ا لمثقّف العربيّ .. ظالمٌ أم مظلوم؟ د/عبد الله الفيفي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    ا لمثقّف العربيّ .. ظالمٌ أم مظلوم؟ د/عبد الله الفيفي

    المثقّف العربيّ .. ظالمٌ أم مظلوم؟

    بقلم: أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

    ونحن نناقش العلاقة بين الثقافة والمتلقي لا منجى لنا من إعادة النظر في الواقع بعينين جديدتين..

    هل الثقافة ما زالت كما كانت قبل عشر سنوات؟

    وهل المتلقي ما زال كما كان قبل عشر سنوات؟

    والإجابة عن هذين السؤالين: بالنفي، فمفهوم الثقافة المعاصرة قد اختلف، والمتلقي كذلك قد تغيّر.

    وعليه، سندرك أن ثقافتنا المحلية، العربية، وفق أنساقها التقليدية- وعلى افتراض حراكها- ما تزال كما هي قبل مئة سنة!

    تطوّر الإنسان، وترقّت التقنية، ونشأت أجيال تجول العالم وتتقرّأ نبضه، من شرقه إلى غربه، عبر مفاتيح حاسوب صغير، وواقعنا الثقافي ما يزال يؤمل أن تحضر الجماهير الغفيرة محاضرة علمية أو أمسية شعرية أو تقرأ كتابًا عن الزير سالم!

    نشأت أجيال تتذوق ألوان المعرفة من كل العالم، وتنفعل لثمارها من خلال نابض "الريموت كنترول"، وواقعنا الثقافي ما يزال يشكو من إدبار الناس عن حضور فعالياته المتراكمة بلا حضور، ومنشوراته المتآكلة بلا توزيع يذكر!

    نحن اليوم في عصر يؤذن بأن يتحول الكتاب فيه أو الصحيفة من مادة ورقية إلى مادة إليكترونية، وصار بإمكانك أن تقرأ صحف العالم وتتابع نشاطاته الثقافية، وعطاءاته الفكرية والفنية، وبشتى اللغات، بمجرد امتلاكك حاسوبًا "كَفّيًّا"، يصاحبك في جيبك حيثما كنت!

    إذن، الشقة بين الثقافة والجمهور هي نتاج عقلية توقفت عن النموّ منذ عقود، في أمة مستهلكة، لا مبدعة ولا منتجة، تكل شؤون ثقافتها لكبار سنها، وتسلم مفاتيحها لصغار الآخذين بأسباب الحياة. فالثقافة في شكلها التقليدي لم تعد مقنعة ولا مغرية لأحد، حتى لمقدّميها أنفسهم، وإنما تقدم غالبًا بحكم المهنة أو المناسبة.

    ووسيلة اتصال الثقافة التي نريد بالمتلقي الذي نريد ما تزال بدائية جدًّا.

    فعلام نلوم المتلقي، وهو يملك الوصول إلى المعرفة في مرقده، ويلوك من الثقافة ما تيسر بأقل كلفة، إنْ جادة كانت أو عابثة.

    إن تجسير تلك الهوّة بين الطرفين- المثقف والمتلقي- لا يتأتى إلا بإدراك أن تقديم المادة هو أهم من المادة نفسها، وأن ذلك في الغرب- على سبيل المثال المعتاد- قد بات فنًّا وعلمًا وصناعة، وليس بمثالية مطلقة، كما يحلو لنا أن ننعت الغربيين والشرقيين، على حين نجلد أنفسنا. مكررين أن معدّل القراءة في العالم العربي لا يساوي عشر معشار قراءة الإنسان العادي في مجتمعات أخرى، وهذا صحيح في جانب ولكن آليات القراءة كذلك اختلفت عن ذي قبل.

    على أن تجسير ما بين الثقافة والتلقي غاية لا يكفلها التمنّي، بل تكفلها التربية الاجتماعية والوطنية والقومية، التي تبذر حب المعرفة والانفتاح على مشارق الثقافة المختلفة، أوّلاً، ثم تصطنع الوسائل المحفّزة والمثيرة، والمواكبة لمستجدات العصر، وإلا فإن البدائل- صالحها وطالحا- تغرق الواقع وتسدّ الأفاق.

    وعليه، فالمثقف العربي ظالم لنفسه إن لم يع التحوّلات الثقافية العالميّة وظلّ يظن أنه بوسائله العتيقة سيصل إلى الناس، مظلوم إن بقيت المؤسّسات لا تقدّمه إلا عبر تلك الوسائل، أو تُعرض عنه لأنها تنظر إلى الثقافة بمعايير قديمة وتنتظر أن يتقدّم بأعماله ويؤثّر في المجتمع عبر وسائط لم تعد فاعلة في هذا العصر، في الوقت الذي لا تعترف تلك المؤسّسات- إلا على استحياء- بالتقنية الحديثة ودورها في العطاء والتفاعل.

    أ. د. عبدالله بن أحمد الفيفي
    19 ديسمبر 2009

    [email]aalfaify@yahoo.com[/email
    ]
    [url]http://alfaify.cjb.net[/ur[l
    ]

    ـــــــــــــــــــــ
    المصدر:
    * إضبارة من أعمال الشاعر الأستاذ الدكتور/ عبدالله الفَيفي.
    تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
    1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
    2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
    3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.

    التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 19-12-2009, 09:13.
    http://www.mhammed-jabri.net/
  • اسماعيل الناطور
    مفكر اجتماعي
    • 23-12-2008
    • 7689

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة محمد جابري مشاهدة المشاركة
    المثقّف العربيّ .. ظالمٌ أم مظلوم؟

    بقلم: أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

    إذن، الشقة بين الثقافة والجمهور هي نتاج عقلية توقفت عن النموّ منذ عقود، في أمة مستهلكة، لا مبدعة ولا منتجة، تكل شؤون ثقافتها لكبار سنها، وتسلم مفاتيحها لصغار الآخذين بأسباب الحياة. فالثقافة في شكلها التقليدي لم تعد مقنعة ولا مغرية لأحد، حتى لمقدّميها أنفسهم، وإنما تقدم غالبًا بحكم المهنة أو المناسبة.

    هذة عينة يمكن إدراجها تحت موضوعنا
    تخصيب الغباء وتخصيب اليورانيوم
    http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=46192

    تعليق

    • منى عبد الحافظ
      عضو الملتقى
      • 15-12-2009
      • 18

      #3
      الأستاذ الفاضل /محمد الجابرى
      اسمح لى أن اختلف مع سيادتكم كليا
      المثقف العربى هو المثقف العربى ولكن أين القنوات الشرعية التى تستقطب
      فكره وعقله والله ياسيدى إنى انتحب حزنا وأسى واتمزق من هول ما أرى
      كتاب الأدب العربى ينتسب اغلبهم بكل أسف أنصاف مثقفين لابد لهم من شروط
      مجحفة للإنضمام وهى أن يكون لهم اصدار أى كتاب وعليه يصبح كاتبا له اسمه
      أى ظلم هذا ؟؟أى فكر عقيم نتذرع به ؟؟
      قتلوا داخلنا الإبداع الحقيقى
      الغث والثمين لانفرق بينهما وكأننا فى سوق بارت فيه السلع
      والله ياأستاذى الكريم ندخل ساحات الأدب فنرى الإسفاف والكلام
      التفاهه حتى طاقت نفسى لمنبرجديد أزود به عن نفسى حالات اليأس
      والأسى
      أما الجمهور المتلقى لانلقى عليه لوما لأنه مسكين حقا يقبع أمام
      التلفاز جفت الأقلام أمامه فلايجد الجيد الحسن ليحكم عليه
      عذرا لبوحى ربما أكون نحوت منحى مؤلم فى مقالكم
      دمتم برقى ونقاء
      [align=center[COLOR=green][B][U][I]]منى عبد الحافظ[/I][/U][/B][/COLOR]
      [COLOR=green][B][U][I]قلم رصاص ينطلق نحو الهدف[/I][/U][/B][/COLOR] [/align]

      تعليق

      • د. م. عبد الحميد مظهر
        ملّاح
        • 11-10-2008
        • 2318

        #4
        الأستاذ محمد جابرى

        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

        هل ممكن ات تدعو الأستاذ صاحب المقال أ. د. عبدالله بن أحمد الفيفي إلى الملتقى للحوار حول مقاله.

