كان سقوطها مدويا ،وهي التي ظلت كشجرة عالية تكابر وتعاند ،حتى أضحت مستعصية تماما على كل المتسلقين نحو ثمارها،لكنها اليوم ، تهاوت وترّنحت وهي تسقط بضربة منشار غادر، قطع أوصالها فانبطحت أرضا ليقطع الحطاب أغصانها الغضة بفأس لا تعرف الرحمة، صدى ضرباتها يخترق الغابة ناشرا ظلال الرعب بين الأشجار،فبكت الغابة بصمت أما صغار العصافير من أصدقاء الشجرة فقد أعلنوا الحداد وانزووا في ركن قصي يتابعون الحدث بألم..
سمراء مشربة بلون فضي دافئ ،ووجه طفولي في استدارة القمر ،جمالها الآسر وأخلاقها العريقة يحيطانها بسياج من الاحترام يصعب اجتياحه ،تستند في تقديرها للأمور إلى فلسفة خاصة هي نسق من الممنوعات المترابطة بشكل غريب....
كذلك كانت ولم تبق..
ارتشفت مرارة قهوتها بعصبية،وفتحت عيناها على اتساعهما وحدقت مليا في نظرات عينيه الهاربتين ثم قامت من مقعدها ،تأبطت حقيبتها اليدوية أحكمت خنق أنفاس هاتفها المحمول، وبعصبية واضحة قالت له:
ــ أوكــــــي
وانصرفت وتركته يشرب دخان سيجارته بنهم وحيرة.
في طريقها إلى البيت أحست بدوار يجتاح رأسها ويفقدها القدرة على تمييز الأشياء والأمكنة من حولها، ،فبالرغم من الأضواء المتناثرة على جنبات الشارع ،فهي لا ترى شيئا من نافذة سيارة الأجرة ،لأن الأنوار المنبعثة من الخارج لا تقوى على مواجهة أمواج الظلام الذي اكتسح دواخلها، شيء ما تكسر في داخلها، دمر تماما؟ أهوّ السياج الذي قضت كل أيام حياتها في بنائه؟
أم أن ثقتها في نفسها قد انهارت ؟ كيف ستواجه صديقاتها بهذا المستجد المقيت؟ وهي التي ظلت تتفرج من عليائها عليهن وهن يتساقطن واحدة تلوى الأخرى في قصص حب تافهة كما كان يحلو لها أن تقول؟
سيمضي وقت طويل لكي تنساه إن قدر لها أن تفعل..
سيمضي وقت طويل لكي تسترجع هالة الطهر والعفة التي رافقتها زمنا طويلا.
في لحظة واحدة انهارت حصون الرمال التي بنتها على شاطئ حب عابر، لن تنسى أبدا كيف كان ينظر إليها وهي تغادر مائدته في مقهى فلورنس على الشارع الغربي للمدينة،كانت نظراته تمعن في احتقارها ،فهو لم يكلف نفسه فعل أي شيء لثنيها عن الرحيل،مضى كمارد ينفث دخانه في الفضاء دون اكتراث،تخلى عنها بسهولة كما يتخلى يوميا عن علب سجائره الفارغة.........
لكن سيمضي وقت طويل لكي تنساه إن قدر لها أن تفعل ذات يوم...
هو الآن في غرفة عملياته،تناول عشاءه بنهم على غير عادته يشعر بتمام الزهو لكونه قد أسقط الشجرة بعنف،بعد طول معارك طاحنة ،أضافها إلى قائمة ضحاياه الطويلة ،
فخرعا رم يحسه وهو يستعيد ذكرى سقوطها بالصوت والصورة وألوانها العذبة...
فخرعا رم يحسه وهو يستعيد ذكرى سقوطها بالصوت والصورة وألوانها العذبة...
هي ذي بين أحضانه ،يتملى تضاريس جسدها الغض بتلاله الندية وسهوله الدافئة ،وأخاديده العميقة الرطبة....هاهو يتسلق جذعها جذلانا ، يقترب من عنقها الفارع، يلفحه طيب أنفاسها فيزداد هياجا وشبقا،وحين يدنو من ثغرها يحس بفيض من الدموع ينسكب من مقلتيها...تعمّد ألا يسألها وواصل اغتصابه بوحشية ذئب جائع....
