المرأة والدجاج في " الليالي " و " الأيام "

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إبراهيم كامل أحمد
    عضو أساسي
    • 23-10-2009
    • 1109

    المرأة والدجاج في " الليالي " و " الأيام "



    [align=justify]
    أجمع نقاد الأدب على أن " جيوفاني بركاشيو " مؤلف كتاب " ديكاميرون " قد اقتبس من أدب الشرق ما رصع به صفحات كتابه وتأتي حكايات ألف ليلة وليلة في مقدمة المراجع التي استقى منها بوكاشيو ولم يكتف بنقل بعض حكايات ألف ليلة وليلة مع تغيير أسماء الأبطال وأماكن الأحداث بل أيضاً اتبع نفس أسلوب سرد الحكايات مع إدخال التعديل عليه فبدلاً من شهرزاد الراوية الوحيدة التي تروي حكاياتها على مدي ألف ليلة وليلة نجد في كتاب بوكاشيو عشرة رواة ثلاثة شبان وسبع شابات، يروي كل منهم قصة في كل يوم على مدي عشرة أيام. ومن هنا جاءت تسمية الكتاب " الأيام العشرة ".

    ومن أسعده الزمان بقراءة حكايات ألف ليلة وليلة في زمن الصبا.. مرحلة الخيال المتوهج المبدع.. ثم أتيحت له قراءة كتاب الأيام العشرة " الديكاميرون " لا يجد صعوبة ولا يستغرق وقتاً طويلاً كي يحدد أي الحكايات نقلها بوكاشيو رغم ما قام به من محاولات لتنكير الحكايات بتغيير أسماء الأبطال وأماكن الأحداث ويبدو بجلاء لقارئ الديكاميرون أن بوكاشيو قد أتيح له الإطلاع على حكايات ألف ليلة وليلة وفتن بعوالمها الساحرة الأخاذة وأجواء الغرام الخلابة فيها، فأخذ يرتاد تلك العوالم ويعيش في تلك الأجواء على حصان خياله المجنح كواحد من الرواد الذين اجتذبهم سحر الشرق.. وقد دعا هذا ريتشارد لوينسون مؤلف كتاب " تاريخ العلاقات الجنسية " إلي القول " كان بوكاشيو هو " ماركو بولو " الغرام ثم يضيف ولم يتعلم هذا الفنان الغرامي فنون عشقه من الغرب وإنما من الشرق .. فنسبة كبيرة من القصص التي تتألف منها الديكاميرون " مجموعة من 100 قصة تحكي في 10أيام " وليدة العبقرية العربية الشرقية.

    ولا يتمتع كتاب الأيام العشرة " الديكاميرون " وكذلك الحال بالنسبة لكتاب " ألف ليلة وليلة " بسمعة طيبة فكلاهما ينظر إليه على أنه من الكتب الجنسية، وقد تعرض كتاب الأيام العشرة للمصادرة وحتى حينما سمح بتداوله قامت لجنة من علماء اللاهوت بحذف بعض فقرات بسيطة من قصصه. ولا ينبغي أن نتعجل في إصدار الحكم على الكتاب أو مؤلفه.. فالحق أن بوكاشيو كان ينظر بعين العطف إلي النساء في زمانه ( القرن الرابع عشر الميلادي ) .. ويري أن قصص كتابه مؤازرة أو مواساة بمعني أصح يجب تقديمها إلي السيدات الرقيقات قبل الرجال.. وقد بين بوكاشيو في نهاية تقدمته للكتاب الفائدة التي يمكن أن تجنيها السيدات من حكايات الأيام العشرة : " ومن هذه الحكايات قد تستمد السيدات المذكورات كلاً من المتعة المنبعثة من الأشياء المسلية التي تتضمنها الحكايات والمواساة " .

    والحكاية التي اقتبسها بوكاشيو من ألف ليلة وليلة ووضعها بين حكايات اليوم الأول وجعل عنوانها " كل النساء سواء " هي نفس الحكاية التي روتها شهرزاد في الليلة 568 ضمن " حكاية تتضمن مكر النساء وأن كيدهن عظيم ".. ومن الكلمات الأولي للراوية في " الليالي " – وزير أحد ملوك الزمان – والراوية في " الأيام " - فياميتا إحدى الشابات الثلاث – تتضح النظرة إلي المرأة والهدف من رواية الحكاية في كل من " الليالي " و " الأيام ".. ففي الليالي ينظر إلي المرأة على أنها مخلوق ماكر قادر على الكيد، والهدف من الحكاية التدليل على صدق هذه النظرة.. بينما في الأيام ينظر إلي المرأة على أنها مخلوق راجح العقل تستطيع بذكائها ولباقتها أن تصد أي هجوم يستهدف شرفها، فتكون " أمنع الحصون " كما وصفها نابليون..