        وتحياتى

        ملحوظة: هناك عدة تعليقات على مقال د. حازم خيرى (أوهام بعضها فوق بعض ) و لكنه لم يأت حتى الآن للرد على ما كتب ، ولذلك يجب التنويه.
        التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 19-12-2009, 16:10.

        تعليق

        • فائز البرازي
          عامل مثقف
          • 27-10-2009
          • 95

          #5
          المثقف العربي ، ظالم أم مظلوم ؟

          أستاذي الفاضل / محمد جابري

          وحضرتك قد طرحت موضوع المثقف العربي ، من خلال رؤية د. عبد الله الفيفي ..
          أطمح بكرمك لإنارتي .. غن كانت الصفحة الموضوع هنا يسمح بطرح رؤيتي التي كنت قد سطرتها بعدد من الحلقات حول : ( أزمة المثقف العربي ) .. أم تفضل فتح صفحة جديدة ؟
          تقديري وإحترامي .

          تعليق

          • د. وسام البكري
            أديب وكاتب
            • 21-03-2008
            • 2866

            #6
            أهلاً وسهلاً بالأستاذ الفاضل فائز البرازي
            أرى أن وجهة نظرك صحيحة، وبالنظر إلى مطالبة أستاذنا الفاضل د. عبد الحميد مظهر صاحب الموضوع بالحضور للحوار، فأرجو أن يسمح لنا الأستاذ محمد جابري بدمج هذا الموضوع مع موضوع (أزمة المثقف العربي).

            فما رأيكم الكريم ؟.

            فلا نحذف ولا نكرر الحوار .
            د. وسام البكري

            تعليق

            • محمد جابري
              أديب وكاتب
              • 30-10-2008
              • 1915

              #7
              الأستاذ د. وسام البكري؛

              هي رسالة بعث بها أخونا د/عبد الله الفيفي، ببساطة أنا نشرتها لكونه رأيا ثقافيا يأخذ حظه من الأخذ والرد، وللإدارة ما تراه من جمع له مع موضوع أخر، أو غير ذلك.
              التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 19-12-2009, 19:59.
              http://www.mhammed-jabri.net/

              تعليق

              • فائز البرازي
                عامل مثقف
                • 27-10-2009
                • 95

                #8
                المثقف العربي

                المشاركة الأصلية بواسطة د. وسام البكري مشاهدة المشاركة
                أهلاً وسهلاً بالأستاذ الفاضل فائز البرازي

                أرى أن وجهة نظرك صحيحة، وبالنظر إلى مطالبة أستاذنا الفاضل د. عبد الحميد مظهر صاحب الموضوع بالحضور للحوار، فأرجو أن يسمح لنا الأستاذ محمد جابري بدمج هذا الموضوع مع موضوع (أزمة المثقف العربي).

                فما رأيكم الكريم ؟.


                فلا نحذف ولا نكرر الحوار .
                ============

                أستاذي الفاضل / وسام البكري

                اشكر تفاعلك ، ورأيك ..
                أما رأيي ، فهو مرهون بما تراه الإدارة مناسبآ ..
                من " وجهة نظري " فإن تلازم ( الهدف ) من المقال السابق الكريم ، ومن موضوعي " أزمة المثقف العربي " - وكما تفضلت حضرتك - سيكونوا في وساعة الطرح من محاور مختلفة ، وتكون الحوارات والردود والآراء في الموضوع ، محوطة في مكان واحد منعآ للتشتت .

                تقديري وإحترامي .

                تعليق

                • د. م. عبد الحميد مظهر
                  ملّاح
                  • 11-10-2008
                  • 2318

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة فائز البرازي مشاهدة المشاركة
                  أستاذي الفاضل / محمد جابري

                  وحضرتك قد طرحت موضوع المثقف العربي ، من خلال رؤية د. عبد الله الفيفي ..
                  أطمح بكرمك لإنارتي .. غن كانت الصفحة الموضوع هنا يسمح بطرح رؤيتي التي كنت قد سطرتها بعدد من الحلقات حول : ( أزمة المثقف العربي ) .. أم تفضل فتح صفحة جديدة ؟
                  تقديري وإحترامي .
                  عزيزى الأستاذ فائز

                  تحية طيبة

                  موضوع أزمة المثقف العربى من الموضوعات المُلّحة ، لاننا أصبحنا فى وضع يحتاج مراجعات لدور المثقف فى العالم العربى ، و خصوصاً ان البعض يعتبر المثقف هو من يقرأ و يلخص و يعرض بعض الموضوعات التى قرأها و يكرر عناوين وألفاظ و ينتهى دوره بعد ذلك.

                  فأبدأ بعرض موضوعك و لكن ربما يختلف طرحك مع طرح د. عبد الله الفيفى ، و خصوصا ان موضوعك على حلقات.

                  و تحياتى.
                  التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 20-12-2009, 20:14.

                  تعليق

                  • فائز البرازي
                    عامل مثقف
                    • 27-10-2009
                    • 95

                    #10
                    أزمة المثقف العربي - 1 -

                    أزمة المثقف العربي : 1/ 6
                    ================
                    المثقف .. من هو ؟
                    -------------------
                    يقول / المنجد في اللغة والاعلام / أن :
                    المثقف : هو الرمح في عرف الشعراء .. وهو الرجل ذو ثقافة .
                    ثقّف الولد : هذبه وعلمه . فتهذب وتعلم . فهو : مُثَقّف ، وهي مثقفة .
                    وهذا مستعار من : ثَقّف الرمح : قوّمه وسواه .

                    هذا التعريف " اللغوي " للمثقف يحمل بوضوح متلازمتين لابد من توفرهما في المثقف وهما :
                    التهذيب ، والعلم . أي : الأخلاق والمعرفة .
                    فكل معارف العالم بدون اخلاقيات تؤطرها وتحكمها ، يمكن أن تنقلب في أغلب الأحوال إن لم نقل كلها ، من خير وفائدة للبشرية ، إلى شر وضرر قد يصل إلى دمارها . كما ان الأخلاق بدون معرفة تبقى في حيز التعامل الذي لايعطي سوى فائدة محدودة ومنعزلة عن التأثير في المجتمع وفي مسار الإنسانية .
                    كيف يتشكل المثقف ؟
                    ---------------------
                    في إعتقادي أن المثقف هو مجرد إنسان عادي يملك ويخلق وينمي ملكات : ( المعرفة ، الوعي، الشك ) . .. " الشك الموضوعي " بكل ماحوله من مسلمات وأفكار . فهو الذي لايسلم باليقينيات وبالأحكام المسبقة المستقرة منها والمتقلقلة . فالشك هو أول خطوة دافعة على طريق ( البحث). والبحث هو الأداة التي لاعوض عنها في محاولة الوصول إلى قناعات تحسم هذا الشك ، والتي يمكن أن توصل هذا البحث إلى نهايات مستقرة بنتائج تزيل الشكوك والتساؤلات ، وقد لاتوصل على تراكماتها البحثية إلى نتائج نهائية حاسمة ، وبالتالي يبقى الشك قائمآ والبحث مستمرآ ، وإن تم التوصل إلى بعض النتائج المستقرة في زمانيتها ومكانيتها ، والمفتوحة على المستقبل عارضة نفسها – النتائج – لمزيد من البحث .
                    هذه السيرورة هي التي تخلق ما إصطلح عليه " بالإنسان المثقف " بما تراكم لديه من تراكمات معرفية وإدراكية وعقلانية واعية .
                    تراكيبية المثقف الفاعل :
                    -------------------------
                    ان من اهم المقومات التي يجب أن تتوفر في المثقف العربي ، ثلاثة مرتكزات لايمكن الفصل بينها أو تجاوز إحداها : ( المعرفة – الإرادة – الفعل ) ..
                    فالمعرفة : هي العلم بالحياة وإدراك حقائقها النظرية والتطبيقية ، وإستيعابها .

