ليلة القدًََر (( رواية قصيرة )) إهداء : إلى ربيع عقب الباب.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرشيد حاجب
    أديب وكاتب
    • 20-06-2009
    • 803

    ليلة القدًََر (( رواية قصيرة )) إهداء : إلى ربيع عقب الباب.

    ليلة القـدَ ر




    الحياة التي تبحث عن حياتها ليست حياة.

    إلى الأستاذ ربيع عقب الباب


    شهر رمضان.. الذي أنزل فيه القرآن..

    كان صوت المقرئ القادم من المسجد الكبير يدغـدغ المشاعر الجائعة للناس المترنحين في ساحة المدينة..تحسبهم سكارى وما هم بسكارى..شفاههم متيبسة في وجوه مصفـرة عابسة..نظراتهم شاردة.. ترسم في أفق ما جرعة ماء بارد ة..

    ـ رحماك يا رب...لم يبـق سوى أن يأتي رمضان في عز الحر !

    قال شاب لرفيقه وهما ملقيان بجسديهما الضامرين المتهالكين على أحد المقاعد الحجرية المنتشرة في الساحة..فرد صاحبه:

    ـ اليوم ليلة القدر ..لم يبق سوى يومين أو ثلاثة أيام فنسقيها حتى نرى الديك حمارا..ها ها ها...

    شهر رمضان.. الذي أنزل فيه القرآن..

    عاد الصوت أقوى من أن تتحمله الرؤوس المتصدعة بطنين الجوع والعطش و صراخ الأمعاء..

    ـ مَن ابن الـ.....هذا الذي يعبث بصوت الميكروفون في المسجد ؟ صاح شاب بأعلى صوته من أحد أطراف الساحة.

    فرد عليه شاب كان يسير الهوينى مطأطأ الرأس مقلدا صوت المقرئ :

    ــ واه صاحبي .. شهر رمضان .. الذي أنزل فيه القرآن ..وشابت فيه الغربان والعربان .. وتفـرْعَن فيه الماريكان
    ..وألقى بجثثنا في البحر الإسبان و الطاليان...


    ــ لا تعبث بكتاب الله يا ولدي ..اتق الله..صاح شيخ جالس عند ظل شجرة..

    ساد الصمت والوجوم فجأة في الساحة .. كانت الموسى تتعثر في الجرح..أغلب من كان هناك قد فقد أخا أو صديقا

    أو قريبا أو جارا..حاول العبور إلى الضفة الأخرى فالتهمه البحر أو لفظه جيفة بلا عينين..انتفض شاب كان

    يجلس بجانب صديق له أمام طاولة لبيع السجائر بالتقسيط وأشياء أخرى.. والدموع في عينيه..نزع قميصه

    واستل موساه من جيبه وراح يجرح صدره و يصرخ :

    ــ يلعن بوها عيشة في هذي البلاد..يلعنها دنيا..والناس حوله يمسكون بيديه..والدم المتطاير يلطخهم..


    كان قد فقد أخاه منذ أيام في البحر ..بحر الأشواق و الأحلام..



    * * *



    في الحديقة القريبة من الساحة كان يجلس موظفان على أحد المقاعد الخشبية في انتظار صلاة العصر.قال المدرس:

    ــ لست أدري والله يا أخي كيف أتدبر الملابس لأطفالي هذا العيد...

    إنهم ينتظرون وأنا أنتظر أن يقبض الله روحي قبل يوم العيد..

    لقد أصبحت أفكر في الانتحار كل يوم...

    قال الآخر وكان موظفا في شركة وطنية أفلست كغيرها وهي على وشك إغلاق أبوابها..قال و هو يشد على كف صاحبه ويعصرها:

    ــ حالي حالك يا أخي.. والله إني أفكر يوميا في صعود الجبل مع الإرهابيين أقتل و أسرق وأنهب..المهم أن يصل المال إلى أولادي..

    وساد الصمت بينهما..وظلا جامـدين هناك يحدقان في المجهول..



    الله أكبر..الله أكبر..حي على الفلاح..حي على الصلاة...



    قاما متثاقلين يسيران نحو المسجد القريب.

    خلال مرورهما بالساحة توقفا يستطلعان سبب التجمع والصراخ حول إحدى الطاولات التي تبيع التمور..كان أحدهم يصرخ والزبد يتطاير من فمه عرفا فيه موظفا في دائرة الحالة المدنية:

    ــ أنا مانيش فاهم يا إخوتي..التمر الجيد ألف دينار للكيلو.قلنا طيب و اللي ماشي جيد ثمنه كم؟قال تسعمائة دينار.

    ما هذا الجنون؟ التمر ينبت في صحرائنا ..فهمنا غلاء ما نستورده ولكني لا أفهم غلاء التمر..البترول أوشك أن يصل إلى مائتي-200- دولار للبرميل يا ناس وأنا أفطر على تمرة سبقني إليها الدود..!

    ــ إنهم يتوارثون الأموال والكراسي ونحن نتوارث الهم والغم ..لقد أصبحت ثرواتنا نقمة علينا ..

    صاح طالب تعمد تخفيف لحيته لتتناغم مع بيري غيفارا فوق رأسه..

    تصفيق و هتاف وتهليل و تكبير وسب ولعن..

    وبدأ رجال الشرطة يتوافدون...

    فواصل الموظفان طريقهما إلى المسجد.



    * * *



    المسجد في رمضان أثناء صلاة العصر لوحة سريالية لمن يعرف المدينة جيدا ..فسيفساء عجيبة من الوجوه المختلفة المتناقضة التي لا تتناغم سوى عبر ذلك الاستسلام لمشيئة الله الذي يفيض من محياها و لو للحظات..شبان كثيرون يملأ ون المسجد..وجوه بعضهم مازالت منتفخة من طول النوم..أغلبهم بطالون و طلبة في عطلتهم الصيفية الحارة الطويلة...

    عجيب أمر هؤلاء الشبان الذين يصومون هذا الشهر و يصلونه بينما يقضون باقي شهور العام في محاولات يائسة للتسلل خارج الوعي أو خارج حدود البلاد..

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    ما كاد الإمام ينطق بها حتى تمايلت الرؤوس يمنة ويسرة في حركات سريعة و بدأت الأجساد تتدفق على باب الخروج..عند الباب كانت هناك مشكلة..أحد الشبان المعروفين بالخطورة فقد حذاءه الرياضي الثمين..لعله من بقايا ذكرياته السعيدة في أوروبا التي طرد منها منذ بضعة أشهر..وقف غاضبا يزمجر :

    ــ في رمضان ! ووقت الصلاة ! يا الرب ! الجبناء...

    اقترب منه طفل ذو أسمال في العاشرة وهمس في أذنه...انطلق كالسهم و قد استيقظ من سكرة الجوع و العطش..ويبدو أن سائر الشبان قد استيقظوا بدورهم فركضوا يتبعونه..كانوا يعلمون أن الطفل أخبر المافيا –هكذا يلقبونه في المدينة – بمن سرق حذاءه...

    أبصره يسير مسرعا متلفتا و تحت إبطه كيس أسود ..وبحنكة اللص و المروج الذي دوخ البوليس في أوروبا أعواما غير مساره..عند مدخل أحد الأزقة اصطدم به وجها لوجه..نطحه برأسه نطحة سريعة قوية فتناثرت الدماء من أنفه وهو يسقط على الأرض فيما طار الكيس من تحت إبطه وظهر منه الحذاء..ويبدو أن اللص الصغير أخذته عزة النفس وهو يجد نفسه طريح الأرض وقدم المافيا فوق صدره أمام هذا الحشد الذي تجمع حولهما فأخرج سكينه وطعن غريمه في ساقه طعنة خفيفة..القشة التي قصمت ظهر البعير..ففي لمحة البصر كان المافيا يستل خنجره الكبير ويهوي على عنقه..ولا أحد فهم لماذا صرخ قائلا وهو يحز عنق ضحيته من الوريد على الوريد:

    ــ هكذا كان يفعل المجاهدون بالخونة يا بن الكلب.

    ثم وضع قدميه في حذائه و أطلق ساقيه للريح..فيما كان بعض شباب المدينة يصيحون به:

    ــ الجبل يا المافيا ..الجبل..

    ومن بعيد كانت صفارات سيارات الشرطة تعوي...



    * * *



    ليلة القدر..