    وتتلخص الحكاية في أن أحد ملوك الزمان المغرمين بحب النساء في " الأيام " هو الملك فيليب الملقب بقصير النظر.. يطمع في زوجة وزيره ذات الحسن والجمال – في " الأيام " هي زوجة المركيز دي مونتفيرا – فيأمر وزيره أن يسافر إلي بعض جهات المملكة ليطلع عليها – في " الأيام " مضى المركيز مع جماعة من الأمراء المسيحيين في حملة صليبية ضد الأتراك ثم يزور الملك بيت الوزير ليراود زوجته عن نفسها – ويطلب الملك أن تضيفه المركيزة على مائدة العشاء ظاناً أنه لن يعجز عن إشباع نزواته مادام المركيز متغيباً وتدرك الزوجة الذكية الوفية أيضاً الخطر المحدق بها، فتعمد إلي الحيلة لتدفع عنها الخطر الذي يهدد شرفها – ففي " الليالي " تأتي زوجة الوزير للملك بكتاب يقرأ فيه إلي أن تنتهي من صنع الطعام له، وهو كتاب مواعظ وحكم وجد فيه الملك ما زجره عن الزنا وكسر همته عن ارتكاب المعاصي وفي " الأيام " تدعو المركيزة القوم من الجيران الذين تخلفوا عن الحرب كي تستشيرهم فيما يتطلبه استقبال ذلك العاهل وبهذا تستمد من وجودهم الطمأنينة – ثم يلعب الدجاج الدور الحاسم في صد الهجوم المستهدف لشرف الزوجة، ففي " الليالي " أعدت زوجة الوزير 90 صحناً مختلفة الأنواع وطعمها واحد وفي " الأيام " اشترت المركيزة كل ما كان في الريف من دجاج، وأمرت الطهاة أن يعدوا من هذه الدجاجات كل ما يستطيعون من ألوان الطهي.. وحين يتساءل الملك عن السر في كثرة الأنواع والطعم واحد.. تفاجئه الزوجة بالإجابة فيخجل وينسحب ففي " الليالي " ترد الزوجة " أصلح الله حال مولانا الملك.. إن في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهن واحد " وفي " الأيام " تجيب الزوجة على سؤال الملك – ألا تربون في ريف هذا الإقليم غير إناث الدجاج وحدها ؟.. بقولها " ليس الأمر كذلك يامولاي وإنما قصارى القول أن النساء هن كغيرهن في الألوان الأخرى وإن تباينت ثيابهن وألقابهن ".

    في " الأيام " تنتهي الحكاية بذهاب الملك الذي رأى أن يغطى قدومه غير المشرف برحيل متعجل.. ولكن في " الليالي " لا يقف الأمر عند هذا الحد بل تتصاعد الأحداث وتتأزم.. فالملك بعد أن سمع رد زوجة الوزير وفي غمرة خجله نسي خاتمه تحت وسادة الوزير ويعود الوزير من سفره ويعثر على خاتم الملك، فيهجر زوجته مدة سنة كاملة لا يكلمها.. ولما كانت الزوجة لا تعلم شيئاً عن خاتم الملك ولا تدري سبباً لهجر زوجها، لذا تلجأ إلي أبيها تشكو له مما تقاسيه من هجر زوجها.. ويقرر الأب أن يشكو الوزير زوج ابنته إلي الملك.. ويلجأ الأب الحكيم إلي الرمز في عرض شكواه - وهذا الجزء من الحكاية من الأدب الرفيع الذي أبدعه القاص الشعبي - ويدور الحوار بين الأب والملك والوزير على النحو التالي في حضور قاضي العسكر:

    الأب: أصلح الله تعالى حال الملك.. إنه كان لي روضة حسنة " الزوجة " غرستها بيدي وأنفقت عليها مالي حتى أثمرت وطاب جناها.. فأهديتها لوزيرك هذا، فأكل منها ما طاب له ثم رفضها ولم يسقها فيبس زهرها وذهب رونقها وتغيرت حالتها.
    الوزير: أيها الملك صدق هذا فيما قاله.. إني كنت أحفظها وأكل منها.. فذهبت يوماً إليها فرأيت أثرالأسد هناك " خاتم الملك " فخفت على نفسي فعزلت نفسي عنها.
    الملك: " وقد فهم أن الأثر الذي وجده الوزير هو خاتمه " أرجع أيها الوزير لروضتك وأنت آمن مطمئن فإن الأسد لم يقربها.. وقد بلغني أنه وصل إليها ولكن لم يتعرض لها بسوء وحرمة أبائي وأجدادي.