                    والإرادة : هي الإصرار على الفعل عند التمكن من توافر المعارف والحقائق والتحليلات وخيار القرارات . وهي " منظومة أخلاقية " مرتبطة بالعقيدة والقناعة ، والوجدان والضمير ، محددة ومساعدة على إدراك الصواب والخطأ ، والتي ستدفع " المثقف " إلى القيام بالفعل .

                    والفعل : هو الخطوة النهائية التي لابد أن تمارس وإلا تتحول المعرفة إلى مجرد شعارات ومقولات فاقدة لجوهرها ومبرر وجودها ، وتصطف في تقييمها مع معاني : البطر ، والرفاهية ، والمباهاة . فلا يعود لها – المعرفة – قيمة فاعلة كمستقر في العقل الإنساني . فيتساوى وجودها فيه كما وجودها في صفحات الكتب .
                    إذ أن " روح الثقافة الحية والإنسانية الفاعلة ، هي في أن يبدع المثقف / الإنسان ويفعل ، بعد أن يمتلئ بالمعرفة ، لا أن يردد معارف الآخرين " ..

                    وهذه المرتكزات / المقومات الثلاثة هي التي تصنع وتوجد " مثقفآ واعيآ مدركآ " لدوره ولوظيفته الفاعلة المؤثرة في غيره وفي المحيط وفي المعطيات وفي الواقع . وكما نوهت .. فإنها مترابطة ومتماسكة مع بعضها البعض . إذ من دون " المعرفة " لايمكن أن تتكون "إرادة" الفرد الواعية الفاعلة ، ففاقد الشيئ لايعطيه . ومن دون " الإرادة " الواعية سيتحول المثقف إلى " آلة تسجيل " تكرر ماسجل عليها من كلمات . ومن دون " الفعل " يفقد المثقف وظيفته ودوره وشرعيته وصوابية أفكاره .
                    ومن ذلك نستطيع القول أن للمثقف وظيفة ودور . ولا أبالغ إن قلت أن المثقف .. هو وظيفة . إذ أن صمت المثقف وعزوفه عن الإنتاج وعن الفعل ليس أمرآ سلبيآ مرفوضآ فحسب ، بل هو تخلي عن مفهوم ، يتعلق بوظيفته ، وشخصيته ، وكينونته .
                    إن على المثقف أن لاينقطع عن الفعل والتفاعل مع ذاته ومع مجتمعه ومع المؤسسات الإجتماعية والسياسية والمدنية والثقافية ، فهو صاحب " رسالة " . كما ان إستمرار المثقف في دوره وفعله يحول دون تفاقم حالة الإنسحاب واللامبالاة الثقافية والمعرفية المجتمعية ، ويحول دون تفرّد العملة الرديئة بالساحة الإجتماعية التي تشيع قيم الجهل والتخلف والرداءة والظلام . ويبدأ فعلآ تراكميآ بنقل المجتمع من حال إلى حال مطلوب وعيآ وفعلآ وتقدمآ ونهضة .

                    ================
                    فائز البرازي
                    1/6/2009

                    تعليق

                    • فائز البرازي
                      عامل مثقف
                      • 27-10-2009
                      • 95

