلك اللغز المحير‏,‏ والسر المغلق‏!‏ " إلى قسم نافذة الرؤية " للتحليل و التشريح نظرا لما واجه هذا المقال القيم الكثير من الردود المختلفة .بعض منها خرج عن جادة الفكرة ، بالإضافة إلى أنه بقي مفتوحا و لم يخرج بنتائج كثمرة جهود الكاتب و المشاركين فيه

    من هنا نبدأ:

    عنوان المقال :
    " لغز الهوية المصرية‏ " بقلم الأستاذ د. توفيق حلمي


    التصنيف : سياسي


    مضمون المصنف ضمن هذه المحاور:
    1- الهوية المصرية هي مزيج تكويني من موروثات و تفاعلات الأمم القديمة .
    2- توضيح الغلط و الخلط بين المفردات في دمج الثقافة الإسلامية و العربية في خانة واحدة .
    3- تأثر الثقافة المصرية بالثقافة الإسلامية و العربية نتيجة اعتناقها للدين و احتكاكها بشعوب العرب .
    4- أثر الثقافة المصرية ، التي كانت نتيجة صنع الأمم القديمة الموجودة في مصر قديما ، في إثراء و رفد الثقافة الإسلامية و العربية . و هنا يميزها كونها أصبحت ثقافة إسلامية عربية مصرية .
    5- انقسام في صفوف الشعب المصري بين من حمل لواء الثقافة الإسلامية العربية و بين من اتهمها بأنها كانت مصدر فقر و تصحر فتصدى لها .
    6- انعكاس هذا التقسيم على وضع مصر حاليا و ما رافقه من تغيير في الأوضاع الاقتصادية و السياسية مما ينذر بالخطر و خصوصا محاولة إعادة نسب الانتماء و طمس المكونات أو بعضها في الهوية المصرية.
    7- استهداف أمن و وحدة مصر العربية من قبل أعداءها كما تعرضت قديما لكثير من مؤامرات و الكثير من المنعطفات .
    8- إنهاء المقال بعبارة : " التاريخ يكرر نفسه" و مسلسل استهداف مصر العربية يتكرر بجوهره في هذه المرحلة لكن مع اختلاف الشكل.

    التحليل :
    بدأ المقال بالمفتاح الأساسي يوضح مضمون المقال و التي من المفترض أن يدور حولها المقال .
    " إفريقية فرعونية قبطية بحر متوسطيةعربية إسلامية‏,‏ كل ذلك في آن معا‏,‏ في خليط عجيب‏,‏ متماسك متزن‏,‏ ولكن في غيرخمول‏.‏ "

    يريد من خلال هذه الجملة المفتاحية الأساسية الحديث عن المزيج التكويني للهوية المصرية و التأثر الذي أضافه هذا المزيج على الهوية المصرية كتنوع في جنسيات الأمم التي استقرت على أرض مصر قديما و حديثا و كانت أكثر الأمم تأثرا بها هي الثقافة الإسلامية و كون الإسلام نزل على أمة عربية فكان لهذه الثقافة لإسلامية العربية أثرا واضحا في تطوير الهوية المصرية ذات المزيج التكويني المختلف . بل أيضا أشار الكاتب إلى دور الثقافة المصرية في إثراء الثقافة العربية..
    إذا هو يؤكد في البداية على أن الهوية المصرية هي هوية مزيجية التكوين لم تصنعها أمة بل أمم توالت عبر التاريخ و قد كان لكل أمة أثر فعّال في إثراء الحضارة و الثقافة المصرية.
    ثم تسلسلت الفكرة في المقال للحديث عن احتكاك الحضارة المصرية بالحضارة الإسلامية العربية و كون الإسلام نزل على العرب فكان احتكاك الشعوب المصرية بالعرب هو عبر الإسلام كونهم اعتنقوا الدين الذي نزل على العرب فتقربوا من هذه الشعوب و حدث الاندماج بينهم فيما بعد . فكانت الصبغة الجديدة لمصر " الثقافة الإسلامية العربية المصرية "

    لكن هذا الاندماج لم يكن كاملا بين شعب مصر فهناك دائما من يرفض الجديد حفاظا على هوية القديم حتى لو انقرض ، فكانت هذه الأقلية التي رفضت أن تندمج هي من تثير زوابع الخلاف بين شعب مصر و ترفض العروبة تحت لواء هذا المسمى " الثقافة الإسلامية العربية المصرية " فتحاول دائما تغذية الصراعات و إثارة الفتن كمحاولة لطمس معالم هذه الهوية المصرية التي تكونت عبر مسير تاريخي منظم و منطقي . و هنا يكمن سبب قلق الكاتب و بالتالي سبب ولادة هذا المقال. فهو يحذر من إمكانية توسع دائرة الخطر في مصر و انعطافها انعطافا سلبيا في توجهها الآن نتيجة تنوع المزيج التكويني للهوية المصرية و رفض بعضهم الاندماج في هوية الثقافة الإسلامية العربية المصرية و محاولة التمرد عن هذه الهوية و طمس ملامحها

    الأسلوب :
    لقد عبر الكاتب عن فكرته بأسلوب بسيط و واضح ابتعد به عن الغموض كي يتمكن القارئ من فهم ما يريد أن يصل أليه. لكن لم يكن هناك ربط متوازن بين المفتاح الأساسي للمقال و بين نهاية المقال..فالكاتب في البداية عرّف على أن الهوية المصرية هي مزيج تكويني من جنسيات الأمم المختلفة ثم نهى المقال بأن مصر إسلامية عربية تنيجة تأثرها بالحضارة الإسلامية و أنها تعاني من خطر نتيجة محاولة الأقلية طمس معالم الهوية المصرية الحالية .
    فكيف هنا نعترف في البداية بالتكوين المزيجي للهوية المصرية ثم ننكر حق الشعوب التي كان لها الفضل قديما في هذا التكوين و عدم مطالبتها في الحفاظ عليه ؟!!
    إدارة الفكرة كانت تسير ضمن محاور في ترتب منطقي متسلسل و في كل محور يوجد عرض سريع لمضمون المحور و كانت لغة عرض المقال لغة هادئة و عاقلة بعيدة عن العاطفة . فهو يستعرض تكوين الهوية المصرية عبر التاريخ و سيرها الطبيعي مع مؤثرات الأمم عبر التاريخ حتى وصلت إلى هذا التكوين النهائي الحالي .فهو بذلك لا ينكر حق الشعوب السابقة في المساهمة في هذا التكوين لكن في نفس الوقت يحاول أن يحمي الهوية المصرية الحديثة ذات الطابع الإسلامي العربي من محاولة بعض المصريين طمس ملامح هويتها الحالية بسبب عدم اندماجهم معها. و هنا يقع المقال في حفرة الاختلاف فيفتح الباب على مصرعيه للتأويلات الخاطئة من قبل المشاركين نتيجة عدم اتحاد مسار بداية فكرة الطرح مع نهايته.. الأمر الذي أدى إلى عدم وضوح الرؤية .
    كذلك لم يكتمل بناء المقال بسبب فقدانه للنتائج تلخص هذا المقال العرضي الذي أخذ طابعا حواريا لكن لم يصل إلى مخرجات الحوار.

    رؤيتي الخاصة:
    فكرة الموضوع قيمة و كانت تتسع للحديث و التعريف و العرض كمعلومات على القارئ أكثر من ذلك لكن الكاتب كان يفضل الإيجاز كونه مقالا لعرض فكرة عامة عن الهوية المصرية و لم يكن بحثا في جذور الهوية المصرية و مكوناتها. و مع ذلك لقد احتوى هذا المقال على أفكار متعددة منها :

    الحديث عن الهوية و مكوناتها .
    و هنا يطلق المتحدثون عنها الكثير من المسميات فهل هي الهوية الدينية أم الفكرية أم الانتماء أم الوطن؟
    هناك الكثير من هذه المسميات تجعل من إمكانية تحديدها من الأمور الصعبة فتضيع الرؤية ضمن هذا التوجه.
    لكن لنتفق كوننا مسلمين و عرب على أن هويتنا مسلمة عربية في الدرجة الأولى ثم تأتي الجنسية ، كونها أخر حضارة طرقت أبواب المنطقة هي الحضارة الإسلامية العربية.
    و هنا أخالف الكاتب في طريقة الحديث عن الهوية المصرية كونها هوية لها مميزاتها تميزها عن الهويات العربية الأخرى.. فالكاتب كونه مصريا يعرف قدر و تاريخ مصر أكثر من باقي العرب الغير مقيمين في مصر لكن هذا لا ينفي أن البلاد العربية أيضا لها من موروثات الحضارات القديمة الكثير و الذي ساهم في تكوين ثقافاتها الحالية. فبلاد الشام مثلا كانت الحاضنة للكثير من حضارات الأمم السابقة و التي خلفت لنا تاريخا و معالم حضارية ما زالت شامخة و قائمة حتى الآن بمسمياتها الأجنبية ومعالمها و آثارها . فهل نتكلم عن الهوية الشامية ما لها و ما عليها و ما تتعرض له الآن ..الشام مثل مصر مثل المغرب كلهم يتعرضون لحالة طمس لملامح الحضارة الإسلامية و العربية.. هذه هي الرؤية التي يجب أن ننطلق منها .. (و هنا يجب أن ننتبه لدور الحفريات الأثرية و علماء الآثار الغربيين الذين يأتون كمتطوعين للتنقيب عن الآثار الموجودة في أرضنا العربية. فهم لا يفعلوا ذلك حبا فينا بل لغايات خاصة بهم.)
    أما الحديث عن الأمم الغابرة التي ساهمت في تكوين الهويات سواء مصرية أم شامية أم غيرها فهنا اسمح لي بقول أن التسلسل المنطقي لسنن الكون تشير إلى الأمم الحالية التي هي من يجب أن تملك ذمام و موروثات الأمم القديمة..لقد كان من سنة الله في الكون و الأمم و التي لن نجد لها تبديلا بأن الأرض يرثها عباده الصالحون و هذه الوراثة لا تكون إلا بعد أن يتم القضاء على الأمم الغابرة نتيجة فسادها .. فهل من المنطق أن نطمس ملامح أمة تقيم على أرضها الآن لنعيد ذكرى حضارات أمم انقرضت بفعل السنن الكونية؟
    فالمنطق الآن يقول أننا ورثة هذه الأرض وبالتالي نحن المالكون لها و لمقدراتها و ثرواتها حتى يرث الله الأرض و ما عليها كوننا أخر حضارة عربية محمية بشعاع الإسلام الذي جعله خاتمة الأديان.. فبقاء لغتنا مرتبطا ببقاء الإسلام كدين ليس للعرب فقط بل للعالم كله .
    و المنطق يقول أن مصر الآن دولة إسلامية عربية و غير هذه الإدعاءات باطلة و على الأقلية أن تتقبل هذه الهوية و تعرف أنها تعيش ضمن أرض هويتها مسلمة و عربية لكن تتمتع بحقوقها المدنية الخاصة بها .. و بنفس الوقت تدفعنا الفضيلة بأن لا ننكر اعترافنا بالأمم الغابرة كتاريخ مضى في مساهمتها في بناء تكوين هذه الهوية.و هذا ما يسجله التاريخ لا ينكره.