    لقد عاد القاص الشعبي إلي الحق وأنصف المرأة، وبين أن الزوجة الشرقية لها حقوق، ولا يحل للزوج أن يهجر زوجته ويحرمها مودته فتكون فريسة سهلة للفتنة.. وبذا يكون القاص الشعبي قد عوض المرأة عن وصفها بالمكر والكيد في بداية الحكاية.. ولا ينبغي أن نسرف في اتهام القاص الشعبي بالتجني على المرأة ووصفها بالكيد والمكر حتى وإن كان عنوان الحكاية " حكاية تتضمن مكر النساء وأن كيدهن عظيم " فالقاص الشعبي نسج حكاية على منوال حكاية سيدنا يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، والتي جاءت في القرآن الكريم، ثم كتبت مراراً ورويت كثيراً بعنوان " يوسف وزليخا " .. فالقاص الشعبي في الليالي يحكي عن محظية الملك التي اتهمت ابن الملك زوراً وبهتاناً بمراودتها عن نفسها.. فيغضب الملك ويأمر وزراءه بقتل ابنه الوحيد الذي رزق به بعد اليأس، وأعده حتى يرث الملك من بعده.. خاف الوزراء أن يندم الملك بعد قتل ولده ويرجع عليهم باللوم ومن هذه اللحظة وعلى مدي سبعة أيام تتبارى المحظية مع الوزراء فهي تحكي للملك قصصاً عن كيد الرجال ومكرهم وظلمهم للنساء، بينما يحكي الوزراء حكايات عن مكر النساء وأن كيدهن عظيم.. فالقاص الشعبي أراد أن يجعل من القارئ أو المستمع حكماً في هذه القضية الخالدة.. قضية آدم وحواء ومن منهما الظالم ومن المظلوم ؟.. ولعل القاص الشعبي كان أيضاً يعطف على المرأة في زمانه وكان زمان.. فأول حكاية تروى للتدليل على مكر المرأة وأن كيدها عظيم بطلتها زوجة الوزير الذكية الوفية وهي ضحية طمع ملك زير نساء وهي بعفتها وذكائها وسعة حيلتها تحمي شرفها وتلقن الملك العابث درساً يعيده إلي طريق الصواب.

    وبعد أن تبين لنا أن بوكاشيو قد نقل حكاية " كل النساء سواء " عن ألف ليلة وليلة فهل يمكن أن نتقدم خطوة أخري للتعرف على النبع الذي استقي منه القاص الشعبي حكايته التي ضمنها " الليالي " ؟.

    لقد استمد القاص الشعبي حكايته من قصة " زوجة أوريا " التي وردت في العهد القديم من الكتاب المقدس وهي قصة من وضع اليهود الزنادقة المجترئين على مقام نبي كريم هو سيدنا داود عليه السلام.. وتقول تلك القصة : " أن داود عليه السلام رأي زوجة أوريا " عبده وأحد قواده " فأحبها وأراد أن يتزوجها، فأرسل " أوريا " إلي القتال على رأس جيش ليقتل فيتزوجها!! فانتصر أوريا وعاد سليماً فأرسله ثانياً وثالثاً إلي أن قتل، وتزوج داود عليه السلام زوجته " وقد جاء في القرآن الكريم " هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغي بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلي سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال : اكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلي نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب * فغفرنا له ذلك إن له عندنا لزلفي وحسن مئاب " (سورة ص، الآيات 21-25) .. وقد ذهب بعض المفسرين إلي الأخذ بقصة زوجة أوريا وأن الخصمين ملكان أرسلهما الله تعالى إلي داود ضربا له مثلاً لكي يفهم ما فعل بأوريا.

    والحق أن هذا الرأي قد جانب الصواب واتبع ما لفقه اليهود وقد قال سيدنا على بن أبي طالب رضى الله عنه : " من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين " وهو حد الفرية على الأنبياء عليهم السلام.