    أجواء المدينة تعبق بروائح البخور المختلطة في حواس الناس برائحة دم المذبوح..وبرائحة الجثث التي تلقي بها الأمواج إلى الشواطئ..وبرائحة البترول التي تزكم أعصاب الناس كلما قفز البرميل من سعر إلى سعر فيشعل السعير في الجيوب و في الأمعاء وفي أحلام الأطفال الذين ينتظرون كسوة العيد الجديدة..

    ليلة القدر خير من ألف شهر..

    أي خير يا رباه ؟! ولا أحد يعرف كيف سينتهي هذا الشهر في هذه المدينة...

    تنزل فيها الروح..

    وهاهي أرواح العباد تتوق إلى الصعود والإمحاء في غياهب الفضاءات المجهولة لتحتمي من سعير الأسعار الذي حول أحلام الأطفال إلى رماد..كل شيء صار إلى الرماد..حتى الضحكات .. حتى الكلمات صارت رمادا.

    من ذلك الرماد خرج فيلم "الرسالة" كالعنقاء.

    كان خبر عرض الفيلم على القنوات الفضائية هذه الليلة يتناقل من مقهى إلى مقهى..من شارع إلى شارع ..ومن بيت إلى بيت..كل الناس في العالم سوف يشاهدونه هذه الليلة ..ليلة القدر..

    حتى الحكومات التي كانت قد قاطعته و منعته اضطرت إلى عرضه معتقدة أنه سوف يهدأ من الغليان أمام تصاعد الأسعار..لكن الأفيون لا يوصد الأبواب دائما بل يفتح أحيانا نوافذ عريضة يمكن القفز منها إلى عالم الشهادة و الحضور..



    مع اقتراب منتصف الليل كانت شوارع المدينة خالية مقفرة.

    ولم تكن أعناق الناس مشرئبة إلى السماء تنتظر انفتاح أبوابها كما في الزمن القديم..الزمن السعيد..بل كانوا يجلسون هناك في البيوت شاخصة أبصارهم إلى شاشات التلفزيون ..سابحة أرواحهم في ألق ذلك الفضاء النوراني الشفاف...

    ولان حمزة..أسد الله..هو وحده الذي ظهر مجسدا فقد تجسدت فيه أحلامهم وآمالهم التي حاول الواقع المر اجتثاثها من كيانهم..
    من بيوتهم وهم أمام الشاشات دخلوا عيونهم وطاروا وراء حمزة..صاروا داخل جيشه..يلهثون وراء ذلك الحلم-السراب في صحراء الروح..
    وكان الفرح.. تحقق الفرح.

    وحين بقرت بطن حمزة..شعر الجميع ببطونهم تبقر..

    وحين أخرجت كبد حمزة و مضغت شعر الجميع بأكبادهم تمضغ..

    واكبداه !

    لم يعد بمقدور أحد الجلوس و النظر وهو يرى أحشائه تتناثر أمامه..وأنفه يجدع ..

    أي والله الأنف..

    كان بعض الشبان قد بدأوا يخرجون إلى الشوارع بعضهم حفاة و بعضهم شبه عراة في هذا الحر..بعضهم واجم وبعضهم ينتحب في صمت...

    وفجأة تعالى في سكون ليل المدينة صوت شاب عرفوا فيه "أبو هريرة".

    لقبه أصحابه في المدينة بأبي هريرة لشغفه برواية الحديث.

    سمعوا صوته وساروا نحوه.. بدأت سيول بشرية صغيرة تتشكل عبر الأزقة و الشوارع وتنساب نحو صوت أبي هريرة..وإذا هي جموع تشكلت وهو يسير على رأسها صائحا باكيا:

    "يا عم رسول الله .. وأسد الله .. وأسد رسول الله..

    يا حمزة..

    يا فاعل الخيرات..

    يا حمزة..

    يا كاشف الكربات ..

    يا حمزة..

    يا ذابا ..يا مانعا عن وجه رسول الله..."

    نوافذ البيوت وأبوابها مشرعة على مصراعيها و جميع الأنوار مضاءة..كأنها أبواب السماء قد فتحت..الناس سكارى و ما هم بسكارى..انصهر الألم باللذة و الغياب بالحضور..وعمت الدهشة..دهشة مشرقة غامرة...

    ودهش رجال الشرطة..ودهش رئيسهم:

    ــ ما هذا ؟ ما الذي يجري ؟ ما للناس و لحمزة هذا...؟!

    والناس لا يكفون يرددون..

    يا عم رسول الله..وأسد الله..وأسد رسول الله...ويضيفون:

    يا كبد حمزة.. ويا أنف حمزة

    غضب رئيس الشرطة حين تجاهله الجميع و لم يلتفت إليه أحد..نزع الرشاش الأوتوماتيكي الأمريكي الصنع من يد أحد أعوانه وأطلق سيلا من الطلقات المحذرة في السماء..القطرة التي أفاضت الكأس..فصوت الرصاصة بدا ناشزا في تلك السيمفونية الروحية للناس .. وبدل أن يوقظ الناس من دهشتهم زادهم دهشة..فإذا بهم يتركون نوافذهم و أبوابهم ..نساء ورجالا .. أغلبهم حفاة و شبه عراة .. بعضهم يحملون أطفالهم وبعضهم يحمل بعض أو يسند ه .. حتى فاضت الساحة بالناس.

    حار رئيس الشرطة فاتصل برئيسه في الولاية فلم يزده جواب هذا الأخير إلا حيرة:

    ــ الحال هنا أيضا كما ذكرت..بل في كل الولايات..تصرف كما تستطيع..فأنت اليوم حر..

    كان الرجل دمويا بطبعه فزادته عمليات غسل الدماغ التي خضع لها في أكاديمية الشرطة دموية على دمويته..شعر أن الوقت حان لإخراج الحجاج الذي طالما كبته في داخله.. وها هي ذي الرؤوس قد أينعت من تلقاء نفسها..وبدأ هو أيضا يشعر بالنشوة مثل هذه الجموع ..لكنها نشوته الخاصة..

    أخرج مسدسه "الرفيع" وصوب على أعلى الرؤوس .. رأس أبي هريرة الذي كان وقتها محمولا على الأكتاف..وأطلق النار .. توقع هجوما من الجموع ..لكن لا يهم .. سيكون شهيد الواجب الوطني و شهيد هذه المهنة التي عشقها منذ صباه وكأنه رضع هذا العشق في حليب أمه..غير أن الجموع لم تلتفت إليه..ظلت تنشد:

    يا فاعل الخيرات..

    يا حمزة..

    وتضيف إليها :يا أبا هريرة ..يا خير شباب المدينة ..يا زينتها ...يا رأس أبي هريرة..

    حار رئيس الشرطة وهو يقف على سطح الطويوطا الرباعية الدفع..وازدادت حيرته و هو يرى أحد الرجال عاري الصدر يحمل رضيعا عاريا في يديه ويشق طريقه نحوه حتى إذا وصل إليه قال وهو يضحك ضحكة صافية مشرقة :

    ــ أو تحسبنا حريصين على هذه الحياة البائسة ؟! هاك..خذ..اطلق عليه النار..أرحه مما نحن فيه...

    ثم وضع الرضيع أمامه فوق السيارة..وهم بالرجوع إلى وسط الجموع حين اعترض سبيله أحد أعوان الشرطة و مسدسه في يده .. يبدو أن غريزة تطبيق القانون هي التي حركت الشرطي.. غير أن حركة الرجل كانت أسرع .. فقد خطف المسدس من يد الشرطي و اخترق الجموع حتى إذا وصل إلى نصب تذكاري للشهداء كان يتوسط الساحة ..صعد عليه..صوب المسدس إلى رأسه وأطلق النار..وضحكته المشرقة على ثغره ما تزال.

    و عرفوا فيه ابن الخياط..وكان معلما طيبا عطوفا حديث عهد بالزواج.

    وتلي صوت الرصاصة زغرودة .. ثم طلقة أخرى و أخرى...كانوا يسارعون إلى المسدس يحملونه كلما سقط من يد أحدهم و يطلقون النار على أنفسهم حتى نفذت الطلقات .. وتكومت الجثث أسفل النصب التذكاري...

    وفجأة برز المافيا وكانوا يحسبونه في طريقه إلى الجبل .. مشى فوق الجثث و صعد على النصب التذكاري ورفع جرة بلاستيكية كان يحملها في يده إلى أعلى رأسه وأفرغ ما فيها على جسده وهو يقول قبل أن يشعل النار :

    ــ نحرق أنفسنا ببترولنا قبل أن يحرقونا به.