    أثار المقال أيضا فكرة جميلة و هي فكرة العروبة ..و العروبة هنا لا تنتمي لعرق معين أو مذهب معين ضمن وطن يحوي عروق و مذاهب مختلفة.. فالعروبة توحد الانتماء عند التنوع الشعوبي . و هذه العروبة توجت بتاج الإسلام الذي هو توصيف الهوية المصرية الحالي ..و هذا الانتماء ينفي التعددات القومية و الوطنية والحزبية ذات الاتجاهات المختلفة. فعروبة الإسلام لا تقف ضد شعارات القومية ضمن وطن واحد فقط بل ضد كل التكتلات التي تعزل نفسها عن دولة الإسلام.. و هنا مقصدي القومية العربية. فالإسلام لم يأتي للعرب فقط بل للعالمين قاطبة.

    الفكرة الأخيرة التاريخ يعيد نفسه:
    نعم هذه سنة كونية لا يختلف عليها عاقل.. فكرة نشوء الأمم و انحدارها و انتهاء ولايتها....فكرة الصراع بين الأضداد.. فكرة تكرار نفس الأسباب المؤدية إلى اندثار أمم ذات حضارات عريقة .. فكرة الحروب القائمة بين القديم المتمثل بالموروث و معالمه الحضارية و بين فكرة التجديد و الانقلاب على القديم و نكرانه و عدم الاعتراف به..فكرة المؤامرات و الغزو..و غيرها كلها يكررها التاريخ عبر مسيره لكن يختلف الشكل الخارجي وفقا لاختلاف طبيعة الحياة و التفكير و الأوضاع الجديدة للمجتمع
    العالم الإسلامي العربي عالم مستهدف منذ أن ظهر على وجه الأرض و أنشئ له وجودا قويا فكان أقوى أمة توفرت بها كل مفردات الحضارة العريقة و الراقية فكتب على هذه الأمة أن تكون عرضة لتعدي الشعوب الأخرى عليها لأنها خسرت أهم قاعدة قامت عليها الحضارة الإسلامية و هي
    " لا اله إلا الله " قولا و فعلا ..

    و من هنا أختم أننا و بكل فخر هويتنا كعرب و مسلمين مسلمة عربية ثم تأتي الجنسية في المرحلة الثالثة لتحديد البيئة الجغرافية كهوية فقط.
    و أما تعزيز مكان الهويات العربية كمكانة منفردة عن الأخرى فهذا يفتح المجال أمام الجاهلين لتعزيز فكرة القطرية و الابتعاد عن فكرة الوطن الواحد و هذا ما يريده الاستعمار تعزيز الفرقة و إضعاف وحدتنا الإسلامية العربية في عقولنا كي يسهل عملية الغزو و تطبيعنا بمفاهيمهم و القضاء على وجودنا و لغة القرآن الكريم.

    كلنا نفخر بمصر و مصر تفخر بأخوتها العرب و ما تعانيه مصر من صراع ضمن هذه الدائرة تعانيه الدول العربية الأخرى ضمن دوائر أخرى.. فلا يجب أن نغذي الشعور الوطني على حساب وحدة الإسلام .
    الموضوع في قسم المقالات بقي مفتوحا فما هي النتائج التي يمكن أن تخلصوا أليها كمخرجات لهذا الحوار بعد طرحكم لهذا الموضوع ؟

    و نبقى أخوة عرب رغم اختلاف مسميات البلد يجمعنا دين محمد عليه أفضل الصلاة و السلام و لغة القرآن الكريم و تاريخ عريق ساهم في صنعه أجدادنا من المسلمين و العرب الذي خلدهم التاريخ و سيبقون منارة تهتدي بها هذه الأمة التائهة إلى أخر يوم لنا على هذه الأرض و مصيرنا واحد و عدونا واحد ..فلنجمع شتاتنا ضمن بوتقة واحدة و لنذيب التسميات الظاهرة لهويتنا و لنتحد مسلمين و عرب لننهض من جديد و نعيد بريق حضارتنا الذي شحب لونها بسبب غياب حارسي هذه الحضارة عن حراسة قلعتهم .

    و يستحضرني هذا السؤال الحائر فعلا
    الحديث ضمن " أن هويتنا كعرب هوية مسلمة عربية " هو حديث نظري و يمكن أن تسميه عاطفي أيضا لأن مؤشرات الواقع لا تشير إلى هذا..بناء على هذا ، كيف نستطيع أن نخرج بحلول عملية تستوعب كل الأقليات المختلفة في الديانة و المذهب و العرق و التي تعترض على هذه الهوية؟
    فالأقليات ضمن المجتمع الإسلامي تحاول من فترة إلى فترة أن تعترض و تثير الخلافات لتطالب بإنشاء وطن خاص بها ، فإن ألجمت الحكومة مطالبها اعتبرت مستبدة و إن تركنا لهم الحرية في ذلك تكاثفوا و تكتلوا و تجمعوا تحضيرا للانقلاب ؟


    مع الشكر للأستاذ الفاضل توفيق حلمي الذي أتاح لنا الفرصة للحديث هنا من خلال طرحه للمقال.

    مع التحيات
    رنا خطيب

    تعليق

    • الشربينى خطاب
      عضو أساسي
      • 16-05-2007
      • 824

      #3
      [align=center]
      ما لفت نظري في المقالة هو محاولة فهم الهوية المصرية تحديداً من خلال التسائل الذي طرحه كاتبها " إفريقية فرعونية قبطية بحر متوسطيةعربية إسلامية‏,‏ كل ذلك في آن معا‏,‏ في خليط عجيب‏,‏ متماسك متزن‏,‏ ولكن في غيرخمول‏.‏ "
      هذا الطرح مقتصر علي العصر الحالي ولم يوغل في تاريخها القديم ، فمصر كاسم بلد معلوم لكافة الأنبياء والمرسلين مكان وشعب في حين كل الدول العربية الآنية حديثة الاسم ومن قبل كانت تنسب إلي القبائل التي تسكنها أو إلي الملك الذي يحكمهاـ ملك الحجازـ أرض تبع ـ الشام ـ بلاد الرافدين ـ الهلال الخصيب000 الخ أضف إلي ذلك أن المصريين كانوا يدونون تاريخهم كتابة علي جدرا المعابد وورق البردي في حين عرب الجاهلية كانوا يعتمدون علي التراث الشفهي فكانوا لا يكتبون ولا علم لهم بالقراءة { اقرأ 00 ما أنا بقاريء 00 الحديث}
      هذا بالإضافة إلي ما وصل إليه الفراعنة من علم فكما تعلمين ان العلم تراكمي تأخذ الأجيال ما وصلها منه إليها ثم تتابع جهود العلماء في البناء عليه وزيادته بإختراعاتهم وعليه فالعقل المصري لديه مخزون معرفي كامن في ذاكرته الإنسانية وتراثه الشعبي الذي هو خلاصة تجارب الشعب المصري نستخدمه الآن وربما لا نعرف مصدره فما زال المصريين يستخدمون الكلمات الفرعونية في لغتهم المحكية يومياً بعفوية ، فغذا قالت الأم لطفلها وهي تعلمة المشي " تاتا خطي العتبة 00 تاتا حبه حبه " أي خطوة خطوة أو عندما تطعمه فتقول له " هم يا جمل " بمعني تناول طعامك
      أو عندماتنقد طريقة شخص يتناول الطعام بشراسة فتصفه
      " نزل علي الأكل حتتك بتتك " أي فصل اللحم عن العظم كل هذه المفردات مازالت تستخدم حتي الآن وهذا يدل أن الشعب المصري كان مهيأ ثقافياً ومعد لهضم أي ثقافة وافدة عليه، فلا غرابة وانداهش إذا اطلعتم علي مكونات الشعب المصري الثقافية ولن نذهب بعيداً فكهنة المعابد المصرية القديمة أول من استخدم الأمثال لشعبية في تعليم العامة كيفية عبادة الآلهة واخناتون أول الموحدين و ذلك عاصروا الأقوام الذين أرسل الله لهم رسل وابادهم لما كفروا ارجعوا إلي الآيات التي قال فيها مؤمن آل فرعون محذراً من عدم اتباع موسي أن يصيبكم ما اصاب قوم عاد وثمود من اين عرف مصيرهم ؟
      هل تعلمون أن معظم سفر الأمثال منقول عن الحكيم الفرعوني امنوبي
      وحكمه وأمثاله مدونة في برديات بمتحف برلين ،من الذي دو ن هذا التراث ؟ أليس الكاتب المصري القديم