                      #11
                      ازمة المثقف العربي -2-

                      أزمة المثقف العربي : 2/6
                      ================
                      ملامح لمثقفين :
                      ==========
                      مع متابعة كشف وتبيان ماهية المثقف وكينونته ووظيفته ، وأزماته التي يعيشها أو يواجهها ، لابد لنا أن نوضح الأطر التراتيبية للمثقفين حتى لا نُحمّل بعضهم أكثر مما يحتملون .
                      مستويات المثقف :
                      ------------------
                      وهنا لاأعني الإرتكاز على المعرفة التي ترتكز على المعلومة وعلى الحقائق فقط في تحديد هذه المستويات ، ولا نعني هنا تلك " النخبة " فقط ، بل أعني كما طرحت سابقآ الإرتكاز على تلازم ( العلم والأخلاق والعمل / الفعل ) . شاملآ للنخب والشعب بما يمكن أن يعطي درجات متفاوته في الثقافة / المثقف .
                      وقد تبنى الأستاذ / علي عبد الجليل علي / فكرة وجود عدة مستويات للمثقف هي :
                      1- ( مافوق المثقف ) :
                      وهي مرتبة " الأنبياء والرسل " بإمتلاكهم المعرفة المافوق إنسانية / الإلهية . ومنها مارسوا فعلهم / قدرتهم لتغيير الواقع الموجودين فيه إلى الأفضل .
                      2- ( المثقف المثال ) :
                      وهم العلماء والباحثين والفقهاء والمصلحين ، بما يمتلكون من معرفة وحكمة إنسانية وإرادة فعل . وهؤلاء كان لعلمهم ومعرفتهم وقناعاتهم الأخلاقية وفعلهم في المجتمع ، تأثيرآ مؤيدآ للحق والتطور والإصلاح . معارضين كل مامن شأنه مقيمآ للإستبداد والتحجر والتخلف . فكانوا في معرفتهم وثقافتهم وقناعاتهم وإرادتهم ، منبعآ للفعل وتوجيهه والتحريض عليه لنقله من الإنفعال إلى الفعل الواعي البناء .
                      3- ( المثقف / الواقع ) :
                      وهم الذين يملكون " المعرفة والأخلاق " لكنهم بتركيبتهم البشرية الذاتية لايملكون القدرة والإرادة على المواجهة والفعل لتغيير الواقع . خاصة عند " تغوّل " الواقع مترافقآ مع الضعف الإنساني . ومثقفوا الواقع يظهرون بشكلين ، مع أنهما متناقضين :
                      · " الإنسحاب إلى درجة الهروب " : فينغلقون على أنفسهم ، ويعيشون في ذواتهم وأبراجهم .
                      · " الإستلاب إلى درجة الذوبان " : حيث يهمشون أنفسهم ويسايرون الواقع المحيط ، بل أنهم يبررون هذا الواقع بشكل مفرط .
                      وما بين " الإنسحاب " ، وبين " الإستلاب " يفقدون قدرتهم على التوازن أو الحفاظ على التوجه السليم . بل يفقدون أيضآ القدرة والإرادة على الفعل رغم إمتلاكهم المعرفة .
                      4- ( مادون المثقف ) :
                      وهم الأفراد الذين " يملكون " القدرة والإرادة لإحداث الفعل والتغيير بسبب من سلطة أو قوة أو مال .. لكنهم لايملكون " المعرفة والعلم " ، بعيدون عن إمكانية الوعي بحقائق الأمور والمعطيات . فهم يؤمنون " فقط بالنتائج " بإعتبارها أهم من " مقدماتها " . وأن " الفعل " أعظم من " مقومات الفعل " . وبالتالي سيدخلون حتمآ في دائرة العداء مع من يملكون العلم والمعرفة والثقافة .
                      5- ( المغيب عن الثقافة ) :
                      وهم الهامشيون الغائبون عن المشاركة في الحراك المعرفي والثقافي . وقدرتهم على تحصيل المعرفة محدودة للعديد من الأسباب . ومحصورين في إدراكهم لأبجديات الحياة البسيطة ، مع محدودية كبيرة للفعل والمحصورة في أضيق نطاق .
                      المثقف الفاعل عبر التاريخ :
                      ----------------------------
                      بما أن التاريخ هو مستودع الحياة الإنسانية وتجاربها على مر العصور وتراكماتها ، كان لابد من الرجوع إليه – جزئيآ وإنتقائيآ – لإعادة عرض " بعضآ " من ملامح مثقفين ومفكرين مارسوا وظيفتهم ( قولآ وعملآ ) فقادوا البشرية في مراحلها الزمنية نحو التطور والتقدم والعطاء .. نحو الأفضل .
                      وإنني هنا في هذا العرض لبعض هؤلاء المثقفين ، وكتخصيص وليس كتعميم شمولي ، لأنهم أكثر من أن تحيط بهم عجالة أو بحث أو مجلدات . وأنا هنا لا أقيم أفكارآ ، بل أعرض أدوارآ مارسها هؤلاء المثقفين ، منطلقين من إستيعاب الثقافة والعلم والتجربة ، وإعادة إنتاج فكري ممارسي كان له الدور الكبير في تطور الإنسانية .
                      · إبن رشد :
                      -------------
                      وهو عن حق أنصع من مثّل المقولة المعروضة سابقآ : ( أن روح الثقافة الحية والفاعلة ، هي في أن يبرع المثقف ويفعل ، بعد أن يمتلئ بالمعرفة ، لا أن يردد معارف الآخرين ) .
                      فتعمق بالثقافة والحضارة اليونانية وفلاسفتها ، من دراسة وترجمة ، وعاش مع مشكلات أمته ومعوقاتها ، فكانت فلسفته المنجزة التي أقامها في معظمها على توضيح وتصحيح العلاقة بين : الفلسفة والدين – بين العقل والشرع . منتصرآ لأمته في وجه حكامها المستبدين الراكضين وراء الملذات ، مما أوصله إلى ماسماه العلماء والمفكرين والدارسين ( نكبة إبن رشد ) وصدامه المتكرر مع الخليفة / المنصور الموحدي / .
                      أنجز / إبن رشد / أكثر من مائة وعشرين مؤلفآ من أهم ماكتب في : الفلسفة ، والإجتماع ، والسياسة .
                      · ولابد من المرور السريع على ( محنة إبن حنبل ) المسماة " بمحنة خلق القرآن " . وأيضآ على ( محنة إبن تيمية ) وسجنه في قلعة دمشق ، مطلوبآ منه إعلان تخليه عن آرائه مقابل الإفراج عنه ، فرفض وقال قولته الشهيرة : [ مايصنع بي أعدائي ؟ ان جنتي وبستاني في صدري أينما رحت وكنت ] .
                      · ونتذكر / زيد بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين / ، وكان عالمآ فذآ قاد ثورة شعبية عارمة في الكوفة 121 هجرية ضد حكومة / هشام بن عبد الملك / ودارت فيها رحى حرب طاحنة إستشهد فيها / زيد بن علي / وكثير من أصحابه غدرآ . وبقيت جثته معلقة لمدة أربع سنوات مصلوبة في كناسة الكوفة ، ثم أحرقت وذريت في الفرات .
                      · ونستضيئ بأسماء تركت بصماتها وأفكارها حتى اليوم مثل : إبن خلدون –إبن حزم الأندلسي – وأخوان الصفا . ونستعيد بالذاكرة التاريخية : سقراط ،وافلاطون ، وأرسطو ، وصولآ إلى / ميكيافيلي / 1513ميلادية وكتابه ( الأمير ) وتساؤله الذي لايزال مهيمنآ على الفكر والسياسة : [ هل من الممكن أن ينحاز الحق للواقع ؟ ] .. وهو سؤال في غاية الأهمية لابد أن يطرحه كل مثقف على ذاته . إنه السؤال الذي يمثل الحق الواجب أن يكيف الواقع ويغيره ، لا أن ينحاز إليه . وهي معادلة شائكة تمثل الخيط الرفيع بين المثقف والواقع . ان على المثقف ألا يكون واقعيآ إلى درجة الإغراق والغرق ، وعليه في ذات الوقت ألا يكون خياليآ حالمآ إلى درجة الغياب والإغراب .
                      · ولابد من المرور : بتوماس مور ، وجان جاك روسو ، وسان سيمون ومفكري الثورة الفرنسية ، وألبير كامو ، كنماذج ثقافية غربية . وكذلك / كارل ماركس / و / لينين / كنماذج ثقافية فاعلة أنتجت عقائد وايديولوجيات وثورات في العالم .
                      وأود في هذه العجالة .. أن أقف أمام قامة ثقافية عربية في العصر الحديث لم تأخذ حقها من العرض والدراسة والبحث . المفكر والمثقف والسياسي الجزائري / مالك بن نبي / المتوفي عام 1973 ..
                      ان ماتستوقف المرء هي الأهمية الكبرى والشاملة لفكر وفعل / مالك بن نبي / والتي أبانها وتبناها الدكتور / محمد الفنيش / في محاضرته بمقر " مركز الحوار العربي " في واشنطن ، ونقاطها الأساسية :
                      1- ان مالك بن نبي رائد أصيل وصاحب منهج ونظرية فلسفية في " الحضارة " تتعدى أهمية فكره وعبقريته حدود العالم العربي والإسلامي .
                      2- مالك ليس كاتبآ محترفآ .. بل هو " صاحب قضية " التفكير والكتابة بالنسبة له كانا سلاحه في المعركة . فهو إبن المستعمرات الذي أثقلت مأساة المستعمرين كاهله . وهو العربي المسلم الذي هالته فداحة إنحطاط أمته وإستقالة حضارتها من التاريخ . هو صاحب قضية تهز المأساة الإنسانية أعماقه ، ليس مشغولآ بترف عقلي زائد . لقد قدم فكرآ يرتبط بمنهج يتصل بعمق المأساة الإنسانية وصميم المشاكل الإجتماعية .
                      3- في أغلب حياته التي عاشها في أوروبا ، كان دارسآ للحالة الغربية بعين الناقد الذي يعرف محاسنها ، ويكشف مساوئها .
                      4- جمع بن نبي إلى جانب صرامة العقل المنهجي المولع بتحليل الظاهرة الإجتماعية ، دقة المهندس ، والنفس الطويل للمؤرخ ، وشفافية روح المؤمن ، وتفاني الداعية الذي كرس حياته لقضية لايحيد عنها . وهذا مزيج لا يتيسر بسهولة لكل مثقف .
                      لقد كانت نقطة الإرتكاز الأساسية لديه ، هي : ( مشكلة الحضارة والدورة الحضارية ) . فقد أبرز / بن نبي / مشكلة العالم المتخلف بإعتبارها قضية "حضارة" أولآ وقبل كل شيئ .
                      لقد نجحت بلاد أخرى بدأت بوادر " حركة النهضة " فيها بعد منطقتنا ، لأنها إتخذت موقفآ مختلفآ في مواجهة مشكلاتها . لقد وقف العالم الإسلامي من الحضارة الغربية ، موقف "الزبون" الذي يشتري منتجات هذه الحضارة ويكدسها . فأنشأ بذلك مايمكن لهذا التكويم أن يسمى ( حضارة شيئية ) نتجت عن تكويم منتجات حضارات أخرى في كل المجالات . وفي هذا فقد سرنا عكس المنطق . فالحضارة :[ تلد منتجاتها وليس العكس ] .

                      =======================
                      فائز البرازي
                      4/6/2009

                      تعليق

                      • فائز البرازي
                        عامل مثقف
                        • 27-10-2009
                        • 95

                        #12
                        أزمة المثقف العربي -3-

                        أزمة المثقف العربي . 3/6
                        ===============
                        دور المثقف :
                        =========