    وهج الشعلة المتحركة فوق نصب الشهداء سحرت الناس. بدت لهم فكرة عبقرية..الخلاص في أبهى صوره وتجلياته .. فلا النهضات و لا التنوير و لا الثورات استطاعت أن تخلص الإنسان من بؤسه والحصار المضروب حوله...وها هو المافيا –ابن أعماق المدينة – يتوصل بعفوية إلى طريق الخلاص..

    هجم الشباب على محطات توزيع البنزين المنتشرة في أطراف المدينة .. يضخونه و يأتون به إلى الساحة..والناس كأنما يتعمدون فيه .. يتعمدون في أنهار البترول ويشعلون النار .. يرقصون في نشوة غامرة و أجسادهم تشتعل.. هو الوضوء الأكبر وفي النار الطهارة الكبرى .

    "نحرق أنفسنا ببترولنا قبل أن يحرقونا به"

    "نفجر بيوتنا بغازنا قبل أن يفجروها على رؤوسنا"

    صاح أحدهم فسارع الشبان إلى البيوت والعمارات يفتحون الغاز ويحطمون أنابيبه ويشعلون النار.



    * * *



    الناس يشتعلون والمدينة تحترق.

    الناس يشتعلون في كل مكان .. والمدن تحترق في كل مكان ..

    من الماء إلى الماء .. من المحيط إلى الخليج..

    والملوك والرؤساء والأمراء وأولياء العهد حائرون يرددون السؤال كلهم في وقت واحد :

    "ماذا سوف نحكم لو احترق كل شيء ؟"

    وإن كانوا هم حكموا و شبعوا حكما فماذا سوف يبقى لأولادهم .. قرة أعينهم ..

    اتصالات ماراطونية عبر أقمارهم الا صطناعية الخاصة.. اتفقوا في ما بينهم :

    "هذا الجنون يجب أن يتوقف حالا"

    لكن كيف..؟ إنهم يتقنون "صناعة الموت" كما "صناعة الكلام" و"صناعة الكراسي"..لكنهم لا يعرفون شيئا عن "صناعة الحياة " لا شك أن الحكيم الذي كان يجب أن يقول لهم :" لكي تظلوا حكاما عليكم أن تتقنوا فن صناعة الحياة كما أتقنتم فن صناعة الموت"..لا شك أن هذا الحكيم لم يولد بعد..

    يعرفون كيف يقفون دون الإنسان و حياته ودونه و دون لقمة عيشه لكنهم لا يعرفون كيف يقفون بينه و بين موته..بينه و بين شهادته..

    عادوا إلى التشاور.. بجد و إخلاص.. وكأنهم لأول مرة قد فهموا الدلالات العميقة لأمرهم شورى بينهم ..أخيرا تفتقت عبقريتهم عن حل فاتفقوا جميعا بدون استثناء على "مشاورة العم سام"

    العم سام هو وحده يملك القدرة على حل مثل هذه المعضلات..فقرية الدنيا بعد كل شيء قريته..

    لكن أمريكا لم تكن أقل حيرة من العرب.. فرغم سوبرمانيتهم وجدوا أنفسهم في مأزق..

    قال أحد المستشارين للرئيس: "و ما يهمنا نحن دع هؤلاء الهمج يحترقون فهم يؤخرون تطور الإنسان ..ثم أن خيراتهم في نهاية الأمر لنا." لكن مستشارا آخر وكان شيخا يهوديا مقربا من الرئيس قال:

    "أنا أعرف العرب كما أعرف جيبي..هذه ثورة حقيقية .. هذه عبقرية لا أدري من أين أتتهم ..يبدو أنهم تجاوزوا عقدة الخوف التي غرست فيهم على مر العصور..لقد عطلوا فيهم غريزة الحياة الحيوانية واكتشفوا غريزة الحياة الإنسانية..إنهم في شهر مقدس عندهم.. وليلتهم هذه مقدسة يزعمون أن أبواب السماء تفتح لهم خلالها ..ومن يدري فقد تمتد شعلتهم إلى شبابنا .. وفي بيتنا كثير من التبن كما تعلمون..."



    وقرر أصحاب الكعبة البيضاء أخيرا أن ذلك يجب أن ينتهي في الحال ولو على حساب بعض تصوراتهم للقرية الجديدة وعلى حساب الكثير من المؤخرات –الصديقة- الملتصقة بالكراسي.


    عبد الرشيد حاجب -الجزائر- شعبان 1429
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 16-12-2009, 03:13. سبب آخر: خرجت عن كونها قصة قصيرة
    "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"​
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير الرائع
    عبد الرشيد حاجب
    أكنت أستمع لسيمفونية
    الحب والحرب!!؟
    أكانت تلك معزوفة لفنان ثائر
    يحتمي من الموت بالموت
    أهي ثورة لحسين آخر
    أم غضبة الحرافيش
    أم ماذا
    ما كانت تلك زميلي
    إنها رائعة من الروائع
    ثورة على كل ماحولنا
    حقيقة رشيد كنت مبهرة وأنا أقرأ السطر بعد الآخر
    وجنوني وصل بي إلى حد أني كنت أتلظى مع أبو هريرة
    ونيران المافيا أحسستها تشتعل بالقرب مني
    ولعنة البترول أشعلت روحي المشتعلة بنيران الغضب أصلا
    لله درك زميلي
    أشهد لك أني كنت هنا وقد خرجت أكثر جنونا
    تحايا لك ولقلمك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      لى أنا عبد الرشيد ؟
      أيها العبقرى القادم بقوة ، لتضيف لبنة فى تاريخ الأدب العربى
      لن أتحدث عما قرأت الآن ؛ فمازلت بين الأحداث ، و لن أستطيع الكتابة إلا بعد أن أصبح خارج الحدث .. أو الأحداث !!
      لا أدرى لم تذكرت فورا نص دورينمات " زيارة السيدة العجوز ".
      ليس هنال من شبه إلا حالة الموت التى فرضت على المدينة .. المدن !!


      لا بد من عودة بالطبع ، فالبناء الذى أقمته صعب الصعود عليه بقفزة
      إنه شكل جانبا من عبقرية قادمة ، و هذه أولى قطراتها !!

      محبتى عبد الرشيد
      sigpic

      تعليق

      • عبد الرشيد حاجب
        أديب وكاتب
        • 20-06-2009
        • 803

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
        الزميل القدير الرائع
        عبد الرشيد حاجب
        أكنت أستمع لسيمفونية
        الحب والحرب!!؟
        أكانت تلك معزوفة لفنان ثائر
        يحتمي من الموت بالموت
        أهي ثورة لحسين آخر
        أم غضبة الحرافيش
        أم ماذا
        ما كانت تلك زميلي
        إنها رائعة من الروائع
        ثورة على كل ماحولنا
        حقيقة رشيد كنت مبهرة وأنا أقرأ السطر بعد الآخر
        وجنوني وصل بي إلى حد أني كنت أتلظى مع أبو هريرة
        ونيران المافيا أحسستها تشتعل بالقرب مني
        ولعنة البترول أشعلت روحي المشتعلة بنيران الغضب أصلا
        لله درك زميلي
        أشهد لك أني كنت هنا وقد خرجت أكثر جنونا
        تحايا لك ولقلمك
        الزميلة المبدعة الفاضلة عايدة نادر

        رأيتك موجودة وأنا أراجع النص بعد نشره ، وتأكدت أنه سيروق لك ، فهناك التمر وهناك البترول ، وأمريكا ، والتعفن ، والقهر ، والغضب ، وكل ما كان قد سبق لي الوقوف عليه في بعض قصصك .
        لا أدري صراحة ما كانت ، وكل ما أعلمه هو أني لو واصلت الكتابة فلن أتوقف ... كنت أبحث في جذور المأساة ، وأحاول أن أجمع الخيوط ...فكان ما كان في جلسة واحدة !

        أشكرك زميلتي كثيرا على المرور الذي حفزني على تحويلها فعلا لرواية كما طلب مني بعض الأصدقاء من النقاد ، إذ رأوا أنه من الإجحاف أن تبقى هكذا بين بين .

        محبتي وتقديري.
        "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"​

        تعليق

        • عبد الرشيد حاجب
          أديب وكاتب
          • 20-06-2009
          • 803

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          لى أنا عبد الرشيد ؟
          أيها العبقرى القادم بقوة ، لتضيف لبنة فى تاريخ الأدب العربى
          لن أتحدث عما قرأت الآن ؛ فمازلت بين الأحداث ، و لن أستطيع الكتابة إلا بعد أن أصبح خارج الحدث .. أو الأحداث !!
          لا أدرى لم تذكرت فورا نص دورينمات " زيارة السيدة العجوز ".
          ليس هنال من شبه إلا حالة الموت التى فرضت على المدينة .. المدن !!