      باني الحضارة الإنسانية
      فدون لنا علوم الزراعة والحساب والفلك والطب والهندسة 00 و000 الخ في عصور كان يعم ظلام الجهل علي الشعوب والقبائل التي كانت تحيط بمصر فمن أراد ان يفهم الهوية المصرية عليه اولاً ان يقرأ كل ماكتبه هذا الكاتب الجالس القرفصاء
      [/align]

      تعليق

      • د.مازن صافي
        أديب وكاتب
        • 09-12-2007
        • 4468

        #4
        الأخت الكريمة : رنا خطيب

        من الرائع أنك قمت بنشر هذا المقال السياسي الاجتماعي .. ولقد توقفت طويلا عند المقدمة في أول فقرة حين جاء تعريف مصر بــ :
        ( إفريقية فرعونية قبطية بحر متوسطيةعربية إسلامية )
        هنا أريد أن أترك كلمة " متوسطية " .. فما هو المغزى من ذلك إن إعتمدنا مفهوم أو منطق التسلسل التاريخي للمسمى ..
        فمن يملك تفسير معنى " متوسطية " فليأت به هنا .. لنناقش أول فقرة ..؟!


        د.مازن صافي
        مجموعتي الادبية على الفيسبوك

        ( نسمات الحروف النثرية )

        http://www.facebook.com/home.php?sk=...98527#!/?sk=nf

        أتشرف بمشاركتكم وصداقتكم

        تعليق

        • د. توفيق حلمي
          أديب وكاتب
          • 16-05-2007
          • 864

          #5
          الأستاذة الجليلة / رنا الخطيب
          لا فض فوك ، ولا عدم الفكر هذا الفكر الهتون.
          قرأت هنا هوية عقل ، وليست هوية العقل إلا مزيجاً مما يكتنزه ذلك العقل من ثقافة ومعرفة واستيعاب ، وقدرة على مداولة معاني المستقبلات ، ومعينه من الذكاء. قرأت هنا هويتك التي أستطيع أن أطلق عليها ، اللب الناضج.
          لم أختلف معك في نقطة واحدة مما ذكرتِ ، فقد ترجمت المقال ترجمة من استوعبته بالكامل بحيدة كاملة ، فسبرت غوره ، وأخرجت مكنونه ، وبسطت فكره. ذلك ما افتقدته في الحوارات التي دارت في صفحة المقال ، والتي كانت دوافع الانتماءات الشخصية تصبغ الكثير منها ، فخرجت عن ثوب الحقيقة المجردة ، وعن البحث في مطلق المفهوم. فلا يفاجأ بمنظور الواقع إلا من استمسك بمنظر السراب ، حتى يراه يقيناً لا يحتمل التأويل في حقيقته. ولا يندهش من الأحداث رأي العين أمامه ، إلا من أغلق أحداق العقل فيوصدها على ما خلفها.
          من هنا كانت سعادتي واحتفالي بدراستك المتأنية المحايدة هنا ، والتي إن كتبتها بنفسي لما كتبتها بذلك التحليل الرائع واللغة الأدبية الراقية الرصينة والفكر المتقد.
          حقيقة لم يكن مقال ( لغز الهوية المصرية) إلا عنواناً لموضوع كبير بكل روافده وفروعه ، ولا يرقى لكي يمثل حتى مقدمة لكتاب في ذلك الشأن بل أقل من تمهيد ، ولا يتأتى لأي كاتب - مهما بلغت قدرته - أن يصب رؤوس مواضيعه في عشرين سطر ونيف كما جاء في المقال ، وذلك ما جعل التساؤلات كثيرة في نقاط هنا وهناك ، رأى الكثيرون أن ما جاء بالمقال لم يستوفها ، وكأن المقال هو بسط للموضوع وخروج منه بنتائج. إنما المقال ليس إلا نافذة للحوار ليس أكثر وإن كان مركزاً في قالبه ، وذلك في محاولة لكي يضم رؤوس المواضيع معاً بقدر الإمكان.
          وبما أن مستوى الفكر في تحليلك للمقال قد ارتقى لتلك الدرجة السامقة ، فإنه من الواجب أن أسوق توضيحاً لبعض رؤى ساقها التحليل ورؤيتك فيه.
          أبدت الأستاذة حفيظتها على طريقة الحديث عن الهوية المصرية ، وكأن الكاتب يسمو بهوية مصر فوق هويات دول أخرى. وهنا أقول أن المقال لم يتعرض إلا لهوية مصر ، وليس هوية أي بلد آخر ، فلكل بالقطع هويته بانتماءاتها التي تختلف في مسمياتها ومرجعياتها وقوتها من بلد إلى بلد ، وتلك خصوصية جعلت من البلاد بلاداً ، لها ما يفصلها عن غيرها بصورة أو بأخرى ، طبيعية أو مفروضة ، ولا أسهب في هذا السياق. غير أنني في الوقت ذاته أرى أنه لا يختلف اثنان في أن مصر بهويتها الزاخرة ، ثقافة وحضارة وتاريخاً وجغرافيا وثراءً ، كانت على مدى التاريخ هي القوة الضاربة في المنطقة ، القادرة بالفعل ، الجاذبة لغيرها ، المأمولة مما حولها ، الموضوعة في المقدمة شاءت أم أبت. وربما كانت حفيظة الأخوة الذين رأوا أن هوية مصر هي عربية في الأساس بما لا يجوز المساس بذلك ، ربما شعروا أن ذلك يفقدهم القوة الضاربة الأولى التي يعولون ويعتمدون عليها ، بما لا يعوضهم عنها قوة أخرى. إذن لا يمكن أن نضع ثقل مصر في الميزان كما أي دولة أخرى ، وإن كان ذلك قد جلب على مصر مدى التاريخ ما لم يجلبه للدول الأخرى من مواجهات كبرى.
          وقد أسوق هنا حديثاً مختصراً عن هوية الشام التي أشارت لها الأستاذه . فهوية الشام مختلفة ، بما فيها من زخم ثقافة وتاريخ وتمدين ، وقد تشكلت من تراكم التحديات التي واجهها ذلك البلد العريق بكل شيء فيه ، وهي مستمرة لم تهدأ يوماً على مدى التاريخ ، مثلها مثل مصر ، غير أن معاناته كانت معاناة مزدوجة.
          كانت معاناته الأولى استهدافه لنفسه بحكم موقعه بين قارتين وبين ثقافتين وبين اختلاف انتماء ، فكان في صراع مستمر للحفاظ على هويته بانتماءاتها المختلفة وفي مقدمتها الإسلام واللغة العربية. ولا ننسى أحد تحديات العصر الحديث أمام الغزو التركي ، وقد تكون سوريا هي الدولة العربية الأكثر مواجهة للهجمات التي استهدفت شعبها لكي تنزع عنه هويته ولغته العربية. وكان ذلك رَدَّ فعل حاسم في مواجهة نفوذ المشروع القومي الطوراني مع بدء أفول الدولة العثمانية، وما عرف بسياسة التتريك التي أرادت الحركة القومية التركية فرضها على المجتمعات العربية بقيادة حركة تركيا الفتاة منذ بدايات القرن العشرين. تفجرت اليقظة الوطنية والعروبية القومية في بلاد الشام واشتعلت وتوهجت ، فأصبحت أولوية الحفاظ على اللغة العربية والارتباط بالعروبة أولوية لا تدانيها أولوية أخرى وصارت دراسة اللغة العربية المستفيضة واجباً على الشعب كله إرثاً تتلقفه الأجيال جيلا بعد جيل وحتى الآن في تحدٍ وإصرارٍ بالغين لتغيير انتماءات الهوية. لذلك نرى أن أنبه أقلام المثقفين واللغويين في وقتنا الحالي هي الأقلام السورية ،وكم كنت أحب الاستماع إلى الرئيس السابق حافظ الأسد ليس لكونه رئيس دولة أو سياسياً ولكن لكي أستمتع بلغته الرصينة السلسة في الخطاب ، فعلى حد ذائقتي لم يكن يخطئ في اللغة أبداً ، متمكناً منها غاية التمكن ملتزماً بها، وهو ما لم أجده في غيره من قادة الدول.
          وكانت معاناة الشام الثانية على مدى التاريخ كونه البوابة الشرقية لمصر ، تلك البوابة التي كانت منفذاً شبه وحيد لمصر ، التي يحفظها بحران شمالا وشرقاً ، وصحراء مترامية جنوباً وغرباَ ، فكان لابد لمن يريد الوصول مستهدفاً مصر المرور عبر تلك البوابة ، ولكي يتأنى له ذلك لابد أن يخضع الشام اولاً.
          إذن فالعلاقة بين مصر والشام علاقة وثيقة لا انفراط لها تحت أي مسمى ، وهي ركيزة هوية وتوجه بالنسبة لمصر والشام معاً. كما أن نخبة الشوام قد اسهمت إسهاماً بارزاً لا ينكره عاقل في النهضة المصرية الحديثة إبان القرن التاسع عشر في شتى المجالات ، ويكفي أن أكبر صحيفة مصرية حتى اليوم وهي صحيفة الأهرام ، أنشأها شوام منذ أكثر من قرن. ولم يكن عجيباً إذن في وقت زخم الدعوة للعروبة - وكانت سوريا هي أكثر الدول تمسكاً بتلك القومية ومازالت - أن تسعى سوريا للوحدة فكانت الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958 ، فليس يجمعهما انتماءاً واحداً ، وإنما شراكة مصلحة ومصير في المقام الأول ، لابد من تحقيقها ولو بغير انتماء مشترك من دين أو لغة أو غير ذلك. من هنا أقول أن توجه الهوية أساساً يكون لصالح البلد بتغير الزمان والمكان ، وذلك يختلف عن توجه الانتماء الواحد ، ولا أسترسل أكثر من ذلك فقد ابتعدت عن السياق.
          وهناك نقطة أخيرة لابد من إلقاء الضوء عليها وهي ما أثاره الكثيرون من تساؤلات في مقدار تمسك مصر بمسمى العروبة. فقد كانت مصر دائمة تعتبر الدول التي تتحدث العربية أو التي تدين بالإسلام ، دولاً شقيقة تحرص على مساندتها كيفما كان لذلك سبيلا. كما كانت لا تستنكف أن تطلب من تلك الدول المساعدة إن احتاجت لذلك بدافع الشعور المشترك. وكان الانتماء العروبي هو الانتماء الثاني عند شعب مصر بعد الإسلام حتى نهاية تلثي القرن الماضي. غير أن ذلك الانتماء قد تغير أو أستطيع أن أقول قد تأخر ترتيبه أو أصبح خاضعاً لداعي المصلحة فقط دون مشاعر. وتعود أسباب ذلك أن الثلث الأخير من القرن الماضي قد شهد مصر ضعيفة القدرات ، خاوية الخزانة ، فقيرة الشعب ، بعوامل الحروب والصراع مع إسرائيل. وتواكب ذلك مع طفرة الثروات النفطية في بلاد النفط ، مما دعا المصريون لأول مرة في تاريخهم إلى أن يخرجوا خارج حدود مصر بحثاً عن الرزق خارجها ن ورحل أكثرهم إلى بلاد الأخوة العرب الأثرياء ، وراحوا يختلطون مع العرب في بلادهم في علاقة ضعيف بقوي ، فكانت ممارسات تلك الدول وأفرادها من معاملة أولئك المصريين معاملة غير سوية ، بها ظلم بَيِّن من جانب الطرف الأقوى العربي ، وصل بنظام الكفالة إلى اعتبارهم عبيد عمل ، وتمييز الجنسيات الأخرى الأجنبية عليهم ، وكذلك تعامل العرب مع تلك الثروة بما سمع عنه العالم كله من سفه لا يعقل ، علاوة على مقاطعتهم جميعاً لمصر في أوج قوتهم ، وإنشائهم مجلس التعاون الخليجي للأثرياء الجدد في منطقة النفط منشقين على جامعة الدول العربية ، كان لذلك كله وغيره ردة فعل عنيفة لدي المصريين جميعاً لمسمى العروبة ، سواء من ذهب هناك ، أو من لم يذهب وسمع ، وساد شعور قومي مصري أججه أعداء مصر ، بعدما تراجع الشعور المعنوي بأخوة العروبة تلك. تغير ذلك الانتماء فأصبح مصلحياً تمليه السياسة فقط ، بعد أن كان يمليه شعور الشعب ، وتراجع أمام الانتماء القومي المصري بفعل العرب أنفسهم واستغلال أعداء مصر والإسلام لذلك ، وامتد ليشمل كل من يدعي أخوة عروبة. من هنا أقول أن الإسلام بما يمليه من أخوة هو الانتماء الدافع الوحيد لمشاعر مصر لمؤازرة المسلمين الآن ، وليس مسمى العروبة ، وإن كنت أرى في نفس الوقت أن ذلك يضعف مصر كثيراً ، ويضعف العرب أكثر، ولابد من الانتباه له ، والعمل على معالجته كيفما كان لذلك سبيلا ، من جانب جميع الأطراف وليس من جانب مصر وحدها ، فلم تكن هي السبب في ذلك في أي مرحلة من المراحل.
          أما عن الأقليات ، فإن تحدثت عن مصر فليس فيها أقليات. إنما الأقليات هي من وفد على شعب وأقام بأرضه ، وليس مسيحيوا مصر بذلك ، فهم مصريون من قبل دخول الإسلام ووفود العرب ، وهذه حقيقة لا يجب أن نغفلها ، وقد ذابوا في الانتماءات الجديدة غير العقائدية ، بل وأسلم منهم الكثير وذلك تاريخ لا مجال لذكره هنا ، ولغتهم هي اللغة العربية ن ولا تستطيع تمييز مسلم من مسيحي في تعامل أو عادات أو لهجة أو توجه وطني ، فليسوا نسيجاً غريباً في مصر وليس افتعال الفتن الطائفية إلا افتعالاً محضاً.
          لعلني أطلت وتشعبت ، ولكن الإطالة والتشعب في حضرة هكذا فكر وهكذا قدر وهكذا قامة ، يغفرهما كل صاحب فكر.
          الأستاذة الجليلة / رنا الخطيب
          صفحة ثرية ، جدير بها أن تكون مرآة لهذا الملتقى ، بزخم الفكر فيها ، وقدره ، ونفيس معدنه.
          تقبلي التقدير والاحترام والإكبار