    ومن يتأمل في حكاية " الملك وزوجة الوزير " وحكاية " زوجة أوريا " يجد التشابه واضحاً دون عناء فالملك يرسل الوزير بعيداً ولديه تسعون محظية والخصمان يحتكمان إلي الملك، واستخدم الرمز في الإشارة إلي الزوجة فالخصمان اللذان احتكما إلي داود عليه السلام عبر أحدهما عن الزوجة بالنعجة ورمز أب زوجة الوزير إليها بالروضة.

    ويمكن أن نلخص الأمر بأن القاص الشعبي في الليالي نقل حكايته عن قصة زوجة أورياه وهي من الاسرائيليات التي كان يتداولها القصاص، وجاء بوكاشيو فنقل حكايته عن الليالي وقد تصرف كل من القاص الشعبي وبوكاشيو في الحكاية، وأعاد صياغتها وفقا لما ارتآه ولكن يبقي المغزي من الحكاية واحد وهو أن كل النساء سواء وعلى الإنسان أن يقنع بزوجته أو زوجاته ولا يطمع في زوجات الآخرين.
    [/align]
    [CENTER][IMG]http://www.almolltaqa.com/vb/picture.php?albumid=136&pictureid=807[/IMG][/CENTER]
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    #2
    من روائع الدراسات فى الأدب المقارن ..

    لقد تمتعت بقراءة هذا البحث الذى كتبه الأستاذ القدير إبراهيم كامل أحمد
    وتذكرت "حكايات كانتربرى" ل جيفرى تشوسر "أبو الأدب الإنجليزى ، إبان تحول اللغة الإنجليزية من لهجةعامية إلى لغة أدبية محترمة "
    والمولود مابين عامى (1340م -1345م) والمتوفى فى 25أكتوبر 1400م.

    قام على ترجمة هذا العمل ..الدكتوران /مجدى وهبة وعبدالحميد يونس
    وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1983م .
    512صفحة من القطع الكبير .

    كم كانت متعتى حين قرأته وقت صدوره وتعليقاتى على أحد هوامشه

    "التشابة والتقارب بل والتطابق بين الحكايات والليالى يكاد يقفز من بين سطور الحكايات ،فيما يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة .

    التأثير المتبادل بين الحضارات ،هو نقطة الارتكاز والانطلاق فيما يجرى من سرد حكائى ممتع "

    تعليق

    • إبراهيم كامل أحمد
      عضو أساسي
      • 23-10-2009
      • 1109

      #3
      دائماً تكرمنا بجديد

      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرؤوف النويهى مشاهدة المشاركة
      من روائع الدراسات فى الأدب المقارن ..

      لقد تمتعت بقراءة هذا البحث الذى كتبه الأستاذ القدير إبراهيم كامل أحمد
      وتذكرت "حكايات كانتربرى" ل جيفرى تشوسر "أبو الأدب الإنجليزى ، إبان تحول اللغة الإنجليزية من لهجةعامية إلى لغة أدبية محترمة "
      والمولود مابين عامى (1340م -1345م) والمتوفى فى 25أكتوبر 1400م.

      قام على ترجمة هذا العمل ..الدكتوران /مجدى وهبة وعبدالحميد يونس
      وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1983م .
      512صفحة من القطع الكبير .

      كم كانت متعتى حين قرأته وقت صدوره وتعليقاتى على أحد هوامشه

      "التشابة والتقارب بل والتطابق بين الحكايات والليالى يكاد يقفز من بين سطور الحكايات ،فيما يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة .

      التأثير المتبادل بين الحضارات ،هو نقطة الارتكاز والانطلاق فيما يجرى من سرد حكائى ممتع "
      الأديب المفكر المستشار عبد الرؤوف النويهي

      [align=justify]
      دائماً تأتينا بجديد وتعرفنا علي أصدقائك من الكتب القيمة التي تربطك بها علاقة حب حميمي وتبتل في محراب المعرفة وتقدم ومضات فكرك التي تهدينا إلي آفاق جديدة.. دمت رباناً قديراً يبحر بنا في بحار المعرفة.
      [/align]
      [CENTER][IMG]http://www.almolltaqa.com/vb/picture.php?albumid=136&pictureid=807[/IMG][/CENTER]

      تعليق

      يعمل...
      X