          لا بد من عودة بالطبع ، فالبناء الذى أقمته صعب الصعود عليه بقفزة
          إنه شكل جانبا من عبقرية قادمة ، و هذه أولى قطراتها !!

          محبتى عبد الرشيد
          نعم ، لك أنت أيها الرائع ، وها إني حصلت منك على أجمل إطراء !
          هي رواية فعلا ، اختصرتها اختصارا ، حتى أنشرها نيتيا ، وهي الآن في طور التوسع لتنشر ورقيا منفصلة في كتاب قائم بذاته ، ووفق بنية تجريبية أتمنى أن تنجح ...

          في انتظار عودتك ، وملاحظاتك القيمة ،

          تقبل كل محبة هذا المساء الممطر في الجزائر.
          التعديل الأخير تم بواسطة عبد الرشيد حاجب; الساعة 19-12-2009, 20:17.
          "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"​

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عبد الرشيد حاجب مشاهدة المشاركة
            نعم ، لك أنت أيها الرائع ، وها إني حصلت منك على أجمل إطراء !
            هي رواية فعلا ، اختصرتها اختصارا ، حتى أنشرها نيتيا ، وهي الآن في طور التوسع لتنشر ورقيا منفصلة في كتاب قائم بذاته ، ووفق بنية تجريبية أتمنى أن تنجح ...

            في انتظار عودتك ، وملاحظاتك القيمة ،

            تقبل كل محبة هذا المساء الممطر في الجزائر.
            سوف تكون دراسة أخى عبد الرشيد
            لأثبت لنفسى أولا ، أنى لم أكن مجاملا و لا هازلا ، مثلما يتقول العميان ،
            و يدعى أهل الرأى فى منتدانا المبارك !!
            ليس من أجل هذا و حسب ، بل لأنها تستحق ، و أنا حر فى رأيى و ذائقتى أيها الغاشمون !!

            محبتى عبد الرشيد و هنيئا لنا و لك هذا العمل
            sigpic

            تعليق

            • أحمد ضحية
              أديب وكاتب
              • 10-05-2010
              • 121

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عبد الرشيد حاجب مشاهدة المشاركة
              ليلة القـدَ ر






              الحياة التي تبحث عن حياتها ليست حياة.

              إلى الأستاذ ربيع عقب الباب


              شهر رمضان.. الذي أنزل فيه القرآن..

              كان صوت المقرئ القادم من المسجد الكبير يدغـدغ المشاعر الجائعة للناس المترنحين في ساحة المدينة..تحسبهم سكارى وما هم بسكارى..شفاههم متيبسة في وجوه مصفـرة عابسة..نظراتهم شاردة.. ترسم في أفق ما جرعة ماء بارد ة..

              ـ رحماك يا رب...لم يبـق سوى أن يأتي رمضان في عز الحر !

              قال شاب لرفيقه وهما ملقيان بجسديهما الضامرين المتهالكين على أحد المقاعد الحجرية المنتشرة في الساحة..فرد صاحبه:

              ـ اليوم ليلة القدر ..لم يبق سوى يومين أو ثلاثة أيام فنسقيها حتى نرى الديك حمارا..ها ها ها...

              شهر رمضان.. الذي أنزل فيه القرآن..

              عاد الصوت أقوى من أن تتحمله الرؤوس المتصدعة بطنين الجوع والعطش و صراخ الأمعاء..

              ـ مَن ابن الـ.....هذا الذي يعبث بصوت الميكروفون في المسجد ؟ صاح شاب بأعلى صوته من أحد أطراف الساحة.

              فرد عليه شاب كان يسير الهوينى مطأطأ الرأس مقلدا صوت المقرئ :

              ــ واه صاحبي .. شهر رمضان .. الذي أنزل فيه القرآن ..وشابت فيه الغربان والعربان .. وتفـرْعَن فيه الماريكان
              ..وألقى بجثثنا في البحر الإسبان و الطاليان...


              ــ لا تعبث بكتاب الله يا ولدي ..اتق الله..صاح شيخ جالس عند ظل شجرة..

              ساد الصمت والوجوم فجأة في الساحة .. كانت الموسى تتعثر في الجرح..أغلب من كان هناك قد فقد أخا أو صديقا

              أو قريبا أو جارا..حاول العبور إلى الضفة الأخرى فالتهمه البحر أو لفظه جيفة بلا عينين..انتفض شاب كان

              يجلس بجانب صديق له أمام طاولة لبيع السجائر بالتقسيط وأشياء أخرى.. والدموع في عينيه..نزع قميصه

              واستل موساه من جيبه وراح يجرح صدره و يصرخ :

              ــ يلعن بوها عيشة في هذي البلاد..يلعنها دنيا..والناس حوله يمسكون بيديه..والدم المتطاير يلطخهم..


              كان قد فقد أخاه منذ أيام في البحر ..بحر الأشواق و الأحلام..



              * * *



              في الحديقة القريبة من الساحة كان يجلس موظفان على أحد المقاعد الخشبية في انتظار صلاة العصر.قال المدرس:

              ــ لست أدري والله يا أخي كيف أتدبر الملابس لأطفالي هذا العيد...

              إنهم ينتظرون وأنا أنتظر أن يقبض الله روحي قبل يوم العيد..

              لقد أصبحت أفكر في الانتحار كل يوم...

              قال الآخر وكان موظفا في شركة وطنية أفلست كغيرها وهي على وشك إغلاق أبوابها..قال و هو يشد على كف صاحبه ويعصرها:

              ــ حالي حالك يا أخي.. والله إني أفكر يوميا في صعود الجبل مع الإرهابيين أقتل و أسرق وأنهب..المهم أن يصل المال إلى أولادي..

              وساد الصمت بينهما..وظلا جامـدين هناك يحدقان في المجهول..



              الله أكبر..الله أكبر..حي على الفلاح..حي على الصلاة...



              قاما متثاقلين يسيران نحو المسجد القريب.

              خلال مرورهما بالساحة توقفا يستطلعان سبب التجمع والصراخ حول إحدى الطاولات التي تبيع التمور..كان أحدهم يصرخ والزبد يتطاير من فمه عرفا فيه موظفا في دائرة الحالة المدنية:

              ــ أنا مانيش فاهم يا إخوتي..التمر الجيد ألف دينار للكيلو.قلنا طيب و اللي ماشي جيد ثمنه كم؟قال تسعمائة دينار.

              ما هذا الجنون؟ التمر ينبت في صحرائنا ..فهمنا غلاء ما نستورده ولكني لا أفهم غلاء التمر..البترول أوشك أن يصل إلى مائتي-200- دولار للبرميل يا ناس وأنا أفطر على تمرة سبقني إليها الدود..!

              ــ إنهم يتوارثون الأموال والكراسي ونحن نتوارث الهم والغم ..لقد أصبحت ثرواتنا نقمة علينا ..

              صاح طالب تعمد تخفيف لحيته لتتناغم مع بيري غيفارا فوق رأسه..

              تصفيق و هتاف وتهليل و تكبير وسب ولعن..

              وبدأ رجال الشرطة يتوافدون...

              فواصل الموظفان طريقهما إلى المسجد.



              * * *



              المسجد في رمضان أثناء صلاة العصر لوحة سريالية لمن يعرف المدينة جيدا ..فسيفساء عجيبة من الوجوه المختلفة المتناقضة التي لا تتناغم سوى عبر ذلك الاستسلام لمشيئة الله الذي يفيض من محياها و لو للحظات..شبان كثيرون يملأ ون المسجد..وجوه بعضهم مازالت منتفخة من طول النوم..أغلبهم بطالون و طلبة في عطلتهم الصيفية الحارة الطويلة...

              عجيب أمر هؤلاء الشبان الذين يصومون هذا الشهر و يصلونه بينما يقضون باقي شهور العام في محاولات يائسة للتسلل خارج الوعي أو خارج حدود البلاد..

              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

              ما كاد الإمام ينطق بها حتى تمايلت الرؤوس يمنة ويسرة في حركات سريعة و بدأت الأجساد تتدفق على باب الخروج..عند الباب كانت هناك مشكلة..أحد الشبان المعروفين بالخطورة فقد حذاءه الرياضي الثمين..لعله من بقايا ذكرياته السعيدة في أوروبا التي طرد منها منذ بضعة أشهر..وقف غاضبا يزمجر :

              ــ في رمضان ! ووقت الصلاة ! يا الرب ! الجبناء...