          تعليق

          • عيسى عماد الدين عيسى
            أديب وكاتب
            • 25-09-2008
            • 2394

            #6
            تحياتي للجميع

            مصر أرض حضارات ، و تستحق أن يتمسك المصري بهويته ، فآثار مصر تجبره على أن يقول أنا مصري و هؤلاء أجدادي ، وتربى المصري على هذا من صغره ، وعلى أنه من بلد يسمى ( أم الدنيا ) و يقارن مع غيرها من بلدان فيرى أنْ بلغ مجد أجداده عنان السماء ، و ذكر الله سبحانه مصر في القرآن و هي البلد الوحيد الذي ذكر في القرآن ، و حكامها آلهة ( يعني مش نص نص ) ، فالمصريون أولاد آلهة ( مش زيّنا يا رنا ) ههه
            لكن دمشق أقدم مدينة في التاريخ هاهاها ،

            و مازال الحاكم و العياذ بالله يمارس دور الفرعون ، و أبناء مصر مازالوا أيضاً يعتزون بفرعونيتهم ، وربما راضون عن هذا الدور ... لكنه ربما جاء بنتيجة سلبية على المنطقة .

            لكن مصر كانت و ستعود لدورها الريادي ، و لن يكون ذلك إلا إذا اجتمعت مع الشام من جديد ، حيث لم يجتمع هذان البلدان عبرالتاريخ إلا و كان في اجتماعهما خير للجميع ...


            و للجميع تحيتي



            لكما تحياتي

            تعليق

            • رنا خطيب
              أديب وكاتب
              • 03-11-2008
              • 4025

              #7
              الأساتذة الأفاضل هنا

              أشكر لكم مداخلاتكم القيمة ..

              فقط للتذكير ما قمت به هو تحليل لمقال الدكتور توفيق حلمي صاحب فكرة الموضوع..
              يعني مهمتي كانت الغوص في بحر المقال لاستنباط درر الأفكار هنا و قد تقيدت ضمن ما هو مطروح لأنني لست صاحبة الفكرة بل كاتبها..

              هذا يعني أن محوارتي تكون حول التحليل ذاته فهذه مسؤوليتي أما محاورة فكرة الكاتب الأصلي فهي مسؤولية الكاتب ليس قصورا منا بل احتراما لخصوصية كاتب المقال و فكرته فهو مالكها و هو صانعها و هو يعرف القصد من وراء صناعته للفكرة.


              من عنوان المقال " لغز الهوية المصرية " يمكننا إستنتاج بأن هذا الموضوع لا تكفيه كتابة مقال أو صفحات بل ربما كتاب في أجزاء.. فما زال هذا اللغز مصدر اختلاف الكثير و لم يتفق أحدا حول تحديد ما هية هذا اللغز..

              نحتاج هنا إلى ادراسة تاريخية مستفيضة لكشف سر هذا اللغز..

              و ما دام الكاتب حدد العنوان بكلمة لغز فهذا يعني أنها ستبقى مفتوحة للكشف و البحث .

              و نتمنى من الدكتور الرائع توفق حلمي مناقشة أفكار الكتاب هنا حول ما يثيرونه من تساؤلات بخصوص الهوية المصرية فهو صاحب الموضوع و صاحب المعرفة في هذا المجال..



              مع التحيات
              رنا خطيب

              تعليق

              • د. م. عبد الحميد مظهر
                ملّاح
                • 11-10-2008
                • 2318

                #8
                [align=right]
                الأستاذة الفاضلة رنا

                تحيتى و أشكرك على المجهود لتحليل المقال. و إكمالاً للفائدة فهل يمكن تحليل مقال الأستاذ فائزالبرازي

                [align=center]رأي في الهوية[/align]

                http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=44779

                و مقارنته بما توصلتى إليه فى مقال د. توفيق حلمى؟

                وتحياتى
                [/align]
                التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 02-12-2009, 17:05.