                        ان دور المثقف ووظيفته في المجتمع ليست إستعلائية هامشية ، بل هي " وظيفة حضورية " بما يستتبع ذلك من دور بالإنفتاح على المجتمع وجماهيره ، والتفاعل مع قضايا الوطن الداخلية والخارجية . وهذا الإنفتاح والتعايش مع الجماهير هو الذي يلغي الحواجز بينهما ، ويعطي علاقة ثابتة ومستمرة وتفاعلية معهم . فتجعل منه إنسانآ مثقفآ صادقآ مع نفسه ومع مجتمعه . فيدرك ويمارس الدور الملقى على عاتقه ، بغرس بذور الثقة والتفاعل الإيجابي بينه وبين مجتمعه ومحيطه .
                        وعلى المثقف العربي أن يمارس نشاطه ووظيفته عبر نشاطه النظري والعلمي لإنجاز التطلعات المعرفية والثقافية ، من أجل إيجاد الإبداع الحقيقي في نظرته وفي دوره وفي ممارسته . وإن كان هذا لايمكن إعتباره تعميمآ شاملآ ليتطلب من المثقف ان يجيب عن كل الأسئلة المنتجة من الواقع ، أو ان يحل كل الإشكاليات والمعطيات القائمة .
                        إن وظيفته وعلى قدر طاقاته ، هي الإنطلاق والسعي نحو الإبداع في محاولات جادة لكشف القضايا والإشكاليات ، والبحث العميق الواعي في مضامينها الجوهرية من اسباب ونتائج متولدة. كما عليه تحفيز المجتمع / الناس على التفكير بها بما يوصل إلى وضع هذه الإشكاليات موضع النقد الموضوعي الجدي البناء ، وليس الهروب والتقوقع والمعايشة لها من فوق . فإبداعه وعطاؤه مرتبط بشكل أساسي بالدور / الوظيفة الواجب عليه اداؤها ، والمرتبط بالواقع الذي يعيشه ويتعايش معه ، وبالظروف والمعطيات الموجودة والمحيطة .
                        فإن لم تكن هناك أي رابطة فكرية أو ثقافية تربطه بمجتمعه وواقعه ، فإنه لن يتمكن من العطاء ولامن إنجاز الدور الإبداعي . إذ أن المرتكز الأساس للعطاء والإبداع هو بتوافر " التفاعل الخلاق " بينه وبين محيطه ومجتمعه ومعطياته . وبذلك التفاعل الخلاق سينتج الحلول والمعالجات التي تنسجم مع المحيط ومع تلك البرهة التاريخية ، وبشكل لايؤدي إلى ألإستسلام والخنوع للمعوقات المواجهة .
                        اننا نستطيع من إستقراء التاريخ والحاضر أن نرتكن إلى مقولة تعبر عن هذا الرأي والفعل والنتيجة ، بأن :
                        ( حيوية المثقف وفاعليته وعطاؤه ، مرهونين بالإرتباط وبتوسيع القاعدة الإجتماعية الجماهيرية . وأن مقتلها الحقيقي هو في خنقها ضمن إطار نخبوي ضيق ) - قول الأستاذ محمد محفوظ - .
                        والمثقف بإعتباره عامل فاعل ، وعامل جدلي في الثقافة التي يفترض أن تلعب دورآ أساسيآ في خلق الوعي الفاعل والنقدي ، لايمكن له الإرتكان إلى ( اليقين ) .. ولا يحق له أن يبقي دوره محصورآ في الحلم . بل لابد له من أن يطمح ويفعل تطلعآ إلى إحداث التغيير ، وأن يراهن على "المستقبل " أكثر مما يعيش " الحاضر " ، وأن لايكون صدى يتعايش فيه مع المؤسسات السياسية أحزابآ أو أنظمة ، حتى مع وجود إشكالية في الدور وفي العلاقة بين الثقافة ، وبين السياسة ، مع الإقرار بأنهما يعيشان علاقة جدلية من الصعب التمييز والفصل بينهما . وهذه الإشكالية لاتزال سائدة ومهيمنة ومانعة لضرورة تبيان وتحديد العلاقة الغير واضحة حتى الآن ، والتي لابد أن تتحدد وتُوضَح .
                        لقد وصف المفكر والكاتب / عبد الرحمن منيف / دور المثقف ، بأنه دور ( شاعر القبيلة ) ، حاضآ المثقفين على ضرورة التخلص من هذا الدور الماضوي .
                        إن توصيفه هذا ينطلق أساسآ من قناعته عن عدم وجود " دولة عربية معاصرة " . فهي أقرب إلى حالة البداوة منها إلى حالة الدولة الحديثة ، بما تحمله معها وفي داخلها من صفة ( القبيلة ) وهي تشيّد ، وهي تتعامل ، وهي تصالح ، وهي تحارب .
                        وتحصيلآ .. فالشاعر / المثقف الذي كان رمز القبيلة والمدافع عن امجادها والمهاجم لخصومها .. قام بنفسه ، وطُلب منه اليوم ، مع إستمرارية الدور القبلي بأن يواصل المهمة والدور ذاته .
                        وان أهم مايمكن إضافته ، وقد نمّي ونما وتزايد بشكل كبير ، عنصران : المال / الرشوة ، والقمع .. وهما مستمران يتحكمان في دور المثقف ومواقفه ورؤاه وأفعاله ، لضمان إستمرارية مظاهر التخريب الخارجي والداخلي بالترويج للثقافة الأخرى ، وللثقافة الإستهلاكية السهلة والملفقة ، ومحاربة الثقافة الجادة الواعية والفاعلة كأداة من أدوات التغيير والتطور .

                        من هنا لابد من مراجعة جادة وفاعلة ونقدية لدور المثقف في المجتمع وفي السلطة وفي التنوير والتحديث ، منعآ لبقاء ذلك الإنشقاق ، وتلك الإزدواجية النابعة من عدم إنكار معظم المثقفين بأن:
                        [ الصلاة وراء " علي " أثوب .. وأن الأكل على مائدة " معاوية " أدسم .

                        ====================
                        فائز البرازي
                        8/6/2009

                        تعليق

                        • فائز البرازي
                          عامل مثقف
                          • 27-10-2009
                          • 95

                          #13
                          أزمة المثقف العربي-4-

                          أزمات المثقف العربي " الذاتية " – 4/6
                          ========================