              اقترب منه طفل ذو أسمال في العاشرة وهمس في أذنه...انطلق كالسهم و قد استيقظ من سكرة الجوع و العطش..ويبدو أن سائر الشبان قد استيقظوا بدورهم فركضوا يتبعونه..كانوا يعلمون أن الطفل أخبر المافيا –هكذا يلقبونه في المدينة – بمن سرق حذاءه...

              أبصره يسير مسرعا متلفتا و تحت إبطه كيس أسود ..وبحنكة اللص و المروج الذي دوخ البوليس في أوروبا أعواما غير مساره..عند مدخل أحد الأزقة اصطدم به وجها لوجه..نطحه برأسه نطحة سريعة قوية فتناثرت الدماء من أنفه وهو يسقط على الأرض فيما طار الكيس من تحت إبطه وظهر منه الحذاء..ويبدو أن اللص الصغير أخذته عزة النفس وهو يجد نفسه طريح الأرض وقدم المافيا فوق صدره أمام هذا الحشد الذي تجمع حولهما فأخرج سكينه وطعن غريمه في ساقه طعنة خفيفة..القشة التي قصمت ظهر البعير..ففي لمحة البصر كان المافيا يستل خنجره الكبير ويهوي على عنقه..ولا أحد فهم لماذا صرخ قائلا وهو يحز عنق ضحيته من الوريد على الوريد:

              ــ هكذا كان يفعل المجاهدون بالخونة يا بن الكلب.

              ثم وضع قدميه في حذائه و أطلق ساقيه للريح..فيما كان بعض شباب المدينة يصيحون به:

              ــ الجبل يا المافيا ..الجبل..

              ومن بعيد كانت صفارات سيارات الشرطة تعوي...



              * * *



              ليلة القدر..

              أجواء المدينة تعبق بروائح البخور المختلطة في حواس الناس برائحة دم المذبوح..وبرائحة الجثث التي تلقي بها الأمواج إلى الشواطئ..وبرائحة البترول التي تزكم أعصاب الناس كلما قفز البرميل من سعر إلى سعر فيشعل السعير في الجيوب و في الأمعاء وفي أحلام الأطفال الذين ينتظرون كسوة العيد الجديدة..

              ليلة القدر خير من ألف شهر..

              أي خير يا رباه ؟! ولا أحد يعرف كيف سينتهي هذا الشهر في هذه المدينة...

              تنزل فيها الروح..

              وهاهي أرواح العباد تتوق إلى الصعود والإمحاء في غياهب الفضاءات المجهولة لتحتمي من سعير الأسعار الذي حول أحلام الأطفال إلى رماد..كل شيء صار إلى الرماد..حتى الضحكات .. حتى الكلمات صارت رمادا.

              من ذلك الرماد خرج فيلم "الرسالة" كالعنقاء.

              كان خبر عرض الفيلم على القنوات الفضائية هذه الليلة يتناقل من مقهى إلى مقهى..من شارع إلى شارع ..ومن بيت إلى بيت..كل الناس في العالم سوف يشاهدونه هذه الليلة ..ليلة القدر..

              حتى الحكومات التي كانت قد قاطعته و منعته اضطرت إلى عرضه معتقدة أنه سوف يهدأ من الغليان أمام تصاعد الأسعار..لكن الأفيون لا يوصد الأبواب دائما بل يفتح أحيانا نوافذ عريضة يمكن القفز منها إلى عالم الشهادة و الحضور..



              مع اقتراب منتصف الليل كانت شوارع المدينة خالية مقفرة.

              ولم تكن أعناق الناس مشرئبة إلى السماء تنتظر انفتاح أبوابها كما في الزمن القديم..الزمن السعيد..بل كانوا يجلسون هناك في البيوت شاخصة أبصارهم إلى شاشات التلفزيون ..سابحة أرواحهم في ألق ذلك الفضاء النوراني الشفاف...

              ولان حمزة..أسد الله..هو وحده الذي ظهر مجسدا فقد تجسدت فيه أحلامهم وآمالهم التي حاول الواقع المر اجتثاثها من كيانهم..
              من بيوتهم وهم أمام الشاشات دخلوا عيونهم وطاروا وراء حمزة..صاروا داخل جيشه..يلهثون وراء ذلك الحلم-السراب في صحراء الروح..
              وكان الفرح.. تحقق الفرح.

              وحين بقرت بطن حمزة..شعر الجميع ببطونهم تبقر..

              وحين أخرجت كبد حمزة و مضغت شعر الجميع بأكبادهم تمضغ..

              واكبداه !

              لم يعد بمقدور أحد الجلوس و النظر وهو يرى أحشائه تتناثر أمامه..وأنفه يجدع ..

              أي والله الأنف..

              كان بعض الشبان قد بدأوا يخرجون إلى الشوارع بعضهم حفاة و بعضهم شبه عراة في هذا الحر..بعضهم واجم وبعضهم ينتحب في صمت...

              وفجأة تعالى في سكون ليل المدينة صوت شاب عرفوا فيه "أبو هريرة".

              لقبه أصحابه في المدينة بأبي هريرة لشغفه برواية الحديث.

              سمعوا صوته وساروا نحوه.. بدأت سيول بشرية صغيرة تتشكل عبر الأزقة و الشوارع وتنساب نحو صوت أبي هريرة..وإذا هي جموع تشكلت وهو يسير على رأسها صائحا باكيا:

              "يا عم رسول الله .. وأسد الله .. وأسد رسول الله..

              يا حمزة..

              يا فاعل الخيرات..

              يا حمزة..

              يا كاشف الكربات ..

              يا حمزة..

              يا ذابا ..يا مانعا عن وجه رسول الله..."

              نوافذ البيوت وأبوابها مشرعة على مصراعيها و جميع الأنوار مضاءة..كأنها أبواب السماء قد فتحت..الناس سكارى و ما هم بسكارى..انصهر الألم باللذة و الغياب بالحضور..وعمت الدهشة..دهشة مشرقة غامرة...

              ودهش رجال الشرطة..ودهش رئيسهم:

              ــ ما هذا ؟ ما الذي يجري ؟ ما للناس و لحمزة هذا...؟!

              والناس لا يكفون يرددون..

              يا عم رسول الله..وأسد الله..وأسد رسول الله...ويضيفون:

              يا كبد حمزة.. ويا أنف حمزة

              غضب رئيس الشرطة حين تجاهله الجميع و لم يلتفت إليه أحد..نزع الرشاش الأوتوماتيكي الأمريكي الصنع من يد أحد أعوانه وأطلق سيلا من الطلقات المحذرة في السماء..القطرة التي أفاضت الكأس..فصوت الرصاصة بدا ناشزا في تلك السيمفونية الروحية للناس .. وبدل أن يوقظ الناس من دهشتهم زادهم دهشة..فإذا بهم يتركون نوافذهم و أبوابهم ..نساء ورجالا .. أغلبهم حفاة و شبه عراة .. بعضهم يحملون أطفالهم وبعضهم يحمل بعض أو يسند ه .. حتى فاضت الساحة بالناس.

              حار رئيس الشرطة فاتصل برئيسه في الولاية فلم يزده جواب هذا الأخير إلا حيرة:

              ــ الحال هنا أيضا كما ذكرت..بل في كل الولايات..تصرف كما تستطيع..فأنت اليوم حر..

              كان الرجل دمويا بطبعه فزادته عمليات غسل الدماغ التي خضع لها في أكاديمية الشرطة دموية على دمويته..شعر أن الوقت حان لإخراج الحجاج الذي طالما كبته في داخله.. وها هي ذي الرؤوس قد أينعت من تلقاء نفسها..وبدأ هو أيضا يشعر بالنشوة مثل هذه الجموع ..لكنها نشوته الخاصة..

              أخرج مسدسه "الرفيع" وصوب على أعلى الرؤوس .. رأس أبي هريرة الذي كان وقتها محمولا على الأكتاف..وأطلق النار .. توقع هجوما من الجموع ..لكن لا يهم .. سيكون شهيد الواجب الوطني و شهيد هذه المهنة التي عشقها منذ صباه وكأنه رضع هذا العشق في حليب أمه..غير أن الجموع لم تلتفت إليه..ظلت تنشد:

              يا فاعل الخيرات..

              يا حمزة..

              وتضيف إليها :يا أبا هريرة ..يا خير شباب المدينة ..يا زينتها ...يا رأس أبي هريرة..