                تعليق

                • سهير الشريم
                  زهرة تشرين
                  • 21-11-2009
                  • 2142

                  #9
                  مصر ام الدنيا او مصر المحروسة أو أم الدنيا كما يسمونها
                  في الواقع لا ننكر التاريخ العظيم والحضارة المصرية الاسلامية والتي تعد منبرا للعالم الاسلامي الآن
                  مصر منذ الازل لم تعرف الا بهذا الاسم مصر فمصر نسبة إلى الجد الأكبر للمصريين "مصرايم" بن حام بن نوح عليه السلام، وكذا ذكرت في التوراة والإنجيل والقرآن.
                  ولم يكونوا المصريين ابناء آلهة او أبناء الفراعنة ، فالفراعنة هم قبائل سكنت مصر حقبة من الزمن تاركة ورائها ثروة حضارية هائلة ، امتزجت بالحضارة العربية المصرية وفيما بعد بالحضارة الاسلامية فكونت مزيجا مهولا من التاريخ العظيم
                  الاعتزاز بالقومية المصرية هي مزروعة مع كل مصري منذ نعومة أظافره ، اعتزازه بأرضه ،، بوطنه ، شيء يحسد عليه ابن النيل .
                  نهر النيل وهو نهر من أنهار الجنة ، يعتقدون المصريون ان من شرب من نيلها لن يتركها او يستطع ان ينساها ،ن فما رايكم أنتم

                  الاساتذة الافاضل ،، بالرغم من كل ما تمر به مصر الحروسة من محاولات لزعزعة الامن القومي بها من اقليات مدسوسة لطمس ما تتميز به من عروبة واسلام وعلم وتاريخ واصول الا انها تبقى صامدة بابنائها الاشداء
                  فلا احد يستطيع ان ينكر قيمة مصر بين الدول العربية من جميع النواحي السياسة وغيرها

                  فمصر هي منتصف العالم العربي وحلقة ربط بين اسيا وافريقيا
                  وانهيار هذا الرابط يعني انهيار العالم العربي العربي

                  امجاد مصر ليس قديمة بل ما زالت تتصدر المكانة الكبرى بين الدول العربية المهابة بالرغم من الوهن العربي السائد


                  الاستاذة القديرة / رنا الخطيب

                  أشكرك جزيل الشكر على طرح مثل هذه القضايا وتحليلها واتاحة المجال لنا سواء للقراءة او التعليق
                  تقديري واحترامي

                  تعليق

                  • رنا خطيب
                    أديب وكاتب
                    • 03-11-2008
                    • 4025

                    #10
                    الأستاذ الفاضل عبد الحميد مظهر

                    طلبك على العين و الرأس

                    و نظرا لتشعب هذا الموضوع و تفرعه و كثرة من ناقش به نقلته إلى نافذة الرؤية ليتمكن أصحابه و المشاركون به وضع محاور أساسية للحوار المنظم نخرج بفكرة كافية وافية عن الهوية ...

                    مع التحيات
                    رنا خطيب

                    تعليق

                    • رنا خطيب
                      أديب وكاتب
                      • 03-11-2008
                      • 4025

                      #11
                      الأستاذ الفاضل الشربيني خطاب

                      شكرا لك على هذه المداخلة القيمة ..

                      اقتبس : " فمصر كاسم بلد معلوم لكافة الأنبياء والمرسلين مكان وشعب "

                      هذه حقيقة ذكرها القرآن لا غبار عليها .

                      أقتبس : " أن المصريين كانوا يدونون تاريخهم كتابة علي جدرا المعابد وورق البردي في حين عرب الجاهلية كانوا يعتمدون علي التراث الشفهي فكانوا لا يكتبون ولا علم لهم بالقراءة { اقرأ 00 ما أنا بقاريء 00 الحديث}"

                      ما أعرفه أنه لم يكن هناك كتابة قبل الدخول في عصر الكتابة ..بل كانوا يدونون تاريخهم عبر الرسوم و الأشكال ..

                      بالنسبة لعرب الجاهلية : كانت البلاغة و قوة البيان في لغتهم هي ميزتهم و نزل القرآن بلغتهم محاكياميزة ذلك العصر .فكي وصل ألينا نتاج العصر الجاهلي بكل إبداعه اللغوي و الأدبي ؟
                      . و اين مجال المقارنة هنا بين المصريين القدماء و بين العرب ..أعتقد هناك مساحة زمنية طويلة بين الأمتين.

                      اقتبس : " فالعقل المصري لديه مخزون معرفي كامن في ذاكرته الإنسانية وتراثه الشعبي الذي هو خلاصة تجارب الشعب المصري نستخدمه الآن وربما لا نعرف مصدره فما زال المصريين يستخدمون الكلمات الفرعونية في لغتهم المحكية يومياً بعفوية"

                      طبعا لا غبار على هذا الكلام فأي حضارة ناشئة الآن هي نتيجة تراكم معارف و معالم و آثارالحضارات القديمة و هذا ليس فقط بمصر بل بكل حضارة ناشئة الآن كانت ارضها فيما مضى مركزا لحضارات قديمة ..فكما أشرنا موروث الحضارات القديمة يصبح في ذمة الحضارات الحديثة. و ايضا بالنسبة لتكرار الشعوب الحالية لمفردات انقرض اصحابها فهي موجودة ايضا على مد حضارات الأمم..


                      الكاتب الأستاذ د. توفيق حلمي تحدث و لم ينكر فضل الأمم السابقة في المزيج التكويني للهوية المصرية و لكن يؤكد أيضا على أن الهوية المصرية هي إسلامية عربية فماذا تقول في هذا؟؟
                      و إلى مدى تتفق أو تختلف معه؟

                      و ماذا يفيد مصري من بيئة مسلمة عربية أن يتمسك باصول الهوية المصرية الفرعونية المنقرضة و هو يعيش الآن في عمق حضارة إسلامية عربية ؟

                      مع التحيات
                      رنا خطيب

                      تعليق

                      • رنا خطيب
                        أديب وكاتب
                        • 03-11-2008
                        • 4025

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة د.مازن صافي مشاهدة المشاركة
                        الأخت الكريمة : رنا خطيب

                        من الرائع أنك قمت بنشر هذا المقال السياسي الاجتماعي .. ولقد توقفت طويلا عند المقدمة في أول فقرة حين جاء تعريف مصر بــ :
                        ( إفريقية فرعونية قبطية بحر متوسطيةعربية إسلامية )
                        هنا أريد أن أترك كلمة " متوسطية " .. فما هو المغزى من ذلك إن إعتمدنا مفهوم أو منطق التسلسل التاريخي للمسمى ..
                        فمن يملك تفسير معنى " متوسطية " فليأت به هنا .. لنناقش أول فقرة ..؟!

                        د.مازن صافي

                        الأخ الفاضل مازن

                        شكرا لك على اهتمامك و سؤالك..

                        أعتقد أن المتوسطية هنا.. تتعلق بعلاقة مصر مع حضارات الشعوب المقيمة عند و حول منطقة البحر المتوسط..فكان هناك دور تأثير و تأثر من قبل حضارة الفراعنة آنذاك مع الحضارة اليونانية أو العكس.. أو ربما تتعلق بحكم العثماني أو فترة احتلال نابليون لمصر و ما تركه من أثر في اثراء مصر ثقافيا و تكنولوجيا و معرفيا.

                        و يبقى المقصد عند كاتب هذا الموضوع الاستاذ توفيق حلمي..لذلك نحيل أليه السؤال لنعرف منه دقة القصد هنا

                        مع التحيات
                        رنا خطيب

                        تعليق

                        • رنا خطيب
                          أديب وكاتب
                          • 03-11-2008
                          • 4025

                          #13
                          اثناء تجوالي في شبكة الانترنيت عثرت على هذا اللقاء مع مفكر قبطي " د. رفيق حبيب " يتحدث ضمن لقاء معه عن " الحضارة الفرعونية ذات أصول عربية! "

                          و فيما يلي نقلا حرفيا لهذه اللقاء الحواري الذي جرى في موقع الجماعة الإسلامية :

                          د./ رفيق.. بداية نرحب بحضرتك ضيفا ً على موقع الجماعة الإسلامية.. ومعروف أنك من المتحمسين للمشروع الحضاري والثقافي الذي تتبناه الحركة الإسلامية رغم كونك قبطياً، ونظرت لهذا الدفاع كتابة، كما أنك من أوائل المشاركين في حزب الوسط ذي التوجه الإسلامي، وتأكيداً فقد لعبت شخصية د./ رفيق دوراً كبيراً في هذا التنوع فكيف حدث ذلك؟

                          - أعتقد أن التعريف الذي يفسر كثيراً من الأمور في حياتي هو تفسير "الباحث" وبحكم دراستي كنت مهتماً بصفة كبيرة بالجوانب الاجتماعية، وبنية المجتمع والجانب الحضاري وتأثيره في بنية المجتمع وأيضا كنت مهتماً بدور الدين في المجتمع خاصة ونحن في مجتمعات ذات أساس ديني.
                          منذ البداية في رسالة الدكتوراه – والتي أعتبرها مرحلة هامة في حياتي – وكانت حول الشخصية المصرية من خلال تحليل مفهوم الفن التشكيلي من العصر الفرعوني إلى العصر المعاصر، كان يراودني سؤال حول هوية مصر الثقافية والحضارية، وحول الأسئلة التي أثيرت منذ عميد الأدب العربي د/ طه حسين، وفى هذه الدراسة كنت مهتماً بالبحث حول كيفية الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى:
                          هل هناك نوع من التواصل؟
                          هل هناك بنية حضارية ممتدة عبر التاريخ ؟
                          ما العلاقة بين المرحلة الفرعونية والقبطية والعربية الإسلامية ؟
                          أيضاً كنت مهتماً بالعلاقة بين الحضارتين الفرعونية واليونانية.. وهل هناك علاقة بين حضارتي شمال وجنوب البحر المتوسط ؟
                          في هذه الدراسة تبين لي كخلاصة لرسالة الدكتوراه مدى الاستمرارية والتواصل في المنطقة العربية ومدى وجود شخصية عربية في الحضارة المصرية حتى منذ الحضارة الفرعونية البعيدة.
                          والفراعنة لم يكونوا إلا أبناء بيئة عربية ذات جذور وأصول ثقافية وحضارية واجتماعية ، وكيف أن هذا التأثير العربي امتد في المرحلة القبطية، وبالطبع في المرحلة العربية الإسلامية، وكيف أنه كان يوجد نمط حياة ممتد يأتي الدين ليهذبه ويحدد ما الحلال والحرام فيه.

