[align=right]
كان النهار قد جاوز منتصفه بقليل عندما عدت من مدرستي في يوم ربيعي عادي، وكالعادة نزلت على مسافة من الشارع المؤدي إلى بيتنا، كنت أحب ذلك الشارع – رغم أني أراه كل يوم- ، لما فيه من حياة وحركة دءوب كخلية نحل
أتأرجح يمنة ويسرة، أسلم على هذا، وأتوقف أمام المكتبة أقرأ عناوين الكتب والمجلات الصادرة حديثا والمعلقة على حبال خلف الزجاج، ألمح (ابو حسن)- مسؤول النظافة في حينا- يجلس غير بعيد على الجهة المقابلة من الشارع، فبدأت أسير باتجاهه كي ألقى التحية عليه، كان يجلس أمام البقالة وحوله مجموعة من أصحاب الدكاكين، كان يتكلم بصوت أجش ويحرك يديه في كافة الاتجاهات،
يبدو أنه يشرح أمرا مهما ، و الحزن والوجوم ظاهران على وجهه، ويتكلم بأسى وحرقة بالغين
حسنا ، فلأنس أمرالتحية الآن، سأمر من جانبه بهدوء محاولا التقاط بعض الكلمات، ها أنا قد اقتربت وهو مازال يتكلم عن رجل أخذته الشرطة وألقته في الحجز، إنه سائق، يبدو أنه فعل فعلة قبيحة؛ كأن اصطف في مكان ممنوع، ولكن ذلك لا يدعو إلى كل هذا الحزن!
أعرضت وسرت بهدوء، رأسي في الأرض وأذنى عنده تنصت لما يقول، وما أن صرت بمحاذاته حتى توقف عن الكلام ونظر إلىّ تظاهرت بالسرحان
أحمد أحمد ! توقف!.. ونهض باتجاهي
نعم!
تعال،أريد أن أحدثك بأمر
اتجهت نحوه ونفسي تحدثني: لقد قبض علي متلبسا بجريمة عدم إلقاء التحية! حسنا سأجهز نفسي لاستقبال التوبيخ، دعاني للجلوس فدهشت! أخرجنى من دهشتي عندما أمسك بيدي وأجلسنى بجانبه، أسقط في يدي: هل سيشتكيني لوالدي؟ نظر إلىّ بحزن، نظرت إليه ، صمت قاتل في عينيه اللتين سقطت منهما دمعات على وجنتيه المغبرتين، دب الخوف في عروقي، ارتبكت معالم وجهي بانتظار ما سيقول
منير ...أخوك
( لقد فعلها ثانية! ألقى حجرا على هذا الرجل الطيب، سوف أحاسبه فور عودتي )
ماذا فعل؟ قل لي وأنا سأحاسبه
هو لم يفعل شيئا؟ لكن اذهب أنت بهدوء إلى البيت فهم يريدونك
ارتبكت تحشرجت صمتُّ وجمت دهشت لم أدر ما أقول
تحركت الى البيت بحمل ثقيل من الأفكار والهواجس لم أستطع معه السير باتزان، لا بد أن منيرا فعل أمرا عظيما
دخلت زقاق بيتنا فإذا أناس مجتمعون وقوفا في حلقات يتكلمون عن نفس السائق، وما أن أقترب منهم حتى يبدأون بالهمس ! شيء غريب ! ماذا يخفي عني هؤلاء؟ مخاوفي بدأت تكبر بسرعة لا يمكن السيطرة عليها، أعبر من الشارع إلى دخلة المنزل، أيضا أناس واقفون متحولقون! أرنو ببصري إلى المنزل، الباب الرئيسي مشرع، وكثير من الناس داخلون خارجون،
أسرعت ، عبرت الباب أتبين الأمر، رجال في الصالة جالسون، بعضهم أقرباء، ألقيت التحية بسرعة وانتشرت في المنزل أبحث وأتبين
وصلت إلى أمى وهي جالسة معصبة رأسها تبكي، بين مجموعة من النسوة، يتباكين ويحرضنها على البكاء، هن يتباكين وهي تنوح
صُدمتُ تسمّرت تجمدت، ماذا حصل؟ ماالذى يجري؟
أمى ! أمى ! أصيح بلا صوت
ألقيت بالحقيبة، قفزت من فوق الجموع وقفت بجنبها
أمى !لماذا تبكين؟ ماذا يجري
أجابت بصوت أجش مخنوق العبرات
أخوك ..منير..مات ، وغرقت في بكاء مرير
وجهي صار قطعة من جليد، قلبي كمرجل قطار بلغ سرعته القصوى بلا فرامل، شراييني بلا دماء، أعصابى خيوط ماء
كان وقع الخبر علي كصاعقة، ضربت شجرة باسقة مورقة فقسمتها نصفين وأقعدتها على الارض،
منير.. ذلك الطفل البريء ذو الخمس سنوات، كان نشيطا رشيقا كثير الحركة دائم الضحك والإضحاك، غير معقول! لم يمت ، هؤلاء يخرفون، لا يمكن!... مستحيل
استفقت من حلمي وهم يضربون وجهي ويرشون علي الماء لإيقاظي من غيبوبتي
علمت بعدها أن جرافة اقتلعته من باب منزل جيراننا، حيث فقد السائق السيطرة على المقود لأنه تتبع بنظره فتيات بدل الطريق، كان منير يقف هناك يوميا لمشاهدة الطلاب والطالبات العائدين من مدارسهم إلى بيوتهم، يتحسر على نفسه لعدم ذهابه معهم لأنه لم يبلغ سن الدراسة بعد
أيام الربيع بعد هذه الحادثة لم تعد كما كانت قبلها[/align]
تعليق