              حار رئيس الشرطة وهو يقف على سطح الطويوطا الرباعية الدفع..وازدادت حيرته و هو يرى أحد الرجال عاري الصدر يحمل رضيعا عاريا في يديه ويشق طريقه نحوه حتى إذا وصل إليه قال وهو يضحك ضحكة صافية مشرقة :

              ــ أو تحسبنا حريصين على هذه الحياة البائسة ؟! هاك..خذ..اطلق عليه النار..أرحه مما نحن فيه...

              ثم وضع الرضيع أمامه فوق السيارة..وهم بالرجوع إلى وسط الجموع حين اعترض سبيله أحد أعوان الشرطة و مسدسه في يده .. يبدو أن غريزة تطبيق القانون هي التي حركت الشرطي.. غير أن حركة الرجل كانت أسرع .. فقد خطف المسدس من يد الشرطي و اخترق الجموع حتى إذا وصل إلى نصب تذكاري للشهداء كان يتوسط الساحة ..صعد عليه..صوب المسدس إلى رأسه وأطلق النار..وضحكته المشرقة على ثغره ما تزال.

              و عرفوا فيه ابن الخياط..وكان معلما طيبا عطوفا حديث عهد بالزواج.

              وتلي صوت الرصاصة زغرودة .. ثم طلقة أخرى و أخرى...كانوا يسارعون إلى المسدس يحملونه كلما سقط من يد أحدهم و يطلقون النار على أنفسهم حتى نفذت الطلقات .. وتكومت الجثث أسفل النصب التذكاري...

              وفجأة برز المافيا وكانوا يحسبونه في طريقه إلى الجبل .. مشى فوق الجثث و صعد على النصب التذكاري ورفع جرة بلاستيكية كان يحملها في يده إلى أعلى رأسه وأفرغ ما فيها على جسده وهو يقول قبل أن يشعل النار :

              ــ نحرق أنفسنا ببترولنا قبل أن يحرقونا به.

              وهج الشعلة المتحركة فوق نصب الشهداء سحرت الناس. بدت لهم فكرة عبقرية..الخلاص في أبهى صوره وتجلياته .. فلا النهضات و لا التنوير و لا الثورات استطاعت أن تخلص الإنسان من بؤسه والحصار المضروب حوله...وها هو المافيا –ابن أعماق المدينة – يتوصل بعفوية إلى طريق الخلاص..

              هجم الشباب على محطات توزيع البنزين المنتشرة في أطراف المدينة .. يضخونه و يأتون به إلى الساحة..والناس كأنما يتعمدون فيه .. يتعمدون في أنهار البترول ويشعلون النار .. يرقصون في نشوة غامرة و أجسادهم تشتعل.. هو الوضوء الأكبر وفي النار الطهارة الكبرى .

              "نحرق أنفسنا ببترولنا قبل أن يحرقونا به"

              "نفجر بيوتنا بغازنا قبل أن يفجروها على رؤوسنا"

              صاح أحدهم فسارع الشبان إلى البيوت والعمارات يفتحون الغاز ويحطمون أنابيبه ويشعلون النار.



              * * *



              الناس يشتعلون والمدينة تحترق.

              الناس يشتعلون في كل مكان .. والمدن تحترق في كل مكان ..

              من الماء إلى الماء .. من المحيط إلى الخليج..

              والملوك والرؤساء والأمراء وأولياء العهد حائرون يرددون السؤال كلهم في وقت واحد :

              "ماذا سوف نحكم لو احترق كل شيء ؟"

              وإن كانوا هم حكموا و شبعوا حكما فماذا سوف يبقى لأولادهم .. قرة أعينهم ..

              اتصالات ماراطونية عبر أقمارهم الا صطناعية الخاصة.. اتفقوا في ما بينهم :

              "هذا الجنون يجب أن يتوقف حالا"

              لكن كيف..؟ إنهم يتقنون "صناعة الموت" كما "صناعة الكلام" و"صناعة الكراسي"..لكنهم لا يعرفون شيئا عن "صناعة الحياة " لا شك أن الحكيم الذي كان يجب أن يقول لهم :" لكي تظلوا حكاما عليكم أن تتقنوا فن صناعة الحياة كما أتقنتم فن صناعة الموت"..لا شك أن هذا الحكيم لم يولد بعد..

              يعرفون كيف يقفون دون الإنسان و حياته ودونه و دون لقمة عيشه لكنهم لا يعرفون كيف يقفون بينه و بين موته..بينه و بين شهادته..

              عادوا إلى التشاور.. بجد و إخلاص.. وكأنهم لأول مرة قد فهموا الدلالات العميقة لأمرهم شورى بينهم ..أخيرا تفتقت عبقريتهم عن حل فاتفقوا جميعا بدون استثناء على "مشاورة العم سام"

              العم سام هو وحده يملك القدرة على حل مثل هذه المعضلات..فقرية الدنيا بعد كل شيء قريته..

              لكن أمريكا لم تكن أقل حيرة من العرب.. فرغم سوبرمانيتهم وجدوا أنفسهم في مأزق..

              قال أحد المستشارين للرئيس: "و ما يهمنا نحن دع هؤلاء الهمج يحترقون فهم يؤخرون تطور الإنسان ..ثم أن خيراتهم في نهاية الأمر لنا." لكن مستشارا آخر وكان شيخا يهوديا مقربا من الرئيس قال:

              "أنا أعرف العرب كما أعرف جيبي..هذه ثورة حقيقية .. هذه عبقرية لا أدري من أين أتتهم ..يبدو أنهم تجاوزوا عقدة الخوف التي غرست فيهم على مر العصور..لقد عطلوا فيهم غريزة الحياة الحيوانية واكتشفوا غريزة الحياة الإنسانية..إنهم في شهر مقدس عندهم.. وليلتهم هذه مقدسة يزعمون أن أبواب السماء تفتح لهم خلالها ..ومن يدري فقد تمتد شعلتهم إلى شبابنا .. وفي بيتنا كثير من التبن كما تعلمون..."



              وقرر أصحاب الكعبة البيضاء أخيرا أن ذلك يجب أن ينتهي في الحال ولو على حساب بعض تصوراتهم للقرية الجديدة وعلى حساب الكثير من المؤخرات –الصديقة- الملتصقة بالكراسي.



              عبد الرشيد حاجب -الجزائر- شعبان 1429
              ___________________________

              لا أخفي عليك أن لدي حساسية لا أدري منشأها تجاه الألقاب ..
              لذلك أنا "مصطك" الآن هل أناديك بالأخ عبد الرشيد حاجب , أم الزميل أم الصديق .. على أية حال إستمتعت بقراءة نصك وآمل ان تسمح لي بتدوين "خربشاتي" عليه .. إن لم يكن لديك مانعا فإلى الخربشات ..


              سطوة الماضي ..أسئلة الراهن في رواية" ليلة القدر"(1) لعبد الرشيد حاجب ..


              (1-7) : في رواية " ليلة القدر" يستعيد السرد الجزائري الثائر هتافاته المشروعة,والمتجددة في بوح مظاهرة عرمرم,تحرق كل شيء! فلا يبتقى في ركامات رماد الماضي, سوى سقط الأفكار والتمزقات المعاصرة ,(فليلة القدر – النص)أشبه بمسيرة التاريخ في منعطفاته المجنونة, وهويحفر و يحفز الفضاء السردي بالبشارات والدلالات المعقدة ,والمغازي العميقة التي يتقاطع فيها النص ,مجترحا وطنا خارج حدود العتمة والتبريح ,بعد أن تلتهم النار كل شيء! فتبقى فقط الأصداء المتنائية لهدير المتظاهرين.


              "ليلة القدر" نص مشبع بالرؤى الغيبية ,التي تقيم حوارا شيقا وشقيا مع ما أنطوت عليه "نوار اللوز أو تغريبة صالح بن عامر الزوفري- واسيني"أو "عودة الولي الطاهر إلى مقامه الزكي- وطار" .. في ملحمة بديعة, تغذي القلق الوجودي الكوني ,الذي ينضح كالعذاب في الفضاء النّصي لليلة القدر.. فليلة القدر في جدلية تناصها مع إسرودات واسيني ووطار, اللتين أشرنا إليهما تستعيد في التراث ,ما يجيب عن الأسئلة الحارقة في الراهن المعاصر , لتفتحنا على هواجس مزمنة, شكلت قلق ووجع الكتابة في ليلة القدر ..


              (2-7) : ليلة القدر لعبد الرشيد حاجب , رواية مكثفة في لغتها ووقائعها وأحداثها ومقولاتها ,ورغم قصرها الفائق - كرواية – إلا أنها أحتشدت بعوالم غنية ,أحالت الواقع المعاصر إلى التاريخ , ليتلمس في مرجعياته ما فشل في تلمسه في راهنه. خلال توظيف تقنية"التزمين" بإسقاط الماضي على الحاضر والعكس في تداخل بارع "حايث" الوقائع الراهنة مع وقائع الماضي المشحون بالشكوك والهواجس والظنون!..