                          بعبارة أخرى.. هل يمكننا أن نقول: إنك انتهيت إلى وجود تأثير عربي في الحضارة الفرعونية؟

                          - أنا اكتشفت أن الحضارة الفرعونية هي ابنة المنطقة العربية ، وأحد تجليات هذه المنطقة بالإضافة بالطبع إلى الحضارة الفينيقية والآشورية والبابلية فكلها تجليات للمنطقة العربية .

                          رغم أن المؤرخين دائماً ما يحاولون أن يبرزوا التأثير المتبادل بين الحضارة الفرعونية وحضارات جنوب المتوسط كاليونانية والرومانية، دون ذكر البعد العربي في الحضارة الفرعونية .

                          - عندما تقارن نمط الحضارة العربية الإسلامية بالنمط الفرعوني ، وبالنمط اليوناني الروماني تجد أن هناك فجوة هائلة بين النمط الفرعوني والنمط اليوناني والروماني، بينما تجد تقارب بين النمط الفرعوني والنمط العربي الإسلامي.
                          وهذا يعنى أن هناك تواصل، وأن الحضارة الفرعونية أحد تجليات الحضارة العربية، كما أن جنوب البحر المتوسط يختلف تماماً عن شماله ، كما أن اليونانيين عندما بدءوا يشيدون حضارتهم بدءوا في تقليد الحضارة الفرعونية في النحت والرسم، ولكن جاءت إسهاماتهم مغايرة تماماً للنمط الفرعوني ويعرفه الباحث منذ النظرة الأولى ، وهذا يؤكد لك أن البيئة الأوروبية تختلف تماماً عن البيئة المصرية التي هي في الأساس جزء من البيئة العربية.
                          ومن ضمن ما توصلت إليه واكتشفته لفظ "الفتح" الذي نستخدمه لوصف المجيء الإسلامي إلى مصر.. ولماذا نستخدمه دون لفظ "الغزو"؟.. لأن من جاء من مكان لآخر فاتحاً جاء من بيئة متقاربة ثقافيا وحضارياً فامتزجوا فلم يكن هناك عائق تمنع من الاندماج والتزاوج.
                          وبالتالي توصلت أن كلمة "الفتح" لها مدلول حضاري وثقافي لأنه هناك تداخل وتشابه ثقافي وحضاري بين الشعوب في المنطقة العربية.. لهذا تحركت القبائل العربية واندمجت في المجتمعات الجديدة.. وهذا أمر لم يحدث في موجات الاستعمار بعد ذلك.
                          أيضاً من الأمور الهامة أنني بحثت في كيفية استطاعة هذه المراحل أن تسلم بعضها بعضا ً.. من المرحلة الفرعونية إلى المرحلة القبطية.. وأخيراً إلى المرحلة العربية الإسلامية.
                          والشيء العجيب الذي تلاحظه هنا هو كيفية محافظة الشعب المصري على هويته من الاندماج في الحضارة اليونانية أو الرومانية إلى أن وصل إلى المرحلة العربية الإسلامية.

                          نعود إلى سؤالنا الأول .. كيف أثرت كل هذه الأمور على شخصية د./ رفيق ؟

                          - المسلمة الأولى: أن هذه المنطقة لها هويتها الحضارية وهى الأساس، وأنها حال خروجها على هويتها الحضارية تكون عرضة للانهيار والتفكك ، وأن أساس تقدمها ونهضتها هو عودتها إلى هويتها الحضارية والتمسك بها وهذا شرط ضروري للغاية.. فأنت إذا أردت إحراز نهضة في البيئة المصرية العربية الإسلامية دون التمسك بالأساس الحضاري فهذا أمر محكوم عليه بالفشل.
                          الأمر الآخر: أنه ظهر بشكل واضح حتى مع المقارنة ما بين النمط الفرعوني القبطي الإسلامي، والنمط اليوناني والروماني، أننا أبناء حضارة دينية وأن منطقتنا لها حاجة فطرية إلى الدين تبحث عنه حتى إذا وجدته أقرت وتقدمت ونهضت.. ومن هنا فحضارتنا حضارة دينية ليس الدين أحد مكوناتها بل هو الأساس الذي تقوم عليه .

                          - أذكر هنا أنك كثيراً ما كنت تركز في كتاباتك على أننا مجتمع ديني ولسنا مجتمعاً علمانيا.

                          - نعم.. وهذا يؤكد على أنك إذا أردت أن تبنى هذا المجتمع على أسس غير نابعة من الدين ثم تبنى نظاماً سياسياً على أسس غير نابعة من الدين فهذه تجربة فاشلة لأنها تجربة غريبة على المجتمع، شبيهة تماما ً بتجربة الاستعمار الذي أراد أن يبنى شيئاً غريباً على مجتمعاتنا ففشل ودحر ورحل في النهاية.
                          وهذا الخطأ وقعت فيه حركات التحرر الوطني التي أرادت أن تبنى مشروعها بعيدا ً عن الدين من خلال نماذج مستوردة أرادت أن تبنى عليها ففشلت في النهاية، وبالتالي يصبح نسيج هذا المجتمع مبنياً على هويته الخاصة وهى الهوية العربية الإسلامية، ومبنياً أيضاً على أنه يستمد الأسس العليا لحضارته من الدين.

                          - وكيف لعبت النشأة دوراً مهماً في بلورة الأفكار المشار إليها سابقا ً.. وساهمت في عدم عزلتكم عن المجتمع المسلم من حولكم كما هو شأن الكثيرين الآن؟

                          - يوجد عنصران هامان ساهما في بلورة هذه الأفكار:
                          العنصر الأول: أن النشأة في الأساس كانت دينية، وعندما تكون النشأة دينية يتم استيعاب الدين ودوره في الحياة ، فأنت عندما تعيش في مجتمع ديني وبيئة دينية فأنت تدرك دور الدين في الحياة.
                          العنصر الثاني: أنني نشأت في بيئة متسامحة بين المسلمين والمسيحيين فالصورة التي نراها الآن صورة مغايرة لما عشناه وشاهدناه في الماضي في البيئة المصرية في زمن الآباء والأجداد الذين عرفوا كيف يعيشون مع بعضهم البعض، وكان ينظر إلى هذا التميز في العقيدة على أنه نوع من أنواع الثراء والتميز.
                          فهذه الأديان رغم الاختلاف في العقيدة والعبادات وغيرها إلا أنها ذات جذر واحد.. وهو أننا نؤمن أن هناك خالق متعال متسام عنا جميعا ً وفوقنا جميعا ً.. ووظيفتنا في الحياة أن نعبد هذا الإله.
                          هذه النظرة في حد ذاتها كانت تساعد على الحوار والتجانس بين جميع الأطراف.
                          والناس في صعيد مصر – فأنا أصلاً من المنيا – كانت متحابة رغم ما اشتهر به الصعيد من عصبية ونحو ذلك، وتلك البيئة كانت مختلفة تماماً عما هو موجود الآن، فليس هناك مانع من أن يعتز كل فريق بعقيدته إسلامية كانت أو مسيحية.. وفي الوقت ذاته يحدث اندماج بين الجميع في مجتمع واحد.
                          والخبرة العربية القديمة تمدنا بذات المفهوم فكتب التراث مليئة بالمناظرات بين المسلمين والمسيحيين وكانت تحدث في المحافل العامة وفى الأسواق دون أن يؤدى ذلك إلى حدوث صراع وصدام بين الطرفين ومن هنا ترسبت لدينا ثقافة أن تعتز بهويتك الدينية وفى الوقت ذاته تعتز بالهوية الحضارية العامة التي تجمع المسلمين والمسيحيين .
                          كنا ندرك أننا ننتمي إلى هويات دينية مختلفة وهذا الانتماء لا يتعارض مع الرابط العام الذي يربطنا جميعاً وهو رابط الهوية الحضارية الجامعة.