                          أزمات المثقف العربي لايمكن أن تنفصل عن ذاته وعن علاقاته المتشابكة والمتداخلة مع الحياة بشكل عام وبكل ما حوله . أي أنه مرآة تستقبل الواقع والمعرفة ، ثم ترسله مترجمآ قولآ وفعلآ وعملآ .
                          وهنا اتوجه بداية لتحديد ( علاقة المثقف مع نفسه ) بما تُظهر من إشكاليات . فعلاقة الإنسان بالعموم مع نفسه واضحة ومحددة في الظاهر ، لكن هذا يخفي الكثير وراءه وبداخله .
                          فالحوار الذي يقيمه المثقف مع ذاته ، قد يكون أكثر بكثير من حواره مع الآخر . أي أن هناك قدرآ كبيرآ من الأفكار والآراء التي تظهر وهي نتيجة لهذا الحوار الداخلي قد تصل إلى خلاف وإختلاف ضمني مع الذات ، وبموضوعية نستطيع أن نعدها علاقة إيجابية مساهمة في عملية توليد وإستيلاد الأفكار وتطورها . بينما تبقى الإشكالية بنتاجها السلبي هي في نظرة المثقف لنفسه ، وإنعكاس هذه النظرة على ما حوله .
                          من ذلك نجد بالصورة العامة ، أن المثقف / المثقفين في كثير منهم يتنازعهم توجهان متناقضان تمامآ :
                          الأول - : هو الإحساس الذاتي " بالدونية " .
                          الثاني- : هو الإحساس الذاتي " بالفوقية " .
                          فإحساس المثقف " بالدونية " يؤدي به إلى ( جلد الذات ) ، ويشعره دائمآ باللافائدة ، وبأنه حتى عالة على مجتمعه . وبالواقع فإن هذا الإحساس يتولد ويتكرس كناتج عن : الذات .. وعن عوامل سياسية وإقتصادية وإجتماعية تؤثر فيه وتهمش دوره وعطاؤه ، فينسحب ويلجأ إلى أحلامه ورؤاه الذاتية الخاصة ، رافضآ – لمجرد الرفض – كل ماحوله .
                          وإحساس المثقف " بالفوقية " والإستعلاء ، يجعله هذا الإحساس يبتعد عن واقعه وعالمه الحقيقي ، ويوصله إلى أفكار ومفاهيم معقدة ، وأحيانآ غير مفهومة من أجل " تمييز ذاته " ، فتزيد الفجوة كثيرآ بين المثقف وبين القطاع الكبير والعريض من الجماهير .
                          إن الضرورة الموضوعية يجب أن تدفع المثقف لمعرفة ذاته بوضوح تام وصدق ، بما هو قناعة وتطلع إلى منظومة من القيم التي تحدد علاقته الذاتية بالوجود ، وعلاقته بالآخر . وهذا هو المنطلق للمثقف ولدوره في تغيير معطيات الواقع إلى الأفضل .
                          وعندما نتكلم عن ( أزمة المثقف ) ونستقرء هذا المصطلح النتائجي ، لابد أن ننبه ونوضح بأن هناك علاقة جدلية بين : " الأزمة " ، وبين " المثقف " . فعبر التاريخ ومساراته وحتى اليوم ، كان " للأزمة " الدور الرئيسي في إستيلاد " المثقف " . وكما نوهنا سابقآ في : ( ملامح المثقفين 2/6 ) فإن : سقراط ، وأفلاطون ، وارسطو ، كانوا " ناتج أزمة " هي الصراعات بين المدن الإغريقية . وكذلك فإن : الغزالي ، وإبن رشد ، وإبن تيمية ، وإبن القيم وغيرهم ، كانوا نتاج وإفراز " محنهم " و " أزماتهم " ، وتعبير عن الأزمات التاريخية : الإجتماعية والسياسية والفكرية التي كانت تمر بها الحضارة العربية الإسلامية . – راجع تركي الحمد للتفصيل / الثقافة العربية في عصر العولمة / - . وكذلك فإن : كوبرنيكس ، وديكارت ، وسبينوزا ، وكانت ، وهيجل ، وماركس ، ولوك وغيرهم ، كانوا الإفراز والتعبير عن الأزمات التي عاشتها أوروبا في فترة الإنتقال من القديم إلى الحديث ، ومن التقليد والتحجر والتخلف .. إلى الحداثة والتجديد والعلم .
                          وحديثآ فقد طرح المفكر العربي / محمد عابد الجابري / تصورآ وتعبيرآ لتوصيف وتبيان أزمة المثقف العربي :
                          [ ان مفاهيم الخطاب العربي الحديث والمعاصر ، لاتعكس الواقع العربي الراهن ولا تعبر عنه . بل هي " مستعارة " في الأغلب الأعم . إما من الفكر الأوروبي حيث تدل هناك في اوروبا على واقع تحقق أو في طريق التحقق .. وإما من الفكر العربي الإسلامي " الوسيطي " حيث كان لها مضمون واقعي خاص أو يُعتقد أنها كانت كذلك بالفعل . وفي كلتا الحالتين فهي " توظف " من أجل التعبير عن واقع مأمول غير محدد . واقع ( معتم مستنسخ ) إما من هذه الصورة أو تلك . ومن هنا كان " إنقطاع العلاقة " بين الفكر ، وبين مضمونه . الأمر الذي يجعل الخطاب المعبر عنه ، خطاب " تضمين " وليس خطاب " مضمون " .. ] .
                          من ذلك نستطيع القول أن المثقف العربي المنتمي لهكذا خطاب ، ليس معبرآ عن " الأزمة " وشاهدآ عليها على المستوى التجريدي فقط .. بل انه هو ذاته ( متأزم ) وخطابه وتوجهه متأزمان .
                          وهذه " الغربة الذهنية – المفاهيمية " تنعكس إجتماعيآ وسياسيآ على مواقف وإتجاهات المثقف العربي من حيث وعيه وقراءته للأحداث ، وبالتالي على الحكم عليها .
                          واخيرآ وبكل اسف .. هناك نمط من المثقفين والنخب حين تعجز عن العطاء والإبداع ، فإنها تلجأ إلى ممارسة الشذوذ الفكري والسياسي كي تتميز وتظهر ، طارحة نفسها كإشكالية مصطنعة مزورة وضارة .
                          ================
                          فائز البرازي
                          12/6/2009

                          تعليق

                          • فائز البرازي
                            عامل مثقف
                            • 27-10-2009
                            • 95

                            #14
                            أزمة المثقف العربي -5-

                            أزمات المثقف العربي " الموضوعية " – 5/6
                            ===========================
                            ان من الإنصاف والموضوعية التأكيد أن من الأسباب الأولى لأزمات المثقف العربي ، أنه يعيش في معظم الأحوال ضمن بيئة ليست حاضنة لقيم " النقد والإختلاف " . مع وجود واضح أيضآ "لأزمة الحرية " وغيابها في المجتمع العربي ، ولدى أنظمته الحاكمة . كما أن من تلك الأسباب فقدان البنى الحقيقية لمؤسسات المجتمع المدني التي يمكنها إشاعة ممارسات ديمقراطية بناءة تتيح تكافؤ الفرص ، ومشاركة الجماهير في الحراك الإجتماعي والثقافي والسياسي .