يواصل اجترار الصور بلهفة ليتأكد من أن الوصال قد تمّ بالفعل..يشعل سيجارة ويسكب كأس ويسكي ..فتندلق في جوفه باردة ..ثم كأس ثانية وثالثة وتتوهج الخمر في عروقه، وتنهار كل السدود والحواجز، وتسقط كل الأقنعة الزائفة ويبدو أمام نفسه عاريا تماما...ودّ لحظتها لو خرج إلى الشارع ليرى الناس وضاعته وخسته...وأخذت عواصف الندم تهب عليه بقوة..
يواصل اجترار الصور بلهفة ليتأكد من أن الوصال قد تمّ بالفعل..يشعل سيجارة ويسكب كأس ويسكي ..فتندلق في جوفه باردة ..ثم كأس ثانية وثالثة وتتوهج الخمر في عروقه، وتنهار كل السدود والحواجز، وتسقط كل الأقنعة الزائفة ويبدو أمام نفسه عاريا تماما...ودّ لحظتها لو خرج إلى الشارع ليرى الناس وضاعته وخسته...وأخذت عواصف الندم تهب عليه بقوة..
غيّر مجلسه هروبا من حالة لم يتعود عليها أدنى منه كل اللوازم، ومضى يشرب ويدخن،وأخذت الفجوة التي أحدثها الندم في جدار ضميره السميك تتسع ،وبدت عضلات أجفانه أكثر ارتخاء،لحظتها أحس بأن كل ما حوله يهرب من وجهه ،نفسه انفجرت وتناثرت شظاياها في سماء الحيرة والندم،
لم يعد يرى شيئا فعيناه مفتوحتان على داخله المتموج بصور ضحاياه ،وصارت كل الأشياء حوله تفرّ منه،حتى اللوحة التي علقها مقابل سريره،تنكّرت له ألوانها الساحرة، ينظر إليها فتظل تبتعد... تبتعد إلى أن تتوارى تماما ،خلف ضباب الحيرة والندم.
وفي صمت الليل ووهج السكر في عروقه قرر تشكيل محكمة ذاتية لمحاكمة نفسه ،استدعى بقايا ذاكرته المخمورة على عجل ،ومضى يستخرج ملفات القضايا ،انتصب أمامه صف من الغيد الجميلات سلمى ورانيا وغادة وإيمان وأميمة و..و...صف طويل يبدأ من سنوات المراهقة وينتهي هنا حيث هاجم الشيب شعره ولم يتجاوز عقده الرابع بعد...
حاول لملمة ماتبقّى له من مقدرة على الإنتباه وهو يتملّى وجه سلمى التي تركته واجما مساء اليوم في المقهى ، كان وجها يقطر حزنا ،نظراتها إليه تكرس ندمه وتدفع به إلى نهاياته..
هروبا التفت إلى أميمة: وجه مزدان بلون أشعة الغروب، رأى ضفيرتها الشقراء الناعمة تنام بهدوء على جبينها، وحين التقت عيناه بزرقة الموج الهائج في عينيها،أومض السؤال بينهما كبرق صاعق ، وبين ثنايا أضلعه اضطرب قلبه ،وغرس عينيه في الأرض ، وهو يسمعها تقول بصوت هادر كالشلال:
ــ لم هجرتني؟
لم يستسغ طعم السؤال ..هرع إلى الكأس يستنجد ها علّها تكتم أنفاس الأسئلة الموجعة،لكنه عبثا حاول،فهدير السؤال أقوى من كؤوس الخمر ورشفاتها المخدرة ، لم يستطع إنهاء جلسة المحاكمة انكفأ على مقعده ،والندم يعصف بوجوده،
ودموعه تنساب سخية....
كان وجه سلمى الأسمرالأكثر تألقا، يطفو على ملفات الندم كلها، وحين يدرك أن سلمى لن تعود،يزداد حريق الندم اشتعالا ،ويرتفع نحيبه في جوف الليل ،ويصيح كالمجنون:
كان وجه سلمى الأسمرالأكثر تألقا، يطفو على ملفات الندم كلها، وحين يدرك أن سلمى لن تعود،يزداد حريق الندم اشتعالا ،ويرتفع نحيبه في جوف الليل ،ويصيح كالمجنون:
ــ لن تعود سلمى..
لن تعو ودودود سلمى مى مى مى ....
الثابت العربي
المغرب
تعليق