                          هل مازلت تذكر بعض المواقف التي عمقت في داخلك الشعور بالتسامح تجاه الآخر.. خاصة وأنت نشأت في بيئة دينية حيث كان الوالد د/ صموئيل حبيب رئيساً للطائفة الإنجيلية؟

                          - نعم توجد مواقف كثيرة منها على سبيل المثال أن جدي كان يجيد اللغة العربية.. وكان من الصعب أن يجاريه أحد كما أنه كان يحفظ أجزاء كثيرة من القرآن الكريم وأيضاً أجزاء كثيرة من الكتاب المقدس، وكان في حواراته معنا أو مع الآخرين يدعم فكرته بآيات كثيرة من الكتاب المقدس وكذلك آيات كثيرة من القرآن الكريم في سهولة وسرعة غير عادية والآن من الصعب أن تجد مثل هذه النماذج.
                          الآن أصبحنا نبحث عن مواطن الاختلاف والتباين، وليس الاتفاق.
                          أيضاً من الأشياء المهمة والجميلة أنه كان يحتفظ عنده بسجادة للصلاة حتى إذا زاره أحد أصدقائه المسلمين وحان موعد الصلاة يجد ما يصلى عليه.
                          وأيضا الوالد كان يرى ويعلمنا أهمية خدمة المجتمع ، والمجتمع هنا مقصود به المسلم قبل المسيحي وأن نشاط المسيحي الاجتماعي هو نشاط لكل إنسان مصري مسلم أو مسيحي طالما أن يحتاج إلى المساعدة.
                          هذه البيئة من جانب العائلة، أو من جانب المجتمع عامة في البيئة التي نشأت فيها كانت العلاقة فيها بين المسلمين وبين المسيحيين تذهل الأجيال الجديدة التي نشأت في زمن ما يسمى بالفتنة الطائفية ، كانت العلاقات إلى هذا الحد جيدة وممتازة .

                          ولكن .. اسمح لي د./ رفيق ما الذي عكر المزاج القبطي ؟

                          - هذا السؤال ليس سؤالاً سهلاً والإجابة عليه تحتاج إلى تحليل ما حدث في المجتمع المصري عامة، وأنا في تصوري أن المجتمع المصري عقب أزمة نكسة 67 مر بامتحان مجتمعي صعب وليس عسكريا فقط.. فالجيش المصري هزم هزيمة شديدة للغاية لا تتناسب مع تصوراتنا وطموحاتنا آنذاك فكانت الصدمة عنيفة أدت إلى ظهور اتجاه للبحث عن أسباب الهزيمة وكان التفسير الذي بدا آنذاك أن تلك الهزيمة كانت بسبب البعد عن الدين، فكان الرجوع إلى الدين رد فعل طبعي استوي فيه المسلمون والمسيحيون على حد سواء.

                          رغم أن البعض يحاول تفسير ظاهرة الأصولية الإسلامية (كما يسمونها) في ضوء هزيمة 67 ولا يذكر في ذات السياق ما تذكره من رجوع المسيحيين أيضاً إلى الدين.

                          - العودة إلى الدين كانت حركة مجتمعية استوي فيها – كما قلت – المسلم والمسيحي، وما تميزت به الجماعات الإسلامية هو ممارستها للسياسة، والعودة إلى الدين لا تعنى أن الدين كان غائباً ولكن اللجوء للدين تعنى أنه الملاذ الآمن للشخصية المصرية.. وتجربة 67 أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أننا لا يمكن أن نكون دولة مستقلة ذات سيادة دون أن نكون مجتمعاً متمسكاً بدينه، ومتمسكاً بهويته وحضارته.
                          والدرس الذي تعلمناه وقتها أن هناك شيئاً تم بناؤه في عهد عبد الناصر ولكن هذا الشيء لم يكن على أسس سليمة ومتينة فسقط في أول امتحان مر به وهو هزيمة 67.
                          أعود فأقول إن حالة الرجوع إلى الدين التي أشرت إليها نتج عنها في بداية السبعينات بعض المناوشات هنا أو هناك ولكنها كانت مناوشات بسيطة ولم تؤد إلى حدوث شرخ في العلاقات بين الجانبين.. وهنا يجب أن نشير إلى نقطة هامة وهى أن المجتمع وقتها كان في حالة إعادة بناء ولكن البناء كان يتم دون وجود بناء للجامع الثقافي والحضاري الذي يربط بين الطرفين ، وبناء هذا الجامع الحضاري هو وظيفة الدولة والنظام السياسي في المقام الأول وليس من مهمة الأفراد ، ولكن للأسف الشديد الدولة وقتها لم تتعامل مع الأمر بجدية بل تعاملت معه بنظام التوازنات كالتي تحدث بين الإسلاميين واليساريين.
                          في تلك اللحظات بدأت تتجسد مظاهر الخلل والتي استخدمت سياسياً من أطراف عدة وبدأ يحدث نوع من التوسع من كل الاتجاهات من الطرفين وكان على حساب الدولة وعلى حساب سيطرتها.
                          أيضاً تواكب مع ذلك الأمر أن نصر السادس من أكتوبر لم يستطع أن يمحو آثار هزيمة 67 من نفسية المواطن المصري ، فالانجاز السياسي وقتها لم يكن على قدر الانجاز العسكري حتى أننا لم نشعر بالزهو والفخر عند استعادة سيناء.
                          ثم دخول المجتمع في أزمة نتيجة سياسة الانفتاح الاقتصادي والتغير الذي حدث في الأخلاق والقيم كلها أمور أثرت على المجتمع المصري.

                          ولكن هذه الأزمات عادة ما تحدث في أي مجتمع يتعرض لتغيرات كبرى كالذي شاهدناه في المجتمع الروسيبعد التحول الكبير من الشيوعية إلى نقيضها.

                          - نعم هذا صحيح ، فكل المجتمعات تمر بأزمات ولكن متى تكون الأزمة أزمة عامة ؟
                          أولاً: أن تكون في مختلف جوانب الحياة.
                          ثانياً : يكون المجتمع في حالة تأخر وتردى وليس في حالة تقدم.
                          ثالثاً : أن تكون هذه التحولات حادثة بعيدة عن إرادة المجتمع وهويته واختياراته أي أنها تحدث من حالة سياسية إلى حالة سياسية أخرى والمجتمع بعيد عن هذه الاختيارات .. والدولة للآسف كانت منفصلة عن الشعب

                          معنى هذا أن حالة اللاوعي التي مر بها المجتمع المصري أثرت على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين .

                          - نعم .. فنتيجة لضعف الانتماء العام يبدأ كل فريق في البحث عن مواطن الاختلاف والتميز وتبدأ معه حالة الضعف وهذه حالة عامة في جميع المجتمعات التي تعانى من تنوع عرقي أو ديني عندما يضعف الانتماء للوطن تقوى في الوقت ذاته عوامل التفرق والتشرذم، ويبدأ كل فريق في البحث عن العوامل التي تضمن له التميز والبقاء وهذا ما حدث للأسف في المجتمع المصري في ظل غياب حينها من الدولة واختفاء الدور الذي كان ينبغي أن تقوم به لمحاصرة الظاهرة.


                          http://www.egyig.com/Public/articles...46823502.shtml




                          السؤال إلى الأخوة المصريين ما مدى صحة هذا الكلام؟
                          هل هو نفاق للتقرب أم هو الحقيقة ؟

                          فقد أختلطت علي الأمور ...

                          مع التحيات
                          رنا خطيب

                          تعليق

                          • محمد معمري
                            أديب وكاتب
                            • 26-05-2009
                            • 460

                            #14
                            [align=justify]
                            بسم الله الرحمن الرحيم
                            السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
                            في بداية الأمر أشكركم على هذا الطرح القيم والمفيد، وحتى لا أخوض التحليل لأن ما ذكره الإخوة يكفي وفي المستوى المطلوب... ولكن أردت أن أضفي مسحة على هذا الموضوع من زاوية معينة
                            وجد أواني فخارية بصعيد مصر تعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد يعني قبل عصر الأسرات، وتقسم الأسرات إلى ثلاثة فترات الأولى قد حكم هذه الفترة 13 حاكما والثانية حوالي 17 ملكا.. وكانوا الحكام يتمتعون بسلطات مطلقة كما كانت الديانات تلعب دورا هاما في التاريخ المصري.. وفي العصر الذهبي أي الأسرة الثالثة لإبان حكم الملك "زوسر" الذي استطاع أن يؤكد على الوحدة وإقامة التوازن بين الشمال والجنوب المتمثل في هرمه المدرج في "سقارة".. وإبان حكم الأسرة الرابعة بدأت مصر تعانق الحضارة بمنظور جديد حيث بزغت علوم الفلك والهندسة والزراعة والنحت والرسم... وكان الملك "أوناس" آخر هذه الملوك حيث بدأ الدولة تعرف بداية الاضمحلال...
                            وإلى حدود الأسرة الخامسة والعشرين كان حكم الآشوريين حيث بلغ الفن والأدب مبلغ الرقي... أما الأسرة السابعة والعشرين فهي الأسرة الفارسية... ثم استعادت مصر حريتها في الأسرة الثامنة والعشرين.. وبعد العصر الفارسي احتلها الاسكندر الأكبر سنة 322 قبل الميلاد... وبعد وفاة الاسكندر قام الصراع بين بطلموس الأول مع سلوقس لمدة طويلة نتج عنها تأسيس الأسرة البطلمية.. وكانت الملكة كليوبترا هي آخر هذه الملوك... وبعد انتحارهل استولى الرومان والبزنطيون على مصر وأصبجت مصر تحت خكم الملكة زنوبيا... وفي هذه الفترة كان سكان مصر أغلبهم من الإغريق وآسيا الصغرى واليهود... وفي هذا العهد بالذات ظهرت اللغة القبطية.. ورغم هذا الخليط من الثقافات لم يؤد إلى تكوين مجتمع متجانس... كما كانت المسيحية من جهة الشرق تعد من أوائل المراكز... وقد استعمرها الفارسيون لمدة 12 سنة.. ثم تم طردهم... وجاءت الفتوحات الإسلامية لتفتح مصر وتنشر الديانة الإسلامية... حينها بدأت الثقافة الإسلامية بتعاليم دينها السميح تنتشر شيئا فشيئا إلى أن بدلت اللغة القبطية إلى اللغة العربية... ثم جاء الدولة الطولونية وحكمت زهاء 37 سنة... ومن بعدهم الدولة الفاطمية... ثم الدولة الأيوبية... ثم دولة المماليك... ثم الدولة العثمانية... ثم الاحتلال البريطاني...