                            وإذا كانت المجتمعات ، والأنظمة العربية الحاكمة قد تخلت عن واجبها تجاه المثقف ، وتحاول تقييده وحصاره ، فهل من الموضوعية أن يتخلى المثقف عن واجبه إزاء المجتمع ومؤسساته ، وينسحب من المشاركة في الفعل الثقافي ، وفي تفعيل الوعي ودفع الحراك الحياتي الفكري ؟ .
                            وإن كان لايمكن إنكار دور المجتمع والسلطة في التنكر للمثقف ، فإن هذا الموقف قد ينعكس عليه سلبآ فيخلق عند بعض المثقفين مسارين متضادين تمامآ ، إلا أنهما بالفعل ليسا إلا "وجهين" لحقيقة واحدة .
                            فالمسار الأول : - تمثله تلك الحالة من التماهي الفكري والروحي مع " النموذج الغربي " الذي يبدو النموذج النقيض و " الملاذ المغري " للمثقف العربي المحبط .
                            والمسار الثاني : - يمثله " النموذج المتطرف " الذي يمثل رد فعل آخر لما يواجهه من إقصاء وتهميش ، والذي يتخلق ضمن رؤى وإتجاهات رافضة متزمته تفرز أشكالآ من التطرف عديدة ومتنوعة . ويعبر عن ذاته بملامح الإبتعاد عن الواقع ، متخمآ باليأس والإحباط والقطيعة .
                            ومما لاشك فيه أن كلا المسارين لن يصبّا إلا في مصلحة أعداء المجتمع والأمة .
                            إن هذه الإشكالية .. إشكالية العلاقة بين المثقف والمجتمع / الجماهير ، والذين هم بشكل ودرجة ما مثقفون ، هذه الإشكالية والعلاقة بين بعضهم تكون أغلب الأحيان متميزة بحالة من الإضطراب وعدم التوافق . وهذه الحالة من التحديات التي تواجه المثقف وتساهم في أزماته .
                            وإن كان على المثقفين أن ينزلوا إلى هؤلاء الجماهير .. بقدر ماعلى الجماهير أن يرتقوا إليهم ، لكن الحاصل أن هؤلاء وهؤلاء قد إنتابهم نوع من الكسل وبرود الهمة ، وإكتفى كل منهم بموقعه معجبآ ومرتاحآ فيه . وبذلك تظل الهوة بينهم قائمة بل وتتسع .
                            كما ان الحالة الثقافية المأزومة والمسورة والموصفة ( بالنخبوية ) ، تدور في الإطار الضيق الذي لايضم سوى " النخبة " . فيعتقد بعض المثقفين أن أفكارهم وآراءهم لايتفهمها غير المثقفين أنفسهم . وهذه دائرة أزماتية أخرى من دوائر العلاقات المتشابكة التي تربط المثقف بغيره . وهي في ذات الوقت تنتج علاقة بين المثقفين أنفسهم ليست بأفضل من سابقتها . فكثير من المثقفين كل يتربص بصاحبه ويتصيد له ، ونادرآ مانجد فيهم من شكلوا نسيجآ واحدآ متجانسآ يسعى إلى صياغة مشتركة ومتكاملة لمشروع ثقافي متكامل أو حتى متقارب .
                            ومن ناحية اخرى .. يرى المفكر العربي / عبد الله العروي / ..
                            [ ان المثقفين يفكرون حسب منطقين : القسم الأكبر منهم حسب الفكر التقليدي السلفي . والقسم الباقي حسب الفكر الإنتقائي . وأن الإتجاهين يوصلان إلى :" حذف ونفي العمق التاريخي " ] .
                            أي : ان أغلب المثقفين العرب يميلون إلى : " السلفية " أو " الإنتقائية " . مع أن هذين الإتجاهين يخدعان المثقف ويغريانه بنوع من الحرية الذاتية ، حيث يظن أنه قد إمتلك " حرية الخيار " ، وأنه قادر على أن ينتقي من " إنتاج الغير " أحسنه وأفضله . بينما يكون الطريق الوحيد للتحرر من الإتجاهين معآ ، هو الخضوع للفكر التاريخي بكل مقوماته التي يمكن أن تتحدد :
                            · صيرورة الحقيقة .
                            · الإنسان هو صانع التاريخ .
                            · تسلسل وإرتباط الأحداث .
                            · إيجابية الحدث التاريخي .
                            · إيجابية دور المثقف والسياسي .
                            وبما ان المثقف هو وليد وإنتاج ثقافة . والثقافة تنتج عن وعي وعن سياسة ، فقد إستمرأ بعض المثقفين حالة خطيرة هي : [ الإغتراب .. والإعتراب ] .. كما سماها / العروي / .
                            إن " الإغتراب " هو التغريب أو التفرنج .. إنه إستلاب .. لكن " الإعتراب " هو إستلابآ أكبر وأخطر . إنه إستلاب حقيقي وضياع في : اللغة ، والتراث ، والتاريخ القديم . يفنى ويضيع فيه المثقف العربي بكل طواعية وإعتزاز ، ويعتبر أن الذوبان فيه هو منتهى حرية الإختيار والتعبير الصادق عن هويته الدائمة ، بعيدآ عن " الوعي التاريخي " . الوعي الذي سينير طرقنا ويجعلنا نرى أن : اللغة ، والتراث ، والتاريخ الخاص ، مواد " منفصلة " عنا ، لانستطيع أن " نتصل" بها إلا عن طريق التحليل والتركيب العقليين ، لاعن طريق الحس والمعرفة المتأرجحة . فحتى الآن لم يستوعب " الفكر العربي بمجمله " ، مكاسب العقل الحديث من : عقلانية وموضوعية وفعالية وانسية .
                            كما ان المفهوم الثاني " للإستلاب " الذي يجب محاربته ، هو عدم الوعي بأن : ( الإنسان هو الذي يصنع التاريخ ) بكل مافيه من بناء وبنيان وحضارة وأحداث ونظم سياسية وسلطوية وجيش وقوانين . الإنسان هو الذي صنعها وإخترعها ، وبالتالي فإنه سيبقى في معظم الأحيان (سجينآ لها ) ، منقادآ لها .. أو في حالات نادرة ، متمردآ عليها بدون أن يملك أو يقدم البديل مهما سميناه .
                            وهذا هو ما يعبر عنه / فيورباخ / أو / هيجل / بإصطلاح ( الفنومنولوجيا ) .. = كتعبير فلسفي عن جميع أشكال الوعي الإنساني من سياسة وأخلاق وعلم وتاريخ ودين وأدب وفن وفلسفة . كحصيد تفكير في تاريخ الإنسانية كلها = ..
                            ويضاف إلى كل هذا .. " مفهوم التشيؤ " في ميدان الإقتصاد " السلعي " الذي نتج عنه النظام الرأسمالي ، فيكون إستلابآ مرتبطآ بهذا النظام .
                            وأيضآ .. " مفهوم الوعي الخاطئ " الذي ينغمس فيه المثقف بطريقة ايديولوجية منغلقة لفائدة نظرية ، أو لمصلحة طبقة واحدة بحد ذاتها / مجزءآ المجتمع إلى طبقات وشرائح " متصارعة عدائية " ، منحازآ بإنغلاق وتحجر إلى فئة ضد ( الكتلة المجتمعية التاريخية ) ..
                            واخيرآ .. فإن هذا المثقف العربي : المظلوم ، والظالم ، لم يستطيع حتى الآن وخلال قرون ، من أن يخرج عن قيوده التاريخية ، والفكرية ، والعقلية ، والمجتمعية .. من " عباءة أبيه " ، من أزماته الذاتية والموضوعية ، حتى يتسنى له أن يؤدي وظيفته ودوره بكل وعي وعقلانية وتحررية من تلك الأزمات .