              يستعيد السرد في ليلة القدر أحداثا فارقة تشكل تقنيات نقدية مقترحة – أبي هريرة - كموضوعة"التحكيم"(2) التي بمثابة المنعطف في علاقة السلطة ,بالتداول السلمي الذي ينهض في مبدأ "الشورى" ..إلى جانب مقترحات سردية نقدية أخرى "كرمزية ليلة القدر وخصوصية شهر رمضان – رمزية النار – رمزية حمزة إبن عبد المطلب(3)..والعنف كدلالة مركزية على سبيل المثال ..


              إذن عبد الرشيد الحاجب يتحفنا في هذه الرواية ب"تجريب" أنيق على مستوى الشكل الروائي والمعالجة لقضايا البؤس الإجتماعي ,خلال لغة ثرية وظفت فيها"الشعرية" ومحمولاتها الوجدانية المتوترة , كقاعدة ينهض فيها حوار عميق, بين السؤال المركزي للنص"ليلة القدر" في أبعادها العقدية بما هي الإنتظار لمخرج من التردي العام .. من جهة أخرى إتصلت اللغة بلغة التراث موضوع التوظيف في بعض تيمات النص , وتواصلت معه لتكشف عن الإنطواءات الخفية ,والقدرات الكبيرة للغة الكتاب المقدس, في تلقيح اللغة السردية المعاصرة , في إنسجام يستضيف المحكي الدارجي اليومي أيضا, خلال وحدات الحوار والوحدات النصية الأخرى ..


              (3 -7) : عبد الرشيد حاجب في هذه الرواية المشتعلة بنيران الأسئلة والشكوك , يقترح النار كمصطلح نقدي مركزي بالنسبة لمقترحاته النقدية السردية الأخرى, التي حفلت بها ليلة القدر ..النار بما هي رمز للتطهير النهائي بكل ما تحيل إليه كأداة عقابية في الآخرة , وكأداة إنتقام وتعذيب في عالمنا المحاصر بتطلعات العسكر وهواجسهم الأمنية .." الناس يشتعلون في كل مكان , والمدن تحترق في كل مكان (...) الملوك والرؤساء والأمراء وأولياء العهد حائرون .يرددون السؤال كلهم في وقت واحد: ماذا سنحكم لو لو إحترق كل شيء(4) " .. النار التي منحنا إياها عبد الرشيد حاجب في ليلة القدر تستمد جذوتها من نور الليلة القدرية ذاتها , وتستمد قدرتها على التجدد والحريق من طائر الفينيق(5) ومأساة الأب الثاني_ إبراهيم عليه السلام(6) – لتلقي بظلالها على الحرائق "الصّدامية" لآبار النفط إبان الحرب الأطلسية الأخيرة ..فهي نار خالدة بقدر ما تحرق طائر الفينيق إلا أنها تبعث فيه الحياة المتجددة مرة أخرى ,فينفض رماده ويحلق في الأفق اللانهائي محررا الحياة الخالدة .. نار ليلة القدر في هذه الرواية لهي نار تحتفي بالحياة ,تتشكل في رمادها قوانين جديدة وصياغة جديدة لعالم جديد ..


              (4 -7 ) : لكن كيف أبتدأت كل هذه الحكاية؟!..


              بدأت في حياة الفقر المدقع الذي حاصر أبطال الرواية , بدات في بؤس الواقع الأجتماعي اليومي الذي يعيشه شخوص ,محالين إلى ليلة القدر كمتكأ سحري ,بديل للخطاب السلطوي السائد – وخطابات النهضة المعارضة أيضا - العاجز عن إيجاد إجابات حقيقية لأسئلة اليومي الفادحة ..فضلا عن أسئلة الوجود المعقدة !..


              وخلال وحدات سرد نصية, وحوارات منفتحة على الرفض ,لا يتكشف سوى ملاذ وحيد تطرح فيه الميتافيزيقيا نفسها كبديل ,يعوض عن الواقع المادي الملموس , بعد أن فشلت مناهج التحليل في صلب متناقضاته المتنامية ,ما غلف الوعي الإجتماعي بأغبرة متراكمة من الفشل المزمن , تحاول نفض نفسها في الغيبي "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .كان صوت المقريء القادم من المسجد الكبير يدغدغ المشاعر الجائعة للناس المترنحين قي ساحة المدينة ,تحسبهم سكارى وما هم بسكارى (...) واه صاحبي شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وشابت فيه الغربان والعربان وتفرعن فيه الماريكان وألقى بجثثنا في البحر الأسبان والطليان(7) " ...


              (5 -7 ) : تكرس هذه الرواية نفسها لتحليل الواقع الإجتماعي, والمفارقة الكبيرة فيما يخص أسئلة الحياة اليومية , في غياب التنمية والإزدهار والحريات والرخاء, في ظل نظم وراثية مستبدة وفاشلة توظفها القوى الأجنبية, وتتواطأ معها على نهب ثروات شعوبها .. كما يطرح هذا النص إنطلاقا من الدلالات التي تحيل إليها ليلة القدر, موضوعة الحوار مع إتجاهات أخرى بديلة لحالة الإنتظار لليلة القدر ,كإتجاهات ثورية منشغلة بالتغيير الإجتماعي المادي .. كذلك يشكل سؤال السلطة بما هي جهاز بوليسي قمعي حضورا قويا في النص " لست أدري والله يا أخي كيف أتدبر الملابس لأطفالي هذا العيد (...) والله أني أفكر يوميا في صعود الجبل مع الإرهابيين وأقتل وأسرق وأنهب المهم أن يصل المال إلى أولادي (...) ما هذا الجنون ؟ التمر ينبت في صحراءنا .. فهمنا غلاء ما نستورده , ولكني لا أفهم غلاء التمر .. البترول أوشك أن يصل 200 دولار للبرميل يا ناس وأنا أفطر على تمرة سبقني إليها الدود (...) أنهم يتوارثون الأموال والكراسي ونحن نتوارث الهم والغم ..


              صاح طالب تعمد تخفيف لحيته لتتناغم مع بيريه غيفارا فوق رأسه (8)" ..


              في مثل هذا الواقع الإجتماعي الرّث, يمثل الدين في حياة البؤساء, طقسا شكليا لا يتجذر بحيث تحل قيمه النبيلة في سلوكهم ,فالمصلين الذين يصومون ويصلون في رمضان ,هم ذاتهم من يختار الخروج عن دائرة الوعي بقية أشهر العام , وأحدهم هو من يسرق حذاء أحد إخوته من المصلين في المسجد!!!!!! ..ما يعيد طرح سؤال"التدين" كقيمة أخلاقية نقيضة لكل ما هو مضاد لمكارم الأخلاق ..


              (6 - 7) : تمضي رواية ليلة القدر لتصوير المزيد من المتناقضات في البناء الإجتماعي, انتجتها حالة التردي العام , فالفقراء الذين يعيشون ,على حافة المجتمع. يدفعهم التهميش لمغامرة الهجرة- قوارب الموت- أو التورط في عالم الجريمة .. يحاولون تعويض شعورهم بالإنسحاق, في العنف البدائي للجريمة , الذي يستمد سطوته هنا من عنف آخر في التاريخ الوطني والقومي, الذي كالقطة التي تأكل صغارها في ظاهرة مروعة ,فيتبدى هنا سؤال المشروعية حول تصفية الخصوم السياسيين ..


              مشروعية العنف فيما أقامه الراوي من حوار بين أشكال من العنف يرتبط كل منها بظروف ومواقف وزمن مختلف, تمثل حادثة التحكيم بين معاوية وعلي(9) والطريقة التي استشهد فيها أسد الله حمزة مبتدأ لخبر تعدى حدود الزمن والمكان " عند مدخل احد الأزقةإصطدم به وجها لوجه .نطحه برأسه نطحة سريعة قوية فتناثرت الدماء من أنفه وهو يسقط على الأرض (...) أخرج سكينه وطعن غريمه في ساقه طعنة خفيفة(...) في لمحة البصر كان المافيا يستل خنجره الكبير ويهوي على عنقه .. ولا أحد فهم لماذا صرخ قائلا وهو يحز عنق ضحيته من الوريد إلى الوريد : هكذا كان يفعل المجاهدون بالخونة يا إبن الكلب (10)" ..