                            هذا التاريخ الحافل بالثقافات، ناهيك عن التاريخ الإسلامي الذي يبدأ بسيدنا إبراهيم، عليه السلام، أنه تزوج بـــ: "هاجر" وهي من مصر، وأنجبت له سيدنا إسماعيل، عليه السلام، ثم قصة سيدنا يوسف عليه السلام، ثم سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم تسليما، لما تزوج بــــ: "مارية القبطية"....
                            كما تأتي أهمية الموقع الجغرافي لمصر بسبب توسطها الدول العربية جمعاء.....

                            لعل هذا التاريخ يوحي لنا أن سلالة المصريين من كوكتيل شعوب عريقة وكثيرة مما جعله اليوم شعبا متميزا...

                            أما بالنسبة للمقارنة بين الثقافة الإسلامية والثقافة العربية فهذا أراه خلطا لازلنا لم نستوعب مدى الفرق بين هذين القياسين.. فالثقافة الإسلامية نابعة من تعاليم الدين الإسلامي، والثقافة العربية نابعة من تقاليد وأعراف...

                            ثم أن الإسلام قد أخطأ من يقول أنه بدأ منذ 15 قرنا؛ لأن الرسالة السماوية رسالة واحدة، وقد أخبرنا الله، جل وعلا، في محكم تنزيله أن كل أمة بعث لها رسولا، وهذه الرسل كانت تعلم شريعة الله بمختلف الألسن... لذلك كانت الفضائل والأخلاق منذ القدم... والدارس لفلسفة سقراط وأفلاطون يشك أنهما قد يكونان من الأنبياء.. وقد يكون ذلك أو لا يكون وإنما ما جاءوا به فهو نابع من تعاليم الرسل... والرسالة المحمدية جاءت للتتم الرسالة السماوية وجاءت بلسان عربي لأن آباءهم ما أنذروا من قبل مما يوحي لنا أن القرآن أول رسالة باللغة العربية...
                            مودتي وتقديري
                            [/align]
                            [glint]
                            كل مواضيعي قابلة للنقد

                            [/glint]https://maammed.blogspot.com/

                            تعليق

                            • فائز البرازي
                              عامل مثقف
                              • 27-10-2009
                              • 95

                              #15
                              الهوية المصرية

                              في الهوية
                              --------------------
                              السيدات والسادة المشاركين ..

                              إسمحوا لي ان اعود إلى ( تأصيل وتشميل ) الموضوع : " الهوية " سواءآ كنت مصيبآ ام مخطئآ ، بعد أن لمست تداخلات وتشعبات حمّلت على الموضوع بشكل رغائبي أو بتصورات خاصة أو بتفضيلات تُحول " الخاص " إلى " عام " .. مع مالحق بالطرح أكثر من بحث حول الهوية ، وإن كان أصل الموضوع عن " الهوية المصرية " – خاص – لكنه لم يشكل التوضيح اللازم " للعام " . أي : أصبح توضيح الهوية المصرية " المركبة " تشميل لكل الهويات المركبة الأخرى ومقارنة معها . وأبدأ كتقعيد للموضوع :
                              1- إن ورود مصطلح " الهوية " .. لايستقيم إلا إذا كان مضمونه ومفهومه يصب في مفهوم ومضمون ( الهوية المركبة ) ويكون هذا هو القصد " بالهوية " . إذ ليس هناك هوية مؤطرة ولا محددة بثوابت ومعطيات خاصة محصورة بحد ذاتها .
                              2- يجب الفصل التام بين : مفهوم الهوية ، وبين مفهوم الإنتماء ، وقد تكلمتُ عن ضرورة ذلك ومبررات الفصل سابقآ . وأضيف هنا : ضرورة فصل مفهوم " الحضارة " عندما نتكلم عن محددات الهوية .. إن الهوية – واقصد دائمآ الهويات المركبة المتمايزة عن بعضها البعض – لاعلاقة لها " بالحضارة " .. فالواقع يقول أن هناك اممآ لاحضارة تذكر لها ، لكن : لها " هوية " تتمايز عن هويات أمم أخرى . أي : ليست فرضآ او إعتبارآ أن تكون الحضارة من ضمن " مؤصلات " الهوية .
                              3- ان التخصيص الرغائبي والإسقاطات المختلفة ، ستقود إلى " إفتخار " كل شعب بهويته وتمايزها وتفاضلها عن شعوب أخرى – وهذا ليس مقصدنا هنا - . إذ سيأتي شعب العراق ليقولوا أنهم الأفضل والأعمق . أو الشعب السوري أو اليمني أو الشعب الصيني أو الفارسي .. فيصبح لدينا " تنافس مصطنع " نخلقه نحن .. لايعبر عن شمولية وكينونة وخصوصية إنسانية .. وهذا غير علمي في البحوث .
                              4- علينا إن آمنّا وإعترفنا بقصة " الطوفان العظيم " على الأقل بشموليته لمنطقتنا فقط ، وتريثنا عن شموليته للعالم – مع أن هناك دراسات وأبحاث تنحو هذا المنحى - .. فإن الأصل والمبتدأ لأمم المنطقة وتراكم هوياتها قد بدأ من العراق / بلاد مابين النهرين .. وعليه يكون العرب .. ولأقل البشر الذين إنطلقوا من سفينة نوح ، هم " جذر " الهويات المختلفة . والعرب / الأكاديين إنطلقوا بهجراتهم إلى الجنوب والغرب والشرق ، تتبعآ آنذاك للمراعي الوفيرة وللأرض الخيرة .. وكانت آنذاك مايسمى اليوم " الجزيرة العربية ومفهومها ومتضمناتها مختلفة عما نقصده اليوم بها" – إستنادآ إلى الجغرافيا والتاريخ والمفهوم العلمي للجزيرة - ، وكانت أرض غابات ومياه ومراعي ، فإستقرت " السامية " : عربية وعبرية ... فيها وفي المنطقة الغربية : الشام الكبرى .. حتى اليمن . وكذلك لابد من ان اوضح أن اليمن ليست منبع العرب وأصلهم ، إذ كانت منطقة الشام والبحرين وعُمان هم المتلقين الأوائل للهجرات من بلاد مابين النهرين ، وتلك الحضارات كانت سابقة عن حضارات مصر القديمة بما لايقل عن أربعة آلاف سنة . وهذا موضوع واسع ليس مكانه هنا ، بل تعرضت له لقليل من التسلسل والمركبات في التاريخ الساحق البعد . وقد أعود إليه في وقته من خلال مبحثي ( مفهوم الجزيرة العربية ) والمبحث القيم للدكتور / كمال صليبي / يعيد أصل التواجد العبري إلى السعودية واليمن ، وليس إلى فلسطين ، وكذلك العرب .
                              5- ان الفراعنة – تخصيصآ للهوية المصرية – كانوا خلال فترة حكمهم كعائلات – أكثر من 25 عائلة – أنواعآ شعوبية عديدة .. منها العديد من عائلاتهم من ( الهكسوس ) وهم قبائل من منشأ عربي أتوا من الجزيرة العربية ومحيطها واقاموا في مصر وحكموها فترات زمنية كبيرة ، وسموا أيضآ ضمن المصطلح " فراعنة " ..
                              6- أن الأصل والتشميل لموضوع الهوية ، يقول بأن هناك مراتب لها تبدأ من أعلى إلى أدنى:
                              · الهوية الإنسانية : والمتشكلة من المجموع السكاني الإنساني على الأرض ، والمتحوية لجميع الهويات المركبة للقوميات والشعوب في العالم . وطبعآ لها مؤيدوها ومنتمين إليها ، والذين يرفضون كل ما " دونها " و " ينتمون " إليها بإرادتهم . ومنهم فلاسفة ومفكرون وفنانون بمدارسهم الفنية المختلفة وكتاب عبر عنهم / البير كامو / في رواية ( اللامنتمي ) .
                              · مادونها : هناك الهويات القومية لأمم متنوعة بذاتها .. ومتنوعة بهويتها المركبة .. عن غيرها من امم أخرى بهويات مركبة اخرى ، في مضامينها وتشكلاتها .
                              · وما دونها : هناك هويات وطنية لشعب ما ، لايعترف في قسم منه إلا بمضامين وتشكلات هذه الهوية الوطنية المركبة التي " يرغب " بالإنتماء إليها .
                              · وما دونها : هناك مايسمى ( هويات ماقبل الوطنية ) .. وهي : قبلية ، عشائرية، دينية ، طوائفية ، عائلية .. لتصل إلى الأسرية ..
                              وما أود قوله اخيرآ .. وضمن التسلسل المتصاعد ، أو المتنازل للهوية .. أن من حق كل إنسان ( الإنتماء ) إلى الهوية التي تناسب : ذاته ، وتكوينه ، ومشاعره ، ورغبته ..
                              لكن .. لايمكن أن يلوي الحقائق العلمية والمجتمعية ، ويتخذها " مبررآ " لرغبته في الإنتماء إلى أي هوية يشاء .

                              الهوية : قدر .. الإنتماء : إختيار حر ..

                              مودتي وتقديري .

                              تعليق

                              يعمل...
                              X