                            ===================
                            فائز البرازي
                            15/6/2009

                            تعليق

                            • فائز البرازي
                              عامل مثقف
                              • 27-10-2009
                              • 95

                              #15
                              أزمة المثقف العربي -6-

                              أزمات المثقف العربي – 6/6
                              علاقته بالمجتمع والسياسة
                              =================
                              من المؤكد أن الوضع المأزوم في علاقة المثقف العربي : بنفسه ، وبالمثقفين الآخرين ، وبالجماهير ، وبالثقافات الأخرى ، ماهو إلا إنعكاس ( لوضع إجتماعي وسياسي مأزوم ) ..
                              وهذا يوصلنا إلى ملامسة " علاقة المثقف بالسلطة " وصانع القرار .. أي : علاقة ( المثقف ) .. ( بالسياسي) ، والذي هو ضمنآ ( السلطة ) .
                              وعندما نقول أن الثقافة ليست مجرد نتاج فكري ، ولا مجرد أفكار متداولة ، فهذا يعني التأكيد على السيرورات العميقة التي تنشأ الثقافة بها ومن خلالها . وهي سيرورات رمزية ومعمارية وعقلية أكبر من مجرد النشاط العقلي الهادف ، وأكثر من النشاط العقلي المنظم . فهي :
                              [ تشكل ضمن النسق الإجتماعي ، نسقآ فرعيآ متميزآ و " مستقلآ بتفاعل " مع بقية الأنساق الأخرى ويتطور معها وبها ، يقوم في إطار إعادة إنتاج الإجتماع البشري كإجتماع مدني ] = برهان غليون = .
                              والأصل في المجتمع .. أنه يكوّن كلآ واحدآ لاتنفصل فيه " الثقافة " عن " السياسة " عن " الإقتصاد " . فهو النتيجة للتفاعل المتبادل بين مختلف هذه النشاطات والفعاليات : الروحية ، والعقلية ، والسياسية ، والإنتاجية . وإن إعترفنا بأن الثقافة وميدانها ، يختلف عن السياسة وميدانها ، ويختلف عن الإقتصاد وميدانه أيضآ .. إلا أن هذا " الإختلاف " لايعني " القطيعة " ، بقدر ما يعني تعدد آليات ونظم التوازن الإجتماعي بما يحقق نسق إجتماعي مستقر .
                              وعندما نتكلم عن المثقف العربي ، وعن السياسي العربي ، فلابد من وضع هذا التوجه ضمن إطار واضح ومحدد معبر ، يتمثل بكلمة : ( الوطني ) .. و " الثقافة الوطنية " هي مجموعة من الأفكار والقيم والصيغ والتعبيرات التي لايجب أن ( تقتصر على الكتابة والنصوص ) ، إنما يجب أن تشمل أيضآ " المعايير القيمية والسلوكية " التي تُعتمد وتُوجه ، مضافآ إليها الطاقات والنشاطات التي نمارسها " تعبيرآ عن موقف " ، أو تحديدآ لعلاقة بيننا ، أو مع الآخر . أي : بمقدار ماهي في مكونها " فكرآ " ، فهي " ممارسة " أيضآ .
                              وبكونها ( وطنية ) أي أنها " مقاومة " للظلم أيآ كان مصدره ، مدافعة عن الأرض والكرامة الوطنية تجاه أي قوة خارجية غازية عسكريآ أو سياسيآ أو ثقافيآ . وهي تعبير عن الحق في الوطن والحرية ، ومسؤولة عن الدفاع عن الوطن والحرية .
                              إن العلاقة بين : الثقافة / المثقف ، وبين السياسة / السياسي ، لاتظهر سلبياتها في الأغلب الأعم في فترات النهوض والتقدم ، بل تظهر أكثر في فترات التراجع والإنهيارات ، الأمر الذي يدفع لظهور بعض القناعات الخاطئة والمغرية ، كحل لهذه الإشكالية . ولا بد هنا من التوضيح بأن : " العمل السياسي " له منطلق وآليات ومتطلبات تجعله مختلفآ عن " العمل الثقافي " ، كما أنه يتصرف وخاصة في وطننا العربي وبكل المراحل التي مررنا بها .. بالبدائية ، والغوغائية في كثير من الأحيان ، إضافة إلى أنه قد يخضع في أغلب الأوقات " لإعتبارات آنية مؤقتة"، وإلى رغبته وتوجيهه في إخضاع كل النشاطات والمواقف لخدمة حاجاته اليومية المؤقتة . لذلك ينشأ من هذا تناقضات ناتجة عن إختلاف النظرة ، أو عن عدم تحديد طبيعة العلاقة والدور الذي يمكن أن يلعبه كل من المثقف والسياسي .
                              ومن المؤكد أن هناك ( علاقة جدلية ) بين المثقف وبين السياسي . إذ لايمكن أن تكون هناك سياسة بدون ثقافة . كما إن لم تتبن الثقافة دور ووظيفة تدعم فيها السياسة ، وتكون تجسيدآ يتبناه السياسي في عمله وممارساته .. لايعود للثقافة من معنى أو تأثير . فهما دوران مختلفان في وظائفهما ، إلا أنهما ( متكاملان ) في المضمون الهادف لخدمة المجتمع وتطوره وبنائيته . إذ ان العلاقة بين الثقافة والسياسة هي علاقة إختراقية تخترق كل منهما الأخرى وتؤثر بها .
                              فإنفتاح المثقف بوعي وإلتزام على ذاته وعلى مجتمعه ، وبالتالي على المجال السياسي .. الفاعل والممارس ، وإنتباه السياسي وأخذه بوعي وإنفتاح على الثقافي ، لابد أن ينتُج عن تلك العلاقة الجدلية متغيرات منتجة وفاعلة " أكثر صحة " ، قد تؤدي إلى تعديل السياسي بإنفتاحه هذا على الثقافة ، تصويب وتصحيح فكره السياسي ، وتوفر خلق إمكانيات جديدة تساعده على تصويب ممارساته وأنماط تفكيره وقراراته . فهذه العلاقة هي علاقة تبادل وعطاء وتفاعل ، لابد أن تؤدي عند إنتهاجها بإنفتاح وموضوعية وعقلانية ، إلى تغيير أو خلق أو تطوير لسياسة الفكر ، وتسهم في تغيير وتطوير الواقع الفكري ، والواقع السياسي ، وتعود بنتائج إيجابية وصحّية على المجتمع..الوطن والمواطن .
                              وأخيرآ .. فإنه لايمكن هنا عزل ما سبق ، عن الأزمات الثقافية والأيديولوجية وتوالدها في العالم . فالزمن الجديد ومعطياته : السياسية والإقتصادية قد أنتج ( ظاهرة العولمة ) التي تطغى في مسارها على جميع مناحي ومفاصل الحياة ، ومنها على ( الثقافة ) .. ونستطيع ملاحظة أن معظم المفكرين والباحثين والمحللين في ملامستهم للعولمة،إعتبروا ( الثقافة ) المتأثر الأكبر بتلك العملية التاريخية الطويلة والمعقدة ، والتي يتشابك فيها : السياسي والإجتماعي والإقتصادي . مما أوصل هذا السياق إلى وضع " الثقافة " كرديف وممثل ( للهوية ) والمدافع الأصيل عنها أمام هجوم ( العولمة ) والذي سيقضي على الثقافات الأضعف ، ويفتت رويدآ رويدآ مكوناتها المختلفة بدءآ من : معتقداتها الأساسية ورؤيتها للعالم ، وصولآ إلى الأساليب الحياتية مثل : المأكل والملبس والمسكن والعادات والعلاقات الإجتماعية . وهذا يعني أننا أمام ( منظومة متكاملة ) تبحث عن المغاير / المختلف ، لتعرّف نفسها من خلال : " الأنا " و " الآخر " .
                              وهنا تبرز للمثقف وظيفة ومهمة جديدة تتمثل بمسار خطين يجب أن يكون قادرآ على الموازنة بينهما بدون : إفراط أو تفريط .. فالتأثير العولمي على الثقافة تحديدآ لايمكن نكرانه أو غض الطرف عنه أو تجاهله ، فهو فارض نفسه شئنا أم أبينا . ومن هنا يأتي دور المثقفين والمتنورين بضرورة التعامل مع العولمة بمنطق عقلاني يحجب تأثيراتها السيئة على ثقافتنا ومجتمعاتنا وهوياتنا ، ويحيد أو حتى يجير إيجابياتها التي يجب أن تترجم إلى خصوصيات لنا ، بإدارة صراع حضاري معها وتجنب الصدام القسري معها . إن هذا ولا شك سيدفع أكثر إلى تأكيد إنفتاح موضوعي لهويتنا التي يجب أن تطور مضامينها من خلال عوامل ( الثابت .. والمتغير ) ، وإلا تحولت هويتنا / هوياتنا نتيجة التقوقع والتحجر ، إلى مرحلة صدام تفرز من خلاله هويات قاتلة .
                              كما أن هناك مفهومين قد إختلطا ببعضهما عند بعض المثقفين العرب ، وهما مفهوم ومضمون ( الحداثة ) و (العولمة ) .. مع ان هذا " الخلط " غير موضوعي خاصة إذا أحلنا كل تعبير إلى فلسفته وتاريخيته .
                              ففلسفة العولمة تقوم على محاولة القطيعة وإلغاء كل الخصوصيات المرتبطة بشعوب العالم في جميع مناحيها ومضامينها ، وتحاول الوصول إلى : عالم واحد ، وشعب واحد ، وأساليب حياة واحدة ، أنماط تفكير واحدة ، مرجعية واحدة – الهيكلية التبعية العامة - .
                              أما " فلسفة الحداثة " فهي مستمرة ومتراكمة لاتحمل القطيعة مع ما قبلها ، بل تسعى إلى تطوير وتجديد الرؤى : الإجتماعية والسياسية والفكرية والإقتصادية والبنائية على طريق التطوير والتجديد . إنها " عملية مستمرة " منذ نشوء المجتمعات ، ومطروحة بشكل دائم وفق تراكمات غير قابلة " للقطيعة " المعرفية مع جميع مراحل تراكمها الإنساني التاريخي الواعي .
                              وبرأيي .. أن كل مايقال عن : ماقبل الحداثة – الحداثة – مابعد الحداثة ، هو تزوير فلسفي ينحو لتحقيق أغراض مختلفة خارجة عن المضمون الحقيقي لمصطلح ومضمون ( الحداثة ) .. التجديد والتطوير والتحديث الدائمين . وبكل بساطة وإيجاز لايخلان بمضمون الفكرة والنتيجة .. وطالما هناك إتفاق أن المراحل العليا للمثقف لابد أن توصل إلى مرحلة ( الإبداع ) .. فإنه يمكن أن نفهم دور المثقف من خلال إبداعه – والإبداع في أهم مناحيه ، تصورات وأطروحات تتجاوز الواقع القائم – أنه ينحو دائمآ إلى ( الحداثة ) والتحديث والتطوير ، حتى لو كانت تلك الأطروحات متجاوزة للإدراك والتقبل المعاش في زمان ما ، ومكان ما ، ومعطيات محيطة ، وبما يمكن أن يطرح هذا الإبداع من : رؤى جديدة ، ووعي أوسع وأعمق ، وحلول مبتكرة للمشكلات والإشكاليات التي تعيشها مجتمعاتنا .
                              وأخيرآ .. ومع ظهور ظاهرة " التشكيك بأهلية المثقفين " في إمكانياتهم لرفد حركة التغيير التاريخية بأي قيمة إيجابية ، هذه الظاهرة الآنية ومع إرتباطها بظروفها الذاتية والمحيطة ، قد تكون مفهومة في الواقع الداخلي بسبب بعض الإستقالات ، وضعف التفاعل الجماهيري ، وأزمات المثقفين ، إلا أنها ( مرفوضة كليآ ) بمنطلقها التشكيكي والدعوة إلى التخلي عن ثقافتنا وهويتنا العربية ، و القبول بالإستلاب .. عن تحرير الثقافة العربية من "هيمنة" الروافد الخارجية الأجنبية ، يجب أن يترافق مع " عدم المغالاة " في رفع جدران الحمايات الذاتية .

                              ======================
                              فائز البرازي
                              24/6/2009

                              تعليق

                              يعمل...
                              X