              (7 - 7) : في ليلة القدر تتشكل لوحة رهيبة ,تتقاطع عليها كل الأزمات والهموم الخاصة والعامة ,ليبرز بصورة خفية سؤال التقدم في مواجهة التردي والتخثر العام, الذي يضع المعتقد موضع تساؤل "ليلة القدر خير من ألف شهر ..أي خير يا رباه (11)..." .. ففشل مشاريع النهضة الوطنية في بناء الجنة الأرضية وتحت وطء وحصار اليومي بضغوطاته الممزقة , مثّل حافزا قويا للتطلع إلى الجنة السماوية لا كمعتقد , بل كملاذ لما حرمت منه النظم المستبدة شعوبها ,من أحلام في السلم الإجتماعي والأمن النفسي "وها هي أرواح العباد تتوق غلى الصعود والإبحار في غياهب الفضاءات المجهولة(12) " .. وحيث تفشل العلوم المرتبطة بالتنمية المادية في إعادة إعمار حياة الناس تطرح السينما نفسها كبديل تعويضي ,لإشباع الأحلام التاريخية الهاربة , فالناس منهكين نال منهم تعب مصارعة الحياة ,وتأذوا أذيً بليغا وهم بحاجة للسلام النفسي, الذي يتعاطون فيه مع مخزونات وجدانهم الثقافي التاريخي, كيما يتمكنوا من تفريغ شحنات بؤسهم المريع, في تراجيديا البطولة كما تواترت إليهم في سيرة أبطال عقيدتهم الدينية , لذا يستبدلون هزيمتهم وتراجيدياتهم المعاصرة بالإنتصارات التراجيدية في التاريخ " من ذلك الرماد خرج فيلم"الرسالة" كالعنقاء(13) (...) ولأن حمزة أسد الله هو وحده الذي ظهر مجسدا فقد تجسدت فيه أحلامهم وآمالهم التي حاول الواقع المر غجتثاثها من كيانهم(14) " .. هذا التعاطي بين مشاهدين حزانى مع تاريخ أسلافهم ,يحول طاقة البؤس والحزن فيهم إلى طاقة عنف جبارة , فيصطدمون بالسلطة , بما هي في اللحظة المعاصرة, إعادة إنتاج للفكر الجبري ومؤسساته التاريخية الغاشمة ممثلة في أسوأ نماذجها – الحجاج بن يوسف الثقفي – الذي هو المعادل الموضوعي لرئيس الشرطة " غضب رئيس الشرطة حين تجاهلة الجميع ولم يلتفت إليه أحد .. نزع الرشاش الأوتوماتيكي الامريكي الصنع من يد أحد اعوانه(15) " ..


              تحيلنا رواية ليلة القدر هنا في مسكوت حديثها السردي إلى فكرة جوهرية تتمثل في أن هؤلاء الشخوص الذين يمشون بيننا الآن ,هم في الواقع خلاصة ما صاغه عليهم أسلافهم , بل هم الآن على النحو الذي أرادهم اسلافهم أن يكونوه .. فهم مثل الظواهر لا تنفصل عن جذورها , تماما كما لا تنفصل النتائج عن مقدماتها .. لذلك لاستبدادهم جذور عميقة في وجدانهم الثقافي المتمدد من فضاء التاريخ إلى اللحظة الحاضرة " أخرج مسدسه الرفيع وصوب على الؤوس .. رأس أبي هريرة الذي كان محمولا على الأكتاف واطلق النار (...) مشى فوق الجثث وصعد على النصب التذكاري ورفع جرة بلاستيكية كان يحملها في يده إلى أعلا راسه وأفرغ ما فيها على جسده (...) وهج الشعلة المتحركة فوق نصب الشهداء سحرت الناس بدت لهم فكرة عبقرية الخلاص في ابهى صوره وتجلياته فلا النهضات ولا التنوير ولا الثورات أستطاعت ان تخلص الإنسان من بؤسه (...) هجم الشباب على محطات البنزين المنتشرة في المدينة .. يضخونه وياتون به إلى الساحة (...) يرفصون في نشوة غامرة وأجسادهم تشتعل (16).."..


              هوامش :


              (1) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (2) (2) ترتبت حادثة التحكيم بين سيدنا علي (رض) ومعاوية بن أبي سفيان على خلفية فتنة مقتل سيدنا عثمان(رض) .. وعبد الله إبن عباس وعمرو بن العاص هما بطلا التحكيم , وبخداع عمرو إبن العاص لإبن عباس بإبقاءه لمعاوية على العكس من خلع إبن عباس لعلي تفرق الناس ايدي سبأ إلى يومنا هذا , فقد كان التحكيم – بسبب معاوية وإبن العاص- أشبه بإلإنتخابات المزورة في بلداننا في العصر الحالي.وهذه إشارة جديرة لكي ندرس تاريخ الإستبداد والتزوير في تاريخنا.


              (3) (3)سيدنا حمزة قبل أن يكون عما للرسول (ص) فهو أخوه بالرضاعة , كما انه كان صديقا للرسول(ص) أكثر من كونه عمه ..بطولة حمزة وخطورته تتبدى منذ الوهلة الاولى في أنه في اللحظة التي أسلم فيها كف سفهاء وأشراف قريش عن إيذاء الرسول(ص) لمهابتهم حمزة . وخشيتهم سطوته . ما هو مهم هنا الإنتباه لشخصية أسطورية مثل حمزة وتوظيفها في النص ليلة القدر , فيما يشبه إلتقاء النقائض فأسد الله ورسوله عاش حياة مثالية البطولة كما هو معروف في أسرودة معركة بدر , وأنتهى نهاية مأساوية في ليلة القدر على يد وحشي وهند بنت عتبة ..


              (4) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (5) (5) وفقا للأسطورة هو طائر وحيد سكن الجنة , والجنة هي الخلود .. إنزعج هذا الطائر من عمره المديد ورغب في الموت , لذلك قرر أن يرحل إلى الأرض حيث الموت .. وفي الأرض أصابته شرارة نار وهو في عشه , فأحترق وانتهت بذلك حياته , لكن بعد مدة قليلة من الزمن بعث من جديد في انقاض رماد إحتراقه , فنفض بجناحيه الرماد ومضى إلى عالمه السماوي .. طائر الفينيق مثل الشمس تحتضر في الأفق الغربي لتبعث في الافق الشرقي .. وهو أيضا رمز للسلم في ركام الحرب .. انه كليلة القدر تماما وعد وأمل .. لذلك قصدت هنا مقاربة أسطورته فيما انطوى عليه نص ليلة القدر من معان مماثلة ..


              (6) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (7) (7) ترتبط سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام - وهي قصة معروفة في بابل , بل ومنذ بدأ الرسل يبعثون لتخليص البشرية من عذابها - بشكل صميمي بالنار .. وللنار تاريخ عريق , فلطالما أحرقت فيها البشرية ضحاياها قربانا لملوكها ..كما أن النار هي السجن الأبدي للأشرار ..والنار هي أداة العقاب الاساسية في العالم الآخر للكتابيين ..على هذه الخلفية قرأت "النار" كمقترح نقدي لعبد الرشيد حاجب في ليلة القدر ..


              (8) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (9) (9) أشرنا لحادثة التحكيم فيما سبق ..


              (10) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (11) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (12) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (13) العنقاء طائر أسطوري فتاك .لا يلوح سوى في الغرب .هلك هذا الطائر الفتاك في خاتمة المطاف – وفقا للاسطورة- بدعوة أحد الأنبياء .. الجزائر بلد مغاربي – جزء من المغرب الكبير – لذا أتصور أنه يرتبط – شعبيا – بهذه الأسطورة أكثر من المشارقة .. على ضوء هذه الخلفية يمكننا قراءة فلم الرسالة .. من حيث تغيب الشمس !!..


              (14) http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=45984


              (15) السابق


              (16) نفسه
              التعديل الأخير تم بواسطة أحمد ضحية; الساعة 16-05-2010, 17:21. سبب آخر: خطأ طباعي .
              [mark=#FFFFCC]
              الحزن لا يتخير الدمع ثيابا
              كي يسمى في القواميس بكاء ..
              الصادق الرضي
              [/mark]

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                عدت إلي نصك عبد الرشيد
                كم كنت بارعا وماكرا في بناء هذا النص
                و كم ملأتني دراسة الكبير أحمد ضحية

                عساك بخير أخي

                محبتي

                يعد نصك نبوءة راسخة بربيع الثورات العربية
                sigpic

                تعليق

                يعمل...
                X